سورة الأنعام 006 - الدرس (29): تفسير الآيات (083 - 088) قصص الأنبياء دروس لنا

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأنعام 006 - الدرس (29): تفسير الآيات (083 - 088) قصص الأنبياء دروس لنا

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج حكم العدالة: حكم العدالة =ح06= المتورط= ج1           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 10 - هل تخرج الاسرة قاتلا - الداعية بشرى بكري           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 311- د. حسين الترتوري- 18 - 01 - 2021           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - الانتقام سمة الضعفاء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0906 - سورة المؤمنون 061 - 067           برنامج ومن أحياها: ومن أحياها - 09 - الغضب ودوره في القتل - الشيخ رمزي نعالوة         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأنعام

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة الأنعام - تفسير الآيات: (083 - 088) - قصص الأنبياء دروس لنا

21/03/2011 07:12:00

سورة الأنعام(006)
الدرس (29)
تفسير الآيات: (83-88)
قصص الأنبياء دروس لنا
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات  القربات .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس التاسع والعشرين من دروس سورة الأنعام .
 
  خصائص شخصية المؤمن :
 
مع الآية الثالثة والثمانين وما بعدها ، وهي قوله تعالى :
 
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) ﴾.
من أولى خصائص المؤمن أنه يملك حجة على الطرف الآخر ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتخذه لعلمه ، شخصية المؤمن شخصية علمية ، وشخصية أخلاقية ، وشخصية جمالية ، شخصية علمية لأنه تتعرف إلى الله ، تتعرف إلى الحقيقة المطلقة ، وشخصية أخلاقية لا سبيل إلى أن يتقرب إلى الله عز وجل إلا بخلق عالٍ :
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) .
[رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة] .
كفرق صارخ بين مؤمن وغير مؤمن الخلق ، هذا الذي قاله ابن القيم : " الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق ، زاد عليك في الإيمان " .
الجانب الثالث الجانب الجمالي ، هناك جانب معرفي ، وجانب خلقي ، وجانب جمالي ، على علم ، معه حجة ، على خلق ، من أسعد الناس ، سعادته لا تنبع من الخارج تنبع من داخله ، اللذائذ تأتي من الخارج ، اللذائذ الحسية تحتاج إلى مال ، تحتاج إلى وقت ، تحتاج إلى صحة ، تأتي من الخارج ، من طعام ، من بيت ، من امرأة ، من مركبة ، من مزرعة ، فلذلك المؤمن سعادته من داخله ، يملكها ، وما من واحد من بني البشر إلا ويملك أسباب سعادته ، فلذلك قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ ، وقصص الأنبياء ليست لأخذ العلم بل للاقتداء ، وقد يبتعد ذهن المؤمن عن قصص الأنبياء السابقين ، لماذا ذكرهم الله في القرآن الكريم ؟ ذكرهم لنا ، ذكرهم ليكونوا قدوة ، وهذا الذي يقول : أنا لست نبياً ، هذا كلام سخيف ، من قال لك : إنك نبي ، لكن أنت مأمور أن تقتدي بالأنبياء ، وفي الحديث الشريف الصحيح :
(( إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ )) .
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] .
 
  فحوى دعوة الأنبياء جميعاً العقيدة :
 
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ هناك من يرى مفارقة بين قول الله عز وجل :
 
﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (285) ﴾ .
( سورة البقرة الآية : 285 ) .
وبين قوله تعالى :
 
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (253) ﴾ .
( سورة البقرة الآية : 253) .
من حيث فحوى الدعوة الرسل جميعاً دعوتهم واحدة .
 
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾ .
( سورة الأنبياء ) .
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً العقيدة ، لا إله إلا الله ، السلوك طاعته ، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ، هذا الدين السماوي على اختلاف الشرائع ، هناك دين أرضي .
 
﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) ﴾ .
( سورة الكافرون ) .
 
 المؤمن الحق منطلقه التوحيد :
 
المؤمن في أي مكان في الأرض يخضع لله عز وجل ، منطلقه التوحيد ، حركته العبادة ، الجانب المعرفي التوحيد ، لذلك يكاد يكون الدين توحيداً ، أما كدين يعتقد أتباعه أن الله خلق السماوات والأرض ، هذه العقيدة يعتقدها الشيطان أيضاً ، قال :
 
﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) ﴾ .
( سورة ص ) .
وقال :
 
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾ .
( سورة ص ) .
وقال :
 
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) ﴾ .
( سورة الأعراف ) .
أن تعتقد أن لهذا الكون إلهاً وهو رب عزيز ، دون أن ترى أن كل شيء بيده .
أخواننا الكرام ، الفيصل بين المؤمن الذي يستحق نصر الله عز وجل ، وبين المؤمن الذي هو رقم لا معنى له في عداد المؤمنين هو التوحيد ، الموحد لا يرى معطياً إلا الله ، ولا مانعاً إلا الله ، ولا رافعاً إلا الله ، ولا خافضاً إلا الله ، ولا معزاً إلا الله ، ولا مذلاً إلا الله ، لذلك المؤمن الموحد لا ينافق ، لماذا ينافق ؟ هذا الذي ينافق له ليس بيده شيء ، لا يملك لك ضراً ولا نفعاً ، ولا حياتاً ولا موتاً ، ولا رزقاً ، ولا مرضاً ولا صحة ، أنت حينما تؤمن أن الذي يملك نفعك وضرك هو الله ، يملك أن يعطيك أو يمنعك .
 
أي خلل في السلوك يعزى إلى ضعف التوحيد وأي انضباط يعزى إلى قوة التوحيد :
 
الحقيقة كلمات التوحيد كلمات سهل فهمها ، أما كواقع تعيشه ؛ مثلاً : لو أن طالباً على مقعد الدراسة كان إلى جانبه طالب آخر ، الأول كان يعمل عملاً بسيطاً بدخل محدود جداً ، والثاني أصبح معه ملايين مملينة ؟ الأول مؤمن ومطيع لله ، والثاني متلفت من أي منهج ، الآن الأول لو قال : ليتني مثل فلان ، يؤكد أنه لا يملك من الإيمان ذرة ، لأن الله عز وجل قال :
 
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) ﴾ .
( سورة الأحزاب ) .
ما رأى أنه فاز فوزاً عظيماً بهذه الطاعة ، رأى أنه محروم ، وهذا المتفلت المنحرف قد أوتي شيئاً ثميناً .
لذلك فهم النص شيء وأن تعيشه شيء آخر ، فرق كبير بين أن تقول : مليار وبين أن تملكها ، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها ، فآيات التوحيد قد ننطق بها ، وقد نقول : لا إله إلا الله ، وقد نقول : لا معطي ولا مانع إلا الله ، وقد نقول : لا معز إلا الله ، ولا مذل إلا الله ، ولكن أن تؤمن بكل خلية في جسمك ، وبكل قطرة في دمك أن أهل الأرض أقويائهم وطغاتهم لا يملكون لك شيئاً ، هذه مشكلات المسلمين ، يرون أن الأقوياء بيدهم مصيرنا ، بيدهم أمننا ، بيدهم رفاهيتنا ، بيدهم أن يعذبونا ، هذه مشكلة المشكلات في العالم الإسلامي لذلك : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ .أنت حينما تشعر أن أمرك بيد الله ، وصحتك بيد الله ، ورزقك بيد الله ، ومن فوقك بيد الله ، ومن تحتك بيد الله ، ومن حولك بيد الله ، ونجاحك بعملك بيد الله ، أنت حينما تؤمن بهذا لن تنافق ، ولن تكذب ، ولن تعصي خالقاً وتطيع مخلوقاً انتهى الأمر ، لذلك أقول لكم : أي خلل في السلوك يعزى إلى ضعف التوحيد ، وأي انضباط في السلوك يعزى إلى قوة التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ تجد بالمؤمن في توازن ، في أمن ، في رضا ، في أمل ، في تفاؤل ، الدنيا مهما اسودت لا تسحقه ، والأخبار مهما ساءت لا توقعه في اليأس ، يرى أن الله بيده كل شيء ، وأنا أقول دائماً : استمع إلى الأخبار ما شئت ، واقرأ كل التحليلات ، وكوِّن رأياً خاصاً ، ولا تنس ثانية واحدة أن الله موجود ، وأن الأمر بيد الله ، وأن يد الله فوق أيديهم ، وأن الله سبحانه وتعالى يقلب الموازين في يوم واحد ، بل في دقيقة واحدة ، بل في ثانية واحدة .
 
  سرّ ألفة المؤمنين أنهم ينطلقون من مثل عليا :
 
﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ ، الأنبياء بحسب مرتبهم درجات ، وبحسب دعوتهم سواء .
 
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (253)﴾ .
( سورة البقرة الآية : 253 ) .
هناك رسل من أولي العزم ، وهناك رسل ليسوا من أولي العزم ، وهناك أنبياء ، أما دعوة أهل الحق فهي واحدة .
أخواننا الكرام ، أينما ذهبت في شرق الأرض وغربها ، المؤمن الموصول بالله ، في صفاته ، وفي أخلاقه ، وفي حركته ، وفي تصوراته ، يطابق أي مؤمن آخر ، لذلك أكبر تفسير علمي للأخوة الإيمانية هو التطابق ، التطابق التام بين مفردات خصائص النفس ، أنت الآن لماذا تجلس مع إنسان عشر ساعات ولا تمل ؟ لأن نقاط التشابه بينك وبينه كبيرة جداً ، ولماذا لا تحتمل أن تجلس مع إنسان ربع ساعة ؟ لأن نقاط التشابه قليلة جداً ، النظيف لا يحتمل أن يجلس مع القذر ، ونظيف اللسان لا يحتمل أن يجلس مع بذيء اللسان ، الوفي لا يطيق الخائن ، والصادق لا يطيق الكاذب ، فسرّ ألفة المؤمنين أنهم ينطلقون من مثل عليا أنهم نظيفون من الداخل ، أنهم أعفة ، أنهم صادقون ، أنهم أمناء ، أنهم رحماء ، أنهم عقلاء ، أنهم يحبون الله ورسوله ، لذلك رُبّ أخ لك لم تلده أمك .
الشيء الذي يحير يا أخوان ، قد يسافر إنسان إلى أطراف الدنيا ، في أي مكان يلتقي مع المؤمن كأنه أخوه ، يا رَبّ لا أعرفه ‍‍‍، قد تسافر إلى آخر الدنيا فتلتقي مع إنسان متصل بالله  ، لطيف ، منطقي ، وفي ، صادق ، أمين ، عفيف ، فهذه سر ألفة المؤمنين ، وهؤلاء الذين يخرفون ويقولون : الدين عامل تفرقة ، لا ، الدين عامل وحدة ، أما هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل  فقد قال الله عنهم :
 
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14) ﴾ .
( سورة الحشر الآية : 14 ) .
 
 عظمة هذا الدين أن المثل العليا أصبحت واقعية :
 
قال تعالى :
 
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) ﴾ .
( سورة الأنعام ) .
أخواننا الكرام ، دائماً وأبداً المثل العليا تحتاج إلى مثل ، والمشكلة أنك إذا قرأت عن المثل العليا ولم ترَ هذه المثل في إنسان أمامك عندئذٍ لا تحفل بها ، لذلك الآن كلمة السخرية بلا مثاليات ، وكأن كلمة مثالية تهمة ، لماذا ؟ لأن الناس ينطقون بها ولا يفعلونها ، فأصبحت شيئاً ليس واقعياً ، لكن عظمة هذا الدين أن المثل العليا أصبحت واقعية .
امرأة رائعة الجمال ، خطبها كبار الصحابة ، وعند رسول الله صحابي فقير جداً ، معدم ، وفوق فقره الشديد كان دميماً ، وفي بعض الروايات كان أعور العين ، دميماً ، فقيراً ، وفي رواية أنه يعرج ، لا يملك شيئاً من مقومات الجمال ، مع فقر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشفق عليه ، قال له : يا جليبيب ، ألا تتزوج ؟ فقال له : من يزوجني يا رسول الله ؟ هو يرى أن زواجه مستحيل ، من سابع المستحيلات أن تقبل به فتاة في الأرض ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أقام مجتمعاً فاضلاً ، جاءه بعض الصحابة وأخبره أن ابنته هذه رائعة الجمال مات عنها زوجها ، فقال له : إني أخطب ابنتك ، فطار من الفرح ، ماذا ظن ؟ أن النبي يخطبها لنفسه  ، قال له : لا ، ليست لي ، لجليبيب ، إنسان عنده فتاة بارعة الجمال ، قد يخطبها علية القوم ، النبي يريد أن يزوجها لهذا الفقير ، وفي رواية أعور ، وفي رواية دميم ، قال : أريد أن أستأمر أمها ، ما تحمل الصدمة ، فجاء إلى أمها ، وقال : جاء رسول الله يخطب ابنتنا ، ففرحت ، قال : لا ، ليست له ، ولكن لجليبيب ، قالت : والله لا يكون ذلك ، فسمعت البنت الحوار بين أمها وأبيها ، قالت : أنا أوافق ، لأن رسول الله لا يضيعني .
هذا المجتمع ، فُتِحت أقطار الأرض بهذه القيم ، وافقوا ، وافقوا ، لأن البنت وافقت ، ثم ما معه شيء يقيم فيه حياته الزوجية ، بعض الصحابة تبرع له ببعض المبلغ ، بدأ يجهز البيت والحاجات الأساسية الخشنة جداً ، وفي يوم عرسه نادى داعي الجهاد ، فانخرط في الجهاد ، وبعد المعركة ـ هذا في معركة أحد ـ تفقد النبي أصحابه وسأل عن الذين استشهدوا ، فذكروا أسماءهم ، قال : هل بقي أحد لم تذكروه ؟ قالوا : لم يبقَ أحد ، قال : أين جليبيب ؟ فتفقده بنفسه في أرض المعركة ، فرآه مستشهداً ، حمله على يديه ، وقال الصحابة الكرام : ما زال نهاده ساعدي رسول الله حتى حفر له القبر ودفن ، هذه الفتاة خطبها كبار الصحابة بعد ذلك .
 
  قدوة المؤمن أنبياء الله :
 
أنا أقول : هاتوا لي مجتمعاً يقيم للحق شأناً كبيراً ولا يقيم للقيم المادية شأناً كبيراً ، أفتح لكم بهم أطراف الدنيا ، الآن المسلمون في إطار إسلامي لكن ليس فيه مضمون إسلامي ، الآن طرق الزواج كلها مغلقة والسبب مطالب الأهل فوق طاقة الشباب يُحمّل الشاب ما لا يحتمل، فصار طريق السفاح أقرب من طريق النكاح ، وهذه الدعارة المتفشية في العالم سببها هذا .
أيها الأخوة الكرام ، ما لم يكن مجتمع المؤمنين مجتمعاً صارخاً بكماله ، بتواضع أفكاره ، بتضحياتهم ، بتحكيم قيم الشرع فوق قيم الدنيا فلا سبيل إلى التقدم .
هؤلاء الأنبياء قمم البشر ، وأنا أقول لكم : قل لي من قدوتك في الدنيا أقل لك من أنت ، أنا مؤمن أن المؤمن قدوته أنبياء الله ، وكل نبي له خاصة ، هناك نبي يأكل من عمل يديه سيدنا داود ، فالمحترف لا يرى أنه أقل ممن له تجارة عريضة :
 (( أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ )).

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] .
هناك نبي كان أبوه مشركاً ، سيدنا إبراهيم ، عابد صنم ، وثنيّ ، وهناك نبي زوجته كانت سيئة جداً ، سيدنا لوط وسيدنا نوح ، وهناك نبي ابنه سيئ سيدنا نوح ، فكل نبي له ظرف ، فأنت لك أسوة حسنة بهؤلاء الأنبياء .
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ﴾ ، بعضهم يكتشف أن الهبة بلا مقابل ، فقد تكون من ألمع الناس وليس ابنك كما تتمنى ، هذا امتحان صعب ، صعب جداً ، ولعل الله أراد من هذا الامتحان أن يجعل من نسلك هذا الابن ، فلعلك تصلحه ، وقد تجد إنساناً ؛ رجلاً صالحاً وزوجته ليست ملتزمة كما ينبغي ، أيضاً لحكمة أرادها الله عز وجل لعلها تصلح معه ، هذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء ، فكلما حدث أمر قد تجد في نبي من هؤلاء الأنبياء العظام قدوة لك ، يُعدّ هذا النبي في سلوكه منهجاً ترسم معالمه فيما بينك وبين نفسك .
 
الأنبياء جميعاً يجب أن يكونوا منهجاً للبشرية :
 
سيدنا داود رجح جانب القرب من الله على خدمة الخلق فعوتب ، سيدنا سليمان رجح جانب العمل الصالح على القرب من الله فعوتب ، فكل نبي نموذج ، نحن في حاجة أن ندرس طبيعة هذا النبي الكريم ، و ما الذي تفوق فيه ، ومن الذي عوتب من أجله ، لتكون هؤلاء الكوكبة من أعلام أهل الأرض منهجاً للبشرية ، طبعاً نحن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يمنع مثلاً أن تقرأ قصة سيدنا يونس حينما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت .
 
﴿ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ .
( سورة الأنبياء ) .
درس بليغ ، ويعطي هذا الدرس ثقة بنصر الله لا حدود له ، ممكن لإنسان مؤمن وهو بريء مئة بالمئة أن يدخل السجن لحكمة أرادها الله ، فإذا قرأ في القرآن أن نبياً كريماً عند الله دخل السجن ، هذه القصة تعطيه طمأنينة لا حدود لها ، لأن السجن قد يدخله إنسان بريء ، وقد دخله نبي كريم ، الحديث طويل ، كل نبي بماذا تفوق ؟ نبي كان وسيماً جداً ، سيدنا يوسف ، وكان أعزب ، وكان بعيداً عن أهله ، وكان في قصر العزيز ، وراودته امرأة العزيز ، وهي سيدته ، وليس لصالحها أن يعلم أحد بهذا ، وهو غريب ، وشاب ، ووسيم ، وعبد ، ومأمور ، عدّ علماء التفسير أكثر من عشر استثناءات تدعوه إلى أن يقترف الفاحشة ، ومع ذلك قال :
 
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) ﴾ .
( سورة يوسف ) .
 
 النبي يسعى بكل ما أتاه الله عز وجل لترسيخ الحق دائماً :
 
الشباب جميعاً من قدوتهم الحقيقي ؟ سيدنا يوسف ، وأصحاب الصناعات من قدوتهم؟ سيدنا داود ، وحينما يشتد الهول ويحتد الخطب ويهدد المؤمنون يأتي قول سيدنا هود :
 
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾ .
( سورة هود ) .
سيدنا إبراهيم كان فتىً ، ومن فتوته كان حريصاً على التوحيد وكسر الأصنام ليعلّم هؤلاء الوثنيين درساً لا ينسى ، قال :
 
﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ﴾ .
( سورة الأنبياء ) .
تجد النبي يسعى بكل ما أتاه الله عز وجل لترسيخ الحق دائماً .
أنا أتمنى أنك إذا قرأت قصص الأنبياء والمرسلين أن تجعل من كل نبي قدوة لك ، هذا في جهاده ، هذا في صبره ، هذا في صبره على بلاء الله عز وجل كسيدنا أيوب ، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كمالات الأنبياء جميعاً في شخصه ، فقال الله عز وجل :
 
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾ .
( سورة القلم ) .
 
 الله عز وجل منح الإنسان نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد :
 
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ﴾ ، أحياناً هناك شيء غير واضح في الشرع ، فيأتي إنسان لا يطبق هذا الحكم الشرعي حتى يفهم ما الحكمة ، إذاً هو لا يعبد الله ، يعبد ذاته ، فالأمر إذا لم يفهمه لا يطبقه ، القضية سهلة جداً ، قد تأتمر بأمر عدو له لصالحك ، لو لك عدو قال لك : ابتعد عن الملح الزائد ، مثلاً ، فهو يرفع الضغط ، والضغط هو القاتل الصامت ، وأنت على وعي صحي ، فتقنع بهذه النصيحة ، فتبتعد عن الملح ، فأن تطيع الشيء لوضوح حكمته ، قضية سهلة جداً ، لا تكلف إطلاقاً ، ولكن أن يقال لإنسان له ابن كالبدر ، وهو نبي مثله : اذبحه ، هذا الأمر لا يقبل لا على مستوى خلقي ، ولا مستوى على تشريعي ، ولا على أي مستوى ، غير معقول .
 
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾ .
وقال :
 
﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ (102)﴾ .
( سورة الصافات : 102 ) .
الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، تجده في قضية من الدين يقول : ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ، مأخذ ، ترك الدين من أجل كلمة واضربوهن ، فهمت تفسيرها ؟ فهمت أبعادها ؟ فهمت حكمتها ؟ أو المرتد يُقتَل ، من قال لك: يُقتَل ؟ يُستتاب ، فتجد شخصاً همه أن يبحث عن المآخذ في هذا الدين ويجعل هذه المآخذ مبرراً للانصراف عن الدين ، وكل مأخذ تتوهمه مأخذاً هو له كمال ما بعده كمال ، الآن المرأة يؤلمها ألماً شديداً أن تكون شهادتها نصف شهادة الرجل ، وقد غاب عنها أن المسلمين في شتى أقطارهم يعدون مليار وأربعمئة مليون ، لو أنهم متوحدون في عباداتهم ، يمكن لامرأة واحدة بشهادتها الوحيدة أن تدخل مليار وأربعمئة مليون مسلم في ثاني أكبر عبادة بشهادتها وحدها وهي الصوم .
 
  بعض أساليب تشويه الدين :
 
رجل يملك مليارات ، وأنجب طفلاً ، ومات ، فإذا صرخ قبل أن يموت فهناك مسألة في المواريث ، وإذا لم يصرخ فهناك مسألة أخرى ، وقد يكون الفرق في مئتي مليون ، من هي المرأة التي تشهد وحدها أنه صرخ أم لم يصرخ ؟ القابلة فقط ، يخفون هذا الشأن الكبير للمرأة ، كل قضايا النساء المرأة وحدها تشهد ، وحدها ، بينما في كل قضايا الرجال الحكم الشرعي يحتاج إلى شاهدين ، أما المرأة فتشهد وحدها ، وشهادتها مضاعفة ، أما إذا اتهمت في شرفها فشهادتها بأربع شهادات ، انظر إلى النقاط الإيجابية ، لا يعرفون من الدين إلا أن المرأة شهادتها بنصف شهادة ، في أي موضوع ، في جريمة جنسية ، في علاقة مالية معقدة جداً ، هي اهتماماتها عاطفية ، اهتماماتها بعيدة عن الجرائم ، وعن قضايا المال ، والصرف ، والأسعار ، فلذلك الله في شأن لا يعنيها ، وفي شأن هي بعيدة عنه ، وفي شأن هي فوقه أعفاها من تكون وحدها مسؤولة ، عندما تقول المرأة : عندنا كلمتان ، شهادتها نصف شهادة ، واضربوهن ، تقول : إقامة شرع الله ، هذا الشرع الذي فيه مليار قضية لا نفهم منه إلا قطع اليد فقط ، النكير الغربي يشوه الدين ، إذا تكلم شخص كلمة : أنني أريد أن أطبق شرع الله ، لا يقفز إلى الذهن إلا قطع اليد ، أريد أن أعالج وضع المرأة في الإسلام ، لا يقفز إلا الذهن إلا أن شهادتها نصف شهادة .
 
﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (282) ﴾ .
( سورة البقرة الآية : 282 ) .
هناك كيد ، أما أنت حينما تفهم دينك فهماً عميقاً قضية الأسر فرضاً ، أو العبودية ، اسمع الحق ، أنت صاحب رسالة من السماء ،  أنت المسلم .
 
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  (143) ﴾ .
( سورة البقرة الآية : 143 ) .
يجب أن تنتشر هذه الرسالة ، الآن دول قوية ثقافتها تفرضها على كل الشعوب وبالقوة ، أليس كذلك ؟ ثقافة القطب الواحد ألا تفرض على كل الشعوب بالقوة وبالضحايا ، وهي من عندهم وليست من السماء ، فكيف إذا كان معك وحي السماء ؟!!
 
نستطيع أن نأخذ من كل نبي شيئاً عظيماً يعيننا على مواجهة الحياة :
 
الله عز وجل أمرك أن تنشر هذا الدين ، كيف ؟ أن تعرضه على الطرف الآخر ، فإن قبلوه فهم منا ونحن منهم ، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإن رفضوه نتعايش معهم ، نعفيهم من أن يخوضوا حروبنا ، ونأخذ البدل النقدي منهم فقط ، نحمي لهم أهلهم وأولادهم وأموالهم ، فإن رفضوا إلا أن يقاتلوا ، نحن نحرص على أن نأسرهم لا أن نقاتلهم ، لا يوجد في الإسلام شيء اسمه إبادة ، كان الصحابة الكرام يطعمون أسراهم أطيب الطعام ، ويأكلون أردأه ، وقد خلع النبي قميصه وألبسه لأسير ، الإنسان الأسير حينما تكرمه ، تطعمه ، تطمئنه ، تبالغ في إكرامه ، ينبغي أن يحبك ، وأن يسلم ، قال :
 
﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإخوانكُمْ فِي الدِّينِ (11) ﴾ .
( سورة التوبة الآية : 11 ) .
هذه القصة كلها ، يصبح رقّاً وعبودية وسوق نخاسة ، فالكيد على الإسلام كبير جداً.
والله أيها الأخوة ، ما دام هذا الإسلام منهج الله عز وجل فكمال هذا الدين مطلق ، ولكن يتعرض الإسلام إلى تشويهات ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا سيما في هذه الأيام ، المسلم متهم سلفاً ما لم تثبت براءته ، ولن تثبت ، ولو ثبتت لا يقر بذلك ، أي حدث عنيف في الأرض فاعله مسلم . تقرأ قصة إبراهيم في طواعيته لله ، في ثقته بالله ، في عبوديته لله ، ولو لم يفهم الحكم ، تقرأ قصة يوسف ، قصة نوح عاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، الآن إذا دعا إنسان إلى الله ولم يجد من يستمع إليه يقول لك : هذا العمل لا جدوى منه ، يترك فوراً ، أو إذا سئل سؤالاً معيناً من جهات معينة يلغي الدرس كله ، يقول لك : لا أريد أن أوجع رأسي ، أين سيدنا نوح ؟
 
﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً (14) ﴾ .
( سورة العنكبوت الآية : 14 ) .
ممكن أن تأخذ من كل نبي شيئاً عظيماً يعنيك على مواجهة الحياة .
 
 يجب على الداعية أن يفكر أن يكون له خلفاء لتستمر الدعوة :
 
هؤلاء الأنبياء : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ ﴾ ، سيدنا هارون كان فصيحاً ، وسيدنا موسى كان عنده حبسة :
 
﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) ﴾ .
( سورة طه ) .
من هو الرسول ؟ سيدنا موسى ، معنى ذلك ما كل فصيح له مقام عند الله كبير  ، نحن أحياناً نتوهم أن كل إنسان فصيح له مكان كبير ، ما هذه الخطبة يا أخي ‍؟ العبرة بفصاحة القلب ، العبرة بتقوى القلب ، العبرة بطهارة النفس ، فسيدنا هارون كان نبيّاً ، لكن من هو الرسول ؟ الذي معه حبسة ، أي سيدنا موسى عليه السلام :
 
﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) ﴾ .
( سورة طه ) .
وزكريا :
 
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) ﴾ .
( سورة مريم ) .
يفكر الداعية أن يكون له خلفاء ، أن تكون الدعوة مستمرة ، لمَ الأضواء كلها مسلطة على شخصه فإذا مات انتهت الدعوة ، مادام هو حيّاً فهو بأعلى درجة من التكريم ، لكنه ما فكر أبداً أن تستمر هذه الدعوة من بعده ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، لذلك بقدر إخلاصك تهيئ من يخلفك في هذه الدعوة .
 
 كل نبي فيه شيء براق في حياته ينبغي أن يكون منهجاً لنا :
 
كل نبي فيه شيء براق في حياته ينبغي أن يكون منهجاً لنا ، أحيانا تجد كبار العلماء ماتوا دون الخمسين ، سيدنا الشافعي مات دون الخمسين ، النووي مات دون الخمسين وترك آثاراً لا يعلم خيراتها إلا الله ، ترك مؤلفات لا يعلم آثارها إلا الله ، العمر الزمني أتفه عمر .
أنا أذكر بعض الخواطر حول هؤلاء الأنبياء ، كل نبي فيه شيء صارخ ، يمكن أن يكون منهجاً لنا في حياتنا . ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ ﴾ . يونس :
 
﴿ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (87) ﴾ .
( سورة الأنبياء الآية : 87 ) .
سيدنا يونس غلب عليه أن قومه لن يهتدوا بدعوته ، فالله أجرى له درساً بليغاً نتعلمه نحن أيضاً ، ﴿ وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ .
 
﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ﴾ .
ألا تتأثر بقوله تعالى :
 
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
( سورة الطور الآية : 21 ) .
لو أن إنساناً أنجب أولاداً واعتنى بإيمانهم حتى بلغوا مرتبة عالية ، قد يأتي من ذريتهم ملايين مملينة يوم القيامة ، كل هؤلاء الملايين في صحيفة الأب الذي علم ابنه ، لذلك:
(( أفضل كسب الرجل ولده )) .
[ رواه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ] .
 
 التمييز يوم القيامة :
 
الآن لا يملك المسلمون إلا أولادهم ، لا يملكون شيئاً ، والورقة الرابحة الوحيدة في أيديهم أولادهم ، لذلك كل إنسان يجب أن يبذل قصارى إمكاناته كي يكون ابنه مؤمناً ينفع الناس من بعده ، حتى سيدنا عمر يقول : " أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا رجاء ولد ينفع الناس من بعدي " .
﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فإذا هدى الله عز وجل الواحد إلى صراط مستقيم ، فحركته في الحياة وفق منهج الله ، يعرف الحلال والحرام ، يأخذ ما له ويدع ما ليس له ، يضبط لسانه ، يضبط عينيه ، يضبط يده ، يضبط مجلسه ، يضبط أسرته ، يضبط دخله ، يضبط إنفاقه ، هذه نعمة لا تعدلها نعمة .
أيها الأخوة ، لكن نحن الآن في العالم الدراسي الشعبة فيها ستون طالباً ، الكسول والمتفوق لهما اللباس المدرسي نفسه ، لا يرى بالعين من هو المتفوق ، أما عند الامتحان فيكرم المرء أو يهان ، ضمن العام الدراسي الأمور غير واضحة ، لكن بعد الامتحان فلان ناجح بامتياز ، فلان جيد جداً ، جيد ، مقبول ، راسب ، وهناك راسب باستحقاق ، وآخذ الصفر وراسب بجدارة . فالتمييز يوم القيامة .
 
﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) ﴾ .
بعد هذا :
 
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) ﴾ .
( سورة يس ) .
ابتعدوا عنهم ، ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ ، فأنت عندما تقرأ القرآن يجب أن تتغلغل هذه المعاني إلى أعماقك ، الآن قد تجد مؤمناً ضعيفاً موظفاً بيته ستون متراً ، دخله أقل من حاجته بكثير ، لا أحد يأبه له ، ولكن له وزن عند الله كجبل أحد ، لأن النبي الكريم مرة دخل أحد الصحابة الفقراء ، قام وهش له وبش ، وقال : أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل ، قال : أو مثلي ؟ قال : نعم يا أخي ، أنت ، خامل في الأرض علم في السماء .
 
من كان مؤمناً و مستقيماً فلا ينبغي له أن يذلّ نفسه :
 
أنت لا تهتم لمرتبتك الاجتماعية ، قد تكون حاجباً ، قد تكون موظفاً من الدرجة الخامسة ، ضارب آلة كاتبة على الوارد والصادر ، لكنك مؤمن ، ومستقيم ، وتحب الله ورسوله ، وبيتك إسلامي ، ودخلك حلال ، ما أكلت حراماً أبداً ، قلامة ظفرك تساوي مليون إنسان يعصي الله ، فأنا أحب إذا كنت مؤمناً ومستقيماً أن تعرف من أنت ، لا تكن هيناً على الناس ، اعرف قدر نفسك ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه :
(( اطلبوا الحوائج بعزِة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير )) .
[ رواه تمام وابن عساكر عن عبد الله بن يسر ] .
 
﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) ﴾ .
من يشاء الهداية من عباده يهديه الله عز وجل ، هذا المعنى الدقيق ، ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾ ، مبذول ، ﴿ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، لا تكن جبرياً ، لا تفهمها فهماً ما أراده الله ، حتى يشاء الله أن أهتدي ، الله هداك وانتهى ، مثل الإذاعة تبث ، ومعك جهاز استقبال ، عندما يخطر في بالك تستقبل الإذاعة ، جاهزة ، تكلفك حركة صغيرة ، أخي حتى يبثوا ، البث مستمر ، ما عليك إلا أن تلتقط هذا البث ، الله هداك ، وانتهى الأمر ، نصب لك الكون كله يدل على عظمته ، أرسل له رسلاً ، بعث أنبياء ، أنزل كتباً ، كل أفعاله تدل عليه ، أخي حتى يهديني الله ، سيأتيك وحي حتى يهديك الله ؟ الله هداك ، وانتهى الأمر ، بقي أن تستقبل هذا الهدى ، بقي أن تأتمر بما أمر .
 
 دين الله دين توحيد :
 
أخواننا الكرام ، مرة ثانية ، في هذه الآية عدد كبير من الأنبياء ، لكن أنبياء الله عز وجل لم يُذكروا جميعاً في القرآن الكريم .
 
﴿ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (78)﴾ .
( سورة غافر الآية : 78 ) .
قد تستمعون إلى بعض الصالحين في بلاد بعيدة كانوا أنبياء ، لكن بعض الأتباع ألهوهم بعد موتهم ، على كلٍ الأنبياء الذين ذكروا في القرآن الكريم هذه آية فيها عدد كبير منهم ، والعبرة أن تقرأ قصة كل نبي ، وأن تستنبط منها درساً في حياتك يعينك على متابعة الطريق إلى الله عز وجل ، ﴿ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخوانهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، لأن دين الله دين توحيد ، الأمر بيد الله وحده ، يد الله تعمل وحدها .
وفي درس قادم نتابع الآيات إن شاء الله .
والحمد لله رب العالمين

 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب