سورة الأنعام 006 - الدرس (35): تفسير الآيات (097 - 098) الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأنعام 006 - الدرس (35): تفسير الآيات (097 - 098) الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج حكم العدالة: حكم العدالة =ح06= المتورط= ج1           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 10 - هل تخرج الاسرة قاتلا - الداعية بشرى بكري           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 311- د. حسين الترتوري- 18 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - الانتقام سمة الضعفاء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0906 - سورة المؤمنون 061 - 067           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 09 - الغضب ودوره في القتل - الشيخ رمزي نعالوة         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأنعام

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأنعام - تفسير الآيات: (097 - 098) - الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية

21/03/2011 07:24:00

سورة الأنعام (006)
الدرس (35)
تفسير الآيات: (97-98)
الآيات الكونية والقرآنية والتكوينية
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس سورة الأنعام .
 
 آيات الله ثلاثة أنواع :
 
مع الآية السابعة والتسعين ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) ﴾.
أيها الأخوة الكرام ، ينبغي أن نعلم أن كلمة آية تعني علامة ، وتعني دلالة ، وتعني بياناً ، وتعني برهاناً ، وآيات الله ثلاثة أنواع : آيات كونية خلقه ، وآيات قرآنية كلامه، وآيات تكوينية أفعاله ، يمكن أن تعرف الله من آياته التكوينية والكونية والقولية أي القرآن .
لكن لا بد من ملاحظة : وهي أنك إذا بدأت بمعرفة الله من خلال آياته الكونية فالطريق سالك وآمن ، وكلما ازددت تفكراً في خلق السماوات والأرض ازددت تعظيماً لله ومحبة له ، لأن كل ما في الكون ينطق بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، فإذا تعمقت بآياته القرآنية تُكشف لك حقائق كثيرة ، والآيات القرآنية تتكامل مع الآيات الكونية ، كيف ؟
دخلت إلى جامعة ، نظرت إلى أبنيتها ، دهشت لعظمة هذه الأبنية ، ولتناسبها مع وظيفتها ، قاعات محاضرات ، مخابر ، جناح لنوم الطلاب ، جناح للأساتذة ، مدرجات  حدائق كي يستمتع الطلاب ، هدوء ، مطاعم ، أنت تستنبط أن الذي صمم هذه الجامعة مهندس قدير ومتخصص بالجامعات ، لكن مهما كنت ذكياً ، ومهما أطلت التفكر في هذه الأبنية لا تستطيع أن تعرف النظام الداخلي لهذه الجامعة ، ولن تستطيع أن تعرف عميد هذه الكليات ، من هو رئيس الجامعة ؟ ما نظامها ؟ ما نظام قبول الطلاب فيها ؟ ما نظام النجاح والرسوب؟ لهذا لا بد من كتاب . الأبنية ، والمخابر ، والمدرجات ، والحدائق ، وأبنية الطلاب ، وأبنية المدرسين ، والأجواء المحيط بالجامعة ، هذه كلها تدلك على أن الذي صممها مهندس قدير ، لكن من هو رئيس الجامعة ؟ من هم عمداء الكليات ؟ ما الأنظمة الداخلية ؟ كيف يُقبَل الطلاب؟ كيف يتخرجون ؟ هذا شيء لا يمكن إلا أن تأخذه تلقياً .
 
 لا بدّ من أن تتكامل الآيات الكونية مع الآيات القرآنية :
 
إذاً ولله المثل الأعلى ، هذا الكون يدل على خالق عظيم ، على رب كريم ، على مُسَيِّر حكيم ، أسماؤه حسنى ، صفاته فضلى ، مليار دليل على رحمته ، وقدرته ، وقوته ، وجبروته ، وحلمه ، ولطفه ، لكن لماذا خلقنا ؟ هذا لا يأتي بالتفكر يأتي بالتلقي ، تقرأ القرآن:
 
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)  ﴾.
( سورة الذاريات ) .
من الذي خلق الكون ؟ لا بد له من خالق عظيم ، يقول إله القرآن :
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (4) ﴾.
( سورة السجدة ) .
عَلَم على الذات ، شيء جميل .
 
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) ﴾.
( سورة الإنسان ) .
إذاً لا بد من أن تتكامل آياته الكونية مع آياته القرآنية ، فالآيات الكونية تدلك على الله عز وجل ، والآيات القرآنية تدلك على سر وجودك ، وعلى غاية وجودك ، وعلى منهجه، إن الله يحب الصادقين ، إن الله يحب المخلصين ، إن الله يحب الطائعين .
 
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) ﴾.
( سورة الهمزة ) .
وقال :
 
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾.
( سورة البقرة الآية : 279 ) .
 
 علينا أن نبدأ بآيات الله الكونية ونثني بآياته القرآنية ثم نتفكر في أفعاله :
 
لا يكفي الكون ، يجب أن نضم مع القرآن الكون ، آياته الكونية وآياته القرآنية ، الآن أفعاله ، لكن أفعاله حقل ألغام ، كيف ؟ لو بدأت بالتفكر في أفعاله يقفز أمامك مليون سؤال وسؤال ، لماذا الفقر ؟ لماذا القهر ؟ لماذا الأقوياء والضعفاء ؟ لماذا اجتياح الدول القوية للدول الضعيفة ؟ لماذا الموت من الجوع في إفريقيا ؟ لماذا شح الأمطار ؟ لو أنك بدأت بآياته التكوينية لقفز إلى ذهنك مليون سؤال ، لذلك أنصح أن تبدأ بآياته الكونية ، وتثني بآياته القرآنية ، ثم تفكر في أفعاله ، أنت حينما ترى أمة قوية متغطرسة ترتكب كل الحماقات ، وكل المحرمات ، وكل الموبقات ، وتستعلي ، وهي قوية ، ويبدو أنها تفعل ما تقول ، شيء يحير ، تفتح القرآن الكريم :
 
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44) ﴾.
( سورة الأنعام الآية : 44 ) .
واضحة :
 
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44) ﴾.
( سورة الأنعام الآية : 44 ) .
أنت حينما ترى فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل ، ويستحيي نساءهم ، ويتفنن في تعذيبهم ، وترثي لحال هؤلاء المستضعفين المقهورين ، الذين قُتِل أبناءهم واستُحيت نساءهم ، ثم تقرأ قوله تعالى :
 
﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) ﴾.
( سورة القصص ) .
 
إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق :
 
إذاً أيها الأخوة ، ابدأ بالتفكر في مخلوقات الله عز وجل ، وإياك ثم إياك أن تتفكر بالخالق :
(( تفكروا في خلق الله ، ولا تفكروا في الله فتهلكوا )) .
[ رواه ابن حبان عن أبي ذر ] .
كيف يعلم ما سيكون ؟ تجاوزت الخط الأحمر ، لن تستطيع أن تكشف عدل الله بعقلك إلا بحالة مستحيلة ؛ أن يكون لك علم كعلمه ، ومادام ليس لك علم كعلمه إذاً تؤمن بعدله من خلال كلامه .
 
﴿  وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾.
( سورة الكهف ) .
وقال :
﴿  وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) ﴾.
( سورة الإسراء ) .
لا فتيل ، ولا قطمير ، ولا نقير ، ولا حبة من خردل .
 
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) ﴾.
( سورة الأنبياء الآية : 47 ).
ينبغي أن نبدأ بالتفكر في خلقه أولاً ، ونثني بقرآنه ثانياً ، ثم إذا تفكرنا في أفعاله نعلم أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، عندئذٍ تستسلم ، فلذلك يقول الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾ .
 
 أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان :
 
بالمناسبة أيها الأخوة ، وهذا كلام دقيق ، أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان ، الوظيفة الأولى : أن تتعرف إلى الله من خلاله ، سواء تفكرت في جسمك ، أم في طعامك ، أم في شرابك ، أم في الجبال ، الوديان ، السهول ، الصحارى ، القفار ، البحار ، البحيرات ، الأنهار ، الينابيع ، النبات ، الأطيار ، الأزهار ، الأسماك ، سواء تفكرت في مخلوقاته أم في ذاتك ، وقد قال الله عز وجل :
 
﴿  سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (53) ﴾.
( سورة فصلت الآية : 53 ) .
فالوظيفة الأولى أن تعرف الله من خلال هذا الذي خلقه لك ، هذه الوظيفة الأولى وقد عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد )) .
[ رواه أبو داود عن قتادة ] .
يرشدني إلى الله وأنتفع به في دنياي ، الخير النفع المادي .
كنت أضرب مثلاً بشكل متكرر ، أنه إذا كنت فقيراً لا سمح الله ولا قدر فقراً مدقعاً ، ولا يتيح لك دخلك أن تلعق لعقة عسل واحدة ، وقرأت كتاباً عن العسل ، فخشع قبلك لله ، وعظّمته على بديع صنعه ، ولم تلعق لعقة واحدة ، أنت حققت الهدف الأكبر من خلق العسل ، لأنك تعرفت إلى الله من خلاله ، ولو أكلت عسلاً ما شاء لك أن تأكل ، ولم تتفكر في هذا الشفاء للناس كما وصفه الله عز وجل فأنت لم تحقق شيئاً من سبب وجود العسل ، (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد )) .
العالم الغربي حقق الناحية النفعية في كل شيء ، والمؤمنون في العالم حققوا الناحية التعريفية ، والدليل أن الله سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم ، (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد )) ، رشد ؛ تعريف ، خير ؛ تكريم ، إن دلك عليه أكرمك بهذا الشيء ، رد فعلك الطبيعي أن تشكره وأن تؤمن به ، أو أن تؤمن أو أن تشكره ، فإذا آمنت به وشكرته حققت الهدف من وجودك ، فإن آمنت به رد فعل التعريف ، وإن شكرته رد فعل التكريم ، حققت الهدف من وجودك ، وإن حققت الهدف من وجودك تتوقف المعالجة .
 
 ينبغي أن تؤمن بالله من خلال آياته وأن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه :
 
قال تعالى :
 
﴿  مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147) ﴾.
( سورة النساء الآية : 147 ) .
انتهى كل شيء ، ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ ، إذاً أنت بين آيات كونية ، وآيات قرآنية ، وآيات تكوينية ، ابدأ بالكونية ، وثني بالقرآنية فهما متكاملان ، إن استوعبت الآيات الكونية والقرآنية أمكنك أن تفهم الآيات التكوينية ، لا تعترض عندئذٍ على الله ، لا تقل : في العالم ظلم ، لا تقل : هناك أقوياء وضعفاء ، كل هذه الأسئلة التي يطرحها أهل الدنيا البعيدون عن الله عز وجل لا تطرحها أنت ، إذاً : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا ﴾ ، هنا في وظيفة محدودة ، ﴿ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ ، لكن هناك آيات أخرى :
 
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (13)﴾.
( سورة الجاثية الآية : 13 ) .
تسخير تعريف وتكريم ، ينبغي أن تؤمن به من خلال آياته ، وينبغي أن تشكره من خلال نعمائه وإحسانه .
﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والحقيقة النجوم ، ماذا نعلم عن النجوم ؟ بعض الإحصاءات أننا لا نستطيع أن نعد بالعين المجردة أكثر من عشرة آلاف نجم فقط ، بينما أحد المجرات في أحدث موسوعة علمية معتمدة تقريباً ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وفي كل مجرة مليون ملْيون نجم ، فالنجوم التي لا نراها لا تعد ولا تحصى ، لذلك قال تعالى :
 
﴿  فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾.
( سورة الجاثية ) .
 
 الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون :
 
ذكرت لكم كثيراً أن بعد الأرض عن الشمس مئة وستة وخمسون مليون كم ، وأن الشمس تستوعب مليون وثلاثمئة ألف أرض ، وأن نجم قلب العقرب يستوعب الشمس والأرض مع المسافة بينهما ، والحديث عن النجوم لا ينتهي ، وقد قال الله عز وجل :
 
﴿  قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (101) ﴾.
( سورة يونس الآية : 101 ) .
وقال :
 
﴿  فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾.
( سورة عبس ) .
وقال :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)  ﴾
( سورة الطارق ) .
وقال :
﴿  وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) ﴾.
( سورة الشمس ) .
وقال :
 
﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) ﴾.
( سورة الفجر ) .
تقريباًَ الجزء الأخير من القرآن الكريم جزء مكي فيه إرشاد إلى التفكر في الكون، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ  يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي هذا الذي أراد أن يعلم ينتفع من هذه الآيات .
 
حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله :
 
أخواننا الكرام ، هناك آيات عديدة تحير ، قال تعالى مثلاً :
 
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) ﴾.
( سورة الزمر ) .
شيء محير ، يا رب ، أنا إذا فكرت بهذه الآية أؤمن ؟ أم إذا كنت مؤمناً قبلها أنتفع بها ؟ أكثر الآيات : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، وقد قال بعض أصحاب النبي الكريم : أوتينا الإيمان قبل القرآن ، معنى ذلك أنك حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة أي شيء مهما صغر يدلك على الله ، بعرة تدل على البعير ، وأقدام تدل على المسير ، وماء يدل على الغدير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
أعرابي راعي إبل قد يهتدي إلى خالق السماوات والأرض من بعرة جمل ، ومن غدير ماء ، ومن أقدام على الرمال ، وإنسان يجلس في أكبر محطة فضائية ، أو في أكبر محطة أرضية تتلقى معلومات عن الفضاء بتلسكوبات هي من أعظم ما في العالم اليوم ، أو هو على مجهر إلكتروني يرى الخلية بتفاصيلها ، إذا أراد هذا الأعرابي راعي الإبل أن يعرف الله ، وليس أمامه إلا ماء وأقدام وبعرة يصل إلى الله ، وإذا لم يرد هذا الذي في أكبر محطة فضائية ، ويرى المجرات العملاقة ، ويرى بالمجهر الإلكتروني النسج الخلوية ، فالأول يعرف الله بلا وسائل ، والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، بلا وسائل والثاني لا يعرفه مع كل هذه الوسائل ، لأن طلب الحقيقة يشبه الفيلم في آلة التصوير ، فإن لم تطلب الحقيقة قد تلتقط هذه الآلة آلاف الصور الرائعة ، لكن لأن صاحب هذه الآلة لم يطلب الحقيقة ليس فيها فيلم تنطبع عليه هذه الحقائق ، أما الذي يطلب الحقيقة ، ولو كان يملك أصغر آلة أو أقل آلة تعقيداً إنها تنفعه بل ترشده إلى خالقه ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
 
(من نفس واحدة) لها معنيان :
 
الآية التي تليها :
 
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)
( سورة الأنعام ) .
﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، الآن هناك ستة آلاف مليون ، هؤلاء لعلهم قبل خمسين عاماً كانوا ثلاثة آلاف مليون ، وقبل كانوا أقل ، وأقل ، وأقل إلى أن نصل إلى إنسان واحد ، كان أصل كل هؤلاء البشر سيدنا آدم ، الستة آلاف مليون أصلهم إنسان واحد هو سيدنا آدم ، هذا معنى .
المعنى الثاني : ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، أي جسم بالأرض تصميمه ، تصميم الدماغ ، الأعصاب ، القلب ، الشرايين ، الأذين ، البطين ، الكليتان ، المعدة ، مسار الأعصاب ، مسار الأوعية بدقة بالغة ، كل البشر بتصميم واحد ، وإلا لا معنى للطب في العالم ، يدرس إنسان الطب في أمريكا ، ويطبق الذي قرأه في الصين ، هذه نعمة كبيرة جداً ، لولا أن بنية البشر واحدة ، وأجهزتهم واحدة ، وخصائصهم واحدة ، وتفاصيل أجهزتهم واحدة، لما أمكن أن يُستَخدم علم في مكان في مكان آخر .
إذاً : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، تجد غير التشريح ، في الفيزيولوجيا كل جهاز له خصائص ، الكلية مثلاً لو أن الضغط ارتفع لها موقف ، الضغط قل لها موقف ، الملح زاد لها موقف ، مصممة على برامج معقدة جداً ، المعدة كذلك مصممة على برامج معقدة جداً ، هناك إقياء ، وأحياناً في حالات معينة عدم قبول الطعام ، وهناك سعال ، وتثاؤب ، وبكاء ، هناك خصائص في الجسم ، القلب له خصائص يتسرع من ثمانين إلى مئة وثمانين ، وهناك أمر يأتي من ذاته ، أمر للثمانين من ذاته ، وأمر للمئة والثمانين يأتيه من الدماغ عن طريق الكظر إلى القلب ، قد يعقد مؤتمر لأمراض القلب يقول لك : أكثر من خمسة وعشرين ألف طبيب حضر من أنحاء العالم ليستمعوا إلى مئات المحاضرات ، حول القلب فقط ، القلب مجهز بجاهزية عالية جداً ، يُسَد أحد شرايينه ، ينشأ شُرينات قد تصل إلى عشرة ، أحياناً مجموع أقطارها تساوي قطر الشريان المنسد ، من صمم ذلك ؟ شيء لا يصدق .
تمشي في الطريق تستمع إلى بوق سيارة ، من يصدق أن في الدماغ جهاز يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ؟ صوت البوق دخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن ، التفاضل واحد على (1620) جزءاً من الثانية ، الجهاز بالدماغ يحسب ذلك ، يصدر أمر بالحركة إلى اليمين ، لأن البوق جاء من اليسار ، جهاز بالغ التعقيد .
 
 خصائص النفس واحدة تحب الكمال والنوال والجمال :
 
إذاً أيها الأخوة ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، الآن هذا الجسم بتشريحه ، وبالفيزيولوجيا التي تنطبق عليه ، خصائص الأجهزة ، وخصائص الأنسجة ، أن القرنية تتغذى بالحلول غير القرنية بالشعريات ، تفاصيل طويلة جداً ، هذا الجسم بالغ الدقة مشابه لكل إنسان ، الآن نفس الإنسان النفس الواحدة :
(( يا داود ذكر عبادي إحساني إليهم )).
[ رواه الطبراني عن أبي أمامة ] .
(( جُبِلتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا ، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا )) .
[ رواه البيهقي عن ابن مسعود ٍ] .
خصائص النفس واحدة تحب الكمال ، تحب النوال ، تحب الجمال ، تحب أن تكون متفوقة ، تجب المحسن ، تكره المسيء ، تحب التعاون ، لها فطرة ، ولها جبلة ، ولها صبغة ، ولها طبع ، من صمم هذا كله ؟ الله عز وجل .
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ، نحن جميعاً كنا مستقرين في ظهر أبينا آدم ، ثم انتقلنا من نسل إلى نسل ، حتى استقرينا في أجهزة آبائنا ، ثم في أرحام أمهاتنا ، ثم أصبحنا على الأرض مستقرين ، ثم نقلنا إلى المستودع ؛ القبر ، القبر مستودع ، مات ، إلى القبر ، ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ ، والاستقرار أنواع ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ ، والاستقرار أنواع كثيرة ، قد تستقر على أرض ، ثم ينقل هذا الإنسان إلى مستودع ليستقر ثانية إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها ، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
هناك معنى آخر لمستودع : أنت في الشام ، وقد يكون غذاؤك مستودعه في درعا ، الخبز الذي تأكله مستودعه هناك ، والفاكهة في المكان الفلاني ، لك مستقر ولك مستودع يمدك بالغذاء ، ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
 
 الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته :
 
﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ ، كنت أقول : لو دخلنا إلى بستان في منطقة خارج دمشق ، مزروع بالتفاح مثلاً ، البستان الخامس على اليمين ، الشجرة السابعة ، الغصن الثالث ، التفاحة الرابعة ، هذه لك ، لك أن تأكلها هدية ، ولك أن تأكلها ضيافة ، ولك أن تأكلها شراء ، ولك أن تأكلها لا سمح الله ولا قدر سرقة ، ولك أن تأكلها تسولاً ، طريقة وصولها إليك باختيارك ، أما هي لك ، ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾.
( سورة الروم الآية : 40 ) .
أخواننا الكرام ، على رؤوس جبال هملايا في ينابيع ماء ، معنى ذلك أن هناك قمم أعلى منها مستودعات للماء كي يشرب الوعول في هذه الارتفاعات الشاهقة الماء ، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ ، في بعض البلاد أذكر سبعة آلاف جزيرة ، ثم أنبئت أن الرقم أكبر بكثير ، لكل جزيرة نبع ماء عذب ، ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ .
أيها الأخوة ، ﴿ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ، بُنية ، ووظائف ، وخصائص ، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بكل مرحلة كنا مستقرين في مكان ، وفي النهاية ننتقل إلى المستودع وهو القبر ، ثم لنستقر إما في جنة يدوم نعيمها ، أو نار لا ينفذ عذابها ، لا سمح الله ولا قدر .
الشيء الآخر ، أن المستقر في مكان ، وقد يكون مستودع غذائك في مكان آخر ، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ، والرزق لك ، وقد ورد في بعض الأحاديث النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم )) .
[ رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة ] .
 لا تقبل حرفة لا ترضي الله ، لأن الذي لك هو لك ولن يكون لغيرك ، والذي ليس لك لن يكون لك ، الإيمان بأن الله هو الرزاق يدفعك إلى طاعته لا إلى معصيته من أجل الرزق ، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذا الدرس .
والحمد لله رب العالمين
 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب