سورة غافر 040 - الدرس (15): تفسير الأيات (57 – 59)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة غافر 040 - الدرس (15): تفسير الأيات (57 – 59)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة غافر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة غافر ـ (الآية: 57 - 59)

10/12/2012 15:54:00

سورة غافر (040 )
 
الدرس (15)
 
تفسير الآيات: (57 ـ 59)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
  

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الخامس عشر من سورة غافر ، ومع الآية السابعة والخمسين ، وهي قوله تعالى:
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
 
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
 
      لهذه الآية معانٍ عدَّة ، من أبرز معانيها :
 
المعنى الأول :
 
     أن الله سبحانه وتعالى يبيِّن للناس أنكم إذا أنكرتم البعث ـ بعث الأجساد يوم القيامة لتحاسبوا على كل ما فعلته أيديكم في الدنيا ـ إذا أنكرتم البعث ، لاستحالة البعث في نظركم فهذا إنكارٌ موهوم ، لأن الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُعيد هذه الأجساد إلى ما كانت عليه ، وقادرٌ على أن يحاسبها ، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس .
       هناك قريبا من مليون مليُون مجرَّة ، وإذا كان في المجرَّة قريبا من مليون مليون نجم ، وبعض النجوم يكبُر الشمس بملايين المرَّات ، وبعض النجوم يتِّسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، ونجومٌ لا يعلم عددها إلا الله ، والكائنات في تنوُّعٍ عجيب ، ولقد قرأت قبل أيام كلمة أن هناك مائتي مليون نوع من الكائنات الحيَّة ..
 
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
       هذا هو المعنى الأول .
 
المعنى الثاني :
 
     أما المعنى الثاني : أنه إذا قلنا : إنّ الإنسان قد صنع هذا الشيء فهو إذًا صانع ، إذا وازنَّا بين صنعة الإنسان وصنعة الله عزَّ وجل فهناك فرقٌ كبير ، فالكُلية الاصطناعيَّة لها حجمٌ كبير يزيد على حجم هذه الطاولة ، والإنسان يحتاج إلى أن يبقى ثماني ساعات لينظَّف دمه في عملية غسيل من حمض البول ، ويحتاج هذا في الأسبوع مرَّتين ، يُعطَّل عن عمله ، ويدفع أجراً باهظاً ، وهذه الكلية الصناعيَّة لا ترقى إلى الطبيعيَّة إطلاقاً ، فلابدَّ من أن يبقى من حمض البول نسبة في الدم لا تستطيع الكلية الصناعيَّة أن تنقي الدم منها .
       لكن الكلية الطبيعيَّة ، وللإنسان كليتان صغيرتان تعملان بلا صوت ، فيهما طاقةٌ للتصفية تزيد عشرين ضعفاً على حاجة الإنسان ، أي أن كل كلية حجم تصفيتها عشرة أمثال حاجة الإنسان ، تعملان بلا صوت ، بلا ألم ، بلا تعطيل .
       وازن بين هذه العين وآلة التصوير ، بينهما مسافةٌ كبيرةٌ جداً ، هذه العين تلتقط الصور آناً بعد آن ، مباشرةً ، وتراها بحجمها الطبيعي ، وبألوانها الزاهية دون أن تحتاج إلى سحب الفيلم ، وطبع الفيلم ، وتحميض الفيلم ، مباشرةً بالحجم الطبيعي ، ولو أتيت بأرقى آلة تصوير لما أمكنك أن ترى هذه الألوان الدقيقة التي في وجوه الناس ، والعين البشرَّية ترى من اللون الواحد ثمانمائة ألف درجة ، أي لو درَّجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة لأدركت العين الصحيحة السليمة الفرق بين درجتين ، دقَّةٌ ما بعدها دقَّة ، وتنوُّعٌ ما بعده تنوُّع .
      يكفي أن العين البشريَّة فيها عملية المطابقة التي يعجز عن تصوُّرها الإنسان ، عدسةٌ مرنة يزداد تحدبها ، أو يزداد انبساطها ، حيث إن خيال الشيء المنظور يبقى على الشبكيَّة دائماً ، وعمليَّة المُطابقة عمليَّةٌ تأخذ بالألباب ، فلو جئت بعدسة من البلور ، ووضعت أمامها شمعة ، وضعت خلفها ورقا مقوَّى ، وحرَّكت هذه الورقة ، إلى أن ترى خيال الشمعة صغيراً ومقلوباً في مكانٍ ما من الورقة ، هذا المكان الذي يبعد عن العدسة اسمه المِحْرَق ، لو أبعدت هذه الصحيفة من الورق المقوَّى ميليمترًا لأصبح الخيال غير واضحٍ ، فكيف أن العين ترى الناس في الطريق يتحرَّكون ؟
       أحياناً تُلاحظُ العينُ الكرةَ في الملعب ، وتلاحقها حيثما اتجهت ، كيف ترى العين دائماً الأشياء بوضعٍ دقيقٍ صحيحٍ واضح ؟ والشبكيَّة بعدُها ثابت عن العدسة ، ولابدَّ أن العدسة هي التي يزداد تحدبها وانبساطها حيث يبقى الخيال على الشبكيَّة دائماً ، هذه عملية إدراكها صعب فضلاً عن إحداثها .  
      أي شيءٍ إذا أردت أن تتصوَّره ..
 
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
      الأجهزة ، السمع ، البصر ، النطق ، ولقد قرأت مرةً أنهم لو أرادوا أن يصنعوا حاسوباً أو عقلاً إلكترونياً ـ إن صحَّ التعبير ـ كعقل الإنسان لاحتاجوا إلى أكبر شارع في أكبر مدينة في العالَم ، والأبنية على الصفين كلُّها صمَّامات من أجل أن يكون هذا العقل كعقل الإنسان ، وجميع العقول التي اخترعوها عقولٌ غبيَّةٌ جداً ، لا تستطيع أن تتصرَّف إلا بحسب ما لقَّمتها .
      إذاً : لو أردت أن تمايز بين العقل البشري وهذا العقل ـ الحاسوب ـ الذي صنعه الإنسان لوجدت فرقا كبيرا جداً ، يمكن أن تقضي في هذا الموضوع أشهراً عديدةً ، بل سنواتٍ وأنت توازن بين صنعة الإنسان وصنعة الواحد الديَّان .
       تبرِّدُ الهواء بأجهزة لها تكاليف باهظة ، أثمانها باهظة ، والطاقة باهظة ، قد تأتِي نسماتٌ عليلة تلغي كل أجهزة التكييف في البلد ، يقول لك : نسمات منعشة ، إذا أراد ربنا عزَّ وجل أن يجعل النسيم لطيفًا وعليلًا فما هي إلا لحظات يسيرة و يصير الجو لطيفًا إلى حدٍّ قد لا يصدق .
        انظر إلى وردةٍ صناعيَّةٍ من البلاستيك ، مهما بالغنا في إتقانها ضع إلى جانبها وردة طبيعيَّة ، تشعر بفرقٍ كبيرٍ جداً بين الوردتين ، الأولى نابضة بالحياة ، تتمنَّى أن تشمَّها ، وأن تضمها ، والثانية بعد أيامٍ عديدة في البيت تعافُّها ، ما دخلت إلى بيت إلا ورأيت أن الذين يضعون الأزهار الصناعيَّة يعافونها بعد فترة ، لأنه لا حياة فيها ، لكن الأزهار الطبيعيَّة فيها حياة ، فيها رائحة ، فيها جمال ، فيها ألوان دقيقة جداً ، هذا شيء لا ينتهي الحديث عنه .
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
       على كل ، لو أخذنا المعنى الأول ، أن الآخرة حق ، وأن بعث الناس حق ، وأن محاسبة الناس حق لعلمنا أن هذا الموضوع حق ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان خلق عبثاً يعيث المفسدون في الكون كما يشاءون ولا حساب عليهم ، يقول الله عزَّ وجل :
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
 
أكثر الناس غافلون عن مصيرهم في الآخرة :
 
      لا يعلمون أنهم سوف يحاسبون ، لا يعلمون أنهم سوف يدفعون ثمنأخطائهم باهظاً ، لا يعلمون أن هناك حياةً أبديَّةً لا نهاية لها ، إما في جنةٍ يدوم نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفد عذابها ، لا يعلمون أن كل درهمٍ تأكله حراماً سوف تحاسب عليه ، لا يعلمون أن كل نظرةٍ لا يحقُّ لك أن تنظرها سوف تحاسب عليها ، لا يعلمون أن كل كلمةٍ تتفوَّهُ بها في حق أخيك من دون دليلٍ ، من دون مستندٍ شرعيٍ تحاسب عليها ، لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليجزيَهم على أعمالهم ، إن خيراً فخير ، وإن شرَّاً فشر .
       إن أردنا المعنى الأول : فالذي خلق السماوات والأرض ظاهرةٌ قدرته ، ظاهرٌ علمه ، ظاهرةٌ حكمته ، والذي خلق السماوات والأرض على عظمها دليل على أنه قويٌ ، قديرٌ ، غنيٌ ، عادلٌ ، رحيمٌ ، قادرٌ على أن يعيد الأجساد إلى ما كانت عليه ، وإلى أن يحاسبها على كل ما اقترفت في الحياة الدنيا .
 
لا مقارنة بين خلق الله وصنع الإنسان :
 
       وإن أردت أن تفهم الآية فهماً آخر ، أنك إذا وازنت بين خلق السماوات والأرض وبين صنع الناس ترى البون شاسعاً  ، والمسافة كبيرةً جداً .
       ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾
 
وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
 
1 ـ المؤمن بصير والكافر أعمى :
 
     أدقُّ وصفٍ للمؤمن أنه بصير ، وأبلغ وصفٍ للكافر أنه أعمى ، وأنت إذا كنت مبصراً ، ورأيت إنسانًا فاقد البصر يتحرَّك في طريقٍ وعرٍ ، فيه حفرٌ وأكماتٌ وحشراتٌ ، ورأيت كيف أنه يتحرَّك دون هدايةٍ ، يتَّجه نحو الحفرة وهو لا يدري ، يكاد يصطدم بالشجرة وهو لا يدري ، تعرف قيمة البصر ، فربنا سبحانه وتعالى أراد أن يُجَسِّد حالة المؤمن بأنه كالبصير ، يرى الأشياء على حقيقتها ؛ يراها بأحجامها ، وبأشكالها ، وبألوانها ، وتفاصيلها ، يرى الحقيقة ، يرى سرَّ وجوده ، يرى غاية وجوده ، يرى علَّة وجوده ، يرى عظمة ربِّه عزَّ وجل ، يرى منهج الله الحكيم ، يرى ذلك الصراط المستقيم ، يعرف أنه إذا خرج عنه سوف يحاسب ، وسوف يخسر لأن منهج الله عزَّ وجل فيه بذور نتائجه .
       أحياناً لا ترى علاقةً علميَّةً بين الشيء وما يَتْبَعَهُ ، وأحياناً ترى أن هناك علاقة علميَّة ، فإذا مسست بإصبعك المدفأة وهي مشتعلة ، فمسُّك لهذه المدفأة من نتائجه الحتميَّة احتراق اليد ، فاحتراق اليد نتيجةٌ حتميَّةٌ لِمَسِّ المدفأة ، نقول : بين المسِّ والاحتراق علاقةٌ علميَّةٌ ، علاقة سببٍ بنتيجة .
 
2 ـ كل معصيةٌ هي سببٌ لنتائجها :
 
       وإذا كنت متعمِّقاً في الدين ترى أن كل معصيةٌ هي سببٌ لنتائجها ، فإطلاق البصر سببٌ للشقاء الزوجي ، وأكل المال الحرام سببٌ لإتلاف المال ، والأمانة سببٌ للغنى ، وضبط اللسان سببٌ لسعادة الإنسان ، ونزاهة الإنسان سببٌ لرفعته بين الناس ، فكل طاعةٍ لها نتيجةٌ نابعةٌ من الطاعة نفسها ، وكل معصيةٌ لها نتيجةٌ نابعةٌ من المعصية نفسها ، ففي الطاعات بذور النتائج ، وفي المعاصي بذور النتائج ..
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
       أو لا يذكرون ، لأن المؤمن بصير والكافر أعمى ، لو تخيلنا أن أي مخلوق رأى مايراه المؤمن لسلك ما يسلكه المؤمن ، فالأزمة أزمة علم ، فالإنسان بحسب حبِّه لذاته ، وحبِّه لوجوده ، وحبِّه لسلامة وجوده ، وحبِّه لكمال وجوده ، وحبِّه لاستمرار وجوده يحرص على سعادته وعلى سلامته ، فلو أن مجموعة أشخاص عرفوا المعرفة نفسها لسلكوا السلوك نفسه ، فالإنسان بدافع من حرصه على ذاته ، على سلامته وعلى سعادته يطبِّق التعليمات ، فالأزمة أزمة علم فقط ، لذلك : " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم " .
        كل إنسان لو أتيحت له معرفة المؤمن لصار مؤمناً ، ولسلك سلوك المؤمن بالتمام والكمال .
 
3 ـ غضُّ البصر قيد للسلامة لا قيد للحريات :
 
      أضرب مثلاً من واقع حياتنا الدنيويَّة : لو أنّ طبيبًا هادئًا جداً وضَّح للمريض أن هذه الأكلة هكذا تفعل في جسمك ، والملح يرفع ضغط الدم ، وبرفع ضغط الدم تصبح معرَّضاً لانفجار شريانٍ في الدماغ ، وانفجار شريان في الدماغ يعني سكتة دماغيَّة ، مما يعني الموت المحقَّق ، فحينما توضِّح للمريض أخطار ارتفاع الضغط ، وأخطار استعمال المِلح الزائد بالدليل العقلي يقنع ، بدافعٍ من حرصه على حياته ، وبدافعٍ من خوفه من أن يصاب بمرضٍ عُضال يتَّبع التعليمات ، فالأزمة أزمة علم فقط ، وأي إنسان لوأقنعته أن في طاعة الله سعادةً ، وفي طاعة الله سلامةً ، وفي طاعة الله توازناً ، وفي طاعة الله طمأنينةً ، أيّ إنسانٍ إذا أقنعته أن أمر الله عزَّ وجل ليس غايتُه حدًّا من حريَّتك ، ولكنَّه ضمانٌ لسلامتك يستقيم ، وحينما تتحرَّك في حقل تُفاجأ بلوحة كُتِبَ عليها : انتبه حقل ألغام ، ممنوع التجاوز ، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ بالعكس تشعر بامتنان بالغ له ، لأنه أراد سلامتك ، يقول بعض من زاغ بصره : يا أخي قيَّدونا ، هذا ليس قيدًا ، فمن يقول لمن وضع لوحةً تنبِّه المارة إلى أن بعد اللوحة حقل ألغام : إن هذا قيد ، الذي يقول : إنهم قيَّدونا وضيَّقوا من حريَّتنا ، هذا جاهل ، أما العاقل فيشكرهم على هذه اللوحة لأنها ضمانٌ لسلامتنا .
      فإذا كنت عاقلاً وفهمت أوامر الدين هذا الفهم فإنك لا ترى أن في غضِّ البصر تقييداً لحريَّتك ، بل فيه ضماناً لسلامتك ، لا ترى في كسب المال الحلال تضييقًا للمكاسب ، بل هو سلامةٌ لها ، لا ترى في اختيار الزوجة الصالحة تضييق لمجال الاختيار ، لا ، إنك تضمن سعادتك الزوجيَّة طوال حياتك حينما تبحث عن امرأةٍ مؤمنةٍ صالحة ، فكلَّما ازداد إيمان الإنسان يرى أن أوامر الله عزَّ وجل ونواهيه ضمانٌ لسعادته ، وسلامته ، وأنه كلَّما ضعف إيمانه يرى أوامر الشرع ثقيلةً عليه ، تجده يقول : أوامر الشرع ثقيلة يا أخي ، الدين أعباء كله ، الإنسان من دون تديُّن ، طليق ؛ وفي إطلاقه راحة ، هكذا يدعي .
      ربنا عزَّ وجل وصف الكافرين بأنهم في ضلال ، كلمة( في ) تشير إلى دخول شيء في شيء ، الكافر بارتكابه أغلاطاً كثيرةً ؛ بكسب المال الحرام ، بإطلاق شهواته عشوائيًا على عواهنها ، لابدَّ من أن يقع في مغبَّة أعماله الشريرة ، لابدَّ من أن يقع في فَخ ، لابدَّ من أن يقع في مَطَب ، لابدَّ من أن يدفع الثمن باهظاً لذلك يشعر بأنه محبوس ، إنه مُقَيَّد ، إن هذه النفس مقيَّدةٌ بمعصيتها ..
﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81) ﴾
(سورة البقرة)
﴿ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(22) ﴾
(سورة الزمر)
        أما المؤمنون:
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 5)
       الهُدى يرفعهم ، الهدى في ظاهره أنه قيود ، أما في حقيقته رِفْعَة ، وعلو ، وسمو ، وطلاقة ، قال تعالى :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾
(سورة المدثر)
       المستقيم عندما قيَّد نفسه ملك حريَّته ، والفاسد لما أطلق لشهواته العِنان فَقَدَ حريَّته ، أليس هذا واضحاً في المجتمع ؟ الذين يسرقون ، أو يزنون ، أو يرتكبون الموبقات ثم يُلقى القبض عليهم ، ويودعون في السجون سنواتٍ طويلة ، هؤلاء ألم يكونوا أحراراً ؟ ولأنهم تحرَّكوا بلا منهج بلا دستور فقدوا حريَّتهم ، أما الذين انضبطوا بالمنهج بقوا أحرارًا طوال حياتهم ، ففي الحياة مفارقة ، كلَّما ضبطت نفسك ضبطاً ذاتياً ملكت حريَّتك ، وكلَّما تفلَّتت من قواعد الشرع فقدت حريَّتك ، وأبلغ مثل :الذي أمضى حياته في طاعة الله ، وفي تحري الحلال، وفي خدمة الخلق ، وفي الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر ، وفي تلاوة القرآن ، وفي تعلُّم القرآن ، وفي تعليم القرآن ، الذي أمضى حياته في إطار أباحه الشرع الحنيف ، و سمح به ، إذا جاءه ملك الموت كيف تكون حاله ؟ يقول له : مرحباً ، نحن مشتاقون إلى لقاء الله عزَّ وجل ، أما الذي أطلق لشهواته العِنان في الدنيا ، إذا جاءه ملك الموت فهو من أشقى الناس ، لأن كل هذه الحريَّة الموهومة ، والتفلُّت من قواعد الشرع جعلته في قيودٍ ما بعدها قيود ، جعلته أسير معاصيه ، رهن مخالفاته ، إذاً :
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
 
4 ـ الناس رجلان مؤمن أو كافر :
 
      الحقيقة أن التصنيف الدقيق للناسليس أشكالهم ، فمقياس الشكل ليس له قيمة ، ولا لمقياس المال قيمة ، ولا لمقياس النسب قيمة ، ولا لمقياس الذكاء قيمة ، ليس لهذه الاعتبارات قيمة تذكر ، وإنما المقياس أهو أعمى أم بصير ، الأعمى يتحرَّك تحرُّكاً عشوائياً ، ولابدَّ من أن يقع في مطَّباتٍ كثيرة ، لكنالبصير يرى الطريق أمامه واضحاً ، يرى الهدف واضحاً فيتحرَّك حركةً صحيحةً ..
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
        وهذا أبلغ وصف وَصَف به ربنا عزَّ وجل حقيقة المؤمن و الكافر .   
        بالمناسبة : ربنا جلَّ جلاله إذا وصف شيئاً وصفه صفةً جامعةً مانعةً ، صفةً مترابطةً مع الموصوف ترابطاً وجودياً ، المؤمن بصير والكافر أعمى ، والدليل كلَّما رأيت كافراً يتحرَّك رأيت في حركاته الحُمْقَ الشديد ، والرعونة البالغة ، رأيت في حركته انحرافاً عن مبادئ فطرته ، انحرافاً عن العدل ، انحرافاً عن الرحمة ، انحرافاً عن الحكمة ، انحرافاً عن الفطرة ، قد تعجب ، فلك أن تعجب ، ولك ألاّ تعجب فهو أعمى ، فإذا رأيت أعمى انزلق في الهاوية فهل تغضب عليه ؟ إنك تتألَّم لمصيبته ، فالكافر أعمى ، وأنا بدوري كلَّما قال لي إنسان : هذا العمل أمعقول أن يفعله فلان ؟ فأين حكمته ؟ أقول له :
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾
(سورة محمد)
       لأنه انقطع عن الله عزَّ وجل ، حرَّكته شهواته ، والشهوة عمياء رعناء تدفعه نحو كسب مكاسب أرضيَّة سخيفة ، هذه المكاسب الأرضية السخيفة تجعله معرَّضًا للتهمة ، وللمصائب ، وللموبقات ، وأقرب مثل بين أيدينا : الذي يذهب إلى بلدٍ غربي ، وتزلُّ قدمه يصاب بمرض يدمِّره ، فذلك مرضه أصاب زوجته وولده ، والآخر أصاب أمَّه ، وكل أسبوعين أو ثلاثة تجد واقعة مذهلة ، نقرؤها في الصحف اليوميَّة ، ونسمع أشياء لا تُصدَّق ، إنسان دمَّر حياته ، دمَّر زواجه ، دمَّر والدته ، دمَّر أولاده ، هو نفسه تدمَّر وهو في ريعان الشباب ، فكل إنسان يبحث عن سلامته وعن سعادته عليه بطاعة ربِّه ، لأنك آلة معقَّدة جداً ، والله عزَّ وجل هو الصانع ، وهذا القرآن فيه تعليمات الصانع ، بدافعٍ من حبِّك لذاتك ، بدافعٍ من حرصك على سلامتك عليك بطاعة ربِّك ..
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
       الكافر أعمى ، والتصنيف الدقيق الدَقيق للبشر ، الناس رجلان : موصولٌ ومقطوع ، الموصول بصير ، المقطوع أعمى ، الموصول منضبط بالشرع ، المقطوع متفلِّت ، الموصول محسن ، المقطوع مسيء ، هذا هو التصنيف الحقيقي ، وهذا هو الفرز العلمي للبشر ، أما أن يقول لك : الانتماء التاريخي ، العِرق ، الجنس مثلاً ، البلد ، المنشأ ، نشأ في منطقة جبليَّة ، منطقة سهليَّة ، من العِرق الآري ، من العِرق الأوروبي ، من العِرق السامي ، هذه التقسيمات لا معنى لها إطلاقاً ، التقسيم كائن موصول أو مقطوع ، الموصول بصير ، المقطوع أعمى ، الموصول منضبط ، المقطوع متفلِّت ، الموصول محسن ، المقطوع مسيء ، الموصول سعيد  المقطوع شقي ، هذا هو التقسيم الصحيح تقسيم خالق الكون ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :
((فَالنَّاسُ رَجُلانِ : بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ  )) .
[سنن الترمذي عن ابن عمر ]
       الأمور واضحة كالشمس ، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( قد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) .
[كنز العمال عن العرباض]
5 ـ المؤمن معه من الله حافظٌ :
 
        فأحياناً تلاحظ إنسانًا في حياته الزوجية والأسرية يتحرَّك وكأنه أعمى ، لسببٍ تافهٍ جداً يطلِّق امرأته وعنده خمسة أولاد ، يطلِّقها ويركب رأسه ، والسبب تافه جداً ، أولاده شٌرِّدوا ، زوجته نقمت عليه ، خرجت من دينها نِكايةً به ، أسرة شُرِّدت ، الأولاد ضاعوا ، لنزوةٍ طارئةٍ ولغضبٍ طارئٍ ، أما المؤمن فمعه مَلَكٌ يُسَدِّده ، معه من الله حافظ ..
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 257)
      الله وليُّك ، فتصوَّر إنسانًا يتولى خالقُ الكون أمره ؛ يسدِّده ، يلهمه رشده ، يهديه إلى سواء السبيل ، يحذِّره ، يؤدِّبه أحياناً ، يعالجه ، يعلِّمه ، يجمعه مع أهل الحق ، هذا معنى :
 
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
 
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
       من معصيةإلى معصية ، من خيانة لخيانة ، من أذى إلى أذى ، من إساءة إلى إساءة إلى أن يقعوا في قبضة العدالة ، أو إلى أن يقعوا في قبضة عذابهم النفسي ، أو إلى أن يقعوا في قبضة ملك الموت حيث جهنَّم وبئس المصير ، هكذا ..
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
 
6 ـ فرق كبير بين المؤمن والكافر :
 
       قد تجد الفرق أحيانا قليلا ، كأس ماء صغير ومتوسط ، وهناك  كأس أكبر ، كأس وطني ، وكأس أجنبي ، كأس رفيع وطويل ، كأس عريض وقصير ، لكن كلاهما كأس ، وكلاهما صالحٌ للشرب ، وأحياناً ترى فرقاً شاسعاً جداً بين الشيئين ، فقطعة لحم طازج ، وقطعة لحم فاسد ، قطعة اللحم الفاسدة لا تستطيع أن تشمَّها ، ولا أن تقترب منها ، بل تعدو فراراً من رائحتها ، تعدو هاربًا ، أما اللحم الطازج تُقبل عليه ، إذًا الفرقُ كبير ، فإذا قال ربنا : ﴿ لاَ يَسْتَوِي ﴾ ، ليس معنى هذا أن هناك فرقاً قليلاً ، بل هناك فرق كبير جداً  على طرفي نقيض .
      مثلاً : المؤمن مؤنس ، وذاك موحش ، المؤمن يطيِّب القلوب ، وذاكيوجعها ، المؤمن يمدح ، بينما الكافر يقدح ، وكلماته جارحة ، المؤمن يؤلِّف ، وذاك يفرِّق ، المؤمن يصل بالله ، والكافر يقطع عن الله ، المؤمن يحبِّب بالآخرة ، وذاك يحبِّب بالدنيا ، المؤمن يرحم ، والكافر يقسو ، المؤمن ينصف ، و الكافر يظلم ، المؤمن يتلطَّف ، وذاك يتواقح ، فالمسافة بينهما كبيرة جدًا..
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
   المؤمن منضبط والكافر متفلِّت ، المؤمن رحيم ، والكافر قلبه كالصخر الجلمود ، قاسٍ جداً ..
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
    العوام يعبِّرون عنها بقولهم :المسافة مائة وثمانون درجة ، إنسان في أقصى اليمين ، وإنسان في أقصى اليسار ، إنسان محسن ، وإنسان مسيء ، هذامؤمن ، وذاك كافر..
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ﴾
 
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ
 
1 ـ لابد من العمل الصالح مع الإيمان :
 
      الذين عملوا الصالحات ذكرهم بعد الإيمان ، لأن العمل الصالح من دون إيمان مشبوه ومشكوكٌ فيه ، وعملٌ قد يكون لنيات شريرة.
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ﴾
      المعنى أن العمل الصالح المقبول من الله عزَّ وجل هو العمل الذي سبقه الإيمان ، وإلا إذا كان العمل الصالح بدافع من ذكاء الإنسان ، هدفه أن يكثِّر جماعته ، هدفه أن يكون له شعبيَّة ، هدفه أن يروِّج بضاعته أحياناً ، هذه أخلاق تجاريَّة ، أخلاق أساسها ذكاء الإنسان ومصالحه ، لكن إذا تضاربت مصالحه انقلب كالوحش الكاسر ، ولكن نظرًا لوجود انضباط شديد بفعل الأجهزة فيقولون لك : الصالة مراقبة تلفزيونياً ـ ولقد انقطع التيار الكهربائي في إحدى الليالي في بلد أجنبي فارتكبت مائتا ألف سرقة في تلك الليلة ـ هذا معنى الانضباط خارجي ، انضباط الردع لا انضباط الوازع الداخلي ، وفرقٌ كبير بين الردع الخارجي والوازع الداخلي .
       لذلك ربنا وعزَّ وجل وصف العمل الصالح الذي يصلح للعرض على الله بأنه العمل الذي سبقه الإيمان .
     أوضح مثل : إنسان عليه سند ، تسديد قيمة السند عمل صالح ، ولكن يا ترى ما الدافع ؟ لعله تاجر له اسم مرموق بين التجار ، فإن لم يسدد قيمة السند يلطِّخ اسمه في الوحل ، إذا لم يسدد فخصمه قويٌ يشكوه للقضاء ، فيحجز الخصم محلَّه التجاري ، وخصمه يضع السند في التنفيذ ، فإذا بادرت إلى تسديد السند فهذا عمل مدني ـ سلوك مدني ـ لكن متى يكون عند الله عملاً صالحاً ؟ إذا كان خصمك لا يملك عليك أية وثيقة ، وقد أعطاك المال ، وتوفَّاه الله ، ولا أحد في الأرض يطالبك ، وأنت بدافعٍ من إيمانك بالله عزَّ وجل وخوفك منه ، وخوفك من الوقوف بين يديه يوم القيامة ، تتوجَّه إلى ورثة هذا الصديق ، وتدفع لهم المال .
      والله حدَّثني أخ ـ بطريق رسالة وأنا لا أعرفه ـ قال لي : والله دفعت عشرين مليون لجهةٍ لا تملك عليَّ أية وثيقة ـ أنا محتفظ بهذه الورقة عندي ، كان المبلغ أمانة عنده ، والذي ائتمنه على المبلغ مات ، وليس بينهما أية وثيقة ، والأهل لا يعلمون بذلك ، فبادر إلى أداء الأمانة لأصحابها ، فهذه هي الأمانة حقًا .
      العفو مثلاً ، العفو عمل صالح ، ولكن من هو الذي يعفو ؟ هو الذي يكون له عدوٌ نال منه أشدَّ النَيْل ، ثم وقع العدو في قبضة الأول ، وكان قادراً على أن يوقِع به ما يشاء من عقوبة ، وأن يكيل له الصاع عشرة ، لكنه عفا عنه ، فالعمل الصالح الذي يسبقه الإيمان رائع جداً ، عمل نزيه ، عمل مبرَّأ عن الشبهات ، مبرَّأ عن الدوافع الخسيسة ، عمل يبتغي به صاحبه وجه الله عزَّ وجل ، إذاً :
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾
 
 
2 ـ المؤمن محسن والكافر مسيءٌ :
 
      طبعاً الأعمى سوف يسئ ، لأن المحرِّك شهوته ، والشهوة عمياء ، أما البصير فهو الذي عرف الله عزَّ وجل ، إذاً صار محسناً ..
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾
      
      أنت راقب إنسانًا مهتديًا ، التقِ به ، انظر إلى جلسته ، انظر إلى هندامه ، انظر إلى منطقه ، انظر إلى حركاته ، انظر إلى طعامه ، سافرْ معه ، انظر إلى ورعه ، إلى مروءته ، إلى كرمه ، اسكن معه ، عامله بالدِرهم والدينار تجده نموذجا في الهداية و الورع ، عامل إنسانًا آخر ترَ من حقده ، ومن طيشه ، ومن أنانيَّته ، ومن حرصه على مصالحه ، ومن تجاوزه لحقوق الآخرين الشيء الكثير ، لذلك ربنا قال :
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18) ﴾
(سورة السجدة)
       أكبر خطأ حينما تتوهَّم أن الأعمى كالبصير ، وأن المؤمن كالكافر، وأن المحسن كالمسيء وأن المستقيم كالمنحرف ، وأن المُتَّصل كالمُنقطع ، أكبر خطأ يقع في حياة الناس هو التوهُّم أن القضيَّة بالمال ، والقضيَّة بالذكاء ، والقضيَّة باحتلال مركز اجتماعي مرموق ، والقضية بزوجة تملأ قلب الزوج سروراً بشكلها وحركاتها ، دون أن ننتبه إلى فضائلها وقيمها .
 
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
 
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
 
فما علاقةهذه الآية بهذه ؟
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
 
1 ـ علاقة هذه الآية بما قبلها :
 
      معنى ذلك أن الأعمى يتحرَّك تحرُّكاً عشوائياً ، وسوف يقع في أخطاء كثيرة ، فهذه الأخطاء هو محاسب عليها ..
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾
      البصير يمشي على هدىً من ربِّه ، البصير يطبِّق منهج الله عزَّ وجل ، وقَّافٌ عند حدود الله عزَّ وجل ، يأتمِر بما أمر الله ، ينتهي عما عنه نهى الله ، هذا الانضباط ، وهذا العمل ، وهذه الاستقامة أيضاَ سوف يثاب عليها ..
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾
 
2 ـ كلُّ عملٍ يظهر على حقيقته يوم القيامة :
 
       إذا رأى أب ابنه لا يدرس يقول له : موعد الفحص اقترب ، ففهم ما يقصد من معنى ، ولكنه أدار ظهره لأبيه ، بينما رأى ابنه الآخر يجتهد ، فيقول له : سوف يَبْيَضُ وجهُك يا بني في الامتحان ، هذا عمله سوف يظهر ، وهذا عمله سوف يظهر ..
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾
         فالعمل الطيِّب سوف تظهر نتائجه ، والسيئ سوف تظهر نتائجه ، والانضباط يظهر حسنًا ، والتفلُّت يظهر قبيحاً ، الاستقامة تظهر محاسنها الانحراف تظهر قبائحه .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
      سبحان الله ! تجد معظم الناس إذا حدَّثوك يحدٍِّثونك عن كل شيء ، إلا الموت ، لم يدخلوه في حساباتهم إطلاقاً ، كأن الحياة أبديَّةٌ .
       إذاً:
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾
 
3 ـ تهديد ووعيد :
     
     هذا تهديد ، أي اعمل ، وكثِّر مما تعمل ، إيجابًا أو سلبًا ، افعل ما شئت ، فهناك وقفةٌ بين يدي الله عزَّ وجل ، فالأعمى يدفع ثمن العمى الباهظ ، طبعاً العمى وحده لا يكفي ، العمى يَتبعه معاصٍ ، العمى يتبعه عدوان ، العمى يتبعه انحراف ، العمى يتبعه تجاوز الحدود ، العمى يتبعه أذى   ..
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾
       فهذا حالُ البصير ؛ البصير مستقيم ، البصير ورع ، البصير محسن ، البصير مُنصف البصير عادل ، أيضاً ..
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ﴾
      فهذه الساعة ترفع من شأن المؤمن ، وتخفض من شأن الكافر ..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾
    مجيئها حق ، لا شك أبداً في مجيئها ..
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
 
4 ـ الكفر العملي بالآخرة :
 
      أي أنّ عدم إيمانهم بها ، أو قل كفرهم بها كفرًا عمليًا ، و ليس لفظيًا ، فقلَّما تجد أحدًا يقول : لا توجد آخرة ، هذا الإنسان نادر جداً ، الذي يقول لك : لا أعتقد بوجود آخرة هذا صار ملحدًا ، ولكنه عمليا لم يدخل الآخرة في حساباته ، كيف ؟
      مثلاً : يأكل مالاً حراماً ، معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه ، يعتدي على أعراض الناس ؟ معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه ، يتجاوز الحدود ، معنى ذلك أن الآخرة ليست داخلة في حسابه .
      عندما تتحقق من إيمان الإنسان بالآخرة أو عدم إيمانه انظر إلى انضباطه ، إذا لم يكن منضبطًا فهو غير مؤمن بالآخرة ، يقول لك الإنسان : "حلال على الشاطر " ، هذه كلمة الشيطان ، أيُّ شاطر ؟ مع الله لا شاطر ، الله عزَّ وجل قدير على أن يرغمك على أداء الثمن باهظًا في الدنيا قبل الآخرة ، إذاً :
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
      بالآخرة .
 
5 ـ الفرق بين العاقل وغير العاقل :
 
      بعضهم يقول لك : أعطني عمرًا لتلك الساعة ، نحن الآن أولاد الحاضر ، فتفكيره تفكير آني ، تفكير من لا عقل له إطلاقاً ، فدائما الإنسان كلَّما ارتقى عقله خاف بفكره ، وكلَّما قلَّ عقله خافبعينه ، فإذا واجهه الخطر خاف حقًّا ، أما العاقل فهو يستنبط الخطر ، ويحذر قبل وقوع الخطر ، و يعدّ العدة منذ الآن ، فللاستعداد للأخطار المُقبلة دليل عقل.
       أبسط مثل نضربه التدخين ، فهل من الممكن لإنسان مهما أقنعته أن هذا التدخين يضر بالرئتين ، يسبِّب جلطة ، يسبِّب ضيقًا بالأوعية ، يسبِّب ارتفاعَ الضغط ، يسبِّب تسرُّعًا في القلب ، يسبِّب سرطانًا بالرئة ، يسبِّب مثلاً شللَ الأهداب في القصبة الهوائيَّة ، يسبب احتمال موات الأعضاء ، مهما أقنعته فلن يقتنع ، أما حينما يواجه أحد الأخطار يقول لك : نعم والله ، والله هذا الذي حصل فقدَّر ، هكذا يدَّعي ، وإن الذي يتجنّب الخطر راجح العقل حقًّا ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :
((أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً )) .
[ ورد في الأثر ]
       أما أن يصل الإنسان مع نفسه لطريق مسدود ، فيواجه مغبة عمله بمرارة ، كأن يواجه مصيبة كبيرة جداً سببها انحرافه ، أو أكله للمال الحرام !! فإذا قلت له : يا أخي هذا الربا حرام ، هذا ضلال ، فإنك تراه لا يعبأ بذلك أبداً ، وعندما تأتي الضربة الإلهيَّة القاصمة يقول لك : نعم والله كلامك صحيح ، يا ليتني قبلت نصيحتك .
     إذاً من أجل أن تعرف إذا كنت عاقلاً أو غير عاقل انظر هل تدرك الأخطار في وقت مبكِّر ، وتتخذ الموقف الصحيح مبكراً ؛ أم أنك لا تعرفها إلا إذا واجهتها ؟ ضعاف التفكير لا يكشفون الأخطار إلا مع مواجهتها ، لكن العقلاء يتوقَّعون الأخطار قبل أن تقع ، فالعاقل هو الذي يتوقَّع الخطر قبل أن يأتيه الخطر .
 
خاتمة :
 
      إذاً :
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
 الآيات أصبحت :
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
     لها معنيان : إما أن صنعة الله عزَّ وجل أعظم بكثير مما يصنعه الإنسان ، أو أن هذه الآية دليل على أن البعث حق ، وعلى أن الله سبحانه وتعالى سيبعث من في القبور ..
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58) إِنَّ السَّاعَةَ ﴾
     هذا تهديد.
 
﴿ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
 
والحمد لله رب العالمين

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب