سورة غافر 040 - الدرس (4): تفسير الأيات (10 – 13)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة غافر 040 - الدرس (4): تفسير الأيات (10 – 13)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة غافر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة غافر ـ (الآية: 10 - 13)

24/11/2012 15:33:00

سورة غافر (040)
 
الدرس (4)
 
تفسير الآيات: (10 ـ 13)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة الأكارم ... مع الدرس الرابع من سورة غافر ، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى :
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾
 
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ
 
1 ـ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
 
كيف يكون الكافر حين يكشف الحقيقة يوم القيامة ؟
 
       يبدو أن الإنسان يوم القيامة حينما يرى مصيره الأبدي ، وحينما يرى أنه خسر كلشيء ، خسر نفسه التي هي أمانةٌ في عنقه ، لم يزكها ، بل دسَّاها ، وقد قال الله عزَّ وجل :
 
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
(سورة الشمس)
       حينما يرى الإنسان الحقيقة التي كان غافلاً عنها ، حينما يصبح بصره حديداً أي نافذاً ، حينما يكشف له الغِطاء ، حينما تضح الحقائق ، حينما يبدو ما كان خافياً عنه ، يصيبه من الألم ما لا سبيل إلى وصفه ، حتى إنه ورد في كتاب الجامع الصغير :
((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر إلي مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب )) .
[ الجامع الصغير عن جابر ، وفي إسناده ضعف ]
      فإضافةً إلى عذاب الحريق ، وإلى عذاب النار المادي ، هناك عذابٌ نفسي لا يحتمل ، فهؤلاء الذين كفروا ، معنى كفروا أي كذبوا بالحق لما جاءهم ، كذبوا وأعرضوا ، الإيمان تصديق وإقبال ، الكفر تكذيب وإعراض ، هؤلاء الذين كفروا يصيبهم من الألم ما لا سبيل إلى وصفه ، حتى أن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
(سورة البقرة)
 
لا يحتمل الندم والخسارة أحدٌ :
 
       أيها الإخوة ... مشاعر الندم صعبة جداً ، الإنسان إذا اكتشف فجأةً أنه خسر خسارةً كبيرة ، الخسارة في الدنيا صعبة ، خسارة المال صعبة ، يكون التاجر يتمتع بصحةٍ تامَّة ، وله بيت ، وله مركبة ، وله متجر ، وله مستودعات ، ومعه أموال طائلة ، يعقد صفقة من الصفقات فيخسر أرباحها ، وقد يخسر جزءاً من رأس ماله ، تراه بأحوالٍ لا توصف ، الخسارة مؤلمة ، خسارة جزءٍ من المال مؤلمة فكيف خسارة المال كله .
      أطباء القلوب عندهم حالات كثيرة ، أزمات قلبية حادة أساسها فقد المال ، والإنسان يوم القيامة لم يفقد ماله ، بل فقد نفسه ، رأس ماله الوحيد لدخول الجنة تزكية نفسه ، جاء إلى الدنيا وغفل عن الكون الذي سخَّره الله تسخير تعريف ، استخدم عقله على خلاف ما خلق له ـ كما قلت في الدرس السابق ـ استخدم عقله بخلاف ما خلق له ، لم يعبأ بفطرته ، نادته فطرته : لا تفعل ، يا عبد الله لا تفعل . لم يستجب لنداء الفطرة ، ولم يستمع لصرخة العقل ، ولم ينظر إلى عظمة الكون ، ولم يعبأ بهذا التشريع ، ولم يستخدم حظوظه إلا في خلاف ما خلقت له ، استخدم الشهوات لا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، بل ليهوي بها إلى أسفل سافلين .
      هذا حينما يكتشف الحقيقة ماذا يحصل له ؟ فتصور إنسانا باع بيته الذي في أرقى أحياء دمشق ، وباع البُستان مع كل مستلزمات قضاء الإجازات ، باع معمله ، باع مركبته ، باع المحلات ، وقبض أثمانها عملةً ، وذهب ليضعها في المصرف فإذا هي مزيَّفة ، ففي هذه اللحظة بماذا يشعر ؟ الصعقة لا تحتمل ، الخسارة صعبة جداً ، الناس نيام ، إذا ماتوا انتبهوا .
      هذا العمر ثمين ، ربنا عزَّ وجل أقسم بالعصر ، لأن الإنسان زمن ، والإنسان يستهلكه الزمن ، كلما مضت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات استهلك الإنسان ، فإذا اكتشف بعد فوات الأوان أنه خسر كل شيء ، خسر نفسه التي بين جنبيه ، هذه النفس كان من الممكن أن يعرفها بالله ، كان من الممكن أن يحمِلها على طاعة الله ، كان من الممكن أن يستخدم ماله ، ووقته ، وصحته ، وعقله ، ولسانه ، وبيانه ، وذكاءه ، وخبرته في الأعمال الصالحة التي هي ثمن الجنة ، كل هذا لم يحصل ، جاء إلى الدنيا ، وكان في غفلةٍ شديدة ، انهمك في الشهوات ، ثم فوجئ أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبه عن كل شيء ، الألم الذي يتحمله هذا الإنسان لا سبيل إلى وصفه ، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
       يا أيها الإخوة ، الإنسان صحا في الوقت المناسب فهذه نعمةٌ لا تقدر بثمن ، فما من نعمةٍ أثمن من أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان ، ما دمنا أحياء نُرْزَق ، ما دام القلب ينبِض ، ما دام في العمر فُسْحَة ، فنحن مدعوون إلى معرفة خطر مهمتنا .
 
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72) ﴾
(سورة الأحزاب)
      ما كان ظلوماً جهولاً حينما حملها ، أما إذا حملها ، ولم يؤدِّها كان ظلوماً جهولاً .
      يا أيها الإخوة ... كل شيءٍ يعرفنا بالله ؛ الكون ، القرآن ، العقل ، الفطرة ، الحوادث ، الحالة النفسية ، كل شيءٍ يعرفنا بالله عزَّ وجل ، فإذا غفل الإنسان عن الله ، وكذب بالحق لما جاءه ، وأعرض عن الله عزَّ وجل .
 
الكفر بين المفهوم الواسع والمفهوم الضيق :
 
       أيها الإخوة ما دام الحديث عن الكفر ، الحقيقة أن الكفر مصطلح واسع جداً ، له مفهوم واسع ، ومفهوم ضيِّق .
      توضيحاً لهذه الحقيقة : كلمة سيارة لها مدلول واسع ، ولها مدلول ضيِّق ، إذا قال واحد : أنا اشتريت سيارة ، ماذا نفهم ؟ أنه اشترى مركبة مصنوعة من الحديد لها محرك ، تعمل على الوقود السائل ، لها مقود ، هذا معنى سيارة ، فكيف ربنا قال :
 
﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾
(سورة يوسف : من الآية 19)
       هذه السيارة بالمعنى الواسع ، أي شيءٍ يسير اسمه سيَّار ، ومؤنثه سيارة ، إذاً : الكلمة لها معنى واسع ، ولها معنى ضيق .
 
   الكفر الاعتقادي :
 
     فكلمة الكفر معناها الضيِّق أن تكفر بوجود الله ، أن تكذِّب بوجوده ، أو أن تكذب بأحد أسمائه ، أو أن تكذب بكماله ، أو أن تكذب بوحدانيَّته ، لا أعتقد على وجه الأرض إلا قلةٌ قليلة تنفي وجود الله عزَّ وجل ، ومع ذلك في ضمائرهم ، وفي عقلهم الباطن ، وفي فطرتهم شعورٌ أن الله موجود ، ولكن هذا الذي يؤمن بوجود الله ، ولا يؤمن بوحدانيته ؛ يرى آلهةً كثيرةً ، كل شخص مهم يراه إلهاً ، كل شخص قوي يراه إلهاً ، يعبده من دون الله ، فهذا أحد أنواع الكفر الذي أساسه الشِرك .
      كفر ، فما رأى أن الله سبحانه وتعالى إضافةً إلى أنه موجود هو واحد ، إلهٌ في السماء ، وإلهٌ في الأرض ، ما رأى هذه الحقيقة ، رأى آلهةً من دون الله ، خاف منها ، أطاعها في معصية الله ، عبدها من دون الله ، رجا رضاها ، سعى إليها ، ثم يكتشف فجأةً بعد فوات الأوان أنها لم تكن شيئاً ، لم تكن شيئاً على الإطلاق ، لا إله إلا الله ، لا رافع ولا خافض ، ولا معزَّ ولا مذل ، ولا معطي ولا مانع ، ولا قابض ولا باسط إلا الله ، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
       فهذا الكفر ، الكفر بوجود الله ، أو الإيمان بالله والكفر بوحدانيته ، أو الإيمان بالله والكفر بكماله ، أو الكفر ببعض أسمائه ، هذا كله كفر ، لكن الكفر يأخذ دائرة واسعة جدا ودائرة أضيق ، أحد أنواع الكفر أن يُعْرِضَ الإنسان عن ربه ، أن يغفل عنه ، قال تعالى :
 
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
(سورة التوبة : من الآية 80)
﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا(142) ﴾
(سورة النساء)
       هذه الآية تشير إلى معنى واسع جدا من معاني الكفر ، الإعراض عن الله عزَّ وجل ، أي أراد الدنيا ولم يرد الآخرة ، أراد الشهوة ولم يرد نداء العقل ، أراد المُتْعَة ولم يرد السعادة التي تتأتَّى من الاتصال بالله عزَّ وجل ، فالكفر يفهم بشكلٍ ضيق من أنكر وجود الله ، من أنكر وحدانيته ، من أنكر كماله ، من أنكر بعض أسمائه ، من أنكر بعض أوامره ، والإنسان إذا رأى أن الصلاة مضيعةٌ للوقت فهو كافر ، إذا رأى أن للذكر مثل حظ الأنثيين شيء لا يتوافق مع روح العصر ، أين العدالة ؟ هذا كفر .
       عندنا كفر اعتقادي ،  عندنا كفر سلوكي ، لو أنه أمسك بالمصحف ، وألقاه على الطاولة بشكلٍ مهين فقد كفر ، هناك كفر اعتقادي ، وكفر سلوكي ، فموضوع الكفر يحتاج إلى تفصيل ، وقد عولج في مدارج السالكين في بعض دروس جامع العثمان ، الكفر له تعاريف ، له حدود ، له أنواع ، له دوائر ، له مستويات ، على كلٍ أضيق تعاريفه أن يكفر الإنسان بوجود الله ، أو أن يكفر بوحدانيته أو بكماله ، أو أن يكفر ببعض أسمائه ، أو أن يكفر بأوامره .
       تارك الصلاة يسمى تارةً عاصياً ، وتارةً يسمى كافراً ، إذا ترك الصلاة إنكاراً لفرضيتها فهو كافر ، وإذا ترك الصلاة تساهلاً وتقصيراً ونسياناً فهو عاصٍ ، وشتان بين المرتبتين ، فكلمة كفر لا ينبغيأن نستخدمها بلا تحفُّظ ، كلمة كبيرة جداً ، ومن أدق ما يفعله بعض الناس هم أنهم ، أو من أبشع ما يفعله بعض الناس حينما يستخدمون هذه الكلمة من دون تحديد ، فالتكفير سلوكٌ غوغائي ، السرعة في تكفير الناس سلوكٌ لا يتَّسم بالمنطق ولا بالتؤدة ، ولا بالتعقُّل ، ولا بالموضوعية ، فالكفر كلمة واسعة جدا ، كما أن كلمة سيارة يمكن أن تطلق على كل شيءٍ يتحرك .
﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ ﴾
(سورة يوسف : من الآية 19)
       هذا المفهوم الواسع للسيارة ، مفهومها الضيِّق هذه المركبة الآلية التي تعمل بمحركٍ انفجاريٍ أساسه الوقود السائل ، فالكفر يتسع هذا المفهوم ليشمل المعرض عن الله .
       فلو فرضنا مدرِّسا ملء السمع والبصر ، طويل القامة عظيم الهامة ، واضح النبرة ، طليق اللسان ، جذَّاب الشخصية ، يقف ويشرح الدرس ، وطالب يتلهَّى عن درسه ، وعن شرحه ، وعن بيانه بألعابٍ سخيفةٍ يجريها على ورقٍ أمامه ، نقول : هذا الطالب المُتَلَهِّي عن قيمة هذا المدرس كافرٌ بقيمة درسه ، لأنه لا يعبأ بهذا الدرس ، وينصرف عنه إلى أعمالٍ أخرى ، فهذا معنى واسعٌ جداً من معنى الكفر .
       الإعراض عن الله عزَّ وجل والالتفات إلى الدنيا ، عدم الاهتمام بأمر الله ونهيه وعده ووعيده ، عدم المبالاة بالحرام والحلال ، عدم المبالاة بكسب المال ، عدم المبالاة بإنفاق المال ، عدم المبالاة بإقامة الحدود ، عدم المبالاة بالائتمار بما أمر ، وترك ما نهى الله عزَّ وجل ، هذا معنى موسَّع من معاني الكفر .
      المعنى الضيق الذي أنكر وجود الله ، أو أنكر وحدانيته ، أو أنكر كماله ، أو أنكر أحد أسمائه ، أو أنكر فرضية أحد أوامره  .
      عندما يقول لك الإنسان : لماذا نوزِّع الإرث بين الذكر والأنثى بنسبة واحد إلى اثنين ، هذا شيء غير منطقي وغير عادل ؟ هل تدري أن هذا الكلام يعني الكفر ، لأن الله عزَّ وجل حينما يقول :
 
﴿ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾
(سورة النساء : من الآية 176)
       هذا تشريع من قِبَل خالق الكون ، وأنت تقول : هذا تشريع غير منطقي ، وغير واقعي ، ولا يتناسب مع العدالة الاجتماعية ، مع أن المرأة تشكِّل نصف المجتمع ، هذا كفر .
 
الكفر العملي :
 
       عندنا شيء آخر ، هذا الكفر اعتقادي ، وعندنا كفر قولي فالإنسان أحياناً من دون أن ينبس ببنت شفة ، من دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة ، لو أنه يصلي ، ويصوم ، ويفعل كل الطاعات ، لكن إذا اعتقد أن ما يجري في هذا الكون لا عدالة فيه ، ولا رحمة فيه ، وأن القوي يأكل الضعيف ، وأن الضعيف لا مكان له في هذا العالم ، إذا أصابته هذه الأفكار السوداوية بسماعه أخبار ما يجري في العالم ،  المسلم مضطهد ، المسلم لن تقوم له قائمة بعد اليوم ، العالم كله يفعل ما يفعل ضد المسلمين ، أين الله ؟ أين رحمته ؟ أين عدالته ؟ أين وعده ؟ أين كذا ؟ مشى في هذا الطريق ، واعتقد هذا الاعتقاد فو الله الذي لا إله إلا هو هذا الاعتقاد نوعٌ من الكفر ، كفرت بأنه إله ، عددت أقوياء العالم هم الآلهة كفرت بأن الله سبحانه وتعالى عادل ، فعددت أن الحق ليس لصاحب الحق ، ولكن للقوي ، وأن الضعيف مقهور ومأكول .
       لذلك هناك خطر شديد أن الإنسان يتلقى معلومات دون أن يعرضها على القرآن الكريم ، دون أن يعرضها على الذكر الحكيم ، دون أن يعرضها على كلام رب العالمين ، فهناك خطر كبير أن يتصور الإنسان أن ليس في الكون عدالة ، الله عزَّ وجلقال :
 
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾
(سورة الأنعام : من الآية 59)
(( ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر )) .
[الجامع الصغير عن البراء ]
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾
(سورة الشورى )
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾
(سورة الزلزلة )
﴿ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾
(سورة الحجر)
﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42) ﴾
(سورة إبراهيم)
﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) ﴾
(سورة آل عمران)
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾
( سورة الأنعام)
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
(سورة الفتح : من الآية 10)
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
(سورة الزخرف : من الآية 84)
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾
(سورة الكهف )
       هذا الإيمان ، هذا القرآن .
((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) .
[مسند أحمد عن أبي الدرداء ]
      لا تقل : لو أني فعلت كذا ، وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإنك كلمة لو تفتح عمل الشيطان .
     معنى الكفر معنى خطير ، يضيق حتى ينصب على من ينكر وجود الله ، أو ينكر وحدانيته ، أو ينكر أسماءه ، أو ينكر كماله ، أو ينكر بعض أوامره ، هذا كفر اعتقادي .
       وهناك كفر قولي ، فما قولكم عن الذي يقول : الله عزَّ وجل يعطي الحلاوة للذي ليس له أضراس ، هذه كلمة يقولها معظم الناس ، هل تصدقون أن هذه الكلمة كفر ؟ إنك تتهم عدالة الله ، تتهم حكمة الله ، تتهم عِلم الله ، قل: قدر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان ، فعندنا كفر اعتقادي ، في كفر قولي .
 
الكفر السلوكي :
 
      وهناك نوعٌ من أنواع الكفر هو من أخطرها ومن أخفاها ، هو الكفر السلوكي ، وأوضح مثل عليه : لو أنك زرت طبيباً ، وعالجك ، وشخص المرض ، وكتب الدواء ، ووقفت معه موقفاً في غاية الأدب والاحترام والشكر والعرفان ، ولكن في قرارة نفسك لم تعبأ بعلمه ، ولا بمهارته ، فامتنعت عن شراء الدواء ، هل تصدق أن عدم شراء الدواء نوعٌ من أنواع الكفر بهذا الطبيب ، ما قلت شيئاً ، ولم تنطق بكلمة ، ولم تنبس ببنت شفة ، بل امتنعت عن شراء الدواء .
       فإلهنا وربنا ، وخالقنا يقول:
 
﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 221)
       عبد مؤمن ، ولا يوجد الآن عبد ، أي لو جاءك إنسان فقير ، إنسان أخلاقه عالية ، إيمانه عالٍ ، وخطب ابنتك ، لم تعبأ لا بأخلاقه ، ولا بإيمانه ، ولا باستقامته ؛ بل أردت المال ، فلما جاءك خاطبٌ آخر رأيت عنده المال الكثير والجاه العريض ، ولم تعبأ برقة دينه ، ولا بتركه للصلاة ، فزوجته ، هل تدري أنك لم تقل : صدق الله العظيم ، الله عزَّ وجل ينبئك أن المؤمن ولو كان عبداً خيرٌ من الكافر ولو كان غنياً ، لم تعبأ بهذا ، فكيف تقول : صدق الله العظيم ؟ فحينما يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
(سورة النور : من الآية 30)
       فإذا قلت : أين أذهب بعيني ؟ ألم تقرأ قوله تعالى:
 
﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾
(سورة البقرة : من الآية 286)
       كأن الله سبحانه وتعالى كلَّفك ما لا تطيق ، وكأنك تكذب هذه الآية:
 
﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾
       إذا توسعنا بمفهوم الكفر وجدنا شيئًا مخيفا ، فإذا اعتقد الإنسان ، أو تكلم ، أو سلك سلوكا ينطوي على تكذيبٍ بما في القرآن الكريم ، فلو اعتقد وقال : والله داروين معه حق ، فانظر كيف أن المخلوقات تطورت ، هل تصدقون أن الذي يؤمن بما قاله داروين هو كافر ، لأن الله يقول حينما بدأ الخلق بدأه بآدم وحواء ، فإذا اعتقدت أن الخلق بدأ بالقرد ، فهذا نوعٌ من أنواع الكفر بكلام الله عزَّ وجل .
      تقرأ نظرية داروين ، تقرأ نظرية فرويد تجده يقول لك : الجنس هو كل شيء ، ونظريَّات الماديين : المادة كل شيء ، وما سواها سراب ، فإذا قرأ الإنسان كتبا في المذاهب ، وفي المعتقدات ، كتبا في علم النفس ، فلو أن طبيبا في علم النفس ، بعض الأطباء النفسيين يرون الصحة النفسية أن يكون لهذا الشاب صديقة ـ رفيقة ـ فينصحه أن ينطلق ، أن يكون له صديقة ، أن يذهب إلى السينما ، أن يفعل ، وأن يترك ، فهذا الطبيب ماذا يفعل ؟ طبيب مختص بالنواحي النفسية ، ينصح مرضاه المصابين باضطرابات نفسية أن ينطلقوا في الحياة كما يفعل أهل الغرب ، فأين الدين ؟ أين القرآن ؟ أين الحديث الشريف ؟ فهذا الطبيبٌ النفساني الذي ينصح مرضاه بالانطلاق في الحياة ، وبارتياد دور اللهو ، وباصطحاب الفتيات لكي يتوازن ، لكي يمتلك الصحة النفسية ، هذا الطبيب يكفر بكلام الله عزَّ وجل ، فأين غض البصر ؟ أين عدمالاختلاط ؟ أين أداء الصلوات ؟
      والله البارحة سمع عن طبيبٍ مؤمن يعالج مريضاً نفسياً قال له : أنت بحاجة إلى مجلس علم ، وإلى حفظ القرآن ، وإلى أن تصحب إخوة مؤمنين ، وإلى أن تعمل الصَّالحات ، وإلى أن تخرج من عزَّلتك ، والله بقيت ساعات وأنا أثني على هذه الطبيبالمؤمن ، هذه هي الصحة النفسية ؛ أن تعرف الله عزَّ وجل ، أن تعرف منهجه ، أن تندفع إلى طاعته ، أن ترتاد بيوت الله عزَّ وجل ، أن تطلب العلم ، أن تقرأ القرآن ، أن تحفظ القرآن.
       كلمة كفر واسعة جداً ، يكفي ألاَ تعتقد بصواب آيةً ، أو بصواب تشريعٍ إلهي ، أو بصواب توجيهٍ إلهي ، أو بصواب حقيقةٍ في القرآن قد وردت ، فهذا نوعٌ من أنواع الكفر .
      لذلك ليس معنى أن فلانا كافر أي علمه قليل ، فكلمة كفر كلمة كبيرة جداً ، حينما تعتقد أن هذه الآية غير مناسبة لهذا الزمان فهذا كفر ، كفرٌ من النوع الواسع .
      مثلاً : حينما قال الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) ﴾
(سورة يوسف)
       أي شركٍ هذا ؟ هذا الشرك الخفي الذي لم ينجو منه إلا القليل ، كما أن هناك شركاً خفياً يمكن أن يتلبَّس ببعض المؤمنين ، كذلك هناك كفرٌ خفي ، كأن يكونهذا الأمر لست قابضه بالتعبير الدارج ، لم تقتنع كثيراً به ، ليس معقولا ، هذا نوعٌ من أنواع الكفر ، ولكن ليس الكفر الأكبر الذي يصح أن نقول لصاحبه : كافر   .
      مرة سئل رجل يحبِّذ التعليم المختلط ، وهو محسوبٌ على أنه داعية ، قال : هذا التعليم يهذِّب المشاعر ، ويزيل هذه الحواجز ، وهذا الشيء الكبير يصبح صغيرا ، هو لا يدري ما يقول ، هذا كله مخالفٌ لكلام الله عزَّ وجل ، هذا أحد أنواع الكفر ، وعندما تفكر تفكيرا خلاف كلام الله عزَّ وجل قطعي الثبوت ، هذا اتجاه فيه كفر ، ولكن لا يسمى صاحبه كافرًا ، لكن هذا الكلام فيه كفر ، فكما أن هناك شركا أكبر ، وهو أن تعبد بوذا من دون الله ، هناك شرك أصغر ، وهو أن تعتمد على زيد من دون الله عزَّ وجل ، هذا شرك ، كذلك إنكار وجود الله عزَّ وجل كفر ، إنكار وحدانيته كفر ، إنكار كماله كفر ، إنكار أحد أسمائه كفر ، إنكار أحقية أوامره كفر ، ولكن إذا لم تفهم شيئًا ، لم تقنع به ، هذا تفكير فيه كفر ، ولكن لا يسمى صاحبه كافراً  .

      هؤلاء الذين ماتوا وهم كفار .
     بالمناسبة الله عزَّ وجل قال :
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
(  سورة النساء : من الآية 48 )
      حتى هذه الآية أوَّلها المفسرون : ما لم يتب ، إذا تاب يغفر له الشرك ، الذي وردت فيه آياتٌ كثيرة من أن الله لا يغفره ، كيف لا يغفره ؟ إذا مات مشركاً ، فالإنسان قد يفكر فيكفر بتفكيره ، قد يتكلَّم فيكفر بكلامه ، هذا الصحابي ـ الذي كان صحابياً ـ ودعي إلى المشاركة في الجهاد ، وكان ابن زوجته غلاماً صغيراً يافعاً ممتلئاً حماساً ، ورأى أن عمه تقاعس عن الإعداد للجهاد ، فذكر له قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، ذكر له ما فعله عثمان بن عفان ، ماذا فعل أصحاب رسول الله ؟ فما كان من هذا الذي كان صحابياً إلا أن قال ـ دققوا بما قال ـ قال : لو أن محمدا صادقٌ فيما يقول لكنا شراً من الحُمُر .
      هذه الكلمة كلمة كفر ، فابن زوجته عمير قال له : " والله يا عمَّاه ، ما على وجه لأرض رجلٌ بعد رسول الله أحب إليّ منك ، والآن قلت كلمة الكفر ، وسأذهب إلى النبي لأقول له ما قلت " ، لم يعبأ بقوله ، تكلَّم هذا الطفل الصغير ـ عُمير ـ في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، فالنبي استدعى عمه ، قال له: مقالةٌ قلتها " ، قال له : " ما قلت شيئاً ، هذا الطفل كاذب " ، ولم يمض وقتٌ قليل حتى جاء الوحي النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال :
﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾
(سورة التوبة : من الآية 74)
       قال كلمة ، فهناك اعتقاد كفر ، وكلام كفر ، وسلوك كفر ، فهذا الذي يحتقر المقدَّسات ، أو يحتقر كتاب الله عزَّ وجل ؛ يضعه في مكانٍ غير لائق ، فهذا سلوك فيه كفر ، نحن مهمتنا أن نلتمس عذراً للناس ، وأن ننصحهم ، لا أن نوزع عليهم ألقاب الكفر ، فهذه ليست مهمَّتُنا ،  وأحد العلماء قال : " نحن لسنا قضاةً ، ولكننا دعاة " ، لسنا أوصياء على الناس ، لا تفكر أبداً أن توزِّع هذا اللقب على الناس ، هذا من أكبر الكبائر ، من كفَّرَ مؤمناً فقد كفر ، هذا ليس من شأن الناس ، هذا من شأن الله ، أما إذا تحدَّثنا عن أنواع الكفر ؛ الاعتقادي ، والسلوكي ، والقولي ، فمن أجل أنفسنا ، لا من أجل أن نقيم الناس بهذا ، أنت عليك من نفسك ، لذلك ما من مرضٍ استشرى بين المسلمين كتقاذف هذه التُهَم ، وتراشق كلمة كفر ، حتى إن بعض المتطرفين كفروا المجتمع الإسلامي كله ، هكذا بلا تؤدة ، وبلا تعقُّل .
 
2 ـ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
 
       هؤلاء الذين ماتوا كفاراً ـ حديثنا الآن ليس على أنواع الكفر المخففة ، والمفاهيم الموسعة ـ الذين ماتوا كفاراً ، أي ختم عمله وهو كافر ، هذه هي المشكلة ، هؤلاء حينما تنكشف لهم الحقائق ، وحينما يبدو لهم حجم الخسارة التي مُنُوا بها ، حينما يرون مصيرهم الأبدي ، حينما يرون أن الدنيا مرَّت كلمح البصر ، ساعة ، الدنيا ساعة جعلها معصية ، جعلها كفراً ، جعلها شركاً ، جعلها جريمةً ، جعلها انحرافاً ، ساعة مضت كلمح البصر ، والأبد لا ينتهي ، هؤلاء يصابون بآلامٍ لا حدود لها ، ينادون وهم في النار ، هم ماذا فعلوا ؟ مقتوا أنفسهم .
       فتصور إنسان له محل تجاري ، له بيت ، عنده أولاد ، عنده زوجة ، عنده مركبة ، مستور ، يعيش حياة هادئة مستقرة ، جاء إنسان فأغراه بأن يتاجر بالمخدرات ، فقالله : ماذا تريد من كل هذه الأشغال ، فمليون ليرة تحصل عليها في خلال أسبوع ، فاقتنع ، فسلك معه هذا الطريق ، ألقي القبض عليه وحوكم ، فحكم بالإعدام ، أو حكم عليه فرضاً بالسجن ثلاثين عاما ، وهو في السجن ماذا يتمنى أن يفعل بهذا الذي دلَّه على هذه التجارة ؟ يتمنى أن يمزقه إرباً إِرباً ، يتمنى أن يقطعه قطعاً قطعا ، هذا المقت ، هذا الألم الشديد  .
       لكن لو أن إنسانا لم يدله أحد على هذا ، فهو ومن بنات أفكاره ، فكر أن هذا العمل مربح ، فسلك به ، ثم وقع في مغبَّة عمله .
     بالمناسبة ، وإن كان هذا التعليق خارج الدرس ، صدر قانون جديد للمخدارت ، يحكم بالإعدام على من يتَّجر بالمخدرات ـ لو أن إنسانا لم يدله أحد ، بل هو اختار هذا السلوك ، فألقي القبض عليه ، ودفع ثمن خطئه ، ألا يتألَّم من نفسه ؟ ألا يشعر بغبائه ؟ ألا يشعر بجريمته ؟ ألا يشعر بأن الشيطان قد تلبَّسه ؟
       حينما تكره نفسك إذا فعلت عملاً سيئاً ، هذا الألم لشديد الذي لا حدود له من الذات ، أو من الإنسان الذي أضلَّك قال : هذا الألم الشديد ، هذا المَقت ، هذه الكراهية ، هذا البُغض الذي لا حدود له .
      أحياناً يقول لك واحد : والله أتمنى أن أفرمه فرما ، لأنه قد سبّب له مشكلة كبيرة .
      مرة عنده أحدهم صانع ، هذا الصانع وقع في مشكلة ، فطرده شر طردة ، أخبر بعض الجهات على مستودعاته ، فجاءوا ، وجعلوه يدفع مبلغ ستمائة أو سبعمائة ألف ، والقصة من عشرين سنة ، فما كان منه إلا أن أطلق النار على هذا الموظَّف عنده ، وارتكب جريمة من شدة الحقد الذي نشأ في نفسه تجاه هذا الموظف ، معنى ذلك أن الإنسان إذا كان شعر أن هذه الجهة ، أو هذا الإنسان سبب له متاعب كبيرة جداً لا حدود لها ، يتألم ، يتمنى أن يقطِّعه إرباً إرباً ، انظر إلى الآية :
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ ﴾
يوم القيامة وهم في النار ، وهم يستصرخون فيها ..
 
﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾
 
3 ـ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ
      
     لمَ كان ربنا يدعوكم عن طريق الأنبياء ، عن طريق الدعاة ، عن طريق الخطباء ، عن طريق العلماء ، عن طريق الآيات الكونية ، الآيات القرآنية ، عن طريق الحوادث ، عن طريق الفِطرة ، عن طريق المنامات ، لمَ كان يخوفكم ، يدعوكم ، وأنتم لا تبالون ، لا تأبهون ، لا تعتبرون ، غارقون في أوهامكم ، في شهواتكم ، في معاصيكم ، ربنا عزَّ وجل رحيم ، حريصٌ على هدى البشر ، قال :
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾
       تصور ، ولله المثل الأعلى ، أبا عاقلا عالما حكيما ، له ابن ، الأب خبر الحياة ، وعرف حلوها ومرها ، وعرف ما تنطوي إليه ، دعا ابنه إلى طلب العلم ، إلى الدراسة، إلى تحصيل مراتب عُليا ؛ هذا الطفل أبى ، وسها ، ولها ، وغفل ، وأمضى الوقت الثمين في أشياء سخيفة ، الأب يتألم أشد الألم ، يكاد يعتصر قلبه ، يكاد ينطلق لسانه ، وهو ساكت ، بعد أن كبر هذا الطفل ، رأى نفسه ضائعاً بلا عمل ، بلا مكانة ، بلا مرتبة ، في الطرقات وأصدقاؤه في مراتب عالية ، لهم بيوت ، ولهم مكاتب ، ولهم أعمال ، ولهم مكانة ، فهذا الشاب بعد أن كبر تألم ألماً لا حدود له ، فشكا إلى أبيه ذلك ، فقال له : يا بني ، أنت الآن متألم ، أنا حينما كنت أدعوك إلى طلب العلم ، وإلى بناء مستقبلك ، وكنت أراك غافلاً وساهياً ولاهياً كنت أتألم ألماً أضعاف ألمك ، ولكنني كنت أعلم النتائج ، ولكن أنت كنت في غفلة .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾
       إذ تدعون : أي حينما كنتم تُدعون إلى الإيمان فتكفرون ، فالإنسان لا يظن أن القضية سهلة ، إذا حضر مجلس علم ، والإنسان حدثه بالحق ، عليه مسؤولية ، حضرت خطبة مسجد ، وهذا الكلام كان دقيقا ، آيات واضحة تدل على وجوب الإيمان بالله ، أعطاك حكما فقهيا ، أعطاك موقف صحابي ، أعطاك آية كونية ، لا تقل : والله تسلينا ، والله شيء جميل ، والله قضينا وقتا لطيفا ، لا ، القضية أخطر من ذلك ، قضية مصير ، فلذلك :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾   
 
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
 
الموت الأول موت العدم.
 
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾
(سورة الإنسان)
       والموت الثاني بعد المجيء إلى الدنيا ، والحياة الأولى حياة الولادة ، والحياة الثانية البعث يوم القيامة .
﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ﴾
وهذا أوجه تفاسير هذه الآية:
﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾
ممكن ؟
﴿ ذَلِكُمْ ﴾
 
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ
 
أي ما أنتم فيه من عذاب ، ما أنتم فيه من عذاب الحريق ، ما أنتم تعانون من آلامٍ توصف ..
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
 
1 ـ التفسير الأرضي للحوادث ينافي التوحيد :
 
     أي شيء إذا سمع التفسير على أن الله فعل ولم يفعل ، هذا التفسير لا يعجبه ، يعجبه أن زيداً فعل ، وزيد لم يفعل ، فإذا الأمور كلها فسرتها تفسير أرضي ؛ الدولالعظمى ، والدول الصغرى ، وفلان وعلان ، وزيد وعبيد ، إذا فسرت الأمور على أن أشخاصاً يتحركون ، وأن الأمر كله بيدهم ، وأنهم يغضبون ، وأن يرضون ، وأنهم يرفعون ويخفضون ، يعطون ويمنعون ، يصلون ويقطعون ، إذا رأيت الأمر كذلك ترضى وتؤمن ، أما إذا فسرت لك الأمور تفسيراً توحيدياً إلهياً ، الأمر كله بيد الله ، لم تكن ترضى ، تقول : هذا التفسير غيبي ، هذا التفسير قديم لا يتفق مع معطيات العصر ـ شيء جميل ـ قال :
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
      البطولة أيها الإخوة ليست في أن تعرف ما حدث ، ولكن البطولة في أن تفسِّر ما حدث ، فكل إنسان بإمكانه أن يستمعلكل الأخبار ، وهذا شيء سهل ، فيشتري صحيفة ، ويقرأ فيها كل ما جرى في العالم ، يقرأه يوماً بعد يوم ، لكن البطولة ليس في معرفة الأخبار ، ولكن في تفسيرها تفسيراً توحيدياً ، البطولة أن ترى يد الله فوق أيديهم ، البطولة أن ترى يد الله تعمل في الخفاء ، البطولة أن ترى عدالة الله ، البطولة أن ترى أن الدنيا دار تكليف لا دار تشريف ، الدنيا دار عمل لا دار جزاء ، البطولة أن ترى موقع الحياة الدنيا من الآخرة الأبدية .
      القدرة على التفكير هي من أعظم منجزات المؤمن ، تفكيره الصحيح لما يجري ، هذا التفكير التوحيدي المبني على كلام الله وكلام رسوله هذا يريح ، يريح الإنسان من الضغط ، من الحيرة ، يرحه من الشرك ، يريحه من القهر ، يريحه من الشعور بالظلم ، كل هذه المشاعر تزول عن المؤمن .
2 ـ الشرك سبب للأمراض النفسية :
 
      الشيء الثابت الآن ما من مرضٍ عضويٍ إلا وله أسباب نفسية ، وما من ألمٍ نفسيٍ أشد من أن ترى أن أمرك بيد عدوك ، وأنه لن يرحمك ، ولن يعطيك سؤلك ، هذا الاعتقاد وحده يسبب أشد الأمراض فتكاً ، أما المؤمن فيرى أن الأمر كله بيد الله ، وأنه عليه أن يطيعه ، وليس عليه شيءٌ آخر ..
﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) ﴾
(سورة الزمر)
﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾
(سورة الأعراف)
       انتهى الأمر ، أنا علي بعد أن عرفت أن الله موجود ، وأن الله كامل ، وأن الله واحد ، عليَّ أن أتعرف إلى أمره ونهيه ، فإذا طَبَّقت الأمر انتهى الأمر .
      أنا أتأَلَّم لما يصيب المسلمين ، أتأَلَّم لكن لا أملك إلا أن أشعر أن الله سبحانه وتعالى أرحم مني ، الأمر بيده ، عليَّ أن أعمل ، وأن أسعى ، وأن أقدم كل معونة ؛ ولكن لا علي أن أنقم على الله عزَّ وجل ، هذا دليل الجهل ، ويمكن لك أن تقدم مساعدة لإنسان مصاب ، أما أن ترى أن هذا المرض شيء يتنافى مع الرحمة الإلهية فهذا هو الجهل بعينه .
      الملخص : ما من إنسان على وجه الأرض إلا وبإمكانه أن يعلم ما يحدث ، لكن المؤمن يتميَّز بأنه يفسر ما يحدث تفسيراً صحيحاً ، العبرة بالتفسير ، فأقرب مثل لنا ، بعض البلاد التي بجوارنا عانت من الحروب الأهلية ما عانت ، يمكن أن تفسِّر ما عانت تفسيرات كثيرة لا تنتهي ، ولكن التفسير الصحيح الوحيد :
 
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾
(سورة النحل)
       هذا تفسير خالق الكون ، وفي ألف تفسير ، في تفسير عربي ، تفسير دولي ، تفسير طائفي ، وأخيراً هناك تفسير نسواني ـ أصابتها عين ـ هذه تفاسير كثيرة جداً ، البطولة أن تعرف تفسير القرآن ..
 
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾
﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾
(سورة الكهف : من الآية 59)
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾
(سورة هود)
 
لا يعجِز اللهَ شيءٌ :
 
       أقرب شيء لنا الآن مرض الإيدز ، اقرأ عنه ، تجد أن كل العلماء يبحثون عن مصلٍ لهذا المرض ، بينما ربنا عزَّ وجل أراد من هذا المرض أن يكون عقاباً إلَهيَّاً للمنحرفين ، فالعلاج ليس في المصول ، بل في التوبة إلى الله عزَّ وجل ، فالمهم أن تعرف حكمة الله من هذا المرض الذي تحدَّى العصر كله ، عشرون مليون إنسان يحمل هذا المرض في أمريكا وحدها ، والنتائج مخيفة جداً ، هذا عقاب السماء للأرض .
       باخرة من أعظم البواخر في العالم ـ اسمها تيتانيك ـ بُنِيَت بناءً لا سبيل إلى وصفه ، بنيت على طبقتين ، وحواجز عرضية ، فأي خلل أصابها يكفي القبطان أن يغلق المنافذ ، وانتهى الأمر ، لذلك قيل في نشرة صنعها : " إن هذه السفينة لا يستطيع القدر أن يغرقها " ، هكذا كتبوا ، وشاءت حكمة الله أن يركب في هذه السفينة أغنياء أوروبا ، وقدروا قيمة الحلي التي على نساء الأثرياء بأرقام فلكية ، فيها كل شيء ، فحضارة أوروبا كلها في هذه السفينة ؛ المسابح ، المطاعم ، دور اللهو ، المنتجعات ، غرف النوم الفخمة ، وفي أول رحلةٍ لها بين أوروبا وأمريكا ارتطمت بجبلٍ ثلجي شطرها شطرين ، استغاثت كل السفن التي حولها ، ظنوا أنها تحتفل ، فلم ينجدوها ، فغرقت ، وقبل سنة عرفوا مكانها ، فقال أحد القساوسة وقتها : هذا درسٌ بليغ من السماء إلى الأرض .
      أرسلوا مركبة حديثة جداً في رحلة فضائية ـ مركبة فضائية حديثة جداً اسمها المتحدي ـ بعد أن انطلقت بسبعين ثانية أصبحت كتلةً من اللهب ، يجب أن تفهم على الله عزَّ وجل ، من تتحدون ؟ الأحداث لا ينبغي أن تفهمها فهماً أرضياً ، البطولة أن تفهمها فهماً توحيدياً ، البطولة أن ترى أن الله بيده كل شيء ، وأن هؤلاء الذين تراهم على السطح ما هم إلا دمى الله عزَّ وجل يحركهم ، والدليل قوله تعالى :
 
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾
(سورة هود)
       علاقتك فقط مع الله .
       إذاً:
 
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
إذاً : الشرك زائد الكفر = أحد أسباب العذاب الأبدي .
أخطر شيء على الإنسان أن يشرك ، وطبعاً ..
 
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾
        الشرك هو السبب .
        مرة ضربت مثلا ، ويجب أن أعيده الآن : لو أن إنسانا له مبلغ كبير جداً في حلب ، يجب أن يكون الساعة الثانية عشرة كي يقبضه ، فإن لم يكن في هذا الوقت ضاع منه المبلغ ، مبلغ كبير بالملايين ، ذهب إلى محطة القطارات ، ركب قطار حلب ، فمن الممكن له أن يرتكب مائة غلطة في هذا القطار ، ممكن أن يقطع درجة أولى ، ويجلس درجة ثالثة ، ليس منتبها ، ممكن يجلس في جهة معاكسة للقطار يدوخ ، يختار غرفة فيها رُكَّاب سيئو الأخلاق ، ممكن ، يغيب عنه أن المركبة فيها طعام ، وهو يتلوى من الجوع طوال الطريق ، ممكن ، لكن كل هذه الأغلاط تغفر لأنه في طريقه إلى حلب ، وسيقبض المبلغ ، أما إذا اتجه إلى محطة القطارات ، وركب قطاراً متجهاً إلى درعا مثلاً ، هذه غلطة لا تغفر ، لأنه يمشي بعكس اتجاهه ، ولو كان القطار فخما ، لو كان فيه أرقى أنواع الفخامة ، لكنه ارتكب غلطة لا تغفر  .
       عندما يتجه الإنسان إلى الله عزَّ وجل الله يحل له كل مشاكله ، أما إذا اتجه لغيره فلا يوجد شيء عند غيره ، إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ولما أشرك الإنسان أي اتجه إلى لا شيء ، اتجه إلى عباد ضعاف ، فقراء ، بخلاء ، لؤماء ، فالخطأ أن تعتقد الهدف هناك ، وأن تتجه اتجاهاً معاكساً ، فالمشرك ليس له طريق إلى الله عزَّ وجل ، لا يرى الله ، يرى زيدا وعبيدا ، يرى فلانا وعِلانا ، يرى المال إلهًا ، يرى اللذة إلهًا ، يرى هذا البيت يجب أن يبقى فيه مهما كلف الأمر ، ولو على حساب دينه ، فالطريق إلى الله أمام المشرك مسدود ، لهذا :
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
(سورة النساء : من آية 48)
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
 
3 ـ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ
 
        الله عليٌ علواً ما بعده علو ، وكبيرٌ كبراً ما بعد كبر ، فما معنى الله أكبر ؟ ليس أكبر من كل شيء ـ فهذا المعنى بسيط جداً ـ أما هو فأكبر مما أعرف ، مهما عرفت عن الله فهو أكبر ، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعرف الله إلا الله ، الأنبياء أشد الخلف معرفة بالله ، لكن معرفتهم نسبية ، هذا معنى قولنا : الله أكبر ، أي أكب مما عرفت ، مهما عرفت عن الله فهو أكبر ، مهما عرفت عن رحمته فهو أرحم ، مهما عرفت عن قدرته فهو أقدر .
       نجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، وبينهما مئة وستة وخمسون كيلو مترا !! نجم يكبر الشمس بمئة مليون مرة ، والشمس تكبُر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة !! مسافات ، الأرض بحجمها الحقيقي إذا دخلت في ثقبٍ أسود في الفضاء يصبح حجمها كالبيضة والوزن نفسه ، الأرض كلُّها يمكن أن تضغط بحجم بيضة ، كم هي الفراغات البينية في المادة ؟
     إذاً :
﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
 عليٌ علوًّا ما بعده علو ، وكبيرٌ ما بعد كِبر  .
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾
 
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ
       
        الناس بالبديهة والفطرة يقولون لك : الله كبير ، لأنه رأى آية، نحن لو نظرنا إلى ما حولنا فحياتنا الدنيا طافحة بالآيات ؛ آيات كونية ، آيات قرآنية ، آيات تكونية ، فالبحران
.
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21) ﴾
(سورة الرحمن)
       هذه الآية حيَّرت مفسرين خلال ألف عام ، أين البرزخ ؟ فهذا البحر الأحمر ، وهذا المحيط الهادي ، فأين البرزخ ؟ الآن اكتشف بالمراكب الفضائية حينما رأوا خطاً بين البحرين ـ خط لونيا ـ اكتشفوا أن كل بحر له مكوِّناته ، له كثافته ، له ملوحته ، له خصائصه ، وأن مياه هذا البحر لا تبغي على البحر الآخر ، وبينهما حاجز وهمي لم يعرف حتى الآن طبيعته ، بين الأحمر والعربي ، بين الأبيض والأطلسي ، بين الأسود والأبيض بالبوسفور ، بمضيق باب المندب ، وبمضيق جبل طارق .
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21) ﴾
(سورة الرحمن)
       الآيات لا تعدُّ ولا تحصى ؛ آيات في الكون ، آيات في خلق الإنسان ، آيات في النبات ، آيات في الحيوان ، فالله عزَّ وجلقال :
 
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾
آياته ، هذا الجسم أكبر آية من آياته ، دقق كيفما تحولت ترى عظمة الله عزَّ وجل .
 
﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّامَنْ يُنِيبُ ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين

 

 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب