سورة الأعراف 007 - الدرس (16): تفسير الآيات (034 - 034) لكل أمة طاغية نهاية محرقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأعراف 007 - الدرس (16): تفسير الآيات (034 - 034) لكل أمة طاغية نهاية محرقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج صناعة الأبناء: صناعة الابناء- ح 20 - 21 - 8-2019 كيف نهيء ابناءنا للمدارس           برنامج المصــارع:  المصارع - 22 - صراع مع اللقمة الحرام           برنامج تربية الأولاد:  تربية الأولاد في الإسلام - 072 - خلق الإيثار 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - صلوا صلوا           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0393 - سورة يونس 062 - 064           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 170- الشيخ محمد أبو الرب -19 - 08 - 2019         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأعراف

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأعراف - تفسير الآية: (034 - 034) - لكل أمة طاغية نهاية محرقة

21/03/2011 09:16:00

سورة الأعراف
الدرس ( 16 )
تفسير الآية: (34)
لكل أمة طاغية نهاية محرقة
 
لفضيلة الأستاذ
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السادس عشر من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الرابعة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
 
 معاني الآية وأبعادها :
 
لهذه الآية أبعاد كثيرة ، ومعاني دقيقة وخطيرة .
1 – معنى الأُمّة :
أولاً : من هي الأمة ؟ جمعٌ كبير من البشر ، لهم صفات مشتركة ، بينهم قواسم مشتركة ، الأمر الذي حدا بعلماء النفس إلى وضع علم جديد اسمه علم نفس الأمة ، معظم الأمم لها خصائص مشتركة .
مثلاً : الله عز وجل وصف اليهود فقال :
 
﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾
( سورة البقرة الآية : 96 ) .
أمّة تؤكد العمل ، أمة تحرص على المال ، أمة غارقة في الشهوات ، أمةٌ أمة مبدأ ، أمةٌ أمة خير ، الأمم بين أفرادها قواسم مشتركة .
 
خصائص أمةِ الإسلام :
 
لكن الله سبحانه وتعالى خص الأمة العربية والإسلامية بهذه الآية حينما قال :
 
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
( سورة آل عمران الآية : 110 ) .
لكن هذه الخيرية لها علتها :
 
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
( سورة آل عمران الآية : 110 ) .
فإن لم نأمر بالمعروف ، ولم ننهَ عن المنكر ، ولم نؤمن بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته ، نحن كأية أمة خلقها الله ، لا نملك أية ميزة على بقية الأمم ، وهذا معنى قوله تعالى يخاطب من ادعى أنهم أبناء الله وأحباءه :
 
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة الآية : 18 ) .
وإذا قال المسلمون في آخر الزمان : نحن الأمة المختارة ، نحن أمة سيد الأنبياء والمرسلين ، الجواب الإلهي جاهز :
 
 
 
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
2 – لكل أمّةٍ أجلٌ تقف عنده :
لذلك أيها الإخوة ، الآية الكريمة : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ، لكل تجمعٍ كبير صفات مشتركة ، هذه الأمة كبرت ، وقويت ، وسيطرت لها أجل ، هذه الأمة ارتقت في مدارج الفضائل ، لكن لها أجل ، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ .
 
وفي قوم عاد عبرة لمَن يعتبر !!!
 
مثلاً الله عز وجل ضرب مثلاً للأمم الطاغية ، المتجبرة ، المستكبرة ، التي تنتهك الأعراض ، وتنهب الثروات ، وتظلم العباد ، وتقتل ، وتسفك الدماء ، هذه الأمم الطاغية المستكبرة ، المتجبرة ، ضرب الله لنا مثلاً عنها .
قوم عاد قال تعالى عنهم :
 
﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾
( سورة الفجر ) .
تفوق في شتى المجالات ، قال :
 
﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾
( سورة فصلت الآية : 15 ) .
تفوّق وغطرسة .
 
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ﴾
( سورة الشعراء ) .
تفوق عمراني مذهل .
 
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
( سورة الشعراء ) .
وصناعي .
 
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
( سورة الشعراء ) .
وعسكري .
 
﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾
( سورة العنكبوت ) .
وعلمي ، تفوق عمراني ، وصناعي ، وعسكري ، وعلمي ، وغطرسة ، بل تفوق في شتى الميادين .
أيها الإخوة ، لو أردنا أن تضغط حركتهم في الحياة فهما كلمتان : ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ .
الطغيان قصف ، والإفساد ، أفلام .
﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ .
لم يطغوا في بلدهم ، بل في البلاد في شتى البلاد .
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ .
 
﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ¯إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
( سورة الفجر ) .
لعاد ، ولمن كانت على شاكلة عاد ، كيف أهلكهم الله ؟
 
﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ¯سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة﴾
( سورة الحاقة ) .
أيها الإخوة ، ما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها قال :
 
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
 
( سورة فصلت الآية : 15 ) .
ما كان فوق عاد إلا الله ، ومع ذلك أهلكها الله ، وفي هذا إشارة لطيفة حينما قال الله عز وجل :
 
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾
( سورة النجم ) .
إشارة لطيفة إلى أن هناك عاداً ثانية ، والعالم يعاني منها ما يعاني ، وصفات عاد الثانية تنطبق على صفات عاد الأولى .
إذاً : الأمم الطاغية لها أجل ، لذلك اسمعوا هذه الكلمات الدقيقة : أية أمة قوية جداً لم يكن فوقها إلا الله قوية جداً ، متغطرسة ، لها نفوذ في كل البلاد ، خططت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب ، وتبني حريتها على تقييد الشعوب ، وتبني ثقافتها على إزالة ثقافات الشعوب ، وتبني أمنها على إخافة الشعوب ، وتبني قوتها على إضعاف الشعوب ، وتبني غناها على إفقار الشعوب ، هذه الأمة القوية ، نجاح خططها على المدى البعيد لا يتناقض مع عدل الله فحسب ، بل مع وجوده ، لأن : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ، بالتعبير الدارج كل أمة لها عشرة أيام .
 
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ : كلمةٌ تدعو إلى التفاؤل :
 
لذلك أيها الإخوة ، هذا يدعو إلى التفاؤل ، هذا يبعدنا عن الشعور بالإحباط ، والشعور بالقهر ، والشعور باليأس ، والقهر ، واليأس ، والقهر ، والإحباط ليست من صفات المؤمنين .
أين هم الرومان ؟ أين هم المغول ؟ أين هم اليونان ؟ أين هم الفراعنة ؟ وأين هو المعسكر الشرقي ؟ والقطب الواحد ؟ لعل الله سبحانه وتعالى يهيئ له خطة قد لا يسر بها الأصدقاء .
3 – معنى : لكل أمّةٍ أجلٌ :
أيها الإخوة ، معنى : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ، أي لم يَدُم لهم ذلك ، وما مِن شيء يستمر ، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ، من ألا تيئس ، من أجل ألا تشعر بالإحباط ، من أجل ألا تستسلم ، من أجل ألا تضعف معنوياتك .
 
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
( سورة آل عمران ) .
الله عز وجل له سياسة ، يمدهم ، ويقويهم ، ويفعلون ما يريدون ، ويقولون ويتبجحون ، ويتغطرسون ، ويهددون ، ويتوعدون ، إلى أن يقول ضعيف الإيمان : أين       الله ؟ وقد قالها ضعاف الإيمان ، يمد اللهُ القويَّ ، يعطيه قوة ، يفعل ما يقول ، يفرض ثقافته على بقية الشعوب ، يفرض إرادته على بقية الشعوب ، يقصف ، يدمر ، حتى يقول ضعيف الإيمان : أين الله ، ثم يظهر آياته ، حتى يقول الكافر : لا إله إلا الله ، هناك امتحانان صعبان  امتحان يوصلان المؤمن الضعيف إلى أن يقول : أين الله ، وامتحان آخر يوصل الكافر إلى أن يقول : لا إله إلا الله .
أيها الإخوة ، الله عز وجل يمدهم ، يمدهم ويقويهم ، ويتوهم ضعف الإيمان أنهم يفعلون ما يريدون ، ولكنه يأخذهم فجأة :
 
 ﴿ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾
( سورة القمر ) .
ويجعلهم أحاديث .
 
سُنةُ الله مع الطغاة والظالمين :
 
لذلك أيها الإخوة ، دققوا في هذه الآية ، هذه الآية ترسم سياسة الله مع الطغاة :
 
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة القصص الآية : 4 ) .
علا علواً كبيراً وقال :
 
 
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
( سورة النازعات ) .
وقال :
 
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
( سورة القصص الآية : 38 ) .
لأنه رأى رؤية في ما ترويه الكتب أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه ، فأمر يذبح أبناء بني إسرائيل جميعاً ، وأي قابلة لا تخبر عن مولود ذكرٍ تقتل ، القضية سهلة ، لكن الطفل الذي سيقضي على مُلكه رباه هو في قصره ، وهذا مِن حكم الله العظمى ، إذاً :
 
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
 
( سورة القصص الآية : 4 ) .
السياسة الواضحة له :
 
﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾
( سورة القصص الآية : 4 ) .
الفتن الطائفية ، أنت كردي ، أنت آشوري ، أنت عربي ، أنت سني ، أنت شيعي الورقة الرابحة في أيدي الطغاة الفتن الطائفية ، ولا يستطيع المسلمون إسقاط هذه الورقة إلا بوعي ، وتقارب ، ومحبة ، إذاً :
 
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
( سورة القصص ) .
لماذا ؟ الآن دققوا كلام رب العالمين :
 
﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ¯وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
( سورة القصص ) .
إذاً الله عز وجل يسلط الكافر على المؤمن المقصر ، فإذا عاد المؤمن المقصر إلى الله قواه ، وعالج به الكافر ، هذه سياسة الله .
هذه آية أصل في الموضوع أعيدها ثانية :
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ ﴾ .
 
﴿ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
( سورة القصص ) .
إذاً : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ، ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ   مُؤْمِنِينَ ﴾ .
 
لابد من اتخاذ الأسباب :
 
ولكن :
 
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾
( سورة التوبة الآية : 105 ) .
 
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 60 ) .
والله عز وجل لن يطالبنا بالقوة المكافئة ، هذا فوق إمكاناتنا ، ولكنه طالبنا بالقوة المتاحة .
 
 
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
 
( سورة الأنفال الآية : 60 ) .
 ويجب أن يكون عدوكم عدواً لله .
أيها الإخوة ، لماذا ينتقم الله من الطغاة ؟ ينتقم منهم لتحقيق السلامة بين البشر ، لئلا ييأس البشر ، لمعالجة البشر ، الظالم سوط الله ، ينتقم به ثم ينتقم منه .
 
 
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
( سورة الأنعام ) .
 أيها الإخوة ، سأقول كلمة دققوا فيها : لو أراد خصوم الطغاة أن ينتقموا منهم لما استطاعوا أن ينتقموا منهم كما ينتقم الله منهم .
 
 ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
( سورة البروج ) .
لو أراد خصوم الطغاة أن ينتقموا من الطغاة بكل ما أوتوا من قوة لا يستطيعون أن ينتقموا معشار انتقام الله منهم .
إذا رأيت فساداً ، أو طغياناً فلا تيأس ، واقرأ قوله تعالى ، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ .
 
الحكمةُ في تسليط الظالم والمصائب على الناس :
 
لكن النقطة الدقيقة ، وهذا بعلم الله عز وجل هناك شريحة اجتماعية واسعة جداً لا يمكن أن تلجأ إلى الله ، ولا أن تصطلح معه ، ولا أن تقبل عليه ، ولا أن تلتزم منهجه إلا إذا عضك الظالم ، فالظلم لهم دور كبير جداً ، هم يعضون المؤمنين ، والمؤمنون يلجئون إلى الله ، يلوذون بالله ، يحتمون بالله ، يقبلون على الله ، يلجئون إلى المساجد .
عقب زلزال في تركيا أقسم لي أحد الإخوة في اسطنبول أن المساجد في الصلوات الخمس لا تتسع للمصلين ، من شدة الخوف .
فهذه المصائب لها دور كبير جداً في هداية البشر ، ولا أبالغ أن معظم الناس أتوا إلى الله ، وفروا إليه في التعبير القرآني ، وأقبلوا عليه ، واصطلحوا معه عقب تدبير إلهي حكيم ، والبطولة أن تأتيه طائعاً ، البطولة أن تأتيه بعد الدعوة البيانية .
 
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
( سورة الأنفال الآية : 23 ) .
أكمل شيء أن تستمع إلى درس ، إلى خطبة ، أن تقرأ كتابا ، أن تقرأ آية ، أن تشرح آية ، تهتم ، تتعظ ، تستقيم ، تلتزم ، هذا أكمل إنسان .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .
 
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
( سورة القصص الآية : 50 ) .
هناك معالجة أصعب ، التأديب التربوي :
 
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة السجدة ) .
إن لم تُجدِ الدعوة البيانية أخضعك الله للتأديب التربوي ، وهذا أصعب ، كالتهاب معدة حاد ، بالحمية الشديدة تشفى ، لم تلتزم بالحمية إذاً لابد من عملية جراحية ، العملية أصعب ، فيها تخدير ، وفيها فتح بطن ، أما لو التزمت حمية شديدة فلا حاجة للعملية ، فإما أن تأتيه طائعاً مستجيباً ، متمسكاً ، ملتزماً ، أو لا بد من تأديب تربوي ، فإن لم تتب عقب الشدة فهناك طريقة ثالثة هي الإكرام الاستدراجي ، تأتي الدنيا ، وأنت لست على طاعة الله ، تأتي الدنيا من أوسع أبوابها :
 
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية : 44) .
إذاً دعوة بيانية ، تأديب تربوي ، إكرام استدراجي ، وقصمٌ : ﴿ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .
أيها الإخوة ، إذاً هناك شريحة من البشر كبيرة جداً لا سبيل إلى أن تعرف الله ، وأن تصطلح معه إلا عن طريق الشدة ، لذلك :
أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي ، وتضيقي ، وتكدري على أوليائي حتى يحبوا لقاءي .
شهد الله أن المؤمن إذا عرف الله يرى أنه إذا أخضعه لشدة هو في العناية المشددة ، ضمن الإمكان ، في إمكان أن تهتدي ، فالله وضعك ضمن ظرف صعب .
لذلك بالضبط دققوا في هذا المثل : إنسان معه مرض خبيث في الدرجة الخامسة ، ولا أمل بشفائه ، بقي له أشهر ، وسأل الطبيب : ماذا آكل ؟ يقول له : كل ما شئت ، أما إنسان معه التهاب معدة ، وبحمية خلال أربعة أيام ينجو ، فالطبيب يقيم عليه النكير لو أكل شيئاً يؤذيه معدته ، فإذا تشدد فهناك أمل ، التشدد فيه خير ، وبقية خير ، وإمكان إصلاح ، وإمكان شفاء ، وإمكان توبة .
لذلك إذا أحب الله عبده ابتلاه ، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة ، وحينما تعامل معاملة شديدة من قِبل الله دقق فيما سأقول ، فأنت في العناية المشددة .
لكن النبي علمنا أن نقول : لكن عافيتك أوسع لنا يا رب ، والبطولة أن تأتيه طائعاً ، وأنت صحيح معافى .
أيها الإخوة ، الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها أن هؤلاء الطغاة إن لم يضيقوا على المؤمنين ، إن لم يهددوا المؤمنين ، إن لم يقطعوا عنهم بعض الإمدادات ، إن لم يحاصروهم ، هؤلاء فقد لا يتعرفون إلى طريق الحق ، قد لا يلجئون إلى الله .
لذلك هذه الشدة حينما يكتشف الإنسان يوم القيامة حكمتها يجب أن يذوب محبة لله عز وجل كما تذوب الشمعة إذا اشتعل فتيلها .
 
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
( سورة يونس ) .
مرة ثانية : الآية التي تنتظم هذا الدرس : ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ .
 
كلُّ شيءٍ وقع بإرادةِ وحكمة الله :
 
أيها الإخوة ، يجب أن تعلم علم اليقين أن كل الذي وقع أراده الله ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هذا هو الإيمان ، لو أن شدة أصابة المسلمين بعدها خير ، الآن نخبة قليلة من الناس يكتشفون الإيجابيات من وراء الأحداث الأخيرة في العالم ، هذه الإيجابيات على رأسها أن العالم انقسم إلى قسمين ، المنطقة الرمادية في العالم اختفت ، هناك أبيض وأسود ، مؤمنون وغير مؤمنين ، صادقون وكاذبون ، مخلصون وخائنون ، العالم أخذ الوضع الحاد ، أبيض وأسود ، هذه موحلة كبيرة جداً  ، الإسلام قفز إلى بؤرة الاهتمام ، الإسلام وحّد المسلمين ، هذه الشدائد توحد .
 
اكتشافُ إيجابيات الأحداث الأخيرة :
 
لو أنّ إنسانا عنده تأمل عميق ، وتحليل دقيق لاكتشف أن هناك إيجابيات في الأحداث الأخيرة لا يعلمها إلا الله مثلاً :
إن صح أن هناك ساحة عليها المبادئ والقيم في الأرض ، كانت قبل خمسين عاما كتلة الشرق بمبادئه وقيمه ، والتركيز على المجموع ، وقيم الغرب بمبادئه وقيمه ، والتركيز على الفرد ، والإسلام وحي من السماء ، منهج إلهي ، الشرق تداعى من الداخل ، بقي على ساحة المبادئ والقيم الإسلام والغرب ، الغرب قوي جداً ، وغني جداً ، وذكي جداً  ، وطرح قيم رائعة جداً ، والحق يقال ، طرح قيمة الحرية ، والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، وتكافؤ الفرص ، وحق المقاضاة ، والحريات بكل أنواعها ، والعولمة ، واحترام جميع الأديان ، قبل 11 أيلول ، فخطف أبصار أهل الأرض ، وصار الذي معه بطاقة خضراء ، كأنه دخل الجنة ، وتمنى البشر جميعاً أن يعيشوا في بلاد الغرب ، ولكن الله سبحانه وتعالى ما كان ليغش البشر فأظهر حقيقة الغرب .
والله قبل 20 ـ أو 30 عاما قلة قليلة جداً من المثقفين في العالم الإسلامي يكشفون حقيقة الغرب ، الآن أطفالنا كشفوا حقيقة الغرب ، الآن لا يمكن أن تحترم هذه الحضارة ، قد تخاف منها ، هي قوة غاشمة ، ولكنها ليست حضارة راقية أبداً ، لم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام ، وهذا أكبر مكسب تحقق للمسلمين في الحقبة الأخيرة .
 
الألم وسيلة للسعادة :
 
أيها الإخوة ، يبدو أن الألم وسيلة للسعادة ، لذلك من أسماء الله الضار ، وممنوع أن تقول : اسم الله الضار ، اسم الضار يذكر مع النافع ، الضار النافع ، فهو يضر لينفع ، ممنوع أن تقول : الله الخافض ، يجب أن تقول : الله الخافض الرافع ، يخفض ليرفع ، ممنوع أن تقول : الله مذل ، قل : الله مذل معز ، يذل ليعز ، ممنوع أن تقول : الله مانع ، يمنع ليعطي ، وربما كان المنع عين العطاء .
واللهِ لو كُشف للإنسان يوم القيامة حكمة ما ساقه الله إليك لصعقتَ ، كان دخله محدودا ، وولدا يتيما ، عنده مشكلة صحية ، لم يوفق في زواجه ، لو يُكشف للإنسان يوم القيامة الحكم التي وراء ما ساقه الله من قضاء وقدر أقول : والله إن لم يذب كالشمعة محبة لله ففي هذا الدين خلل .
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي )) .
[ رواه الديلمي عن ابن عمر ] .   
إذاً : الألم وسيلة للسعادة ، كم من إنسان عظيم له بصمات كبيرة جداً على الثقافة البشرية ، نشأ يتيماً ، نشأ فقيراً ، نشأ مضطهداً ، لذلك قالوا : الحزن خلاّق ، الحزن يورث التفوق أحياناً ، أما النعيم فلا يورث شيئاً ، تلاحظون أن طفلا ينشأ في أسرة غنية جداً لا يدرس ولا يتفوق ، ولا يلتزم بشيء ، مائع ، ضائع ، وهكذا ، النعيم أفسده ، وقد تجد بطولات من الفقراء ، يسمون عند الناس عصاميين ، بطولات كبيرة جداً ، لأنّ الحزن خلاق .
يجب أن تعتقد أنك لست مخيراً في أمك وأبيك ، ولا في كونك ذكراً أو أنثى ، ولا في مكان ولادتك ، ولا في زمن ولادتك ، ولا في قدراتك ، وقد أكد علماء التوحيد أن هذا الذي لم تكن مخيراً به محض خير لك ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، بل ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك .
إذاً : الألم وسيلة للسعادة ، والضرر طريق للنفع ، والخفض طريق للرفع ، والإذلال أحياناً طريق إلى العز ، والمنع أحياناً طريق عين العطاء .
لذلك المؤمن عقب مشكلة ، عقب شبح مصيبة ، عقب خطر ، يلجأ إلى بيت الله الحرام معتمراً أو حاجاً ، فيصطلح مع الله ، أو يأتي إلى المسجد ليصلي في المسجد ، وليذكر الله فيه ، أو يلجأ إلى تلاوة القرآن ، أو يحاول أن يسترضي الله بالأعمال الصالحة ، والبذل والتضحية .
لذلك حينما تفهم على الله حكمته من الشدائد تنقلب الشدائد إلى رغائب ، والبطولة أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن كل شيء يفعله الله لخير ، أنت لا يستقيم إيمانك حينما تتوهم أن الله لا يعلم ما يجري في الأرض .
 
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
( سورة الأنعام الآية : 59  ) .
ينزل صاروخ ، معقول ورقة يعلمها وصاروخ لا يعلمه ؟! مستحيل ، وأنت لا يستقيم إيمانك حينما تتوهم أن الله لا يقدر أن يردع الطغاة ، كن فيكون ، زل فيزول .
زلزال آسيا ، يساوي مليون قنبلة ذرية ، الأمر بيد الله عز وجل .
 
﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾
( سورة يس الآية : 29 ) .
لكن الله يمهل ولا يهمل .
 
من تدبير الله تعالى : تسخيرُ الأعداء لخدمة الدين :
 
شيء آخر : الطغاة مهما كانوا ظالمين ، ومهما كانوا فاجرين ، ومهما كانوا مفسدين ـ دققوا فيما سأقول ـ لا بد من أن يسخرهم الله لخدمة دينه من دون أن يشعروا ، ومن دون أن يريدوا ، وبلا أجر وبلا ثواب .
أقول لكم وأنا أعني ما أقول : أكبر جهة لها الفضل في صحوة المسلمين أعداء المسلمين ، يدفعونهم إلى التوبة ، يدفعونهم إلى الصلح مع الله ، يدفعونهم إلى طلب العلم ، لو أن الحياة فيها رخاء شديد ، وفيها تفلت ، وفيها شهوات ، وفيها تجارة رائجة ، تجد أن الأماكن التي فيها رخاء شديد هذا الرخاء أكبر حجاب عن الله عز وجل ، والأماكن التي فيها شدة فيها قلق ، وفيها ضغوط ، تجد المساجد ممتلئة ، الناس منيبة ، الناس يصلون الليل   ، يقرؤون القرآن ، ويتعاونون ، والله هناك بطولات في هذه البلدة لا يعلمها إلا الله ، من الشباب ، من الشابات ، بذل ، تضحية ، لا تنظر إلى الطرف الآخر المتفلت ، هناك بيوت تنطوي على أولياء في هذه البلدة .
(( رأيت عمود الإسلام قد سُل من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو بالشام )) .
[ أحمد ]
(( رأيت ليلة أسري بي عمودا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة ، قلت : ما تحملون ؟ قالوا : عمود الإسلام ، أمرنا أن نضعه بالشام ، وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله تخلى من أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام )) .
[ رواه الطبراني عن عبد الله بن حوالة ] .
والله أنا سافرت كثيراً شرقاً وغرباً ، والله كلما أعود إلى هذه البلدة أرى مصداق قول النبي فيها .
(( رأيت عمود الإسلام قد سُل من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو بالشام )) .
النقطة الدقيقة : نقول نحن للطاغية أحياناً : لو علمت ما سبّبت للمسلمين من عودة إلى الله ، ومن رخاء من تعامل المسلمين مع الله من دون أن تشعر ، ومن دون أن تريد لندمت أشد الندم ، الطرف الآخر دائماً هو الذي يدفعنا إلى باب الله ، يسوقنا إلى بابه .
(( عجبت لأقوام يساقون إلى الجنة في السلاسل )) .
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة أبو نعيم ، عن أبي هريرة ] .
هذا كله يكشف يوم القيامة ، ترى أن الله بيده كل شيء ، وأن هؤلاء الطغاة وظفهم للخير المطلق ، ما مِن مكان فيه شدة إلا وفيه عودة إلى الله ، وتوبة ، وصلح معه ، وهذا شيء واضح جداً .
 
لا أحد يستطيع إفسادَ هدايةَ الله لخَلقه :
 
لذلك أيها الإخوة ، أطمئنكم أن قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، أبداً ، الدليل :
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
 ( سورة الأنفال الآية : 36 ) .
ماذا علينا أن نفعل ؟
 
إذاً : الكرة في ملعبنا ، والله ينتظرنا .
(( ولو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين )) .
[ ورد في الأثر ] .
 الله ينتظرنا ، والأمر بيده فقط ، وليس إلا الله ، ولا إله إلا الله ، ولا رافع إلا الله ولا خافض إلا الله ، ولا معطي إلا الله ، ولا مانع إلا الله ، ولا معز إلا الله ، ولا مذل إلا الله وهذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله عائد إليه ، الآن الحل :
 
 
 
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
 
( سورة آل عمران الآية : 120 ) .
كل خططهم ، وأسلحتهم ، وحاملات طائراتهم ، وصواريخهم العابرة للقارات ، وأقمارهم الصناعية ، وأموال بأيديهم ، ومناطق نفوذ ، وثروات بين أيديهم ، كل هذا الحجم الكبير ، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ .
ولكن إن تعصوا ، وتصبروا ما بعد المعصية والقهر إلا القبر ، لكن بعد الطاعة والصبر في النصر ، فأنت مؤهل أن تنتصر بطاعتك لله ، وبصبرك على الشدة التي ساقها الله لك .
لذلك أيها الإخوة ، الآية الدقيقة جداً :
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الرعد الآية : 11 ) .
إن لم نغير فلا يغيّر الله ، وإن غيرنا يغيّر الله ، والكرة في ملعبنا ، والأمر في يدنا ، وخلاصنا لا بأيدي أعدائنا ، أبداً ، والإنسان ضعيف الإيمان هكذا يتوهم ، أن خلاصنا بيد أعدائنا ، خلاصنا بأيدينا .
 
﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾
( سورة الأنفال الآية : 19 ) .
وليس في الكون إلا الله ، ولا إله إلا الله ، هذه كلمة التوحيد .
أيها الإخوة ، وكل إنسان الآن الله فردا ، شركة ، مؤسسة ، جماعة يقيمون على ظلم أو على خطأ فلها نهاية ، إلا المؤمن الصادق المستقيم فخطه البياني صاعد صعودا مستمرا ، إلا الذي أن يؤمن ، وبنى مجده على أنقاض الآخرين ، بنى حياته على موت الآخرين ، وبنى عزه على إذلال الآخرين ، وبنى أمنه على إخافة الآخرين ، وبنى غناه على فقرهم ، هذا له نهاية تأتي الآية : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ، آية مطمئنة ، آية يطرب لها المؤمن ، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
في بعض الدول بالشرق تداعت من الداخل ، عندها قنابل نووية يمكن أن تبيد الخمس قارات خمس مرات ، بلا أي حرب خارجية تداعت من الداخل .
 
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾
 
( سورة الإسراء ) .
لو كان عمره سبعين سنة فهو زهوق ، لو كان يملك سلاحا نوويا فهو زهوق .
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ .
هذا هو الإيمان ، الإيمان ليس إلا الله ، الإيمان لا إله إلا الله .
 
خاتمة :
 
أيها الإخوة ، آية قصيرة لكن مدلولاتها كبيرة ، آية قصيرة تفرح الإنسان آية قصيرة تذهب عنه اليأس ، والإحباط ، والتطامن ، لا تقولوا انتهينا ، لم ننتهِ ، نحن عند الله في مكان قوي ، والله لن يترنا أعمالنا ، والله معنا ، ولكن ينبغي أن نصطلح معه .
 
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب