سورة الأعراف 007 - الدرس (23): تفسير الآيات (055 - 056) الدعاء وطريقة المناجاة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأعراف 007 - الدرس (23): تفسير الآيات (055 - 056) الدعاء وطريقة المناجاة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج صناعة الأبناء: صناعة الابناء- ح 20 - 21 - 8-2019 كيف نهيء ابناءنا للمدارس           برنامج المصــارع:  المصارع - 22 - صراع مع اللقمة الحرام           برنامج تربية الأولاد:  تربية الأولاد في الإسلام - 072 - خلق الإيثار 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - صلوا صلوا           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0393 - سورة يونس 062 - 064           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 170- الشيخ محمد أبو الرب -19 - 08 - 2019         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأعراف

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأعراف - تفسير الآية: (055 - 056) - الدعاء وطريقة المناجاة

21/03/2011 09:30:00

سورة الأعراف (007)
الدرس (23)
تفسير الآيات: (55 ـ 56)
الدعاء وطريقة المناجاة
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة الأعراف  ، ومع الآية الخامسة والخمسين ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ¯وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
 
 الدعاء:
 
1 – الدعاءُ عبادة :
﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾  .
أيها الإخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح قال :
(( العبادة هي الـدعاء )) .
(( والدعاء مخ العبادة )) .
[ أخرجه الترمذي عن أنس ] .
والدعاء هو العبادة ، على اختلاف الروايات .
2 – لماذا كان الدعاء عبادة ؟
أيها الإخوة ، لماذا الدعاء عبادة ؟ لأن الإنسان بفطرته لا يدعو جهة لا يؤمن بوجودها ، فلا أحد يدخل إلى بيت فارغ ، ويخاطب جهة ليست موجودة ، يتهم بعقله ، أنت لا تدعو جهة لا تؤمن بوجودها ، وأنت لا تدعو جهة لا تسمعك ، وأنت لا تدعو جهة ليست قادرة على تحقيق ما تطلب منها ، وأنت لا تدعو جهة تسمعك وقادرة ، ولكنها لا تريد أن ترحمك ، لا تدعوها ، أعدائك ، لمجرد أن تدعو الله عز وجل حكماً أنت مؤمن بوجوده  ، ومؤمن بأنه يسمعك ، ومؤمن أنه قادر على أن يلبيك ، ومؤمن بأنه يحب أن يلبيك ، خلقك ليرحمك .
لذلك يقول الله عز وجل :
 
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾
 ( سورة الفرقان الآية : 77 ) .
علامة المؤمن أنه يدعو الله عز وجل .
3 – ضعفُ الإنسانِ يضطره إلى الدعاء :
لكن هناك تمهيد لا بد منه ، أراد الله عز وجل  لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة ، أن يكون الإنسان ضعيفا .
 
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾
 ( سورة النساء ) .
هذا ضعف في أصل خلقه ، والإنسان كما قال تعالى :
 
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ¯إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ¯وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً¯إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
 ( سورة المعارج ) .
لماذا خلقه الله هلوعاً ، جزوعاً ، منوعاً ، ضعيفاً ؟ لأنه لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته عن الله عز وجل ، فشقي باستغنائه ، خلقه ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره ، خلقنا ضعفاء ، وساق لنا بعض المصائب كي نتعرف إليه ، ونتصل به ، ونسعد بقربه ، ونذوق طعم القرب منه .
4 – علة الدعاء الاتصالُ بالله :
هذه النقطة دقيقة جداً ، علة الدعاء أن تتصل به ، هناك نخبة من البشر يتصلون بالله عز وجل من دون مشكلة ، من دون مصيبة ، من دون ابتلاء ، هؤلاء الأنبياء والمرسلون ، وكبار العلماء ، الصدقون ، الصحابة الكرام ، لكن عامة المسلمين يحتاجون إلى بواعث ، إلى دوافع ، إلى محفزات ، أحياناً يضعف الإنسان أمام مشكلة ، ليس له إلا الله ، يدعو الله عز وجل فيستجيب له ، فتزاد عقيدته بالله ، يدعو الله فيستجيب له ، ويذوق طعم القرب منه ، فيلزم هذا الباب ، فكم مِن مشكلة سببت قرباً من الله ، وكم من مشكلة سببت عودة إليه ؟ وكم من مشكلة سببت قرباً منه ، كم من مشكلة سببت أن الإنسان بعد أن يعرف الله يزهد فيما سواه .
هناك قصة رمزية يرويها بعض العلماء : أن شاباً أحب فتاةً وخطبها ، اشترط عليه والدها ، وهو له عمل في الدعوة أن يلزم دروسه ، فلما لزم دروسه ذاق طعم القرب  ، وشعر بسعادة الإيمان ، فنسي المخطوبة ، فبعثت له برسالة :
أين أنت ؟ قال : يا وصال كنت سبب الاتصال .
أحيانا تأتي مشكلة خلاصك فيها ، ساق الله لك مشكلة ، وأنت ضعيف ، أنت في الأساس ضعيف ، ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ ، هذا الضعف في أصل ضعفه ، لمصلحته  ليلتجأ إلى ربه .
حينما تصيب الإنسان مشكلة ، ويرى الأبواب كلها مغلقة ، لكن باب السماء مفتوح ، يتوجه إلى الله .
لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة :
(( ينْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه ؟ حتى ينفجر الفجر )) .
[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]
القصد من الدعاء الحقيقي أن تتصل بالله ، وأن تذوق طعم القرب منه ، وأن ترى ألوهيته ، الأمر كله بيده .
5 – الدعاء يقوي العقيدة :
أجمل كلمة قرأتها عن الدعاء أنه يقوي العقيدة ، أنت ضعيف ، والأمور صعبة جداً ، وهناك مشكلة كبيرة جداً لا تحل ، قمت في الليل ، وركعت ركعتين ، وتوجهت إلى الله عز وجل ، وقلت : يا رب ، ليس لي سواك ، في اليوم التالي شعرتَ بتبدل جذري ، الذي كان مصراً على منعك تساهل معك ، ما الذي حصل ؟ تشعر أن الله بيده كل شيء ، تشعر بيده مَن هم دونك ، مَن هم فوقك ، بيده الأقوياء ، بيده الجبابرة .
سيدنا موسى لمَ لم يقتله فرعون ؟ لمَ هابه ، وأجرى معه مناظرة ؟ وجاء بالسحرة ، الأمر بيد الله عز وجل .
 
 
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ¯قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
( سورة طه ) .
 
 ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ¯  قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
 ( سورة الشعراء ) .
يا رسول الله ، لقد رأونا ، في الغار ، قال له :
(( يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا ؟ )) .
[ متفق عليه ] .  
أنا الذي أراه ، وأرجو أن أكون على صواب : أن الهدف من الدعاء أن تتصل بالله ، المشكلة التي ساقها الله إليك باعث ، سبب ، وسيلة ، أما الهدف فأن تقترب منه ، أن تدعوه ، فإن دعوته أجابك ، وإن استغفرته غفر لك ، وإن تبت إليه قبِلك ، وإن تضاءلت أمامه رفعك .
لذلك أيها الإخوة ، الإنسان خُلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه ، فيسعد بافتقاره ، ولو خُلق قوياً لاستغنى بقوته ، فشقي باستغنائه ، خُلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه ، فيسعد بافتقاره ، ولم يُخلق قوياً لئلا يستغني عن الله بقوته ، فيشقى باستغنائه ، ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ .
لذلك الباعث الديني من ضعف الإنسان ، حتى الذين آمنوا بآلهة ما أنزل الله بها من سلطان ، الآلهة الذين اخترعها الناس ، هم يلبون حاجة عندهم ، حاجة الضعف عندهم ، الإنسان ضعيف ، يخاف من مرض عضال ، يخاف من فقر ، يخاف من مشكلة في بيته   ، يخاف من علاقة سيئة مع زوجته ، يخاف من علاقة سيئة في عمله ، ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ ، هو ضعيف ليقوى بالله ، فقير ليغتني بالله ، جاهل ليستنير بنور الله ، هذه علة الدعاء أن تتصل به .
المثل الواضح : أب عنده ابن ، وجاء فصل الشتاء ، والبرد شديد ، وهذا الابن ليس عنده معطف ، هل هناك أب حكيم عاقل رحيم قوي غني لا يعطي ابنه هذا المعطف إلا إذا سأله ، لا ، كمال الأب يقتضي أن يعطيه المعطف ، سأله أم لم يسأله ، ولكن حينما يؤخر شراء المعطف يأتي الابن ، ويسأل أباه هذا المعطف ، يقول له : حباً وكرامة يا بني ، أنت ابني ، أنت غالٍ علي ، فنشأت علاقة .
6 – عدمُ إجابة الدعاء لحكمة بالغةٍ :
العطاء عطاء ، والمنع منع ، أدق من ذلك الله عز وجل يتصرف بحكمته ورحمته ، وعدله ، والدعاء لا يقدم ولا يؤخر ، ولكن الدعاء تذوق به طعم القرب ، أحيانا هناك خطة إلهية ، مهما دعونا فلن يستجاب لنا ، لا ، لأنه لا يحبنا ، ولكن تماماً كإنسان مفتوح بطنه بعمل جراحي ، العملية طويلة ، تحتاج إلى عشر ساعات ، والمرض خطير ، والطبيب ماهر ومحسن ومتفوق ، فجاء أولاد هذا الأب المريض الملقى على سرير العمليات يرجون الطبيب أن ينهي الأمر ، لا بد من أن تأخذ العملية أمدها .
نحن ندعو الله كثيراً ، فإن لم يستجب فنحن في عناية مشددة ، نحن في عمل جراحي صعب جداً إلى أن تنتهي العملية ، فلا تيئسوا ، ولا تقطنوا من روح الله ، وتفاءلوا ، وكان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل الحسن .
7 – شأن العبد الافتقار ، وشأنُ الواحدِ القهارِ القوةُ والكرمُ :
لكن الله عز وجل يقول : ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ ، العبد عبد ، والرب رب ، شأن العبد الافتقار ، وشأن الواحد القهار القوة والكرم .
لذلك هذا المتأله المستكبر هذا حُجب عن الله ، ورُبّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ، ومعصية إبليس استكباره ، ومعصية آدم ضعفه .
 
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾
 ( سورة طه ) .
ما إبليس قال :
 
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
                                                                                         ( سورة الأعراف الآية : 12 ) .
ما كنت لأسجد له .
 
 
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
 ( سورة الأعراف الآية : 12 ) .
فرق كبير بين معصية الاستكبار ، وبين معصية الضعف .
لذلك أيها الإخوة ، الدعاء يُقبل إذا أظهرت ضعفك أمام الله ، وهناك علاقة دقيقة جداً ، فكلما أظهرت ضعفك أمام الله ، كلما أظهرت افتقارك إليه كلما رفعك ، وما من مخلوق فيما أعلم على وجه الأرض أكثر افتقاراً إلى الله من رسول الله ، وما من مخلوق رفع الله ذكره وأعزه في الدنيا والآخرة كرسول الله ، العلاقة عكسية ، كلما ازددت خضوعاً لله ، كلما مرغت جبهتك في أعتاب الله كلما قلت : يا رب ، أنا عبد ضعيف .
اسمحوا لي أن أقول لكم هذا النص : نور الدين الشهيد الذي واجه المغول ، مرة سجد قبل معركة ، وقال : يا رب ، مَن هو الكلب نور الدين حتى تنصره ؟ انصر دينك يا رب .
كلما ازددت افتقاراً إليه غمرك بالعطاء ، كلما رفع ذكرك أعزك ، وألقى عليك الهيبة ، وكلما قلت : أنا وأنا يتخلى عنكَ .
 
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾
 ( سورة القصص الآية : 79 ) .
قارون :
 
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
 ( سورة القصص الآية : 78 ) .
 
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
 ( سورة القصص الآية : 81 ) .
جرب قل : أنا ، يتخلى الله عنك ، قل : الله ، يتولاك .
 
 درسان بليغان من سيرة الصحابة : درس حُنين ، ودرسُ بَدْرٍ :
 
الصحابة الكرام ، وهم نخبة الخلق في بدر ، وعلى رأسهم النبي عليه الصلاة والسلام افتقروا إلى الله .
 
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
 ( سورة آل عمران الآية : 123 ) .
مفتقرون ضعفاء ، وفي حنين ، أقوى قوة في الجزيرة فتحت مكة ، ودانت الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، بعد حنين قالوا في أنفسهم ، وهم الصحابة الكرام :
(( لن يهزم اثنا عشر ألفا من قلة)) .
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ] .  
قال تعالى :
 
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
 ( سورة التوبة ) .
درس بليغ ، درس حنين ودرس بدر ، ببدر قالوا : الله ، فتولاهم الله ، بحنين قالوا : نحن كثر ، فتتخلى الله عنهم ، جرب بعملك ، بزواجك ، ادخل إلى البيت قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، اخرج من البيت قل : أعوذ بالله من أن أضل أو أُضل ، أو أذل أو أُذل     ، أو أن أجهل أو أن يجهل علي ، الله يتولاك ، يسدد خطاك ، ينطقك بالصواب ، يلهمك الحكمة ، يلقي عليك هيبة ، يهابك الناس ، قل : أنا متفوق ، عندي خبرات متراكمة ، الناس كلهم يحبونني ، تجد استخفافاً من الناس ، وتخلياً من الناس ، فيصعقك ، لأنك قلت أنا .
أيها الإخوة ، لذلك الدعاء يحتاج إلى خضوع ، إلى تضرع ، إلى افتقار ، أنت حينما تفتقر للواحد الديان يرفعك في أعلى عليين ، يمنحك الحكمة ، يمنحك الهيبة ، يمنحك الوقار ، يمنحك القوة ، يمنحك العلم ، يمنحك النجاح ، التفوق ، اخضع ، تذلل .
وما لي سوى فقري إليك وسيلة       فبالافتقار إليك فقري أدفع
وما لي سوى قرعي لبابك حيلة       فإذا رددت فأي باب أقرع
***
لا تعتمد على أحد ، اعتمد على الله .
(( لو كنت متخذ من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي ، لكن أخ وصاحب في   الله  )) .
 
 معنى : ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
 
لذلك : ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ ، يعني أظهر ضعفك ، أظهر افتقارك إليه ، تذلل بين يديه ، مرغ جبهتك في أعتابه ، قل : يا رب ، أنا جاهل علمني ، أنا ضعيف قوني ، أنا فقير أغنني يا رب ، أنا لست حكيماً ألهمني الحكمة .
سيدنا يوسف نبي عظيم قمة في مجتمعه ، قال :
 
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
 ( سورة يوسف ) .
حتى استقامته وعفته ما نسبها إليه ، ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ .
شأن العبد الخضوع ، وشأن الله العطاء ، بقدر ما تخضع يرفع شأنك ، ألم تقرأ قوله تعالى :
 
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ¯وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ¯الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ¯وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
 ( سورة الشرح ) .
وهذه الآية تنسحب على كل المؤمنين ، بقدر استقامته ، وطاعتك وإخلاصك يرفع الله لك شانك ، يلقي محبتك في قلوب الخلق ، إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق وإذا ابغض الله عبداً ألقى بغضه في قلوب الخلق ، لا أحد يحبه ، إذا أحب الله عبداً كتب له القبول عند الخلق .
لذلك ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ أظهر ضعفك ، أظهر تذللك ، مرغ جبينك في أعتابه .
8 – لا ترفع صوتَك بالدعاء :
أيها الإخوة ، لكن ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ رفع الصوت بالدعاء  التفاصح بالدعاء ، الكلمات المنمقة بالدعاء ، الدعاء الطويل ، ساعة أحياناً .
حدثني أحد العلماء : كان في حفل بدأ المتكلم بالدعاء ، خمس دقائق ، عشر دقائق ربع ساعة ، قام نام ، فاق وقال له : أين وصل ؟ هذا عدوان ، رفع الصوت عدوان   والإطالة عدوان ، عدوان في الدعاء .
9 – حقُّك في الدعاء محفوظ :
أيها الإخوة ، يجب أن تتأكد أنك إن دعوته ، أو لم تدعه لا يفعل معك إلا الأصلح ، فإذا كان الأصلح لك أن يستجيب لك استجاب لك ، وإذا كان الأصلح لك ألا يستجيب لا يستجيب ، لكنك حقك في الدعاء محفوظ .
دقق ، إذا كان الأصلح لك وهو الحكيم الخبير ، أن يستجيب لك استجاب لك ، إذا كان الأصلح لك ألا يستجيب لا يستجيب لك ، ولك أجر الدعاء ، ويقربك لكن مضمون الدعاء لا يتحقق .
لذلك الله عز وجل لا يفعل إلا الأصلح لك ، دعوته أم لم تدعُه .
 
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
 ( سورة البقرة الآية : 216 ) .
لأن الله علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون
قد يكون طموح الإنسان أن يكون ذا دخل غير محدود ، والله عز وجل شاءت حكمته أن يكون ذا دخل محدود ، يوم القيامة حينما يكشف الله لك عن الذي ساقه إليك ، عن الظروف التي وضعك فيها ، لماذا أنت من فلان ومن فلانة ؟ لماذا جئت في هذا العصر ؟ ولم تكن في عصر الصحابة ؟ لمَ كنت من ريف أو من مدينة ؟ لمَ كنت وسيماً أو لست وسيماً ؟ لمَ كنت حاد الذكاء أو أقلّ من ذلك ؟ حينما يكشف الله لك ما ساقه لك في الدنيا يجب أن تذوب كالشمعة شكراً لله على ما ساقه له .
لذلك مشكلة البشر مع خالقهم يوم القيامة في كلمة واحدة :
 
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 ( سورة يونس الآية : 10 ) .
أيها الإخوة ، ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ تذلل ، ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ ، يا رب ، لا نسألك رد القضاء ، نتحمل ، ولكن نسألك اللطف به ، هذا تطاول على الله ، هذا الدعاء مرفوض ، لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يا رب ، اصرف عني هذا البلاء كله ، أنت الكريم يا   رب .
﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ ، بصوت منخفض .
 
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
 ( سورة مريم ) .
كنت في بلد إسلامي ، ودخلت إلى أضخم مسجد في إفريقيا ، الذي أشاد هذا المسجد يقترب من الحرم النبوي ، الذي أشاد هذا المسجد استقبلني ، وقال لي : كنت في سجن الفرنسيين وقت الاستعمار ، ورأيت التعذيب بعيني ، أقسم لي بالله ، قال لي : لم أحرك شفتاي ، لكنني أضمرت ، إذا أنجاني الله من هذا البلاء سأبني له أضخم مسجد ، ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ .
أنت لا تحتاج إلى صوت مرتفع ، أحيانا تجد الدعاء بالمنبر ، ادعوه همساً ، ادعوه سراً ، لا تحرك شفتيك ، ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ﴾ .
أحيانا تكون في ظرف لا تستطيع أن تتكلم ، فقل بقلبك : يا رب نجيني ، يا رب ، ليس لي إلا أنت .
لما جاء الحجاج بالحسن البصري ليقطع رأسه لما دخل ، رأى السياف واقفًا  واضح وضوح الشمس جاء ليقتل ، حرك شفتيه ، لم يفهم أحد ما قال ، فإذا بالحجاج يقف له  جاء ليقتله وقف له ؟! يقول : أهلاً بابي سعيد ، أنت سيد العلماء ، وما زال يقربه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه ، وأكرمه ، وعطره ، وضيفه ، وشيعه إلى باب القصر  السياف صُعق ، لماذا جيء بي ؟! جيء به لأقتله ، الحاجب صُعق ، تبعه الحاجب قال : يا أبا سعيد ، ماذا قلت بربك ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .
لا تحتاج إلى صوت مرتفع ، ولا إلى فصاحة ، ولا إلى سجع ، ولا إلى كلمات رنانة .
هناك إخوة كثر يقولون : ما الدعاء المرغوب ؟ قل : ادعوه باللغة العامية ، يا رب ما لي غيرك ، يقبله منك يريد الله يقربك ، يريد قلبك ، يريد التفاتك ، يريد تضرعك ، يريد تذللك  يريد قربك .
لذلك أيها الإخوة ، ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ ، بلا فصاحة زائدة ، والمتنطعون المتفيقهون الذين يدعون دعاء بصوت عالٍ جداً بتنسق ، بسجع ، هذا مصنوع  ما فيه حرارة الدعاء والإخلاص .
10 – حظُّك من الدعاء الاتصالُ لا الإجابةُ :
أيها الإخوة ، حظك من الدعاء ـ دقق ـ حظك من الدعاء ليس الإجابة ، ولكن الاتصال ، الإجابة محققة أو غير محقق ، إن كان تحقيقها لصالحك فهي محققة ، وإن لم يكن تحقيقها لصالحك فهي ليست محققة ، هي محققة من دون دعاء ، ولا تحقق مع الدعاء   الدعاء وسيلة للاتصال عز وجل ، ولأن تذوق طعم القرب منه ، وحلاوة المناجاة له ، لكن الذي يفعله الله هو الأصلح له ، أعجبك أم لم يعجبك ، وسوف يعجبك .
 
 معنى : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
 
لكن : ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ .
هذه الآية تحمل على معنيين :
المعنى الأول :
﴿ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ في الدعاء ، بالإطالة ورفع الصوت .
المعنى الثاني :
ولكنه أيضاً : ﴿ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ على إخوانهم ، وعلى المؤمنين ، أيّ إنسان يعتدي لا يلهم الدعاء ، هناك حجاب عن الله ، عدوانه يبعده عن الله عز وجل ، والمعتدي لا يستطيع أن يدعو الله لوجود حجاب كبير .
 
صورٌ مِن العدوان في الدعاء :
 
1 – إطالةُ الدعاء : :
إخواننا الكرام ، أحياناً الدعاء فيه عدوان بالإطالة ، من أدعية النبي :
(( اللهم أنا بك وإليك ، اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً ، اللهم اهديني واهدي بي )) .
الدعاء مختصر ، العدوان بالدعاء بالإطالة ، أو برفع الصوت .
1 – العدوانُ من حيث المضمونُ :
لكن هناك عدوان في مضمون الدعاء ، مثلاً : يا رب ، يا عزيز ، مليون ليرة إنكليز ، يريد مالا .
 
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
 ( سورة يونس ) .
اطلب الهداية ، اطلب الإيمان ، اطلب عملا صالحا ، اطلب أن يجعلك الله عليماً ، أن يجعلك داعية ، اطلب زوجة صالحة ، يا رب امرأة جميلة ، اطلبها صالحة .
لذلك هناك عدوان في مضمون الدعاء ، طبعاً الأنبياء قمم في الكمال ، لكن ليعلِّمنا الله من بعض الآيات :
 
﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ¯قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
 ( سورة هود ) .
أحيانا يقال : يا رب انتقم منه ، الله ينصر دينه بالقوي ، من دون أن يشعر ، صدقوا أيها الإخوة ، ولا أبالغ ما مِن قوي على وجه الأرض طاغية من آدم إلى يوم القيامة ، إلا ويوظفه الله لخدمة المؤمنين ، لكن خدمة سلبية ، وليست إيجابية ، لخدمة أهل الإيمان ، من دون أن يشعر ، ومن دون أن يريد ، ومن دون أجر ولا ثواب ، هذا له دور ، دوره أن يشد الناس إلى الله ، شدته ، وغلظته ، وطغيانه ، وجبروته يلجئ الناس إلى باب الله .
لذلك مرة سُئل تيمورلنك : مَن أنت ؟ والله أجاب إجابة رائعة ، قال : " أنا غضب الرب " ، الإنسان يغضب يكسر ، يرفع صوته ، يخبط الباب ، إذا غضب الواحدُ الديان يرسل طاغية ، إن حسنت لم يقبل ، إن أسأت لم يغفر ، إن رأى خيراً كتمه ، عن رأى شراً أذاعه ، وما مِن إنسان يطغى إلا ويسوق الناس إلى باب الله ، تجد البلاد الغنية جداً مستغنية عن الله ، وبلاد فيها مشكلات كثيرة ، تجد المساجد ممتلئة ، الحجاب منتشر ، الشباب في المساجد ، هل تعلم ما السبب ؟ شدة شديدة جداً ، هذا القوي لو يعلم أنه موظف عند الله لخدمة المؤمنين لا يصدق ، وبلا أجر ، وبلا ثواب ، وبوزر وعقاب .
 
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
 ( سورة القصص الآية : 4 ) .
هذا الدليل : ﴿ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ولمجرد أن قيل له : سيأتي طفل من بني إسرائيل يقضي على ملكه ، القضية سهلة جداً ، أي طفل يجب أن يقتل ، والمولّدة التي لا تبلغ عن طفل ذكر تُقتَل مكانه .
 
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
 
 ( سورة القصص ) .
دقق الآن :
 
﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ¯وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
( سورة القصص ).
اصطلح مع الله فقط ، اصطلح مع الله يغير الله لك كل شيء .
 
 وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا
 
الآية التي  بعدها :
﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
هل بإمكانك أن تلغي إشراق الشمس ؟ لا ، بزوغ القمر ؟ لا ، نظام الليل والنهار ؟ لا ، خصائص المعادن ؟ لا ، هذه لا تأتمر بأمرك ، لكنك مخير فيما كلفت ، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب ، أن تخلص أو أن تخون ، أن تحسن أو أن تسيء ، أن تنصف أو أن تجحد ، بإمكانك .
فلذلك أيها الإخوة ، ما دام هذا بإمكانك إياك أن تفسد في منهج الله ، تزوجت زوجة ، إياك أن تسمح لها أن تبرز مفاتنها في الطريق ، أنت أفسدتها ، لما سمحت لها أن تخرج هكذا انتبهت إلى مفاتنها ، فأصبحت تظهرها لا لك بل لمن لا يستحقها ، بل للأجنبي ، بل للذئاب ، أنت أفسدتها ، ربيت أولاداً ربهم على طاعة الله ، لا على منهج استوردناه من الغرب .
﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ ﴾ .
 
الآن موضوع ثانٍ ، أول آية : ﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ هنا ﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ ، خوفاً من صفات جبروته ، ومن صفات جلاله .
 
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
 ( سورة البروج ) .
جبار منتقم ، ينتقم من العصاة ، ادعو ربك أن تنجو من صفات جبروته ، من صفات جلاله ، من صفات قدرته ، واطمع في صفات غفرانه ورحمته ، خوفاً من صفات جلاله ، وطمعاً بصفات كماله ، خوفاً من جبروته ، وطمعاً برحمته .
﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ  ﴾ .
هنا الآن محط الشاهد هنا .
 
 إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
 
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، ما عند الله لا تناله بالدعاء ، بل بالعمل  بالإحسان ، أحسن إحسانك يقربك من رحمة الله .
1 – معنى : قريب :
قريب صيغة مبالغة على وزن فعيل   بمعنى مفعول ، كقتيل يعني مقتول يعني ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ مقتربة ، أو مقربة من المحسنين ، إحسانك يقربك منها ، وهي مقتربة من إحسانك ـ كلام دقيق ـ هي اسم مفعول .
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ ﴾ مقتربة منك ، من إحسانك ، إحسان مقرب ، الإحسان اسم فاعل ، اسم المفعول رحمة الله ، رحمة الله عطاءه ، رحمة الله الصحة ، رحمة الله زوجة صالحة ، سمعة طيبة من رحمة الله ، أولاد أبرار من رحمة الله ، رزق وفير من رحمة الله ، عمر مديد في طاعة الله من رحمة الله ، سكينة من رحمة الله  ، حكمة من رحمة الله ، أمنٌ من رحمة الله  ، سعادة من رحمة الله ، فعطاء الله في الدنيا والآخرة المادي والمعنوي مجموع بكلمة رحمة الله .
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ ﴾ ، توفيقه ، تأييده ، حفظه ، نصره ، ألقى في قلبك السكينة ، ألقى في قلبك الأمن ، ألقى في قلبك السعادة ، ألقى عليك الهيبة ، خافك فمن حولك ، كلها من رحمة الله ، لك سمعة عطرة ، لسانك على كل فم ، ذكرك على كل لسان ، برحمة الله ، هي قريب يعني مقتربة ، بمعنى فعيل ، قريب على وزن فعيل ، كأن تقول : جريح ، أي مجروح ، مقتربة ، من أي شيء ؟ ﴿ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
2 – الإحسانُ عامٌّ : مِّنَ الْمُحْسِنِينَ :
أحسن ، أحسن إلى زوجتك ، إلى أولادك ، إلى زبائنك ، إلى مرضاك ، إلى موكليك أيها المحامي ، إلى صاحب البناء أيها المهندس ، راقب الصب ، لا تهمل واجبك ، بائع أعط الناس بضاعة تقبلها أنت ، تأكلها أنت إياك أن تسيء للناس ، إحسانك يحقق أهدافك من الدعاء ، الدعاء حظك منه القرب من الله ، أما مضمون الدعاء فلا يكون بالدعاء ، بل يكون بإحسانك للخلق .
(( إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلَ شَيْءٍ ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ )) .
[ رواه شداد بن أوس عند مسلم ] .
تقول رجل صبور ، وامرأة صبور ، رجل معطار يستخدم العطر كثيراً وامرأة معطار ، رجل قتيل ، وامرأة قتيل .
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ ، للذكر والأنثى ، اللغة هكذا ، أما إذا لم تقل : امرأة قتيلة ، مع كلمة امرأة لا تذكر ولا تؤنث ، امرأة هي المؤنث ، امرأة قتيل ، الآن يقولون النائب فلانة ، القاضي فلانة .
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيب ﴾ ، هذه قضية لغوية ، ﴿ مِّنَ  الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، المحسن إحسانه يقرّبه من الله .
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب