سورة الأنعام 006 - الدرس (37): تفسير الآيات (100 - 101) دور العقل ودور النقل

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأنعام 006 - الدرس (37): تفسير الآيات (100 - 101) دور العقل ودور النقل

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج حكم العدالة: حكم العدالة =ح06= المتورط= ج1           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 10 - هل تخرج الاسرة قاتلا - الداعية بشرى بكري           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 311- د. حسين الترتوري- 18 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - الانتقام سمة الضعفاء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0906 - سورة المؤمنون 061 - 067           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 09 - الغضب ودوره في القتل - الشيخ رمزي نعالوة         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأنعام

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأنعام - تفسير الآية: (100 - 101) - دور العقل ودور النقل

21/03/2011 07:28:00

سورة الأنعام (006)
الدرس (37)
تفسير الآيات: (100-101)
دور العقل ودور النقل
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السابع والثلاثين من دروس سورة الأنعام .
 
 المحسوسات والمعقولات :
 
مع الآية المئة ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) ﴾.
أيها الأخوة ، لا بد قبل تفسير هذه الآية من إعطاء فكرة سريعة عن إعطاء منهج في الإسلام ، نحن في الإسلام عندنا قضايا حسية ، أداة اليقين فيها الحواس الخمس ، ترى بعينيك الحاجة ، ترى الضوء متألقاً ، ترى المروحة تتحرك ، تستمع إلى الصوت ، تمسك بيد الشيء ، ولكن الأشياء الحسية ظهرت عينها وآثارها ، أداة اليقين بها الحواس الخمس ، ونحن وبقية المخلوقات سواء في هذا الحيز ، هذه دائرة ، الحسيات لها مكان ، لكن المعقولات أساسها شيء غابت ذاته ، أداة اليقين بالمعقولات العقل ، فأي شيء له أثر العقل أداة اليقين به، الحيز الأول حيز المحسوسات ، الحيز الثاني حيز المعقولات . عندنا شيء غابت عينه ، وغابت آثاره ، لا يستطيع العقل إدراكه ، بل أعقل عقلاء الأرض لا يستطيع أن يثبت وجوده ما الذي يؤكد لنا وجوده ؟ الخبر الصادق .
لذلك موضوع الملائكة ، والجن ، وما بعد الموت ، وأصل الخليقة ، والذي لا نراه بأعيننا ، والماضي السحيق ، والمستقبل البعيد ، والذات الإلهية ، وأسماء الله الحسنى  وصفاته الفضلى ، هناك موضوعات كثيرة ، موضوعات إخبارية ، لذلك أنا أنصح الدعاة إلى الله ألا يتورطوا في طرح موضوعات إخبارية مع الذي لن يؤمن بالله أصلاً ، لو قلت له : الجن ، وأنت مؤمن بوجود الجن ، يقول لك : ما الدليل ؟ لو قلت له : الملائكة ، يقول لك : ما الدليل ؟ تقول له : الصراط يوم القيامة ، يقول لك : ما الدليل ؟ تقول له : الحوض الذي سنرده إن شاء الله ، يقول لك : ما الدليل ؟ فأنا أنصح الدعاة إلى الله أن يبتعدوا قدر ما يستطيعون عن قضايا إخبارية ، أما نحن كمؤمنين والله كل خلية في جسمنا ، وكل قطرة في دمنا ، تؤمن بإخبار الله لنا ، أما غير المؤمن بالله لا يمكن أن يُناقَش بالقضايا الإخبارية .
 
 العقل والنقل :
 
إذاً أنت بطولتك الآن أي قضية في الدين ، أو أي مقولة في الدين يجب أن تضعها في موضوعها ، فإن كانت حسية فالحواس الخمس أداة الإيمان بها ، وإن كانت عقلية فالعقل ، بمعنى أنها غابت ذاتها وبقيت آثارها .
الأعرابي ببساطة ما بعدها بساطة قال : الأقدام تدل على المسير ، الذي يمشي غاب عنا ، بقيت آثار أقدامه ، الآن مركبة تمشي على طريق ترابي تحكم أنها كبيرة أو صغيرة من حجم عجلاتها ، ومن آثار عجلاتها ، الأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، والبعرة تدل على البعير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم  الخبير ؟
إذاً دائماً وأبداً بيّن أن هناك قضية حسية ، وهناك قضية عقلية ، وهناك قضية إخبارية ، لا تناقش إنساناً اهتز أصل الإيمان عنده بقضية إخبارية تريحه وتستريح .
الآن عندنا تسلسل ، أنت حينما تستخدم عقلك ، ويجول جولة في الكون ، ويرى القوة ، ويرى الحكمة ، ويرى الجمال ، ويرى القدرة ، ويرى العلم ، ويرى الحلم ، بعقلك يمكن أن تصل إلى الإيمان بالله واحداً ، وموجوداً ، وكاملاً .
الآن ولأن في القرآن دليلاً فيه ، بعقلك يمكن أن تستنبط أن هذا القرآن الكريم كلام الله ، وبعقلك يمكن أن تستنبط أن هذا الذي جاء بالقرآن الكريم هو رسول الله ، فأنت بعقلك وبالدليل العلمي ، لأن ذات الله عز وجل غائبة عنا ، لكن الكون كله يدل عليه ، الكون كله مظهر لأسمائه ، الكون كله تعبير عن صفاته وكمالاته ، لذلك بعقلك تؤمن بالله ، وبعقلك تؤمن بكتابه من خلال الإعجاز العلمي ، وبعقلك تؤمن برسوله ، وانتهى دور العقل ، وجاء دور النقل .
أخواننا الكرام ، مثل دقيق جداً : كيف يتكامل النقل مع العقل ؟ دخلت إلى جامعة، الأبنية ، وقاعات التدريس ، والمخابر ، وسكن الطلاب ، والحدائق ، والنظام ، وإدارة المرور، هذا كله تراه بعينك ، وتستنبط أن هذه الجامعة وراءها عقل مدبر ، وراءها مهندس كبير ، وراءها خبرات متراكمة ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما تأملت في الأبنية ، وفي البيوت ، وفي المخابر ، وفي قاعات المحاضرات ، هل تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة ؟ مستحيل ، من هم عمداء الكليات ؟ ما نظام النجاح والرسوب ؟ ما شروط القبول ؟ هذه أشياء لا بد لها من نظام داخلي للجامعة ، من كتاب .
 
 كل شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به :
 
مليون موضوع يمكن أن تعرفها من خلال تفكرك في خلق السماوات والأرض ، ومليون موضوع آخر لا يمكن أن تعرفها إلا من خلال الوحيين ، لذلك الحقيقة الدقيقة أن كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به .
أنت عندك ميزان بمحلك التجاري ، ومحلك التجاري يبيع بضائع للاستعمال المنزلي ، وتحتاج لميزان حساس جداً ، لكن من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو ، هذا أقصى شيء ، وأحببت أن تزن سيارتك ، هذا الميزان المستخدم في البقالية لا يمكن أن يُستخدم لوزن سيارتك ، ولأن هذا الميزان يعجز عن وزن سيارتك ، الشركة الصانعة محترمة جداً كتبت لك على قطعة معدنية داخل المركبة وزن السيارة .
إذاً هناك أشياء تستنبطها بعقلك ، وأشياء يخبرك الله بها ، فالذي عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، هذا منهج البحث في الإسلام ، تؤمن بالله بعقلك ، وتؤمن بالنبي بعقلك، وتؤمن بالكتاب بعقلك ، ويتوقف العقل ويأتي دور النقل ، يخبرك الله لماذا خلقك ؟ يخبرك الله عن حقيقة الحياة الدنيا ؟ ماذا أعد لك في الآخرة ؟ يخبرك الله عن المنهج الذي ينبغي أن تتبعه لتسلم وتسعد ؟ فهناك جزء في الدين تَفَكُّر ، وجزء إخبار ، تَفَكُّر وإخبار ، تَفَكُّر وتلقٍّ ، تأمل وتلقٍّ .
الآن الموضوع إخباري محض ، موضوع الدرس اليوم إخباري محض ، الله عز وجل علمنا حينما أقسم ، فقال :
 
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾.
( سورة الحاقة ) .
معنى ذلك هناك شيء لا نبصره وهو موجود ، وعند علماء العقيدة ، وعند الفلاسفة أيضاً عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، هل في جو الجامع بث إذاعي ؟ نعم ، هل ترونه ؟ لا ، الدليل : ائتِ بمذياع ، وحرك المؤشر ، تستمع إلى قرآن كريم ، أو إلى نشرة أخبار ، معناها هناك بث ، والدليل أن المذياع إن دخل في نفق يتوقف الصوت ، لأن النفق حاجز منع وصول الإشارة إلى المذياع .
إذاً عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، كانت الأمراض تأتي من غير سبب ظاهر ، ثم اكتُشِف وجود كائنات دقيقة جداً لا تراها العين سميت بالجراثيم ، لأنها أصل المرض ، فالآية الكريمة : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾ .
 
على الإنسان أن يستعيذ بالله مما يهتم له ومما لا يهتم له :
 
أحياناً هناك لفتات لطيفة في القرآن :
 
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾.
( سورة طه ) .
من كان يظن قبل مئة عام أن ثمة البترول ، الماس ، مناجم ذهب ، الآن الصراع في الأرض كله على ما تحت الثرى ، لا على ما فوق الثرى ، ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾ ، هذه إشارات قرآنية ، لكن يقاس على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته يقول :
(( اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له ، ومما لا أهتم له )) .
[ورد في الأثر] .
قد يكون الذي لا تهتم له مدمراً ، رجل في الأربعين من العمر وهبه الله شكلاً وسيماً يفوق حد الخيال ، ومالاً لا يحصى ، ومركبات ، ومطاعم ، ومعامل شيء لا يصدق ، دخل إلى الحمام وجد القاطع قد تعطل ، جاء بمن يصلح له هذا القاطع ، قال له : هذا المكان قريب ، قد يأتيه رذاذ فيفسده ، سأرفعه ، قال له : ارفعه ، فلما رفعه أصبح يحتاج إلى كرسي كي يصل إليه ، احتاج مرة أن يحركه فطلب كرسي ، انزاح الكرسي دخل في مقعده ، دخل للمستشفى عشرين يوماً ثم توفي .
الإنسان يهتم لأمراض كثيرة جداً ، يهتم لمصائب كبيرة ، (( ومما لا أتهم له )) ، فالإنسان يستعيذ بالله مما يهتم له ، ومما لا يهتم له ، وقد يدمر الإنسان على أتفه سبب ، وقد ينصر الله دينه العظيم بخيوط العنكبوت ، رسالة ، أَمَة ، لو أنهم دخلوا إلى الغار لقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن الله ألهم عنكبوتاً نسج على مدخل الغار عشاً ، فالله عز وجل من عظمته قد يدمر أكبر قوة مباشرة ، ما من حاجة ، لا تحتاج جيوش ، ولا طائرات ، ولا قصف ، ولا حاملات طائرات ، ولا قنابل عنقودية ، ولا رصد جوي ، ولا أي شيء ، إعصار سبب خسائر بقيمة مئة مليار إلى أن أصبحت دولة متخلفة ، كبنغلادش ، فقر ، ومرض ، ومساعدات ، وأضعف الدول أرسلت مساعدة خمسة وعشرين ألف دولار ، هذه صفعة وليست مساعدة ، الله كبير .
 
 مفارقات حادة في خلق الله عز وجل :
 
والله أيها الأخوة أقول : الله كبير ، لا أرتوي من هذه الكلمة ، كبير ، يدمر أكبر أمة ، وأقوى أمة على أتفه سبب ، من كان يظن أن هذا المعسكر الشرقي الذي يملك من القنابل الذرية ما بإمكانه أن يدمر خمس قارات تدميراً كاملاً ، تداعى من الداخل ، تقوض من الداخل ، وكما دُمر هذا العملاق الشرقي نسأل الله أن يأتي دور الغربي فلذلك الله عز وجل يقول : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ .
أحياناً هناك مفارقات حادة في خلق الله عز وجل ، الفيروس ، الآن هناك كائنات أقل من الفيروس ، جنون البقر سببه كائن أصغر من الفيروس ، وفي الحوت الأزرق الذي يصل وزنه إلى مئة وخمسين طنّاً ، وزن لحمه خمسون طناً ، ووزن عظمه خمسون طنّاً ، وزن دهنه خمسون ، ويستخرج منه تسعون برميل زيت ، ويقف الإنسان في فمه ، وجبته بين الوجبتين أربعة طن ، يرضع وليده ثلاثمئة كيلو كل رضعة ، يستهلك ثلاث رضعات طن حليب ، هذه نعمة الإنسان يحتاج فقط إلى كيلو غرامين حليب ، هو طن ، يقابله فيروس لا يرى بالعين ، الذرة لا ترى بالعين ، يقابلها المجرة ، نجم قلب العقرب يتسمع للشمس والأرض مع المسافة بينهما .
 
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) ﴾.
( سورة غافر ) .
يهلك أقوى قوى الأرض على أتفه الأسباب ، الآن هناك حمى الطيور ، يمكن أن تميت سبعة ملايين في قارة واحدة ، ذعر ، قال تعالى :
 
﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (31) ﴾.
( سورة المدثر الآية : 31  ) .
يمكن أن تميت سبع ملايين بالعدوى ، حمى الطيور ، فالإنسان مهما تفوق فهو قزم عند الله ، لكن الأحمق هو الذي يتأله .
(( الْكِبْرِياء رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي ، فَمَنْ نازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذفْتُهُ فِي النّارِ)).
[رواه مسلم وابن حبان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ] .
(( الْكِبْرِياء رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي ، فَمَنْ نازَعَنِي منهما شيئاً أذقته عذابي ، ولا أبالي )) .
[ أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ] .
أقول لكم من هو الأحمق ؟ الذي يقول : أنا ، من أنت ؟ أنت لا شيء ، قل : الله.
 
 العبادة هي الطاعة الخالصة :
 
أخواننا الكرام ، لا أفتأ أذكر هذا الدرس ، إن قلت : الله ، تولاك الله ، وإن قلت: أنا ، تخلى الله عنك ، جرب ، قل : هذه خبرتي ، هذه معلوماتي ، أنا ابن فلان ، أنا دخلي جيد جداً ، لو ارتفع البنزين يغطي ، قد يذهب الدخل كله ، والله يا أخوان قصة لا أنساها : لي شخص أعرفه معرفة يقينية ، عندهم فتاة مناسبة للزواج ، خطبت ، خطبها مهندس محترم ، صاحب دين ، مقيم بالخليج ، وإذ تُخطب مرة ثانية من قِبل إنسان غني ، فالأم خططت لإلغاء الخطبة الأولى ، فأمرت ابنتها أن تقطع الاتصال الهاتفي ، وأن لا ترد على الرسائل ، وبعدئذ أبلغوا الخاطب ، وقد عقد العقد ، أن لا مصلحة لنا ، طبعاً خطبها هذا الثاني الغني ثم طلقها ، فخُطبت وتزوجت ، ثم طُلقت مرة ثالثة ، والآن هي عانس ، أحياناً الإنسان مهما بدا ذكياً الله يدمره إنسان :
(( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض )) .
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] .
الآية الكريمة : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ ، كلمة شركاء تعني آلهة ، الله عز وجل إله ، والجن آلهة ، قد يتبادر للذهن أنهم عدوا الجن آلهة ، كلمة شركاء ، وكلمة يعبدون الجن ، أي يطيعون الجن ، الحقيقة هي أن العبادة خالص الطاعة ، طاعة خالصة ، محض طاعة ، ومحض محبة ، ومحض استسلام ، ومحض رضا ، إنك إن عبدت الله ينبغي أن تطيعه ، وينبغي أن تحبه ، وينبغي أن تتوكل عليه ، وينبغي أن ترجو ما عنده ، وينبغي أن تخاف منه وحده ، هذه العبادة ، والعوام يستخدمون هذا المعنى ، يقول لك : تزوج امرأة تعبده من دون الله ، أي تطيعه ، فإذا أشرك إنسان بالله ، وعبد غير الله لا يعني هذا أنه يسمي هذا الذي يعبده إلهاً ، لكن لمجرد أن تطيعه فقد عبدته :
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )).
[ رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت ] .
 
 كن محسوباً على الله ولا تكن محسوباً على جهة أرضية :
 
أخواننا الكرام ، بالمناسبة لا يليق بالإنسان ، بل يزري به أن يكون لغير الله ، تكفي هذه الكلمة ، لا يليق بك ، ويزري بك أن تكون لغير لله ، أنت لله ، لذلك كن محسوباً على الله ، ولا تكن محسوباً على جهة أرضية ، والذي يحسب على جهة أرضية قيمته من قيمة هذه الجهة ، فإن سقطت سقط معها ، بالمناسبة الدعوة إلى الله أكبر من أن تكون محسوباً على جهة أرضية أنت لله .
 
﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) ﴾.
( سورة الجن ) .
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ الجنة فيها معنى الخفاء ، والجن فيه معنى الخفاء ، والترس المِجن فيه معنى الخفاء ، كل شيء يخفي شيئاً فهو من مادة جنن ، الأصل ثلاثي .
﴿ وَخَلَقَهُمْ ﴾ الشيء العجيب :
(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد )) .
[رواه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ] .
إذا أنت دعوت إنساناً ، وتكلفت ، وهيأت له طعاماً نفيساً ، وضيافة حارة ، ومقعداً وثيراً ، وابتسامة مشرقة ، بعدما أكل المقبلات ، والعصير ، والطعام النفيس ، والحلويات ، والفواكه ، توجه إلى خادم في البيت ، وقال له : شكراً لهذه الدعوة ، كم يكون موقف هذا الضيف حقيراً ، كل هذا الإكرام من صاحب البيت ، والطعام طعامه ، والإكرام إكرامه ، والكلفة دفعها ، ثم يتوجه هذا الضيف إلى خادم البيت ويظهر له كل امتنانه .
هذا الذي يحدث للناس ، تجده ينسى الله ، إن جاءه خير من إنسان ينسى الله عز وجل ، إن سمح الله لطبيب أن يشفي ابنه ينسى الله ، يقول لك : هذا الطبيب ليس له شبيه ، فهناك شرك واضح جداً .
 
الشرك الخفي :
 
أخواننا الكرام ، الآية مخيفة :
 
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾.
( سورة يوسف ) .
الشرك الخفي أن ترى مع الله أحداً ، نحن بحالة شرك خفي كبيرة جداً ، هناك أناس إذا ابتسم وحيد القرن يرتاح ، إذا ابتسم ، وإذا هدد يقلق ، الآن يفعل حصاراً اقتصادياً ، غداً يرتفع كل شيء ، هناك خوف من غير الله .
 
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) ﴾.
( سورة آل عمران ) .
أخواننا الكرام ، كلمة أقولها لكم بصراحة : لا يمكن أن يأمرك أن تعبده ويسلمك إلى غيره لا تصح .
 
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾.
( سورة هود الآية : 123) .
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك ، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾ وحينما تعتقد أن مع الله جهة تنفع وتضر فهذا نوع من الشرك ، طبعاً هناك أقوياء على الشبكية ، أما على الإدراك العميق فليس إلا الله عز وجل .
 
  نية الكافر شرّ من عمله :
 
قال تعالى :
 
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى(17) ﴾.
( سورة الأنفال الآية : 17 ) .
مرة رأيت في محافظة آية ، تقريباً من أضخم قياس قرأته في حياتي :
 
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10) ﴾.
( سورة الفتح الآية : 10 ) .
القصة كلها وحوش كاسرة ، مخيفة ، متوحشة ، لكنها مربوطة بأزمة محكمة بيد جهة قوية ، وعليمة ، ورحيمة ، وحكيمة ، وهذا الزمام إن أرخي وصل الوحش إلي فأكلني ، وإن شد الزمام أبعده عني ، أنا علاقتي مع من ؟ مع الوحش أم مع الذي يمسك بالوحش ؟ هذه القصة كلها ، والله وحوش مخيفة ، والله يقول الله عز وجل :
 
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾.
( سورة إبراهيم ) .
نية الكافر شر من عمله ، والله يتمنى أعداء الله ألا نأكل ، وألا نشرب ، يتمنون أن نكون خداماً لبضاعتهم ، هذه الحقيقة ، لكن عندما خلقك الله ما أسلمك لغيره حتى طمأنك ، إله يقول:
 
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾.
( سورة الزمر ) .
وقال :
 
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54) ﴾.
( سورة الأعراف الآية : 54 ) .
الآن شركة تبيع طائرة ، باعتها ، بعد أن باعتها آمر الطائرة المقاتلة لا الشركة الصانعة بل الشركة التي اشترتها ، قد تأمرها أن تقصف أو لا تقصف ، مع الله عز وجل الأمر خلاف ذلك ، ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ .
 
 معنى التوحيد :
 
أحياناً أساليب يرتكبها أعداء الله كبيرة جداً ، كما سمعتم بسجن أبو غريب ، كلاب لا تُطعم لأسبوعين ، فإذا وضعت في مكان مع إنسان تأكله عن آخره ، إنسان تقي ، الكلب لم يفعل له شيئاً ، درس لا ينسى ، العادة يجب أن يأكله بكامله ، ألجمه الله عز وجل ، الأمر بيد الله عز وجل ، ما دمت تعتقد أن الله بيده كل شيء فهذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لا يمكن أن يأمرك أن تعبده وقد أسلمك إلى غيره ، لا يمكن أن يأمرك أن تعبده ورزقك بيد غيره ، بيده صحتك ، ورزقك ، وأجهزتك ، وأعضاءك ، وأوعيتك ، وكل شيء ، ومن فوقك ، ومن تحتك ، ومن حولك ، أولادك ، زوجتك ، ماذا قال بعض العارفين بالله ؟ قال : أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ، وأحياناً يجب أن تعرف الزوجة مقامها عند ربها من أخلاق زوجها ، قد تشتكي من زوجها القاسي ، يضربها ، هي لا تطيع الله عز وجل ، المؤمن له هيبة .
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ ، أنا ألقيت أعتقد بهذا المسجد حوالي عشرين درساً عن الجن ، هناك من يعبد الجن من دون الله ، وهناك خرافات ، وأباطيل ، وأكاذيب ، ودجل ، وترهات ، وابتزاز لأموال الناس ، وانتهاك لأعراض باسم الجن ، الله عز وجل قال:
 
﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (102) ﴾.
( سورة البقرة الآية : 102 ) .
وقال :
 
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ (22) ﴾.
( سورة إبراهيم الآية : 120 ) .
 
  معنى الخرق :
 
يجب أن تؤمن بالله وأنت حر ، ولا يستطيع أحد أن ينال منك إلا أن يشاء الله ، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ﴾ ، أي خلق الذي يعبد الجن ، وخلق الجن ، خلقهم جمع خلق من يعبد الجن وخلق الجن .
﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ ﴾ ، انظر الخرق ، سطح أملس جميل مستوٍ جميل خُرق ، التوحيد مريح ، التوحيد يعطي أمن ، التوحيد يعطي طمأنينة ، التوحيد يعطي ثقة بالنفس ، فجاء هؤلاء وخرقوا هذا التوحيد بادعائهم أن الجن يفعلون ما يشاءون ، فلذلك كتابات وخزعبلات ، ويجب أن تقدم الخروف الفلاني لونه أسود ، وابتزاز للأموال لا ينتهي .
أخواننا الكرام ، كيف إذا كان الجدار مطلي وجديد خرقته ، التوحيد خرق بادعائهم أن الجن شركاء لله عز وجل ، هذا هو الخرق ، ﴿ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ ﴾ .
 
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ (30) ﴾.
( سورة التوبة الآية : 30 ) .
أهل الله ادعوا أن لله ولداً ، والعرب قالوا : إن لله بنات ، والآية :
 
﴿ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثاً (40)﴾.
( سورة الإسراء الآية : 40 ) .
بعض العرب قالوا : إن هناك علاقة نسبية بين الله وبين الجن ، كله ادعاء ، والعوام لئن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ، الله عز وجل :
 
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11) ﴾.
( سورة الشورى الآية : 11 ) .
لا في ذاته ، ولا في أفعاله ، ولا في صفاته .
 
أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر :
 
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ ﴾ ، أي اختلقوا ، فكأن التوحيد جسم سليم خرق بالشرك ، أنت تنسجم مع نفسك ، الأمر بيد الله ، والله هو المسيطر ، هو الحاكم ، هو القوي ، هو المدبر ، هو الرازق ، يأتي إنسان يقول لك : لا ، فلان ، صرفك عن خالق السماوات والأرض إلى شخص قد يكون لئيماً ، قد يكون قاسياً ، قد يكون جاهلاً ، قد يكون قاصر النظر ، فالشرك يعدد ، قال تعالى :
 
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾.
( سورة الشعراء ) .
أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر ، ﴿ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ، لذلك ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك .
الإنسان بحاجة إلى ولد يعينه إذا تقدم به السن ، والمرأة بحاجة إلى بنت تعينها إذا تقدمت بها السن ، لكن هل الإله كالبشر ؟ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، فكيف تتصور له أولاد أو له أبناء وبنات ، وأن هناك علاقة نسبية مع الجن .
 
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ﴾.
( سورة الأنعام ) .
طبعاً هذه الآيات تنفي أن يكون لله صاحبة ، أو ولد ، أو شريك ، أو نسب .
وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذه الآيات .
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب