سورة الأنعام 006 - الدرس (52): تفسير الآيات (126 - 127) الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأنعام 006 - الدرس (52): تفسير الآيات (126 - 127) الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج حكم العدالة: حكم العدالة =ح06= المتورط= ج1           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 10 - هل تخرج الاسرة قاتلا - الداعية بشرى بكري           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 311- د. حسين الترتوري- 18 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - الانتقام سمة الضعفاء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0906 - سورة المؤمنون 061 - 067           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 09 - الغضب ودوره في القتل - الشيخ رمزي نعالوة         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأنعام

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأنعام - تفسير الآية: (126 - 127) - الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي

21/03/2011 07:58:00

سورة الأنعام (006)
الدرس (52)
تفسير الآيات: (126 –127)
الصراط المستقيم ـ التولي والتخلي
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات   القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني والخمسين من دروس سورة الأنعام ، ومع الآية السادسة والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾
 
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا
 
على من تعود ﴿ هَذَا ﴾ ؟ هذا القرآن ، هذا المنهج ، هذا الصراط المستقيم  .
الإنسان أيها الإخوة أودعت فيه الشهوات ، والشهوات تدعوه إلى الحركة ، فإذا كان هناك طريق يمشي عليه سلم ، وإن لم يكن هناك طريق شقي ، ما دام هناك حركة فلحركة تحتاج إلى طريق ، من أين جاءت الحركة ؟ من الشهوات ، يجب أن تأكل حفاظاً على الفرد ، يجب أن تتزوج دون أن تشعر حفاظاً على النوع ، يجب أن تؤكد ذاتك حفاظاً على الِذكر ، فهذه الدوافع الكثيرة في الإنسان تدفعه إلى الحركة ، الحركة تحتاج إلى طريق ، والعقل هو المقود الشهوات ، والدوافع هي المحرك ، والعقل هو المقود ، والله عز وجل رسم لهذا الإنسان الذي قَبل حمل الأمانة ، والذي قال : أنا لها يا رب ، والذي كرمه الله عز وجل بأن سخر له :
 
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
 
( سورة الجاثية الآية : 13 ) .
هذا الصراط هو القرآن الكريم منهج الله عز وجل .
أيها الإخوة ،
 
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 1 ) .
 
﴿  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾
( سورة الكهف الآية : 1 ) .
الكون كله في كفة ، والقرآن في كفة ثانية ، لذلك الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي .
إذاً : ﴿ وَهَذَا ﴾ القرآن بآيات الكون الدالة على عظمة الله ، الآيات الدالة على الآمر ، بالآيات التشريعية الآيات التي هي المنهج ، بالآيات التاريخية من أجل أن تستنبط الدروس والعبر ، الآيات المستقبلية ما يكون عليها الإنسان بعد الموت ، من أجل أن تبحث ،  وتحث الخطى إلى الجنة ، وأن تبتعد عن النار .
فالقرآن بآياته الكونية ، والتشريعية ، والإخبارية ، ومشاهد يوم القيامة كلها من أجل أن تكون لك منهجاً قويماً يسير عليه .
 
حاجة الإنسان إلى منهج
 
إخواننا الكرام ، لا معنى لوجود الإنسان من دون منتهج يسير عليه ، والمثل الذي يوضح هذه الحقيقة :
أن آلة غالية جداً ، نفعها عظيم جداً ، آليتها معقدة جداً ، لو اشتريتها ودفعت ثمنها مبلغاً فلكياً ، ولم ترسل لك الشركة معها تعليمات التشغيل والصيانة ، ما الذي يحصل ؟ إن حركتها واستعملتها من دون تعليمات الصانع أفسدتها ، وخسرت ثمنها ، وإن خفت عليها فلم تستخدمها جمدت ثمنها ، أليست هذه التعليمات على أنها كُتيب صغير أثمن من الآلة ، وأخطر منها ، هذا المعنى أشار إليه القرآن الكريم حينما قال :
 
 
﴿ الرَّحْمَنُ ¯عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ¯خَلَقَ الْإِنْسَانَ ¯عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن ) .
أيعقل أن يُعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾ .
قال العلماء : هذا الترتيب ليس زمنياً ، بل هو ترتيب رتبي ، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه ، ما الذي ترونه في العالم اليوم ؟ قتل ، تمثيل  نهب ، سرقة ، سيطرة ، عدوان ، تفسد أخلاقي ، انحلال ، هذه حركة بدافع الشهوات من دون منهج إلهي ، الذي ترونه وتسمعونه كل يوم ما يجري في العالم من سقوط ، من ظلم  من قهر ، من تدمير ، من انحراف ، من انحلال هي حركة من دون منهج ، لذلك ما من مخلوق في الكون يوصف بالفساد إلا المخلوق الذي أودع الله فيه الشهوات ، ومنحه حرية الاختيار ، وأعطاه ميزاناً .
 
﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾
( سورة الرحمن ) .
وأنزل على أنبيائه كتباً ، فتحرك بدافع شهواته ، من دون منهج الله عز وجل ، لذلك قال تعالى :
 
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص الآية : 50 ) .
المعنى المخالف أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه .
الإسلام دين الحياة ، الإسلام دين الفطرة ، الإسلام دين الواقع ، الإسلام من أجل أن تحيى حياة مفعمة بالسلامة والسعادة ، من أجل أن تسعد ، الإسلام منهج الخالق إلى جنته .
 لذلك هذا القرآن بما فيه من آيات كونية ، وهي 1300 آية تعرف بالله عز وجل وما فيه من آيات تشريعية ، ومن آيات تعاملية ، ومن آيات تعبدية ، ومن ذكر أخبار الأمم والشعوب السابقة ، ومن نقل مشاهد يوم القيامة ، هذا القرآن ، هذا المنهج ، بكلياته وبتفاصيله التي جاءت لها السنة المطهرة :
 
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 164 ) .
الحكمة شرح النبي عليه الصلاة والسلام لما في القرآن ، هذا القرآن بكلياته التشريعية والتعريفية ، وتفصيلاته النبوية ، تحت كلمة : ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾ .
أيها الإخوة الكرام ، يمكن أن تعيش حياة مديدة ، حياة هانئة ، حياة سعيدة ، حياة فيها حركة هادفة ، حياة فيها سعادة ، فيها أمن ، فيها طمأنينة ، فيها استقرار ، فيها تحقيق أهداف ، فيها رفع ذكر ، يمكن أن تعيش حياة في أعلى مستوى إذا طبقت منهج الله عز وجل ، لذلك الذي يحرص على سلامته وسعادته ، الذي يحرص على مكاسب حياته يستقيم على أمر الله ، إذاً :
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾
( سور فصلت الآية : 46 ) .
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ ﴾ ، أيْ طريق ، الصراط هو الطريق ، نحن في الأرض أحياناً يكون هناك في طريق لكنه غير مستقيم ، طريق جبلي ، كله منعطفات حادة ، صراط ، الطريق ممهد ، معنى ممهد أي سوي ، مسوّى ، طريق غير ممهد، فيهصخور وعقبات ، ووهاد ، وحفر ، واختناقات ، وانجراف ، أما الطريق المسوى الممهد فقد يكون الطريق مسوى ، لكنه غير مستقيم ، وقد يكون الطريق مستقيماً ولكنه ليس مسوى ، طريق الله عز وجل  يجمع بين أنه سوي ، وأنه مستقيم ، أحياناً يواجه من يشق الطريق تلة عالية جداً لا يستطيع أن تخترقها ، يدور حولها ، الطريق معبد ، لكنه غير مستقيم ، وأحياناً لا بد من أن يخرق الجبل ، لكن بغير إمكانات ، فالطريق سوي لكن في عقبة كأداء ، هي الجبل ، تحتاج إلى نفق ، والنفق له تكاليف عالية جداً ، يجب أن نفهم أن الطريق إلى الله يجمع بين أنه مسوى معبد ، وأنه مستقيم .
ويا أيها الإخوة ، في زمن الانعطافات التاريخية كهذا الزمن الأمور واضحة جداً ، الطريق إلى الله سالكة وواضحة ، وطريق الشهوات والمصالح والمنازعات طريق آخر   ، لذلك : ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾ ، ربك يا محمد ، ودائماً يجب أن نعتقد أن طاعة رسول الله هي عين طاعة الله ، وأن طاعة الله هي عين طاعة رسول الله .
 
﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾
( سورة النساء الآية : 80 ) .
 
 
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾
( سورة القصص الآية : 50 ) .
أن تستجيب لرسول الله عين استجابتك لله ، وأن تستجيب لله بالتأكيد هي استجابة لرسول الله .
﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾
( سورة التوبة الآية : 62 ) .
بضمير الغائب ، يعني إرضاء رسول الله عين إرضاء الله ، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله .
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾ ، لقد نسب الصراط إلى رسول الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله من أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، لأن الله سبحانه وتعالى عصم نبيه من أن يقول غير الحق .
 
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ¯إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
( سورة النجم ) .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام معصوم ، لأنه معصوم أمرنا الله عز وجل أن نأخذ ما آتانا ، وأن ننتهي عما عنه نهانا . ف
 
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية : 7 ) .
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ ﴾ ، وكما تعلمون أيها الإخوة أن الخط المستقيم أقصر خط بين نقطتين ، وأنه بين نقطتين لا يمرر إلا خط مستقيم واحد ، ولو رسمت ألف مستقيم بين نقطتين لجأت كلها منطبقة على بعضها بعضاً ، وبين نقطتين ليس هناك إلا خط مستقيم واحد فقط ، أما الخطوط المنحية والمتعرجة فلا تعد ولا تحصى ، لذلك الباطل متعدد ، جاء الباطل جمعاً ، وجاءت الاستقامة على أمر الله مفردة ، ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾ ، خط مستقيم واحد ، أما السبل :
 
﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 153 ) .
السبل المنحنية جاءت جمعاً .
 
﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية : 257 ) .
جمع .
 
﴿ إِلَى النُّورِ ﴾
( سورة البقرة الآية : 257 ) .
مفرد .
 قد يقول قائل : لمَ لم يقول الله عز وجل : يخرجهم من الظلمات إلى الأنوار ، أو من الظلمة إلى النور ؟
 الحق واحد لا يتعدد ، أما الباطل فلا يعد ولا يحصى ، هناك مليار باطل ، مليار باطل اعتقادي ، مليار باطل سلوكي ، مليار باطل عدواني ، هناك على الأراضي ، و عدوان على الذات ، وعدوان على الممتلكات ، وعدوان على الثروات  ، مليار باطل ، لكن الحق واحد .
 
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 153 ) .
بالمناسبة ، يمكن أن تستوعب الحق في عمر معتدل ، وإذا استوعبت الحق كان الحق ميزاناً لك ، ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ ، فلا أعمارنا جميعاً ، ولا أعمار أهل الأرض تتسع للباطل ، من أجل أن تطلع على المنطلقات العميقة لفرقة باطلة تحتاج إلى سنوات ، تحتاج إلى سنوات كثيرة ، وطريق أن تستوعب الباطل طريق مسدود ، وفيه مضيعة وقت ، استوعب الحق واكتفِ به ، الذي استوعبته من الحق هو المقياس .
أنا حينما أمشي على طريق معبد تسلم مركبتي ، أما حينما أهوي بها في أعماق الوديان هناك مليون حالة لتدمير المركبة ، بحسب الصخور ، بحسب العمق ، بحسب  فالتدمير منوع ، أما السلامة فواحدة ، السلامة حدية ، أما التدمير فنسبي .
أحيانا حادث سير قد يتلف مقدمة السيارة ، قد يتلف جنبها ، جنبها الأيسر ، سقفها ، عجلاتها ، مصدها ، أما السيارة السليمة فلها حالة واحدة ، كما أخرجها المصنع ، فالسلامة حدية ، أما العطب فمنوع تنويعا كثيرا .
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ .
إذاً من فضل الله علينا أن الصراط الذي هو القرآن ، وصف كما يوصف الطريق المستقيم المسوى ، طريق مستقيم ، والمستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين ، ومسوى يعني أنه معبد ، وسوي إلى الهدف . 
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
 
وهمٌ كبيرٌ في فهم الإسلام
 
هناك وهم كبير يعيشه المسلمون ، أن التدين يعني أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج ، وأن تذكي ، وأن تشهد أنه لا إله إلا الله ، والحقيقة التدين 500 ألف بند ، هذه الخمسة بعضها ، ومنهج الله عز وجل يبدأ من أشد العلاقات التصاقاً بك ، العلاقات الحميمة جداً ، منهج الله عز وجل يبدأ من فراش النوم ، إلى العلاقات الدولية ، هذا هو الإسلام ، منهج ، وأن أعداء الإسلام يريدونه عبادات ليس غير ، أن تصلي ، وأن تصوم ، وان تحج ، وأن تغرق في أحكام الفقه فقط ، أما الشأن العام المنهج العام مستورد من الغرب ، ليس هذا هو التدين ، منهج الله عز وجل يشمل كل مناحي الحياة ، لذلك المنهج الإلهي للتقريب : 500 ألف يند ، والصيام والصلاة والحج والزكاة والنطق بالشهادة خمسة بنود من هذه البنود الـ500 ألف .
فلذلك هذا الإسلام لا نقطف ثماره إلا إذا أخذناه كله ، وأخطر مذهب بالحياة المذهب الانتقائي ، أن تأخذ من الإسلام ما يعجبك ، قضية عمرة ، وركب طائرة ، وطواف سبعة أشواط ، وتسوق من محلات فخمة جداً ، القضية سهلة ، أما قضية ضبط الدخل وفق منهج الله ، ضبط الإنفاق ، ضبط العلاقات فأمر آخر .
أيها الإخوة ، الإسلام منهج متكامل ، إن لم تأخذه كاملاً لا تقطف ثماره أبداً ، لأنه كالعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، هذه المشكلة ، يريدون الإسلام صلاة فقط ، وأعمال تؤدى في المساجد ، أما في البيع والشراء   ففيه كذب ، وتدليس ، وغش ، وبضاعة محرم أن تبيعها ، بعلاقات اجتماعية منحرفة ، هذا شيء كله مرفوض .
 إذاً : ﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .
أيها الإخوة الكرام ، بقي آية إن شاء الله سأشرحها ، وربما توسعت في شرحها في الدرس القادم :
 
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الأنعام ) .
 
منهج الله ضمان لدار السلام ومخالفته وقوع في المخاوف
 
هذا الذي مشى على طريق الاستقامة ، هذا الذي ضبط حركته وفق منهج الله  هذا الذي أدى ما عليه ، هذا الذي ائتمر بما أمر الله ، وانتهى عما عنه الله نهى ماذا له ؟ يتصور الناس أن المسلم محروم ، بسيط ، أفقه محدود ، لم يستمتع بمباهج الحياة ، المسلم ينتظر وعد الله عز وجل لجنة عرضها السماوات والأرض .
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، دار السلام ، والدنيا ليست دار سلام ، قطعاً ، في أفضل الأحوال هناك تقدم بالسن ، ومع تقدم السن ضعف بالذاكرة ، و ضعف بالبصر ، وإصلاح بالأسنان ، وخلل بالعمود الفقري ، والتهاب مفاصل ، وزوجة متعبة ، وأولاد متعبون ، وكساد ، ودخل قليل ، ومصاريف كثيرة ، وضغوط أجنبية ، وحرب أهلية ، واحتلال ، ونهب ثروات ، وقهر ، وجمال ، و دمامة بالحياة ، وذكاء وغباء ، وغنى و فقر ، وصحة و مرض ، هذه الدنيا ليست دار قرار ، إنها دار عمل .
 
الدنيا دار عمل وتعب
 
غير معقول أن يصبح مقعد الدراسة سريرا ، الطالب تعب ، يعمل حركة يريد أن ينام ، غير معقول أن يكون أمام الطالب شاشة ، ومذياع ، ومجلات ، وموالح ، وفواكه ، وسندويش مسخن ، هذه ليست مدرسة ! المقعد بالمدرسة مقعد زاوية قائمة خشب ، أما لما يأخذ شهادة عليا يحقق أعلى المراتب ، يشتري بيتا ويخصِّص غرفة جلوس رائعة جداً ،  هذه متى وقتها ؟ بعد التخرج .
الآن الناس أرادوا أن يستبقوا الأمر ، وهو في الدنيا يريد المتعة ، يأتي الموت فجأة ينسيه كل متع الدنيا ، الموت يأتي بغتة .
فيا أيها الإخوة ، الإنسان يحب الاستقرار ، أما إذا علم أن الدنيا دار عمل ليست دار أمل ، دار تكليف ليست دار تشريف ، دار سعي وليست دار راحة ، هذا الذي يكون فقيهاً ، هذه الدنيا دار عمل ، لذلك :
(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))  .
[ رواه الترمذي عن سهل بن سعد ] .
قد تجد المنحرفين انحرافاً شديداً يتمتعون بثروات طائلة ، من يملك أكبر الثروات ؟ تجار المخدرات ، الذين يبنون هذه الثروات على أنقاض الشباب ، وأنقاض الشابات الدنيا هي أحقر من أن تكون عطاء لإنسان ، أو عقاباً لإنسان .
((  رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ))  .
[ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ] .
إذاً الدنيا دار عمل ، فأنت في الدنيا تحتاج إلى ما يقيم صلاحك ، مأوى ، زوجة دخل ، هذا أقصى ما في الدنيا .
(( من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا))  .
[ أخرجه البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ] .
هذه الدنيا ، لذلك يتنافسون عليها ، ثم يأتي الموت بغتة ، فالذي جمعوه في عمر مديد يخسرونه في ثانية واحدة .
توفي رجل أقام في بلد نفطي 35 عاماً لم يؤدِ فرض صلاة ، وأقام في بلد الحرمين لم يعتمر ، ولم يحج ، ولم يصلِ ، وهو في قضاء إجازة في تركيا وافته المنية في الفندق عن 55 سنة ، ترك أربعة آلاف مليون ، جمعها كل يوم بجهد ، بضبط ، خسرها في ثانية واحدة ، هذه الدنيا !
الموت يأتي بغتة      والقبر صندوق العمل
***
 
أهمية معرفة حقيقة الحياة الدنيا
 
فيا أيها الإخوة ، من الخطورة بمكان أن تعرف حقيقة الحياة الدنيا ، يجب أن تعرف حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة الدنيا ، وحقيقة الإنسان ، هي دار عمل ، لذلك العبرة أن تكون معافىً في جسمك ، لك مأوى تؤوي إليه ، عندك قوت يومك ، لذلك سأل ملك وزيره / مَنْ الملك ؟ قال له : أنت ، قال : له لا  الملك رجل لا نعرفه ، ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه ، لذلك حينما تضع يدك على حقيقة الدنيا تكون أسعد الناس بها ، وقد ورد في الأثر إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
" وعزتي وجلالي خلقت لك ما في السماوات وما في الأرض ، ولم أعَي بخلقهن أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة ، ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .
لذلك أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، مطلوب أن تتزوج ، وأن يكون لك عمل  ، وأن يكون لك دخل ، وأن يكون لك أولاد ، هذا كله مطلوب ، من دون إسراف ولا مخيلة .
 
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
( سورة الأعراف الآية : 31 ) .
لك هدف كبير ، و حينما تحقق هدفك تسمو عند الله وعند الناس ، إذاً هذا الذي طبق منهج الله ، هذا الذي ائتمر بما أمر الله ، وانتهى عما عنه الله نهى وزجر ، ماذا له عند الله ؟ قال :
 
معنى السلامة في الدار الآخرة
 
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾
لا دمامة فيها أبداً ، ولا تقدم بالسن ، ولا ضعف بصر ، ولا ضعف سمع ، ولا خلل عقلي ، ولا التهاب مفاصل ، ولا شحوم ثلاثية مرتفعة بالدم تمنع من كل الطعام الطيب ، الدنيا هكذا ، ولا زوجة سيئة ، ولا بيتا متداعيا ، ولا فقرًا .
 ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ]فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [)) .
[ رواه والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة أحمد في مسنده] .
 
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾
( سورة ق الآية : 35 ) .
أي شيء تتمناه أمامك ، نحن خلقنا لهذه الجنة ، هذا هو العطاء الإلهي ، لا يليق لعطاء الله أن يكون منقطعاً ، الدنيا منقطعة بالموت ، سبحان من قهر عباده بالموت .
يكون على رأس بلد فيه أكبر مخزون نفطي بالعالم مَلِكٌ فيموت ويدفن بالتراب ، أليست هذه موعظة ؟
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾ ، تولاهم في الدنيا ، ضيق عليهم ، شدد عليهم ، ساق لهم بعض الشدائد ، نحن في شدائد لا تعد ولا تحصى ، لكن أرجو الله أن تكون هذه الشدائد كمن كان في العناية المشددة .
بالضبط لو أن مريضا معه ورم خبيث بالأمعاء ، وسأل الطبيب سؤال أديب : ماذا آكل ؟ يقول له : كل ما تشاء ، لأنه لا أمل له ، كل ما تشاء .
 
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية : 44 ) .
لكن مريضا معه التهاب معدة حاد يعطيه الطبيب قائمة محدودة من الطعام ، فإذا تجاوزها أقام عليه الدنيا ، ولا مادة حارة ، ولا مادة مخرشة ، لأن ثمة أملا بالشفاء .
أسأل الله أن نكون نحن المسلمين في عناية الله المشددة ، مع كل هذه الشدة ، مع كل هذه الشدة والضغوط ، وما نعاني ما نعاني أن نكون في عناية مشددة ، لا أن نكون كالذين شردوا عن الله عز وجل فأعطاهم الله الدنيا كما يشتهون .
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾ لذلك لما يدخل الإنسان الجنة :
 
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
( سورة الزمر الآية : 74 ) .
جئنا إلى الأرض ، وفي الأرض تعرفنا إلى الله ، في الأرض صلينا ، صمنا   ، حججنا ، زكينا ، غضضنا بصرنا ، تكلمنا بلسان صادق ، أتينا إلى دروس العلم ، قرأنا القرآن ، طبقنا منهج الله ، تزوجنا ، ولم نزنِ ، عملنا ولم نسرق ، هذا الذي له مرجع ، له منهج ، له رب ، إنسان سليم وسعيد .
 
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء ﴾
( سورة الزمر الآية : 74 ) .
لو أن طالب كان بجامعة ، والجامعة بدولة نامية ، بناء قديم ، ومدرسون متعبون جداً ، ومناهج صعبة ، ودراسات ، قضى سبع سنوات مات فيها مئة موتة ، ثم نال الدكتوراه ، وصار طبيباً لامعاً ، والله عز وجل أكرمه بدخل واسع ، فكل ما مر أمام الجامعة يقول : لولا هذه الجامعة لما كنت بهذا الحال ، للتقريب ، لولا هذه الجامعة ، الدوام المتعب ، 12 ساعة باليوم ، أساتذة متعبون ، طلبات غير معقولة ، وظائف صعبة ، امتحان قاسٍ ، لولا هذا البناء وهذه الجامعة التي أمضيت فيها سبع سنوات ما كنت بهذا الحال .
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾ ، كنا في الدنيا ، وعرفنا ربنا في الدنيا ﴿ نَتَبَوَّأُ ﴾ ـ الآن ـ ﴿ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ .
 
﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾
( سورة الزمر ) .
 
الموت عرس المؤمن
 
لذلك إذا رأى الإنسان مكانه في الجنة عندما يأتيه ملك الموت يقول : لم أرَ شراً   قط .
" واكربتاه يا أبت ، قال لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه " . 
كل بطولة المؤمن أن يكون الموت عنده عرساً ، لا أن يكون أكبر مصيبة .
إخواننا الكرام ، أهل الدنيا قبل الموت إذا كان يشكو أمرا في القلب ينهار انهيارا كليا ، كل دنياه ، وكل ماله انتهى ، أليس كذلك ؟ الذين يملكون المليارات أي شعور أنه في قلبه شيئا ، تسرعا بالنبض ، ينخلع قلبه خوفاً ، لماذا ؟ لأن هذا مؤشر المغادرة ، أما المؤمن فقال تعالى :
 
 
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
 
( سورة القصص ) .
فأنت بطولتك أن تجعل من الموت عرساً لا مصيبة .
أوضح مثل ذكرته كثيراً أن واحدا جاءه عرض ، اِئتِ بدكتوراه من البلد الفلاني ، ونجعلك في أعلى منصب ، وأجمل بيت بأرقى حي ، و لك أجمل بيت في أرقى مصيف ، وأجمل بيت في أرقى ساحل ، ودخل فلكي  وزوجة جميلة ، وسيارة فارهة ، ويخت ، فقط هات بدكتوراه ، هو فقير ، ذهب إلى هناك اشتغل بالمطاعم لتنظيف الصحون ، واشتغل حارسا ، ودرس 7 سنوات ، مات باليوم مئة موتة ، وأخذ الدكتوراه ، وأخذ الشهادة ، وصدقها ، وقطع تذكرة العودة ، ودخل إلى المطار وقدم الجواز ، وأعطوه بطاقة الصعود إلى الطائرة ، وتوجه إلى الطائرة ، ووضع رجله في سلم الطائرة ، أليست هذه أعظم لحظة في حياته ؟ هذا يوم فاصل ، انقضى عهد التعب والدراسة والحراسة ، وتنظيف الصحون ، وجاء عهد المنصب الرفيع ، والبيت الفخم ، والمركبة الفارهة ، بحسب مقاييس الأرض .
هكذا الموت ، الموت تحفة المؤمن ، الموت عرس المؤمن ، أما بالعكس أهل الدنيا المنحرفون بوادر الموت أكبر مصيبة .
كنت مرة عند طبيب قلب فجاءه هاتف من إنسان يملك مليارات ، قال له : أي مكان بالعالم خذني إليه ، أي مبلغ أدفعه ، قال له : والله لا أمل ، ورم من الدرجة الخامسة   ، انتهى .
فأنت كن عاقلا ، وإياك أن تمشي مع الله بطريق مسدود .
ارتكب أحدهم جريمة قتل ، وأخذ إلى السجن ، ثم حوكم بمحكمة الجنايات ، ثم صدر الحكم بإعدامه ، ثم نقض الحكم رُفع الحكم إلى محكمة النقض ، محكمة النقض صدقت النقض إلى محكمة الجنايات ، رُفع الأمر إلى القصر الجمهوري ، فوافق الرئيس على إعدامه ، وسيق إلى المشنقة ، وصل لطريق مسدود ، إنْ أراد أن يبكي فليبكِ ، سيشنق ، يريد أن يضحك فليضحك ، يحب أن يتوسل فليتوسل ، لا أمل .
يذكر لي بعض الإخوة الكرام مما يشهدون نهاية إنسان أنواعا لكن ، كل هذه المواقف المختلفة تنتهي بالموت .
إن الإنسان مشى إلى طريق مسدود ، فإياك أن تمشي  بطريق مسدود ، انتبه ، وكلما بكرت بالتوبة أفضل ، وكل ما عرفت الله وأنت شاب أفضل ، لأن من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة ، كن واعي ، إياك أن تأخذك الحياة ، الآن الدنيا ترقص بالشهوات ، أينما نظرت ترى المرأة في أبهج صورة ، بكل مكان ، بالطريق  بالمجلة بالانترنيت ، بالفضائية ، بكل مكان ، بالكتب ، بالهاتف ، كل شيء فيه ، لكن أين الله عز وجل ؟ لذلك ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب .
((إن الله تعالى يباهي بالشاب العابد الملائكة ، يقول : انظروا إلى عبدي ، ترك شهوته من أجلي )) .
[ رواه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ] .
 
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة السجدة ) .
فيا أيها الإخوة ، نحن في عصر الفتن ، يصبح الرجل مؤمناً ، ويمسي كافراً   ، يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، والدنيا ترقص ، ضغوط  ، مناظر دماء ، وقتل ، وتمثيل ، ونساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، هكذا الدنيا ، الجانب الأسود لا يحتمل ، والجانب الآخر بأبهى زينة ، وأنت مخير ، فلك أنت تختار .
لكن والله أيها الإخوة :
 
 ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن ) .
جنة في الدنيا وجنة في الآخرة ، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، هي جنة القرب ، والدليل :
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
( سورة محمد ) .
في الدنيا ، ذاقوا طعمها ، المؤمن يذوق سعادة لا توصف ، والله لا أبالغ ، والله لا أقول ما ليس واقعاً ، المؤمن لأنه استقام على أمر الله ، واصطلح معه ، وأقبل عليه ، وطبق أمره ، وتقرب إليه ، واستقام على أمره ، وخدم خلقه ، والله فيه سعادة لو وزعت على أهل بلد  لكفتهم ، هذا هو المؤمن .
أيها الإخوة الكرام ، هذا الذي مشى على صراط الله المستقيم ، ضبط شهواته ضبط دخله ، ضبط إنفاقه ، ضبط علاقاته ، ضبط زواجه ، ضبط بناته ، ضبط أولاده .
﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ، لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ .
كل متاعب الدنيا تنتهي ، الدنيا كلها متاعب ، دخل جيد ، الزوجة سيئة ، الآن الزوجة جيدة ، دخل قليل ، دخل وزوجة ممتازان ، أولاد سيئون ، أولاد جيدون هناك مرض ، ما من إنسان ناجٍ ، كل واحد عنده نقطة ضعف ، لأن الله من محبته لنا ما أرادنا أن نركن إلى الدنيا ، دائماً الإنسان ما ليس في دنياه تمام .
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي )) .
[ رواه الديلمي عن ابن عمر ] .
فالبطولة أن تلتزم منهج الله عز وجل ، وأن تنتظر وعد الله عز وجل لك الإكرام.
 
بين التولي والتخلِّي
 
﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾ ، تولاهم في الدنيا ضبطهم ، ساق له شبح مصيبة خاف فتاب ، أقول لكم ، ولا أبالغ : لو دخلت إلى مسجد وجدت فيه عشرة آلاف إنسان تأكد أن التسعة آلاف الله عز وجل طبق عليهم معالجة حكيمة فساقهم إليه ، يأتي إنسان به مرض ، أو أحيانا فقر ، أو شدة ، أو يأتي بالإكرام ، الله يعرف كل إنسان أين مفتاحه ،  فالله عز وجل : 
((كل ميسر لما خلق له )) .
[ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين الترمذي عن عمر أحمد عن أبي بكر ] .
خلق للجنة ، هذا الطريق إلى الجنة قد يكون أساسه خوف ، يخوفه ، هذا الطريق إلى الجنة أساسه مرض ، الإنسان يتألق بعد المرض تألقا غير طبيعي ، المرض كان مفتاح الجنة ، أحيانا الفقر ، فقير تجد ما له غير الله عز وجل ، الله يغنيه بعد هذا ، فأنت لما تؤمن بالله كل شيء أصابك خير ، اقبله ، والله عز وجل قال :
 
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة ) .
إذاً : ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
لما تستقيم الله يتولاك ، تقول : الله ، يتولاك ، تقول : أنا ، يتخلى عنك ، الصحابة قالوا في بدر : الله فنصرهم الله .
 
 ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية : 123 ) .
هم هم ، وفيهم رسول الله .
في حنين قالوا : نحن كثر :
((لا تغلب اليوم من قلة )) .
[ رواه البيهقي عن أنس رضي الله عنه ] .
فتخلى الله عنهم :
 
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية : 25 ) .
تقول : لله يتولاك ، تقول : أنا ابن فلان ، بعلمي ، معي دكتوراه ، باختصاصي ، لي أتباع كثر ، يتخلى عنك .
فهذا الدرس التولي والتخلي ، قل : الله ، ولا تخف ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
 
الجنة : حقيقتها والسبيل إلى دخولها
 
بقيت  فكرة الجنة ، الجنة محض فضل من الله ، والنار محض عدل ، يعني أب قال لابنه انجح ولك هذه الدراجة ، كان ماشي معه بالطريق ، ومر على بائع دراجات ، و رأى أغلى دراجة ، قال له : انجح وسأشتري لك هذه الدراجة ، هذا الابن نجح ، وأخذ الجلاء إلى بائع الدراجات مباشرة قال له أعطني هذه وهذا الجلاء ، يعطيه إياها ؟ أين ثمنها ؟ .
فأنت كل استقامتك بالحياة الدنيا ، وكل جهدك ، وكل اهتمامك أنت دفعت ثمن مفتاح البيت ، البيت ثمنه خمسون مليون ، ثمن مفتاحه عشرة ليرات ، كل عملك هو ثمن المفتاح ، أما هو البيت فضل من الله ، فالجنة فضل ، أنت قدمت سبب دخولها لا ثمنها ، في فرق ، أنت قد يكون معك مفتاح ثمنه عشر ليرات ، والبيت ثمنه خمسون مليونا ، هذا المفتاح سبب دخول البيت ، وثمنه خمسون مليونا لا تملكها ، فالجنة أنت بكل ما فعلت بالدنيا من تفكر ، واستقامة ، وصلاة ، وصيام ، وحج ، وزكاة ، وغض بصر ، واستقامة ، دفعت سبب دخول الجنة ، وهي فضل من الله عز وجل ، لذلك ادخلوا جنتي ، واقتسموها بأعمالكم   ، درجاتها بحسب عملك ، فإذا قال الله عز وجل :
 
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية : 32 ) .
أنت لك مرتبة في الجنة بحسب عملك ، أما أصل دخولها ففضل من الله  ، أنت لم تدفع ثمنها ، دفعت ثمن سببها ، كل أعمالنا في الدنيا هي سبب دخول الجنة ، ولكن الجنة فضل من الله عز وجل ، والعلماء قالوا : الجنة محض فضل ، والنار محض عدل ، يؤكد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام :
((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله ، قالوا :ولا أنت يا رسول الله ؟قال :ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل )) .
[ رواه إسماعيل عن زياد المخزومي عن أبي هريرة ] .
عملك لا يساوي ثمن الجنة ، بل يساوي ثمن مفتاح الجنة ، واضح تمام ؟ .
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب