سورة الأنعام 006 - الدرس (65): تفسير الآيات (150 - 150) العقيدة توحيد والسلوك طاعة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأنعام 006 - الدرس (65): تفسير الآيات (150 - 150) العقيدة توحيد والسلوك طاعة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج حكم العدالة: حكم العدالة =ح06= المتورط= ج1           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 10 - هل تخرج الاسرة قاتلا - الداعية بشرى بكري           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 311- د. حسين الترتوري- 18 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - الانتقام سمة الضعفاء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0906 - سورة المؤمنون 061 - 067           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 09 - الغضب ودوره في القتل - الشيخ رمزي نعالوة         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأنعام

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأنعام - تفسير الآية: (150 - 150) - العقيدة توحيد والسلوك طاعة

21/03/2011 08:26:00

سورة الأنعام (006)
الدرس (65)
تفسير الآية: (150)
العقيدة توحيد والسلوك طاعة
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات   القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والستين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية الخمسين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾
 
كذب المشركين في شركهم وانعدام الدليل على شركهم :
 
أيها الإخوة ، الآية السابقة فيها إشارة إلى أنهم حينما قالوا :
 
﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا ﴾
( سورة الأنعام الآية : 148 ) .
إلى أن هذا كذب ، ولماذا هو كذب ؟ أين البرهان ؟
 
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
 
( سورة الأنعام ) .
إنكم تكذبون أشد أنواع الكذب ، والحقيقة أن منهج البحث في الإسلام إن كنت ناقلاً فالصحة ، مدعياً فالدليل ، هل عندكم دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجبر عباده على المعصية ؟ ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، ما عندكم دليل ، عندكم شهادة ؟ هل شهد أحد لكم هذه الشهادة ؟ في الآية التي تلي هذه الآية إن كنتم لا تعلمون هل معكم شهداء على ما تقولون ؟ .
أحياناً يأتي الإنسان ببينة للقاضي ، إن لم يكن معه بينة يأتِ بشاهد ، البينة إيصال ، فهل هناك أحد شاهدك قد أعطيته هذا المبلغ ؟ إما أن تأتي بدليل من إيصال أو سند أو بشاهدين .
ففي الآية الأولى كلامهم ليس له دليل ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ ، ما دليلكم على أن الله قدر عليكم اختياركم ؟ ما الدليل على أن الله قدر عليكم أعمالكم ؟ أنتم مخيرون ، ما عندكم من دليل ، هذا أشد أنواع الكذب .
 
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام ) .
منهج البحث العلمي : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا
 
إخوتنا الكرام ، كأن الله يعلمنا طريقة البحث ، كأن الله يعلمنا الأدلة ، كيف نفكر يعني العلم حقيقة مقطوع بها ، ماذا يعني أنه مقطوع بها ؟ يقابلها الوهم ، يقابلها الظن   يقابلها الشك ، يقابلها غلبة الظن ، أما القطع 100 % ، الوهم 30 % ، مدى صحة المعلومات بالوهم 30 % ، بالشك 50 % ، بالظن 80 %  بغلبة الظن 90% ، أما القطع 100 % ، الأمور العلمية المقطوع بها ، لا يختلف عليها اثنان في الأرض ، المعادن تتمدد بالحرارة ، الملح يرفع الضغط ، في حياتنا مسلّمات علمية مقطوع بها ، أتمنى على كل أخ كريم أن تكون عقيدته وتصوراته عن الله ، وعن الكون ، وعن الحياة الدنيا ، وعن اليوم الآخر من النوع المقطوع بها ، يقينيات ، لا تتعامل مع الظنيات أبداً ، ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ ، تكذبون أشد أنواع الكذب .
إذاً حقيقة مقطوع بها ، ليست وهماً  ولا شكاً ، ولا ظناً ، ولا غلبة ظن ، إنما هي يقين .
 
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ¯لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
( سورة التكاثر ) .
 
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر ) .
لمَ سمِّيَ الموت يقيناً ؟ لأن كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء يراها الإنسان أيّ إنسان رأيَ العين يوم القيامة .
 
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية : 22 ) .
من منكم يصدق أن فرعون مسلم ؟ أسلم عند الغرق ، لكن :
 
 
﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة يونس ) .
 
خيارنا مع الإيمان خيار وقت :
 
تصور ستة آلاف مليون إنسان تتوزعهم مئات الاتجاهات ، والعقائد ، والأديان والمذاهب ، والطوائف ، والملل ، والنحل ، الستة آلاف مليون عند الموت يكشفون الحقائق التي جاء بها الأنبياء ، إذاً خيارنا مع الإيمان خيار وقت .
عرضت صورة في ندوة سابقة لفرعون ، وقد رممت يداه في فرنسا ، صورة مخيفة ، الإيمان هو الخُلق ، وقلت هذا الذي قال وقتها :
 
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات ) .
هذا الذي قال :
 
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية : 38 ) .
هو نفسه حينما أدركه الغرق قال : ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ .
إذاً : خيارك مع الإيمان خيار وقت ، كل بطولتك أن تؤمن قبل فوات الأوان ، تصور أقطاب الكفر في العالم ، أقطاب الإلحاد ، أقطاب الطغاة ، المجرمين ، سوف يؤمنون بما جاء به الأنبياء ، ولكن عند الموت ، ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ، بطولتك أن تؤمن قبل فوات الأوان ، أن تؤمن وأنت قوي .
(( اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك )) .
[ أخرجه الحاكم ، والبيهقي ، عن ابن عباس ] .
أخطر نقطة قلتها الآن : أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط ، والدليل : فرعون وكل هؤلاء الطغاة في العالم عندما يأتيهم الموت يكشفون الحقيقة التي جاء بها الأنبياء ، لذلك : ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾ ، هذا ظن ، ﴿ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ ﴾ ، أين الدليل ؟
إخواننا الكرام ، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، إن كنت ناقلاً فالصحة ، أو مدعياً فالدليل ، فالعلم حقيقة مقطوع بها ، ليست وهماً ، ولا شكاً ، ولا ظناً ، ولا غلبة ظن  ، إنما هي اليقين القطعي ، وينبغي أن تكون عقائدنا وتصوراتنا عن الله  عزوجل ، وعن الحياة ، وعن الدار الآخرة من اليقينيات ، لا بد من مراجعة التصورات ، ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ .
إذاً العلم حقيقة مقطوع بها ، ليست وهماً ، ولا شكاً ، ولا ظناًَ ، ولا غلبة ظن ، بل هي يقينية ، تطابق الواقع ، فإن لم تطابق الواقع كانت جهلاً .
أوضح مثل لهذا وأنت راكب مركبتك ، على لوحة البيانات تألق ضوء أحمر ، لو توهمت أن هذا الضوء تزييني كي يسلّيك في الطريق ، وتابعت السير احترق المحرك ، وتوقفت المركبة ، وتكلفت ما يزيد على خمسين ألفًا لإصلاح المحرك ، وتعطلت الرحلة ، وتعطل الهدف ، لو فهمت أن هذا التألق تألق تحذيري ، إن أدركت أن هذا تألق تحذيري أوقفت المركبة ، وأضفت الزيت ، وسلم المحرك ، وتابعت الرحلة وحققت الهدف ، البطولة لا في الحدث ، بل في فهم الحدث .
لذلك : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، العلم حقيقة مقطوع بها ، تطابق الواقع عليها دليل .
 
التقليد ليس علما عليه دليل :
 
الآن دققوا ، إذا نفي الدليل أصبحت هذه الحقيقة تقليداً ، تقليد من دون دليل ، لو قلدت الموحد ، الله عزوجل لا يقبل من ذلك ، لو كان التقليد صحيحاً ، لماذا ؟ لو قبِل الله بالعقيدة التقليد لكانت كل الفرق الضالة مقبولة عند الله ، ما حجتهم ؟ يا رب سمعنا من يقول كذا فقلنا مثلهم ، يقول لك الله : لا ، أنا قلت لك :
 
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد الآية : 19 ) .
لم أقل لك فقل ، بل قلت : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .
إخواننا الكرام ، لا تُقبل عقيدة المسلم إلا يقيناً ، إلا عن بحث ، ودرس ، ودليل  ، فالتقليد في العقائد غير مقبول ، ولو أن العقيدة صحيحة ، لأنك إذا قلدت في العقيدة يأتي إنسان آخر يعطيك عقيدة مناقضة لها أيضاً تصدقها ، هذه واحدة .
 
العلم مطابقة الحقيقة للواقع :
 
لو ألغينا الواقع كانت الحقيقة جهلاً ، العلم مقولة تطابق الواقع عليها دليل ، مطابقة الواقع هو العلم ، وعدم مطابقة الواقع هو الجهل ، الشمس كُسفت ، ابن رسول الله إبراهيم توفي ، فتوهم الصحابة أن كسوف الشمس لموت إبراهيم ، بلغ ذلك النبي ، وقف فيهم خطيباً ، وقال : هذا وهم ، لأنه غير مطابق للواقع ، قال :
(( إنما الشمسُ والقمرُ آياتان من آيات اللَّه ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ من خلقه )) .
[ البخاري عن ابن عباس ] .
هذا هو العلم ، العلم مقولة مقطوع بها ، تطابق الواقع ، عليها دليل .
﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ ، ادعاءكم ظن ، وليس علماً ، ﴿ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ ، تكذبون كذباً خطيراً  .
 
أعظم المعاصي القولُ على الله بغير علمٍ :
 
لذلك أيها الإخوة ، رتّب ربنا عزوجل رتب المعاصي والآثام تريبًا تصاعديًا ، فبدأ بالفحشاء والمنكر ، والإثم والعدوان ، والشرك ، والكفر ، وجعل على رأس هذه القائمة :
 
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة ) .
(( يا ابن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا )) .
[ عن ابن عمر ] .
((خذ الدين عن الذين استقاموا )) في عقيدتهم ، (( ولا تأخذ عن الذين مالوا )) .
اتصل بي إنسان ، قال لي : الله عزوجل لم يكتب لي الهداية بعد ، قلت : هذا كذب ، الله عزوجل هدانا جميعاً ، بقي أن نقبل الهدى ، بقي أن نستقبله ، هذه كلمة خطيرة ، يدّعيها كل إنسان ، لا يصلي ويكذب ، ويأكل المال الحرام ، ويعتدي على أعراض الناس ، بدليل أن الله لم يكتب له بعد الهداية .
هناك كلمات يقولها العوام خطيرة جداً ، ليس لها أساس من الصحة ، الله لم يهدِه  ، لماذا لم يهدِه ؟ هذا كلام لا معنى له إطلاقاً ، ولا أصل .
والله مرة دعا إنسان فقال : يا رب ، إن سيئاتنا من قضائك ، نحن لا علاقة   لنا ، سيئاتنا هي من قضائك وقدرك ، أجبرتنا عليها ، الخطأ في العقيدة خطير جداً ، الخطأ في العقيدة مدمر ، الخطأ في العقيدة ينعكس انحرافًا في السلوك .
تماماً لو قال طالب لآخر : لا تدرس ، المدرس قُبيل الامتحان بيومين بهدية معينة يعطيك الأسئلة ، الفكرة لا أساس لها من الصحة ، ما درس إطلاقاً ، وعنده باكلوريا  ، شهادة ثانوية ، مصيره متعلق بهذه الشهادة ، طرق باب المدرس قبل الامتحان بيوم أو بيومين ، فتلقى صفعتين على وجهه ، وركله بقدمه ، فكرة خطيرة منعتك أن تدرس ، مفهوم الشفاعة الساذج يمنعك أن تستقيم ، الاعتماد على مفهوم الشفاعة الساذج يمنعك أن تستقيم .
الآن :
 
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة الأنعام ) .
 
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
 
أنتم مخيرون ، لو أن القضية قضية إيمان قسري كانت قضية سهلة جداً ، لكن الله خلقنا لإيمان طوعي ، خلقنا لإيمان أساسه الحب ، خلقنا لإيمان أساسه الحرية .
ذكرت في درس سابق لماذا كان النبي ضعيفاً ؟ ما معنى ضعيف ؟ يعني لا يملك لأصحابه نفعاً ولا ضرا ، يرى عمار بن ياسر يعذب ، نبي هذه الأمة سيد الخلق ، لا يستطيع إنقاذه ، (( صبراً آل ياسر ، إن موعدكم الجنة )) ، ليس معه شيء يغري الناس به ، وليس معه شيء يخيف الناس به ، ولك أن تقول عنه : مجنون ، وتنام في البيت آمناً ، ولك أن تقول عنه : شاعر ، وكاهن ، ومخرف ، وتنام مرتاح البال ، لكن لن تستطيع أن تقول حرفاً لقوي ، لا تنام البيت ، إذاً جعله الله بهذا من أجل يكون الإيمان به حقيقياً ، ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ، ليس معكم علم أن الله أجبركم على أعمالكم .
ومرةً بعد مرةٍ أقول : إن عقيدة الجبر شلّت العالم الإسلامي ، عقيدة الجبر أن الله سبحانه وتعالى خلقنا هكذا ، لا حيلة لنا .
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له         إياك إياك أن تبتل بالماء
***
هذا الفهم للعقيدة للقضاء والقدر فهمٌ يشلّ حركة الأمة .
 
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ
 
اليوم : ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ ﴾ ليس عندكم دليل ، معكم شهود ؟ لك على فلان مئة ألف ليرة ، ليس معك إيصال ، معك شهود شهدوا لك يوم أعطيته إياها ؟ فعندنا دليلان قويان ، إما دليل بينة ، أو دليل شهودي .
﴿ قُلْ هَلُمَّ ﴾ يعني : تعالوا أحضروا ، وهلمَّ في لغة الحجازيين لغة قريش ، هلم تصلح للمفرد والمفردة ، والمثنى ذكريين أو أنثيين ، وجمع الذكور والإناث ، هلم زيد ، هلم هند ، هلم البنتين ... إلخ .
لكن في لغة تميم هلمّ يا رجل ، هلمِ يا امرأة ، هلما يا رجلين ، وهكذا ، هلم تعالوا ، تعالوا أحضروا ﴿ شُهَدَاءَكُمْ ﴾ .
من باب الطرفة يسألني أحيانا شخص سؤالا فأقول له : والله الفتوى أنه حرام ، يقول لي : هناك إمام مسجد قال : ما فيها شيء ، قلت له : لا مانع ، لكن يوم القيامة كيف تلاقيه ؟ يمكن أن لا تلاقيه ، الآن احمل السلاح وامشِ أمام مخفر ، ألقوا القبض عليك ، قلتَ : فلان قال لي : مسموح ، أين هو ائتوا به .
﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ ﴾ ، قالوا لكم : إن الله أجبركم على أعمالكم بالقضاء والقدر ، وأنك غير مسؤول ، وأن الله خلقك هكذا .
﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ﴾ .
أنتم في الآيات السابقة تحللون وتحرمون بلا دليل ، ولا علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ، الآن ليس معكم دليل على أن الله أجبركم هذا ، وليس معكم شهود على أن هذا التحليل بلغكم عن الله .
﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ﴾ ، وقد يأتي هؤلاء المنافقون بشهود مزورين ، قال الله له : يا محمد ، وإن جاءوك بشهود فلا تقبل شهادتهم .
ذكرت مرة نصًا لإنسان أظنه صالحاً ، ولا أزكي على الله أحدا ، يعيش ظروف مجتمعاتنا ، وله منصب رفيع ، ذكرت له أن سيدنا عمر جاءته رسالة من أحد الولاة ، أن يا أمير المؤمنين : إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ، ليس أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسّهم بالعذاب ، فإن أذنت لي فعلت ، فقال سيدنا عمر : يا سبحان الله !!! أتستأذنني في تعذيب بشر ؟‍ وهل أنا لك حصن من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط       الله ؟ أقم عليهم البينة ، فإن جاؤوا بالبينة فخذهم بالبينة ، إن أقمتم عليهم البينة فخذهم بالبينة  ، فإن لم تقم البينة فادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، وإن لم يقروا فادعوهم إلى اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم ، قال لي هذا الأخ : لكن لو طبقنا هذه القاعدة الآن كل هؤلاء المتهمون بالسرقة يحلفون ، فقد سألوا كذابًا : أتحلف ؟ قال : جاء الفرج .
خرج ليأتي بشاهد بالمحكمة ، قال له : ائتي بشاهدين ، معه شاهد ، الثاني ليس معه ، وهناك شهود بالأجرة ، فجاء بشاهد ، فاتفق معه على خمسة آلاف ليرة ، القاضي قال له : قف وضع يدك على هذا المصحف ، قال له : لحظة ، سحب المتهم إلى خارج القاعة ، قال      له : هناك يمين ، قال له : ماذا ؟ قال له : أريد عشرة آلاف .
قال عزوجل : ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ .
يعني يا محمد ، هم كاذبون ، ينبغي أن تفضح شهودهم ، لأنهم كاذبون ، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
 
الإنسان على أحد طريقين :
 
ـ الآن دقق ـ الآن أنت على أحد طريقين لا ثالث لهما ، كيف أن الإنسان عند الموت يقول النبي الكريم :
(( والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار )) .
[أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن عن رجل من أصحاب النبي  ] . 
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
( سورة الملك الآية : 2 ) .
بدأ بالموت ، لأن الموت خطير جداً ، لا سمح الله ولا قدر الإنسان عند الموت أمام خيارين ، إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفذ عذابها ، أما حينما يولد فأمامه مئة ألف خيار ، أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى ، أما عند الموت فهو أمام خيارين ، والإنسان في الدنيا أمام خيارين ، إما أن يتبع الحق ، أو يتبع الهوى ، الدليل :
 
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
 
( سورة القصص الآية : 50 ) .
أنت في كل دقيقة ، وفي كل ساعة ، وفي كل حين ، وفي كل يوم ، وفي كل أسبوع ، وفي كل شهر ، وفي كل عام ، إما أنك مع الحق ، والحق طريق سالك إلى الجنة ، وإما مع الهوى .
﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
 
 
( سورة ص الآية : 26 ) .
طُرق الباب ، إما أن تستجيب ، واحد طلب منك مساعدة ، وأنت قادر عليها ، إن استجبت فأنت مع الحق ، وإن اعتذرت لبخل ، أو لحرص ، أو لقلة رغبة بالخير فأنت مع الهوى .
سيدنا عمر أمسك تفاحة فقال : أكلتها ذهبت ، أطعمتها بقيت .
إذاً : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ .
﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
 
متى يؤمن الإنسان ؟ وكيف يؤمن ؟
 
أيها الإخوة ، القسم الأخير من هذه الآية دقيق جداً ، الإنسان متى يؤمن ؟ إذا آمن بآيات الله ، الآيات الدالة على وجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، فإن لم يؤمن بآيات الله فهو غير مؤمن بعظمة الله ، قد يكون مؤمنًا بوجود الله ، كإبليس ، قال :
 
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
 
( سورة ص الآية : 82 ) .
يمكن أن تؤمن بوجوده ، والعالم كله يؤمن بالله ، أساساً الذين ينتهكون حُرمات الأمم والشعوب ، ويقتلون ، ويقصفون ، وينهبون الثروات ، ويدمرون الشعوب والأمم بقنابل فتاكة على عملتهم : " ثقتنا بالله " ،
كلٌ يدعي وصلا بليلى
***
ثقتهم بالله على الدولار ، فأن تؤمن أن هناك إلهًا قضية سهلة جداً ، وهذا إيمان إبليسي ، قال : ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ .
أن تؤمن بوجود إله خالق قضية سهلة جداً في العالم كله ، حتى التي ترقص تقول : الله وفقني في هذه الرقصة ، إنها كلمات مضحكة تصدر عن العصاة ، فالإيمان بالله من دون تعظيم قاسم مشترك لكل البشر ، إلا في فئة قليلة جداً مشوّهة في عقولها ، هم الملحدون ، فئة قليلة جداً ، أما معظم البشر فمؤمنون بالله .
حدثني أخ أن مجموعة خبراء من دولة انهارت قبل عقدين من الزمن كانت تؤمن أنه لا إله ، دولة كبيرة عملاقة ملحدة ، زعيمة الإلحاد في العالم ، خمسة خبراء من هذا البلد الملحد ركبوا طائرة ، وتوجهوا إلى بلد آخر في مهمة عليهم أن يؤدوها ، دخلت الطائرة في سحابة مكهربة ، وكادت تسقط ، فإذا بهؤلاء الخمسة الملحدون يقولون : يا الله .
إنّ الإنسان عند الشدة يؤمن بالله ، ولو كان ملحداً ، قضية الإيمان بالله قضية لا تقدم ولا تؤخر ، لكن البطولة :
 
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة ) .
لو آمن بالله العظيم لما عصاه ، دائماً الذي يعصي الله لضعف تعظيم الله عنده  ، من أين جاء ضعف التعظيم ؟ من عدم الإيمان بآياته ، الشمس والقمر ، والنجوم  والليل والنهار ، والطعام والشراب شيء مذهل ، بقرة تأكل الحشيش فتعطيك الحليب ، مواد غذائية وسكريات ، ودسم ، وبروتين ، فسفور ، ومعادن ، غذاء كامل لك ، تصنع منه مشتقات الحليب .
 
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
( سورة النحل الآية : 5 ) .
هذا النبات ، هذه الأشجار ، هذه الفواكه ، هذه الثمار ، هذا القمح ، بعض الخضراوات الخمس غرامات تعطي خمسة أطنان ، مليون ضعف ، الخمس غرامات من بذر البندورة تعطي خمسة أطنان ، فمن أودع في هذه البذرة هذه القوة ؟ الله عزوجل .
أنت أمام آيات مذهلة ، في طعامك ، وشرابك  وفي خلقك ، وفي تكوينك ، وفي ما حولك ، وفي من فوقك ، ومن تحتك .
لذلك الآيات واضحة جداً ، إذاً الذي يُكذب بآيات الله لا يعظم الله ، وبالتالي لا يطيعه ، ماذا يطيع ؟ هواه ، معادلة دقيقة جداً ، معادلة رياضية ، لن يفكر في آيات الله ، قال   تعالى :
 
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الجاثية ) .
لا طريق للإيمان بالله إلا بآياته ، لا طريق للإيمان بالله إلا بآياته الكونية وآياته التكوينية ، أفعاله ، وآياته القرآنية ، هذه طرق معرفة الله عزوجل ، فالذي كذب بآياته الكونية لم يعبأ بها ، وكذب بآياته التكوينية ولم يعبأ بها ، وكذب بآياته القرآنية ، ولم يعبأ بها ، إذاً : لا يؤمن بالله العظيم ، إذاً : لا يتبع الحق يتبع الهوى ، معادلة رياضية واضحة :
﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
قال الله عزوجل :
 
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
( سورة الكهف ) .
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ ، أي وجدناه غافلاً .
 
﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ ﴾
( سورة لقمان الآية : 15 ) .
اتبع أهل الحق .
 
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة الكهف الآية : 28 ) .
 
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
 
 
بربكم لو أنك سألت إنسانًا شاردًا عن الله تائهًا ، واستنصحته ، ينصحك بالمعصية ، وينصحك بأخذ قرض ربوي ، وينصحك بالزواج من فتاة شاردة متفلتة ، ينصحك بأكل المال الحرام ، يقول لك : كن شاطرًا ، الآن الذي يأكل المال الحرام شاطر ، والفتاة التي تعرض كل مفاتنها على الناس متحضرة ، والمنافق الذي يتلون مئة لون ولون لبق مرن ، حضاري ، مصطلحات جديدة ، شيء بشع جداً ، له اسم براق .
فرضاً أن تحتل فلسطين ، وأن تغتصب هذه البلاد ، وأن يشرد أهلها في الآفاق ، هذه القضية الكبيرة اسمها أزمة الشرق الأوسط ، لا اغتصاب ، ولا طرد شعب من أرضه ، لا ، اسمها أزمة الشرق الأوسط ، والذي يرتكب جرائم اسمه أصولي ، المصطلحات فيها خبث ما بعده خبث ، هذا يتبع أصول الدين ، معنى الدين قتل ، الدين إرهاب ، الدين تخلف ، الدين قهر ، الدين جريمة ، أصولي ، وهكذا .....
قتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر         وقتل شعب مسلم مسالة فيها نظر
﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
كل إنسان كذب بالآيات أي لم يعبأ بها لم يؤمن بها ، لم يلتفت إليها ، لم يعرها بالاً ، هذا يتبع هواه ، فأنت أيها المؤمن : ﴿ لَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
 
أثر الإيمان باليوم الآخر على سلوك الإنسان :
 
شيء آخر ، إخواننا الكرام ، صدقوا ولا أبالغ أن الذي يؤمن باليوم الآخر تنعكس كل موازينه ، كيف ؟
إنّ الإنسان يتوهم الذكاء بالأخذ ، إن آمنت باليوم الآخر تر أن الذكاء كل الذكاء في العطاء لا في الأخذ ، الذي لم يؤمن باليوم الآخر يرى أن الاستمتاع بالشهوات هو الذكاء ، هو العقل ، لكن الذي يؤمن بالآخرة يرى أن البعد عن كل ما حرم الله هو الذكاء .
إخواننا الكرام ، كلمة دقيقة : إن لم تنعكس موازينك 180 درجة فلن تكون مؤمناً باليوم الآخر ، والدليل أنه لا يستطيع إنسان في العالم الإسلامي أن ينكر بلسانه اليوم الآخر   ، لكن لا تجد في سلوك الناس ما ينبئ بهذا ، كم من محل تجاري مغتصب ؟ كم من شركة مغتصبة ؟ كم من دَين لا يؤدى ؟ والله الذي لا إله إلا هو لو أيقنت أن هذه الحقوق التي عليك لا بد من أن تؤدى يوم القيامة لكنت إنساناً آخر .
قال رجل لآخر  لقد اغتبتني ، قال له : من أنت حتى أغتابك ؟ من حضرتك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهم أولى بحسناتي منك .
هو يوقن أنه إذا اغتاب زيداً أو عبيداً فإن سيئات زيد أو عبيد سوف يتحملها يوم القيامة .
إخواننا الكرام ، بشكل صريح وبلا مواربة ، قضية الإيمان باليوم الآخر هذا إيمان فلكلوري ، إيمان لفظي ، لكن لو آمنت باليوم الآخر والله لا تستطيع أن تأكل قرشًا حرامًا ، لا تستطيع أن تكذب بكلمة واحدة ، لكن من ضعف الإيمان باليوم الآخر تفعل ذلك .
 
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
( سورة المؤمنون ) .
مستحيل وألف ، ألف ، ألف ، ألف مستحيل أن تعصي الإله وأنت مؤمن أن علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، المثل أذكره مئات المرات :
أنت مواطن راكب سيارة ، الإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، وشرطي على دراجة ، وضابط مرور بسيارة ، وأنت مواطن من الدرجة الخامسة ، يس لك ميزة ، تمشي على الأحمر ؟ مستحيل ، مستحيل وألف ، ألف ، ألف مستحيل ، لماذا ؟ لأنك موقن أن واضع نظام المرور علمه يطولك عن طريق هذا الشرطي ، وقدرته تطولك بسحب الإجازة ، وسحب المركبة ، لأنه عندك يقين قطعي أن واضع نظام السير علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، لا يمكن أن تعصيه ، مستحيل ، إلا واحد مجنون ، أو في حالتين ، تعصيه الساعة الثالثة بالليل ، لأن علم واضع القانون لا يطولك علمه الساعة الثالثة ، ما في شرطي لأنه ، أو أن تكون أقوى من وضع القانون ، لا تسأل ، أما مواطن عادي ، وعلمه يطولك فلا يمكن أن تعصيه .
الآية :
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
ـ دققوا الآن ـ :
 
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾
( سورة الطلاق ) .
هل تساءلتم مرة : لماذا اختار الله من أسمائه العلم والقدرة فقط ؟ إذا علمت أن علمه يطولك ، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه :
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ .
إن علمت أن علمه يطولك ، وأن قدرته تطوك فلا يمكن أن تعصيه .
فلذلك إذا آمنت بالله واليوم الآخر مستحيل أن تأكل المال الحرام ، مستحيل أن تعتدي على أعرض الناس ، مستحيل أن تكذب ، مستحيل أن تظلم ، فامتحن إيمانك باليوم الآخر من استقامتك ، لا من إقرارك ، الإقرار سهل جداً ، امتحن إيمانك باليوم الآخر من استقامتك ، ما دامت الاستقامة ليست متقنة أو تامة معنى ذلك أن إيمانك بهذا اليوم ليس قوياً .
إذاً : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ .
 
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
 
﴿  قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
ماذا أقول لكم ؟
واحد خيرك بين جوهرة ، أنا رأيت جوهرة باستنبول بمتحف توبي كبي ، ثمنها 150 مليون دولار ، لو وضعوا أمامك هذه الجوهرة ، ووضعوا أمامها زجاجة كبيرة ثمنها عشرون ليرة ، وقيل لك : اختَر ، فأنت أخذت القياس الأكبر ، أنت عدلت عن الجوهرة بهذه الزجاجة ، كم خسارتك ؟ .
معنى يعدلون فلان يعدل في حكمه ، يعني حكمه عادل ، لكن يعدل بكذا يعني استبدل طاعة الله بطاعة مخلوق .
إخواننا الكرام ، بشكل دقيق جداً : حينما تعصي إلهك ، وتطيع إنسانًا كائنًا من كان ، إنسانًا قويًا ، إنسانًا تعلق عليه آمالًا كبيرة في الدنيا ، أنت لا تعرف الله ، لأنك استغنيت عن الآخرة ، وعن حياة الأبد ، وعن إرضاء خالق الأكوان ، بعرض من الدنيا قليل ، ﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .
الآن يكون الرجل في منصب فيه شبهة في تسلم هذا المنصب ، يعدل به الآخرة كلها أحياناً ، أحيانًا صفقة فيها مادة محرمة ، يقول لك : حط بالخرج ، فرصة لا تعوض ، معنى ذلك أنه يعدل بطاعة الله ، لذلك نحن في أيام الأعياد نقول : الله أكبر ، أنا أقول دائماً ، من أطاع مخلوقاً ، وعصى خالقاً فهو ما قال : الله أكبر ولا مرة ، ولو لفظها ألف مرة ، لأنه رأى في أعماقه أن طاعة هذا المخلوق أكبر عنده من طاعته الله ، الآن من أطاع زوجته وعصى ربه ، هو رأى أن طاعة الزوجة أكبر من طاعة الله ، من غش المسلمين رأى أن هذا المال الذي جاءه من غشهم أكبر عنده من طاعة الله ، لذلك :
﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ .
يعني يعدل دريهمات تأتيه من صفقة محرمة ، يعدل بشهادة كاذبة .
 
اغتنمْ ما دمت حيًّا !!!
 
أيها الإخوة ، هذا كلام الله منهج كامل ، وهناك توضيح ، ونحن أحياء ، القلب ينبض كل شيء يصحح ، كل ذنب يغفر ، كل مشكلة تحل ، أما حينما يقف هذا القلب لا تحل ولا مشكلة ، فالبطولة أن تعرف الله وأنت حي ، لا أن يعرفه الإنسان عند الموت ، وعند دنو الموت .
 
 
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾
 
 
( سورة الأنعام الآية : 158 ) .
وكل إنسان يعتدي على الناس إن بلسانه ، أو بما يملك من قوة لأخذ أموالهم ظلماً وعدواناً ، أو لانتهاك أعراضهم ، هو إنسان ليس مؤمناً بالآخرة ، ولو قال : أنا مؤمن بها  .
 
التكذيب العملي سلك وليس طبعا :
 
أحياناً تزور طبيبًا ، وتكتشف أنه لا يناسب اختصاصه ، بعيد عن مرضك ، فيعالجك ، وتصافحه ، وتثني عليه ، وتعامله بأعلى درجة من المودة ، لكن لأنك لم تسترِ الوصفة معنى ذلك لست قانعاً به ، فهو التكذيب سلوك ، التكذيب ليس طبعًا ،هو سلوك ، لمجرد أنك لم تشترِ وصفته لست قانعاً بعلمه ، مع أنك احترمته إلى أقصى درجة ، وبجلته ، وأثنيت على علمه ، القضية سهلة باللسان ، لكن لعدم شراء الوصفة معنى ذلك أنك لم تعتقد أنه على علم أنت بحاجة إليه ، مقياسك السلوك ، وليس الإقرار ، السلوك هو الذي يحدد مكانك عند الله ، قال تعالى :
 
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام الآية : 132 ) .
 
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
( سورة الإسراء ) .
فالعمل هو الذي يعول عليه ، أما الاعتقاد فمثل رجلٍ معه مرض جلدي ، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس ، وهو جالس بغرفة قميئة مظلمة كلها رطوبة ، ويقول بفصاحة ما بعدها فصاحة : يا لها من شمس ساطعة !! يا لها من شمس عظيمة !!! يا لها من أشعة شافية !!! وهو قاعد بغرفة قميئة مظلمة ، فيها رطوبة كل هذا الكلام لا قيمة له ، ما لم يتعرض إلى أشعة الشمس فكلامه لا جدوى منه .
 
ملخص القرآن : قُل إِنّما أَنا بشَرٌ مثلُكُم يُوحَى إليَّ
 
لذلك الله عزوجل لخص قرآنه كله بكلمتين :
 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾
الآن ﴿ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ القرآن كله :
 
  ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
 
( سورة الكهف الآية : 110 ) .
هناك مئات الآلهة الآن في الأرض ، كلها آلهة خلبية ، ليس هناك غلا معبود واحد بحقٍّ .
 
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح الآية : 10 ) .
الفعال واحد ، الأمر بيد واحد .
 
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود الآية : 123 ) .
 
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية : 84 ) .
أمرنا بيده لا بيد أعداءنا .
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
الآن :
 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف ) .
هذه الآية لخصت كتاب الله كله ، الدين كله توحيد وطاعة ، العقيدة توحيد  والسلوك طاعة ، لذلك قالوا : التوحيد نهاية العلم ، والتقوى نهاية العمل .
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ .
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب