سورة غافر 040 - الدرس (14): تفسير الأيات (53 – 56)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة غافر 040 - الدرس (14): تفسير الأيات (53 – 56)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة غافر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة غافر ـ (الآية: 53 - 56)

10/12/2012 15:23:00

سورة غافر (040)

 

الدرس (14)

 

تفسير الآيات: (53 ـ 56)

 

 

 

لفضيلة الأستاذ

 

محمد راتب النابلسي

  


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من سورة غافر ، ومع الآية الثالثة والخمسين ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ(53)هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 

هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ

 

    في هذه الآية شيءٌ يلفت النظر ، ولهذه الآية مثيلات ..

﴿ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 

1 ـ العقل السليم طريق إلى الهدى :

 

        اللُبُّ هو العقل ، والتسمية رائعةٌ جداً ، شيءٌ بلا لُب لا قيمة له ، وإنسانٌ بلا عقل لا قيمة له ، قِوام الرجل عقله ، أيْ أنّ كل إنسانٍ أعمل عقله يهتدي بهذا الهدى ، كل إنسان استخدم عقله فيما خُلِقَ له ينتفع بهذا الهدى ، كل إنسانٍ حكَّم عقله يستجيب لهذا الهدى ، لأن هذا الهدى من عند الله ، والله سبحانه وتعالى وهب العقل ، وهو مقياسٌ دقيق ، فمن أعمل عقله ، أو استعمل عقله ، أو حَكَّم عقله فلابدَّ من أن يستجيب لهذا الهدى ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبّاً )) .

 

2 ـ تطابقُ صريح العقل مع صحيح النقل حق :

 

       أيْ أنّ كل ما جاء به هذا الدين فالعقل يقبله ، وكل انحراف عن أحكام هذا الدين فالعقل يرفضه ، فدعوة الأنبياء متطابقةٌ مع العقل ، وقد أَلَّف علماءٌ كثيرون كتباً قيمةً في تطابق العقل مع النَقل ، فتطابقُ صريح العقل مع صحيح النقل حق ، بل إن هذا التطابق حتمٌ لازم ، والعقل لا يقبل التناقض ، ولا يقبل الازدواجيَّة في الكون ، إلهٌ واحد ، نواميس واحدة ، كتابٌ واحد ، نبيٌ واحد ، مقاييس واحدة ، فطرةٌ واحدة ، نفسٌ واحدة ، عقلٌ واحد .

      فالذي أقوله دائماً : الكون خلْقُه ، والعقل مقياسٌ أودعه فينا ، والقرآن كلامه ، والفطرة ميزانٌ نفسيٌ فطرنا عليها ، وتطابق العقل مع النقل مع الفطرة مع الواقع شيءٌ حتميٌ لابدَّ منه ، لكن هذا الذي يعطِّل عقله ، و تجمح به شهوته ، ويركب رأسه ـ كما يقولون ـ ويتنكّر للواقع ، للمنطق ، للمبادئ ، للقيَم ، ينجرف مع هوى نفسه ، مثل هذا الإنسان قد لا يستجيب للحق ، وإليكم آيةً حاسمةً في هذا الموضوع :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من الآية 50 )

 

3 ـ المتّبع للهوى لا يستجيب للحق :

 

       إن الإنسان إما أن يلبِّي نداء العقل أو أن يكون أسيرَ الهوى ، فإذا استجاب لنداء العقل قاده عقله لهذا الكتاب ، وللهدى الرباني ـ بشكل واسع ـ وإنْ كان أسيرَ الهوى وقف هواه حجرَ عثرةٍ أمام الهدى ، دخل في الحوار ، والمجادلة ، والكلام غير المنطقي ، والأدلَّة الواهية ، والحجج السخيفة ، والطرح غير المَوضوعي ، دخل في متاهة الجدال .

 

آياتٌ قرآنية تشير إلى العقل :

 

      إذاً : فالآيات التي تشير إلى العقل والقلب واللب كثيرة ..

الآية الأولى :

﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ(37) ﴾

( سورة ق )

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ(9) ﴾

( سورة سبأ )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ ﴾

( سورة النحل : من الآية 104 )

       مجمل هذه الآيات تبيِّن أنّ هناك مرحلة في الهدى لابدَّ من أن تقوم بها أنت ، وهي تأمُّلٌ صحيح ، تحكيم العقل ، سماعٌ لنداء الفطرة ، استقامةٌ على أمر الله ، إنابةٌ لله عزَّ وجل ، من كان كذلك تجده سريع الاستجابة ، والدعاة لهم تجربة في هذا الموضوع ، هذه التجربة أن الداعية يقول كلاماً رائعاً منطقياً ، مدعَّماً بالأدلَّة والشواهد ، والآيات الكونيَّة ، والقرآنيَّة ، والتكوينيَّة ، ويتفنَّن في عرض الفكرة ، وفي أدلَّتها ، وفي تعليلها ، وفي تنويع الأساليب ؛ فمن أسلوب قصصي ، إلى أسلوب حوار ، إلى أسلوب علمي ، إلى أسلوب تقريري ، إلى أسلوب مباشر ، وأمامه شخصان : شخصٌ كأنه يتغذَّى بهذا الكلام ، وشخصٌ يرفضه ، فما سرُّ ذلك ؟

      أيُّ داعيةٍ لو سألته لأجابك ، ظاهرةٌ تلفت النظر ، إنسان يستجيب وكأنَّك تعرفه من خمسين عاماً ، إنسان يتفاعل مع كلامك الحقِّ تفاعلاً رائعاً ، إنسان يدخل الهدى إلى كل خليَّةٍ في جسمه ، تتفاعل كلمات الحق مع كريات دمه ، وإنسانٌ آخر كالحجر الأصم ، كالصخر الجلمود لا يستجيب ، لا يتأثَّر ، لا يتفاعل ، يا ربِّ ما السر ؟ هذا هو السر :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من الآية 50 )

      الله أجاب ، الله جلَّ جلاله أجاب في القرآن الكريم ، إذا لم يستجب الإنسان لك فهو يتَّبع هواه .

الآية الثانية :

     آية ثانية تؤكِّد هذا المعنى :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

( سورة التحريم : من الآية 4)

      إذا أصغى الإنسان للحق ، فرَّغ نفسه للحق ، استمعَ للحق وفكَّرَ فيه ؛ حلَّله ، تأمَّله ، بحثَ عن دليله وتبنَّاه ، فذلك دليل أنه صادق ، أما إذا أعرض عنه فهو يبحث عن شيءٍ آخر .

    أنا أشبِّه الذي يبحث عن الدنيا وتسوقه قدماه إلى مجلس علم ، فهو يبحث عن الدنيا ؛ يبحث عن ملذَّاته ، عن مصالحه ، عن شهواته ، يعيش للذَّته ، لو ساقته قدماه إلى مجلس علم ، يشبه تماماً آلة التصوير الغالية جداً ، من أرقى مستوى ، ولكن ليس فيها فيلم ، فمهما استخدمها الإنسان فلا غطاء لها ، لأنها خاوية .

﴿ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾

( سورة محمد : من الآية 16 )

       تسأله : ماذا سمعت في الدرس ؟ يقول : والله كلام يا سيدي ، كله كلام في كلام ، فهو إذًا لا يعي الخير ، فالإنسان الذي يطلب الحق يشبه آلة تصوير فيها ( فيلم ) ، فكل منظرٍ يطبع على هذا ( الفيلم ) ، فالمهم وجود هذا ( الفيلم ) في الآلة ، فإن كنت تريد الدنيا ومن أهلها ، وساقتك قدماك إلى مجلس علم ، فتشعُرُ بالضيق ، والسأم ، والضجر لأنك في واد وموضوع الدرس في وادٍ آخر .

     إذاً :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من الآية 50 )

 

الإنسان بين مجاراة الهوى ومتابعة العقل السليم :

 

       فأنت إما مع العقل أو مع الهوى ، إن كنت مع العقل فالعقل يقودك إلى الله ، وإن كنت مع الهوى فالهوى يقودك إلى المعصية ، والمعصية إلى البعد عن الله عزَّ وجل ، وأنت بين أمرين ؛ إما أن العقل هو الذي يحرِّكك ، وإما أن الهوى هو الذي يدفعك ، وهنيئاً لمن كان العقل يوجهه ويسدده ، والويل لمن كان الهوى يأسره .

﴿ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

( سورة الفرقان : من الآية 43 )

       إلهه هواه ، شهوته فوق كل شيء ، قبل كل شيء ، مقدَّمةٌ على كل شيء ، مصلحته ، وشهوته ، وملذَّته ، ودنياه ، وماله ، وبيته فوق كل شيء ، لكن المؤمن يؤثر الحق ورضاءَ ربه ، والجنَّةَ ، والعملَ الصالح على كل شيء ، فمن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين .

       والله أيها الإخوة كلمة لا أشبع من تردادها ، وهي عميقةٌ جداً مع أنها موجزة : " من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً " .

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين )) .

[  كنز العمال عن جابر ]

(( ابن آدم ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثمَّ لا يكون إلا ما أريد )) .

 [  ورد في الأثر ]

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء )) .

  [  ورد في الأثر ]

(( اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها )) .

 [  ورد في الأثر ]

(( من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر الهموم )) .

[ كنز العمال ]

       هُمْ في مساجدهم ، والله في حوائجهم ، جرِّب ؛ مع أن الله لا يُجَرَّب ، جرِّب أن تتجه إلى الله ، أن تخلص له ، أن تستقيم على أمره ، أن تتوب إليه ، وانظر كيف أن الله ينصرك ، ويرفع ذكرك ، ويسعدك ، وييسِّر عملك .

 

قانون التيسير والتعسير :

 

     الآن تطالعنا قضيَّة محيِّرة للناس ، يقولون : فلان محظوظ ـ هذا كلام ليس له معنى ـ فلان حظُّه قليل ، هذا هراء أما الصواب فإنّ في القرآن تيسيرًا أو تعسيرًا فقط ، والتيسير له قانون والتعسير له قانون ، أما التيسير :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) ﴾

       كلام واضح كالشمس .

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10) ﴾

( سورة الليل )

       والنبيُّ اللهمَّ صلِّ عليه من عادته إذا رأى شيئًا صعبًا كان يقول :

(( اللهمَّ لا سهل إلا ما جعلته سهلاً )) .

[ سلسلة الأحاديث الصحيحة ]

     إذا يسَّر الله أمرًا فعندئذٍ تجد العجب ، تجد الغريب يخدمك ، عدوُّك اللدود في خدمتك ، وإذا عسَّر الله عزَّ وجل أمرا تجد أن أقرب الناس إليك يتخلَّى عنك ، تنشأ المشكلات تِباعاً ، قضية شائكة ، عقبات ، كلَّما حللت قضيَّة تنشأ قضايا ، فإذا كنت مع الله لا يضل عقلك ، ولا تشقى نفسك ، ولا تندم على ما فات ، ولا تخشى مما هو آت ، هكذا الآيات ..

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

( سورة طه )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

( سورة البقرة )

      والذي ساقني لهذا الكلام قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ(53)هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 

هناك ناس من غير لبٍّ وعقلٍ :

 

      ماذا ينفع أن تبثَّ محطّة الإذاعة برامجها الرائعة ، وليس عندك جهاز استقبال ، مهما تكن هذه البرامج رائعة ، أحاديث عميقة ، برامج إخباريَّة واسعة جداً ، محاضرات قيِّمة ، ولكن ليس لديك جهاز استقبال ، الله عزَّ وجل هدى الخلق ؛ هداهم بالكون ، وهداهم بالقرآن ، وهداهم بالأنبياء ، وهداهم بأفعاله ، وهداهم بالفطرة ، وهداهم بالمعالجة النفسيَّة ، وهو يهديهم دائماً ، العقبة أن تهتدي أنت ، أن تملك جهاز الاستقبال ، فالشيء العجيب أن أكثر الناس يقولون لك إذا دعوتهم إلى الهدى : "حتى الله يهديني" ، هذا كلام لا معنى له ، كلام مضحك تماماً ، فالله هداك لكل خير ، بقي عليك أن تستجيب أنت .

       إذاً : هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

        أحياناً من باب التسلية بعض الناس يقشِّرُّ برتقالة بمهارة ، ويعيدُ قشرتها كما كانت من دون لُب بإحكامٍ بالغٍ ، فالمنظر برتقالة ، بحجم البرتقال ؛ بلونها ، بتألُّقها ، بلمعانها ، بإغرائها ، تمسكها فتجدها فارغة ، مجرد هيكل خارجي ، إذًا هناك شخص من دون لب ـ أيْ من دون عقل ـ شهوته تحرِّكه ، عُلبة فارغة ، برتقالة مفرَّغة من مضمونها ، هناك كثير من الفواكه تقشَّر وينزع لبُّها ، وتبقى قشرتها وتبدو لناظرها كأنها ذات لبٍ ، الإنسان غير المؤمن بلا لُب ، فهذا القرآن ، وهذا الدين ، وهذا الشرع ..

﴿ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ(54)فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ

 

1 ـ الدنيا قائمة على الاجتهاد والصبر :

 

       إنّ الدنيا قائمة على بذل الجهد ، والكد والكَدح ، دار الامتحان ، ودار الابتلاء ، أساسها كشف الطويَّة ، الغاية منها أن يأخذ الإنسان أبعاده ، وأن يجتاز الامتحان المحتوم ، والآيات كثيرة جداً ..

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾

( سورة البقرة : من الآية 214 )

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران  : من الآية 92 )

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) ﴾

( سورة العنكبوت )

       بهذه البساطة أقول : هناك جامعة رائعة جداً ، عظيمة جداً ، فهل إذا داوم الإنسان محاضرتين ينال دكتوراه بهذه البساطة ؟ وبهذه السذاجة ؟ لابدَّ من امتحان ، وهل كل إنسان ادَّعى أنه مؤمن صار مؤمنًا ، واستحقَّ الجنَّة ؟

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2) ﴾

       من دون فتنة ، من دون ابتلاء ، تستقيم على أمر الله زمناً لأنك  تبتغي الغِنى ، فالله لن يغنيك ، هذه استقامة مخدوشة بطلب الغنى ، تستقيم على أمر الله ليكثر زبائنك في المتجر ، فالله جلَّ جلاله يريدك خالصاً من دون شائبةٍ ، هذا هو الإخلاص ، فلابدَّ من امتحان ، قال :

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

 

2 ـ وعدُ الله حقٌّ :

 

       وبعدُ ، فهذه نقطة دقيقة المعنى جداً ، وعدُ الله حق ، العلماء فرَّقوا بين الوعد والوعيد الوعيد لغير الخير ، والوعد للخير ، عندما وعد ربنا عزَّ وجل المؤمن بالجنَّة ، أو وعده بالنصر ، أو وعده بالتوفيق ، أو وعده بالحفظ ، أو وعده بالعِز ، وعده أن ينصره ، وأن يحفظه ، وأن يعزَّه وأن يوفِّقه ، فوعد الله حق ، فإذا رأينا رؤيةً ساذجة أن هذا الوعد لا يتحقَّق أو لم يتحقَّق ، كيف نفسِّر ذلك ؟

       التفسير بسيط ، فهذا الذي وُعِدَ بالهدى ليس في مستوى الوعد ، لو أني وعدت طالبًا نال مائتي درجة في الثانوية أن أدخله مثلاً الفرع الفلاني ، الوعد صحيح ، والوعد حق ، ولابدَّ من أن يقع ، لكن هذا الطالب نال مائة وخمسين درجة ، فكل إنسان يقرأ وعدًا من الله للمؤمنين ولا يراه قد حقق واقعيًا ، فليس له إلا تفسير واحد ؛ وهو أن هذا الذي وُعِد ليس في مستوى الوعد ، فوعْدُ الله لِلمؤمنين صادق وحق ، والآيات واضحة ..

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور : من الآية 55 )

       هذا وعد ، هل هناك جهة أعظم من الله عزَّ وجل ؟

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87) ﴾

( سورة النساء )

       هذا تعجُّب تقريري ..

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 111)

        واللهِ زوالُ الكون أهون على الله من ألاّ يفي بوعده ، البطولة أن تكون أنت الموعود ، أن تتحقَّق فيك صفات الموعود ، الله قال : ﴿ يعبدونني ﴾ ، فإذا عبد الناس غير الله ، واكتفوا بانتماءٍ شكليٍّ للدين ، وطالبوا ربهم بوعده ، طبعاً وعدُ اللِه للمؤمنين الصادقين ، للمؤمنين التائبين ، لا لمن يدّعي الإيمان ، وعدُه لمن وسعتهم السُنَّة ، ولم تستهوهم البدعة ، وقد تجد بيتًا فيه كل المنكرات ، والاتجاه إسلامي ! فما قيمة هذا الاتجاه ؟

 

الانتماء الفكري للإسلام لا يكفي :

 

        الفكر البشري إذا فكَّر في المبادئ كلها يرى أن مبادئ الإسلام أعظمها واقعيَّةً ، أعظمها منطقيَّةً ، أقربها إلى ذاته ، فهناك الآن إسلام فكري لا إيماني ، والإنسان العاقل الذكي المفكِّر يقرأ فيقول : والله الإسلام شيءٌ عظيم ، هذا دين ودولة ، ودين متوازن ، وفطرة ، وعقل ، وواقع ، وجسد ، وعلاقات اجتماعيَّة ، يتفلسف ساعة على ميِّزات الدين ، وهو في الأساس ليس مطبّقاً لمبادئه ، ولا ملتزمًا بالقيام بأركانه ، فالانتماء الفكري للدين لا يكفي ، وأساساً الشيطان قال :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

( سورة ص )

        الانتماء الفكري وحده ليس له قيمة ، فأنا أفكِّر فأجد الإسلام عظيمًا ؛ أجلْ إنّ الإسلام عظيمٌ ، فمتى كان الإسلام غير عظيم ؟

      أضرب مثلاً واحدًا : شخص نظر إلى قرص الشمس ، تأمّلَ تأمَّل وفكَّرَ ،  قطَّبَ حواجبه ، حكَّ رأسه ، ثم قال : الشمس ساطعة ، ومن قال لك : إنها غير ساطعة ؟ ومن يصدِّقك إذا قلت : غير ساطعة ؟ إنها ساطعة ، أنت ماذا فعلت ؟ ما فعلت شيئاً ، ولم تضف جديداً .

       فإذا قلت : الدين حق ، والإسلام حق ، والقرآن حق ، يا أخي الشرع حق ، وهذا الدين عظيم ، وهذا دين المستقبل ، وهذا دين الأمَّة ، هذا كله كلام ، فنحن نريد التطبيق ، أين أنت منه ؟ أين مواقفك ؟ أريد بيتًا إسلاميًا ، أريد عملاً إسلاميًا ، أريد أخلاقًا إسلاميَّة ، أريد وقوفًا عند الحلال والحرام ، أريد معاملة إسلاميَّة ، أريد إنسانًا المالُ تحت قدمه أمام حكم شرعي ، فلو كان فيه شُبهة جعله تحت قدمه .

       إنّ الدنيا تجذبنا ، والمال يجذبنا ، والمصالح تحرِّكنا ، وانتماءاتنا فكريَّة إسلامية ، يقول لك : الإسلام حق ، يا أخي سمعنا كلمة رائعة جداً ، ما شاء الله على هذا الخطيب ، فهل استجبت لكلامه ؟ لا لم أستجب ، والله يا أخي الحياة صعبة ومعقَّدة ، ونسأل الله ألاَّ يبتلينا ، فنحن عبيد إحسان ، ولسنا عبيد امتحان ، ونحن ضِعاف يا سيدي ، لا يسعنا إلا عفوه وكرمه ، هذا النموذج الحديث لمدَّعي الإسلام ، لذا ألف مليون مسلم لا وزن لهم في العالَم اليوم ، و في الحديث الصحيح :

(( ... وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) .

[ أبو داود عن ابن عباس ]

       اثنا عشر ألفًا لن يُغْلَبوا ، أما المليار والمائتا مليون فيُغلبون ، لأن الشرط اللازم هو : ﴿ يعبدونني ﴾ ، والآن لا يعبدون الله .

 

الشكليات لا تنفع :

 

       النقطة في هذه الآية التي أتمنى على الله أن تكون واضحةً عندكم ، كلَّما قرأت القرآن ، ورأيت وعداً من الله للمؤمنين ، ولم ترَ على الساحة تحقيقاً لهذا الوعد ، فإيَّاك أن تشكَّ بالوعد ، ثمّ إيَّاك ؛ لكن لك أن تشكَّ في الشخص الذي وعده الله ، لم يحقِّق المستوى المطلوب ، لم يأتِ بالعلامات المطلوبة ، لم يأتِ بالحد الأدنى حتى يُنَفَّذ له الوعد ، الله هوَ هو لم يتغيَّر ، فالإله الذي نصر أصحاب رسول الله حتَّى فتحوا العالَم من أدنى أطرافه إلى أقصاه هوَ هو ما تغيَّر ، القرآن الذي قرأه أصحاب النبي ، واستوعبوه ، وطبَّقوا ، فاستحقوا أن يكونوا سادة الأمم هو ذاته القرآن الذي تلاه الصحابة ، وانتصروا به ؟ الآن هو مطبوع طبعات مُذهلة ، كلمة الله بالأحمر ، وكلمة رب بالأحمر ، ومذَهّب ، وآيات ، وفهارس ، ومعاجم ، تحتاج إلى مصحف ، تريد الشرط هو موجود ، تريده مرتَّلاً فهو موجود ، وكذلك إن كنت تريده مجوَّدًا .

       سمعت من مدَّة أنّ في المغرب بَنَوا جامعًا ، وهو ثاني أكبر جامع في العالم الإسلامي ، لكن روعة هذا الجامع أن قبلته صُمِّمَت وفق أشعة الليزر ، أيْ إذا وقفت أمام محراب هذا المسجد فأنت في القبلة تماماً ، لا تنحرف عنها ، ولا نصف درجة ، علَّقت على هذا الخبر التعليق التالي ، قلت : لو أن إنساناً مستقيماً ، منيباً ، طائعاً ، تائباً ، عابداً ، يعرف الله حق المعرفة ، وهو مستقيمٌ حقًا على أمره ، ممتلئٌ قلبه حبَّاً ، و إخلاصاً له ، لو كان في فلاةٍ ، واجتهد في معرفة القبلة فصلَّى ، ثم تبيّن له أنه صلى بعكس اتجاه القبلة ، هو أقرب إلى الله ألف مرَّة من إنسانٍ صلى في ذلك المسجد ، وكانت صلاته على أشعة الليزر باتجاه القبلة ، لكنه كان عاصياً لله عزَّ وجل .

        نحن نريد حقائق ، مسجد النبي عليه الصلاة والسلام الذي انطلق منه أصحاب رسول الله كانت أرضه من الرمل ، الآن تشُده للرخام الذي يغطي أرضه ، فهذا رخام يمتص الحرارة ، هناك أجهزة تكييف وأجهزة تدفئة ، وقد دخل إخوة إلى جوامع في بعض البلدان الإسلاميَّة فلو مددت يدك للحنفيَّة تحت الضوء لنزل الماء آليًا ( إلكترون ) ، ثم يتوقف الصنبور آليًا إذا سحبت يدك ، ومع ذلك ليست كلمتنا هي العُليا ، كل هذا التقدُّم التكنولوجي ، والجوامع الفخمة مظاهر لا تقرّب العبد إلى الله حقيقة ، فالعبرة في التطبيق و العمل بالتشريع مع سلامة العقيدة .

       فأيها الإخوة الكرام ، إذا قرأتم القرآن ، وقرأتم آياتٍ كريمة تَعِدُ المؤمنين بالنصر ، أو تعدهم بالحفظ ، أو تعدهم بالتوفيق ، فعليكم بالتبصر والتأمل وعدم الغفلة عن قوله تعالى :

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا(3) ﴾

( سورة الفتح )

       وهل هناك نصر غير عزيز ؟ هذه الوعود الإلهية كلُّها إن لم تقع فعلينا أن نشكَّ في أنفسنا ، أن نشكَّ في استقامتنا ، أن نشكَّ في إيماننا ، أن نتحسس الخلل في عقيدتنا ، وأن نتحسس الخلل في منهجنا ، أن نعتقد الخلل في استقامتنا ..

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

      لذلك العلماء حينما فسَّروا قوله تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) ﴾

( سورة الفيل )

        قال لي شخص : واللهِ أنا ما رأيت هذا الشيء ، وما رأيت هذه الحادثة ، بل سمعت بها ، ولكن ما رأيتها ، والله يقول : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

       كأنه يتمنَّى أن تكون الآية : ألم تسمع ؟ هي ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، بماذا أجاب المفسِّرون ؟ أجابوا بأن خبر الله لشدَّة أحقيَّته ووثوقه وصدقه كأنك تراه ، وأنا بدوري أقيس على هذه الفكرة أنّ وعْد الله لأحقيَّة وقوعه كأنه وقع ، والدليل :

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

( سورة النحل : من الآية 1 )

        معنى هذا أنه لم يأتِ بعد ، انظر التعبير القرآني  ..

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

       المعنى أنه ما أتى ، تعرف ذلك من قوله تعالى : ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، هو قال : ﴿ أَتَى ﴾ عبَّر عما يحدث بالمستقبل بالفعل الماضي تحقيقاً لوقوعه .

      إذاً ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

      لذلك أحد الصحابة قال : << والله لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً >> ، أيْ أنّ يقينه بوعد الله قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء .

      صحابي آخر قال : << والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي >> ، أيْ أنه استنفذ طاقته في الطاعة ، وإخواننا السائقون  يقولون ـ العدَّاد مغلِّق ـ هذه أقصى سرعة ينطلق بها ، فهذا هو المؤمن الذي يستحقُّ وعد الله عزَّ وجل ، ويستحق النصر والتأييد ، فنحن نجد المساجد مليئة ، أما البيوت فليست إسلاميَّة ، والأسواق غصّت بالضلالات ، ونساءٌ كاسياتٌ عاريات ، وعمّت تلك الأسواق الأيْمَان الكاذبة التي تدكّ الآذان ، جعلها أصحاب المحلات فخاخاً لاغتنام الأرباح .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ )) .

[ متفق عليه ]

       فيها التدليس ، فيها الكذب ، فيها الغش ، فيها بيعٌ لا يرضي الله عزَّ وجل ، فيها بيعٌ يشبه الربا ، هذه أسواقنا ، وهذه بيوتنا ، فإذا كنت قد قرأت في القرآن وعدًا للمؤمنين بالنصر ، ولم تجد هذا النصر ، وقرأت وعدًا للمؤمنين بالحفظ ، ولم تجد هذا الحفظ ، قرأت وعدًا للمؤمنين بالتوفيق ، وما وجدت التوفيق ، فالقضيَّة بسيطة جداً ، عليك أن تشكَّ بالموعود لا بالوعد ، هذه فكرة دقيقة صائبة .

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾

     معنى حق أيْ أنّهُ لابدَّ من أن يقع ، وزوال الكون أهون على الله من ألاّ يقع ..

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل : من الآية 97 )

       هذا وعد إلهي لكل مؤمن ، هذه الآية لا علاقة لها بالظروف المستجدَّة ، لا علاقة لها بالأزمات ، لا علاقة لها بالفَقر ، لا علاقة لا بالضَعف ، لا علاقة لها بالمرض ، إنه وعدٌ إلهي ..

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

 

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ

 

من معاني استغفار النبي من الذنب :

 

       العلماء وقفوا عند هذه الآية مواقف عديدة ، بعضهم قال : استغفر لذنب أمَّتك ـ شيء جميل ـ بعضهم قال : تعبَّد الله النبي بهذا الدعاء ، أيْ  ادعُني هكذا ليقتديَ بدعائك أمَّتُك من بعدك ، استغفر لذنبك تعبُّداً ، أيْ تعبدني بهذا الدعاء لتكون قدوةٌ لأمَّتك من بعدك .

      وبعضهم فسَّر ذنب النبي عليه الصلاة والسلام تفسيراً رائعاً وهو أن النبي كلَّما عرف الله في درجة ، ثمَّ عرفه في درجة أعلى يشعر أنه قد وقع في ذنب ، ذنبه أنه ما عرفه حقَّ المعرفة ، ما قدَّره حقَّ التقدير ، هذا تفسير أيضاً .

        إما : " واستغفر لذنب أمَّتك " ، أو أن الله سبحانه وتعالى أمره أن يتعبَّده بهذا الدعاء لتَقتديَ به أمَّته من بعده ، وإما أن ذنب النبي عليه الصلاة والسلام له تفسيرٌ يليق بكماله ، إنه كلَّما عرف الله ، ثمَّ عرفه معرفةً أعلى ، شعر أن معرفته السابقة ذنبٌ من الذنوب ، كما لو أنك ظننت أن فلانًا يحمل هذه الشهادة ، وعاملته على أنه يحمل هذه الشهادة ، ثمَّ اكتشفت أنه يحمل شهادة أعلى ، تشعر بالخجل أمامه ، ظننته في مستوى أقلَّ مما هو فيه ، هذه بعض التفاسير ..

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

 

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ

 

1 ـ معنى العشي والإبكار :

 

      العشي والإبكار قال بعضهم : صلاة الفجر وصلاة العصر .

     وقال بعضهم : قبل أن تُفْرَض الصلوات الخمس كانت صلاتان ؛ صلاةٌ في الفجر، وصلاةٌ قبل النوم .

 

2 ـ لابد من التسبيح في كل وقت :

 

       على كلٍ القصد أن المؤمن عليه أن يسبِّح الله عزَّ وجل في أوقاتٍ دوريَّةٍ في يومه وليله ، لأن ذكر الله غذاءٌ للقلوب ، والأطبَّاء يتحدَّثون دائماً عن الغذاء المتوازن ، تحتاج إلى بروتين ، تحتاج إلى نشويات ، وتحتاج إلى معادن ، تحتاج إلى فيتامينات ، تحتاج إلى خضار ، فواكه ، مواد دسمة مثلاً ، والتعبير الآخر لابدَّ من غذاءٍ متوازن ، فأنت تحتاج إلى غذاء لجسمك ، وهذا معروف وبديهي ، وليس له مشكلة ، لكنك تحتاج إلى غذاء لعقلك ، وهو العلم ، تحتاج إلى غذاء لقلبك ، وهو الذكر ، وتلاوة القرآن تقع في رأس الذكر ، والاستغفار يعد من الذكر ، والدعاء يعد من الذكر ..

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾

 

2 ـ لابد من محبَّةِ الله المنعِم :

 

      لذلك :

(( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي )) .

[الجامع الصغير عن ابن عباس]

       أيْ أنّ عليك أن تحب الله لهذه النعم التي أنعمها عليك ، فأنت من فرقك إلى قدمك مغموسٌ بنعم الله عزَّ وجل ، أقرب نعمة لك ذاتك ، جسمك الذي بين جنبيك .

       نعمة البصر ، أحد الأدباء الذين فقدوا بصرهم ، كان يذهب إلى بلد أوروبي يصيِّف فيه ـ توفي هذا الأديب ـ خطر في بالي مرَّة أنه لو وُضع في قرية من قرى الصعيد بغرفة فيها مكيَّف فشأنه كما لو كان في ذاك البلد الغربي ، لأنه لا يرى شيئاً ؛ جمال الطبيعة ، جمال الجبال ، جمال البحار ، كل ما خلق الله من جمال لا معنى له بلا هذه العين ، معنى ذلك ؛ انظر إلى عظمة ما أنت فيه من نعم : نعمة البصر ، فنعمة السمع ، نعمة النطق ، نعمة العقل ، نعمة الحركة :

(( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا )) .

[ الترمذي عن ابن عمر ]

        نعمة السُمْعَة الطيِّبة بين الناس ، نعمة الأهل والتئام الأسرة في البيت ، نعمة المأوى ، نعمة الأولاد ، فأنت مغمور بالنعم ، وأقلُّ شيء في الجسم القناة الدمعيَّة ، لو سُدَّت لصار الدمع دائماً يسيل على الخد ، والدمع قلوي يحدِث التهابات في الجلد ، فتحتاج إلى مراهم ، وإلى محارم ، وإلى مناديل ، لأن القناة الدمعيَّة سُدَّت ، كل شيء يعمل بانتظام ؛ القلب يعمل بانتظام ، الرئتان ، المعدة ، الأمعاء ، البنكرياس ، الغدَّة الدرقيَّة ، الغدد الأخرى تعمل بانتظام، الكظر ، والنخاميَّة ، الأجهزة ، العضلات ، الأعصاب ، الأوتار ، جهاز الإدرار ، كله سالم ومنتظم ، هذه كلها نِعَم ، وتتوجه أخيرا نعمة الهدى الذي يرقى بك إلى الله .

 

نعمة الإيجاد والإمداد والرشاد :

 

     لذلك قال العلماء : هناك ثلاث نعم كبرى ، نعمة الإيجاد ، فأنت موجود ..

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

( سورة الإنسان )

       ونعمة الإمداد ؛ أمدَّك بالهواء ، أمدَّك بالماء ، بالطعام ، بالشراب ، بالأهل ، بالبنين ، بالمأوى ، .

       وأخيرًا نعمة الهُدى والرشاد ، وهي في رأس النعم كلِّها ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ

 

1 ـ الجدل لردّ الحقّ :

 

      هذه الآية دقيقة المدلول جداً ، الإنسان أحياناً تتضارب مصالحه مع الهُدى ، يتوهَّم أنه لو اهتدى لفَقَد مكانته ، أو فقد منصبه ، أو فقد دخله الكبير ، له دخل مشبوه ، لو أنه تاب إلى الله من هذا العمل لفقد دخله ، لو أنه تابع النبي عليه الصلاة والسلام لفقد زعامته ، هناك أشخاصٌ أقوياء أو أغنياء يتوهَّمون أن مصالحهم تتناقض مع اتِّباع الهدى ، لذلك يلجؤون إلى ردِّ الهدى ، إلى تكذيب الدعوة ، إلى الحديث عن أغلاطها ، عدم منطقيَّتها ، هذا سمَّاه الله الجَدَل ، فالكلام الباطل هو الذي ليس رجل انم يقف عليهما ، وليس عليه دليل ولا منطق ، ولا واقعية ، خلا من كل حقيقة ، هذا الكلام المبني على أدلَّة واهية ، وعلى لقطات مفتعلة وفيها طعن في الدين ، هذا الكلام سمَّاه الله في القرآن الكريم جدلاً ..

﴿ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا(54) ﴾

( سورة الكهف )

       لأن أساس حياته شهوته ، فإذا دعوته إلى الدينٍ ، والدين طبعًا يحدُّ من شهوته ، فإنه يرفض هذا الدين ، كيف يرفضه ؟ يدَّعي أن هذا الدين كذب ، يدَّعي أنه سِحر ، يدَّعي أنه كِهانة ، يدَّعي أنه خيالات ، يدَّعي أنه أوهام ، يدعي أنه غيبيَّات ، فما يقوله أعداء الدين من أن الدين غيبيَّات ، أو أوهام ، أو مشاعر نفسيَّة مرضيَّة ، أو شعور بالضعف أمام قوى الطبيعة ، هذا الذي يقوله أعداء الدين ما هو إلا جدل ، والسبب أنهم توهَّموا أن اتباع الهدى يحدُّ من شهواتهم ، وأن اتباع الهدى يقيِّدهم ، أو أن اتباع الهدى يفقدهم مراكزهم ، أو أن اتباع الهدى يفقدهم دخلهم الكبير ، لذلك يلجؤون إلى محاربة الدين ، ويلجؤون إلى الطعن بالدين ، وإلى تفنيد حقائق الدين ، كما يلجئون إلى أدلَّةٍ واهيةٍ متداعية ، فماذا قال الله عزَّ وجل في شأن هؤلاء ؟ لقد قال سبحانه :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾

 

2 ـ الجدال بغير حُجّةٍ طمعا في المكانة العليّة :

 

      بدون حجَّة ، وبدون دليل ، ومن غير هدى ، وليس لديهم كتاب منير ، ولا نقل صحيح ، ولا عقل صريح ، قال :

﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ﴾

       يطمعون في منزلة عليَّة ولو اهتدوا لفقدوا هذه المنزلة ، يتطلعون إلى ثروة طائلة ، ولو تابوا إلى الله لفقدوا هذه الثروة ، هذا الكبر ، إما أنه كبر معنوي ، أو كبر مادي يمنعهم من الهدى .

 

3 ـ المجادل بغير حق لا يبلغ هدفه الدنيوي :

 

       لكن الشيء المؤسف أن هذا الكبر ..

﴿ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾

(( من حاول أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى )) .

[ الجامع الصغير عن أنس ]

     هذا مثل يوضِّح الفكرة : لو أن إنسانًا يقود سيارة وأمامه طفل ، فخاف أن يدهسه ، فوضع رجله على المسرِّع بدَل المكبح ، ما الذي يحدث ؟ يقتله ، أخطأ الطريق ، وأخطأ الهدف ، هذا الحديث اجعلوه شعاراً لكم : (( من حاول أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى )) .

        أيْ أنَّك إذا أردت أن ترضي الزوجة لتسعد بها على حساب دينك فلن تسعد بها ، سوف تكون أشقى زوجٍ على وجه الأرض ، لو أردت بهذه التجارة المحرَّمة أن تصبح غنياً ، لن تكون إلا أفقر الناس ، إذا كان في الحياة شيء يناقض هذا الكلام ائتوني به  .

(( من حاول أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى )) .

 [ الجامع الصغير عن أنس ]

         على مستوى التجارة ، على مستوى الوظيفة ، إذا أردت أن تتقرَّب من هذا الذي هو أعلى منك رتبة في الوظيفة ، فعصيت الله إرضاءً له ، فلن يزيدك هذا العمل إلا بعداً عنه ، وهو يحتقرك ، يخلق الله الظروف فيبعدك عنه ، أنت عصيت الله من أجله ، فالله ألهمه أن يسخط عليك ، وهذه سنّة طردية ، لذلك أنا أمتحن عقل الإنسان من هذا الباب ، هل يسلُك إلى أهدافه طريق الصحيح ؟ إن سلك إلى أهدافه ـ وقد تكون أهدافه مشروعة ـ إن سلك إلى أهدافه المشروعة طريقَ التقوى فالله عزَّ وجل يوفقه ويسدِّده ، وإلاّ يخطئ أهدافه ، ويجانبه التوفيق ، بل قد يكون قد تردّى في ضلال ، ويجني الفشل و الخيبة .

       هناك حفرةٌ سحيقة ما لها من قرار ، وهنا قصرٌ منيف رائع ، وأنت بين الحفرة والقصر ، فإذا سلكت إلى هذا القصر سبيل المعصية اقتربت من الحفرة ، وابتعدت عن القصر ، وإذا سلكت لهذا القصر طريق الطاعة اقتربت منه ، أيْ لا يمكن أن يتحقَّق هدفٌ سامٍ وغاية صالحة على وجه الأرض إلا بتوفيق الله ، لقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ ﴾

( سورة هود : من الآية 88 )

        لذلك :

(( من حاول أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى )) .

[ الجامع الصغير عن أنس ]

       إذا خالف الإنسان أمر الله عزَّ وجل في البيع والشراء ليحصِّل ثروةً طائلة ، هذا المال الذي حصَّله يمحقُه الله ، ويتلفه ، وما أكثر الطرق التي يُتْلَف بها المال ، يقول لك : لست محظوظًا ، والحقيقة أن تلفُه بسبب المعاصي ، ويا ربِّ لقد عصيتك ، ولم تعاقبني ، فوقع في قلبه : أن يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدر .

     احفظوا هذا القول :

(( من حاول أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب لمجيء ما اتقى )) .

[ الجامع الصغير عن أنس ]

       هنا يقول :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ﴾

هم عرفوا أن النبي على حق ، وأن دعوته حق ، وأن القرآن حق ، وأن الجنَّة حق ، وأن الآخرة حق ، لكنهم لو تبعوه لفقدوا مكانتهم في قومهم ، وفقدوا زعامة قريش ، وصاروا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، في نظرهم صاروا سوقةً ، وقد كانوا سادةً ، لذلك عارضوه ، وناجشوه ، وكذّبوه ، وقالوا : ساحر ، وشاعر ، وكاهن ، ولم يصدِّقوه ، وائتمروا على قتله ، وأخرجوه ، فماذا كانت النتيجة ؟ أنه خاطبهم ، وهم قتلى في بدر فقال فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ :

(( يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا ،

 

 فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَسْمَعُوا ؟ وَأَنَّى يُجِيبُوا ، وَقَدْ جَيَّفُوا ؟ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا

 

 أَقُولُ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا )) .

[ مسلم ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾

       ليس لديك حجَّة ، وليس لديك دليل ، وليس من آية كريمة واضحة ، ولا حديثٍ صحيح ، ولا منطق ولا برهان ، لكنك تريد أن تعارض الدين رغبة في المناجزة وكبرًا ، وأن تتهمه اتهامات باطلة ، أن تنعته بما هو بريء منه ، تريد أن تطعن برجال الدين مماحكة ، لأنهم إذا دعوك إلى الله حَدُّوا من شهوتك ، هؤلاء ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ﴾

       هذه (إن) حرف نفي بمعنى ما ، أيْ ما في صدورهم إلا كبرٌ ..

﴿ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾

 

4 ـ المعصية لا تقودك إلا إلى الخسارة :

 

     بالتعبير العامي ـ لا يحلمون فيها ـ لا تحلم عن طريق المعصية أن تنال أهدافك ، سبحانك إنه لا يذل من واليت ، ولا يعزُّ من عاديت ، لا تحلم أن تصل إلى هدفك بالمعصية ، المعصية لا تقودك إلا للهاوية ، المعصية لا تقودك إلا إلى الذُل ، المعصية لا تقودك إلا إلى الفقر ، المعصية لا تقودك إلا للمصيبة ، المعصية لا تقودك إلا للهلاك ، لذلك :

﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾

      فاحذر أن تكون منهم ، فالتعليم لنا معشر المؤمنين ، إياك أن تبتغي أمراً بمعصيةٍ ، إياك أن يمنعك كبرك ، ومركزك ، ومكانتك ، ومالك عن أن تستجيب لأمر ربِّك ، فهناك من أعمام النبي من هم أكبر منه سناً ، بعضهم استجاب له فكان إذا سُئل عن النبي يقول : << هو أكبر مني ، وأنا ولدِتُ قبله >> ، فالله رفع شأنه ، جعله في أعلى عليين ، والذين عارضوه ، وكذَّبوه كبراً وحسداً قال الله عنهم :

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3) ﴾

( سورة المسد )

      فبشكل عام لا تمنعك مكانتك ، علمك ، شهادتك ، مكانتك الماليَّة ، مكانتك الاجتماعيَّة أن تحضر مجلس علم ، لا تمنعك مكانتك أن تستجيب لإنسان مخلص في دعوته ، يهدف إلى إرساء الحق في المجتمع ، أخي أنا أكبر منه في السن ، أنا أفهم منه ، أنا أذكى منه ، أنا لي مكانة أسمى ، هذه عنعنات جاهليَّة ، قال جبلة بن أيهم لعمر الخليفة :

كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج ؟

كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضَ ؟

 قال له : هذه نزوات الجاهليَّة ، ورياح العنجهيَّة قد دفناَّها ، وأقمنا فوقها صرحاً جديدا ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا

*  *  *

       الإسلام سوَّى بين الناس ، الإسلام أعطى قيَمًا خالدة ..

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات : من الآية 13 )

       زعيم قريش وقف في باب عُمر ساعات لم يؤذن له ، أما بلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ، قال له بعد طول انتظار : << زعيم قريش يقف في بابك ساعاتٍ دون أن يؤذن له ، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان ؟! قال عمر : أأنت مثلهما ؟ >> ، إنه عزُّ الإسلام .

      ثم قال تعالى :

﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ﴾

 

5 ـ الكبر ماديٌّ ومعنويٌّ :

 

       إما كبر مادي ، خائف على ثروته ، كأن يكون ممن يتعامل بالرّبا ، فكل مجلس علم فيه كلام عن الربا يهاجمه ، ويدّعي أن هذا الشيخ لا يفهم . لماذا ؟ لأنه يتناقض مع مصلحته الماديَّة ، فهذه المجادلة أساسها مصلحته ، قال :

﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ﴾

      أو كبر معنوي ، له مكانة ، إذا اتَّبع أهل الإيمان صار تابعًا ، ولم يعد الشخص الأول .

﴿ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾

        وبالتعبير العامي ـ لا يحلمون فيه ـ أي لن تتحقق أحلامهم ، بل ستبقى أحلامهم أوهامًا ، والدليل التاريخ أمامكم ، كفَّار قريش ما مصيرهم ؟ دُفِنوا في قليبٍ في بدر ، أصحاب النبي ؛ رفع الله شأنهم ، وأعلى مكانتهم ، وفُتِحَت البلاد على أيديهم ، ونحن نترضَّى عنهم كل يوم ، وازن بين أبي جهل وبين عكرمة بن أبي جهل ، هذا سيدنا عكرمة ، والثاني تقول : أبو جهل ، لأنه جهلٌ في جهل ، أو قل : جهل مركّب .

﴿ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

 

المعرِض عن الحق غواه الشيطان فلابد من الاستعاذة منه :

 

       فالإنسان ليحكِّمْ عقله ، وليخضْع نفسه للحق ، وليروِّض نفسه على قبول الحق والرضا به  ، وأحياناً الإنسان الكبير يدفعه الكبر ، ويحول بينه و بين الحق والصواب ، بينما يكون مجلس العلم عند المؤمن روضة من رياض الجنَّة ، تتعرف فيه على كلام الله عزَّ وجل ، وتفهم معانيه و مراميه ، وهذا مكسب عظيم جداً ، تعرف كتابك المقرَّر الذي سوف تُمتحن به ، تعرف منهجك ، تعرف دستورك ، تعرف خطاب الله لك ، تعرف ماذا يريد الله منك ، كل هذا في كتاب الله ، وكل هذا في مجالس العلم ، فالإنسان يدّعي بأنه لا وقت لديه إنما هو فريسة للشيطان ، قاده مِنْ ناصيته واستقاده ، و لم يعد قادراً على الإفلات منه ، قال سبحانه في وصفهم :

﴿ كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 65 )

       الدنيا لديه لعب ولهو ، وهناك سهرة تروِّح عن نفسه بعد أسبوع من عمل متواصل كما يدّعي ، وقد يدّعي أن السوق اليوم مقبلة رابحة ، ومنذ وقت والأسواق كاسدة ، وهذه فرصة لا يريد أن تفوته ، والخلاصة أن الدنيا أثيرة ، وآخرته هينة رخيصة ، لذلك :

﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 

والحمد لله رب العالمين



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب