سورة المائدة 005 - الدرس (34): تفسير الآيات (070 - 071) المواثيق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (34): تفسير الآيات (070 - 071) المواثيق

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج براهين:  براهين - 07 - أسباب الالحاد           برنامج الصحة النفسية:  الصحة النفسية - 07 - التوجيهي - 21 - 04 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 250- اسم الله الإله 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - قطرة ماء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0269 - سورة الاعراف 095 - 102           برنامج على رواء: على رواء ح 96 - 20 - 04 - 2019 - دور الفرد في الحياة         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (070 - 071) - المواثيق

21/03/2011 05:40:00

سورة المائدة (005)
الدرس (34)
تفسير الآيآت: (70 – 71)
المواثيق
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
الحمد لله رب العالمين
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
كلمة (ميثاق) لها معانٍ كثيرة في القرآن الكريم :
 
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس سورة المائدة، ومع الآية السبعين، وهي قوله تعالى:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
ما هو الميثاق؟ الحقيقة أن هذه الكلمة لها معانٍ كثيرة في القرآن الكريم، أحد المواثيق أن الله سبحانه وتعالى منحك عقلاً تتعرف به إلى الله، أحد المواثيق أنه منحك فطرة متوافقة مع منهج الله، فلو خرجت عن منهج الله عذبتك نفسك، هذه الفطرة، أحد هذه المواثيق يوم كنا في عالم الأزل في ظهر أبينا آدم أخذ منا الميثاق، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾
[ سورة الأعراف: 172]
أحد هذه المواثيق أن الله سبحانه وتعالى أخذ من الأنبياء ميثاقاً غليظاً أن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام.
 
تعريف الميثاق :
 
الميثاق أيها الأخوة، هو العهد المؤكد الموثق الذي يقتضي الوفاء الشديد، فميثاق الأزل: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾، لذلك الله عز وجل جعل أول آية في القرآن الكريم:
 
﴿ اقْرَأْ ﴾
[ سورة العلق: 1]
أي تعلم.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
[ سورة العلق: 1]
القراءة من أجل أن تؤمن بالله.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
[ سورة العلق: 1-3]
ينبغي أن تقرأ قراءة إيمان، وينبغي أن تقرأ قراءة شكر وعرفان.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
[ سورة العلق: 1-5]
 
هناك مواثيق لا تعد ولا تحصى لكن يقع في مقدمتها ميثاق عالم الأزل :
 
هذه قراءة الوحي، ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾، الوحي أخبرنا أن الله خلق السماوات والأرض، وأن الإنسان خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، وأن الإنسان في الدنيا مخير وأن كل شيء بقضاء من الله وقدر، هذا كله أخبرنا به الوحي، فصار هناك قراءة إيمان، وقراءة شكر وعرفان، وقراءة وحي وإذعان، لكنك إذا طلبت العلم من أجل العدوان والطغيان هذا شيء آخر.
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[سورة العلق: 6-7 ]
حينما يقوى الإنسان يتعلم ليحكم سيطرته على العالم، يتعلم لينهب ثروات العالم، يتعلم ليبني مجده على أنقاض شعوب الأرض، فصار عندنا علم إيمان، وعلم شكر وعرفان، وعلم وحي وإذعان، وعلم عدوان وطغيان، فالله عز وجل أخذ منا ميثاقاً غليظاً في عالم الأزل أننا إذا جئنا إلى الدنيا ينبغي أن نؤمن بربنا، ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾، هناك من وفى بهذا الميثاق هم الأنبياء، هناك من وفى وقصر هم المؤمنون، هناك من خان وغدر هم الكفار والمشركون، هذا ميثاق عالم الأزل، ميثاق العقل، العقل ميثاق، أعطاك جهازاً كافيّاً كي تعرف الله، ميثاق الفطرة، جبلك على فطرة تكشف الخطأ وحدك، ينبغي أن توفي حق العقل وتؤمن، وينبغي أن توفي حق الفطرة وتستقيم، وينبغي أن توفي حق الأزل فتعترف بالله رباً وخالقاً ومسيراً، وهناك مواثيق كثيرة جداً.
القرآن ميثاق، أركان الإيمان مواثيق؛ ينبغي أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين.
 
أي أمر في القرآن الكريم هو ميثاق بينك وبين الله :
 
ميثاق الإسلام: الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والنطق بالشهادة، هذه مواثيق الإسلام. أمرك أن تغض البصر، أمرك أن تكون صادقاً، أمرك أن تكون أميناً، أمرك أن تكون عفيفاً، الحقيقة أن هناك مواثيق لا تعد ولا تحصى، لكن يقع في مقدمتها ميثاق عالم الأزل، ويقع حكماً ميثاق العقل، وميثاق الفطرة، ثم ميثاق الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، ميثاق أركان الإسلام، وأي أمر في القرآن الكريم هو ميثاق بينك وبين الله، بدليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[سورة التحريم: 8 ]
﴿ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
[سورة الأنعام: 72 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[سورة المائدة: 1 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾
[سورة المائدة: 105 ]
فأيّ آية تخاطَب بها: يا أيها المؤمن، هي ميثاق من الله عز وجل، وهناك ميثاق يأتي بسياق هذه الآيات ميثاق بني إسرائيل:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
 
معنى الهوى :
 
الآن الهوى ما هو الهوى؟ الهوى هو الميل، أنا أهوى الرياضة أميل إليها، أهوى الرسم أحب أن أرسم، أهوى التنزه في الفلوات، الهوى هو الميل في الأصل، لكن الهوى من أين يأتي؟ من المعرفة، إنك إن عرفت الله عز وجل ملت إليه، لأنه من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه، فلذلك هذا الهوى إما أن يكون هوى مرتبط بالآخرة، مرتبط بالله عز وجل، مرتبط بسعادة الآخرة، وإما أن يكون غريزة حسية، يهوى الطعام، يهوى النساء، يهوى تجميع الأموال، يهوى العلو في الأرض فالهوى هو الميل، الهوى متعلق بالرؤيا والعلم.
إنسان يركب دراجة ويمشي في الطريق، وصل إلى مفترق طرق، طريق نازل، وطريق صاعد، كونه يركب دراجة هواه مع النزول، ركوب الدراجة في النزول ليس هنالك جهد إطلاقاً، الطريق معبد، ومحفوف بالأزهار والرياحين والأشجار والظلال، والنسيم عليل، وركوب الدراجة يحتاج إلى جهد في الصعود، فهواه المادي الجبلي أن ينزل، الطريق الصاعد وعر، فيه غبار، وفيه منزلقات، وفيه صخور، وفيه جهد كبير جداً، متى يهوى هذا الإنسان الصعود؟ بحسب بنيته وواقعه، وكونه راكب دراجة، والطريق الهابط جميل، يجب أن يهوى الهبوط، إذا رأى لوحة كتب عليها هذه الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف هو ملك لمن يصل إليها، وهذه الطريق الهابطة تنتهي بحفرة عميقة ما لها من قرار فيها وحوش كاسرة. هذا البيان يعكس الهوى، فإما أن تهوى الشهوة العاجلة بسبب الجهل، وإما أن تهوى الجنة وما فيها من نعيم مقيم بسبب العلم، لذلك العلماء قالوا: هناك حب عقلي، وهناك حب عاطفي.
الواحد ـ لا سمح الله ولا قدر ـ معه ضيق بشرايين القلب، وكان في سهرة، ووضعوا طعاماً نفيساً جداً، قشدة، وحلويات نفيسة جداً، لكن هذا الطعام يميته، هو يحب هذا الطعام، يحبه بحسب طبعه، لكنه يكرهه بحسب مصلحته. العلماء فرقوا بين حب حقيقي وحب عقلي، بين حب مادي، وحب عقلي، فالمؤمن يحب الله، يحب الدار الآخرة، يحب الائتمار بأمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه، يحب بيوت الله، يحب المساجد، يحب تلاوة القرآن، يحب الأعمال الصالحة، يحب حفظ القرآن، لأن هذا يحقق له الجنة وما فيها من نعيم مقيم، يكاد يكون الحب عقلي، لكن الشهوات بين يديه.
(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ،...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
[ أحمد عن ابن عبَّاس]
يكفي أن تطلق بصرك في الحرام، وأن تأكل ما تشاء، وأن تلتقي مع من تشاء، وأن تفعل ما تشاء، من دون قيد ولا شرط، ولا وازع ولا رادع، ولا قاعدة ولا قيمة، ولا حرام ولا حلال:
(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ،...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
[ أحمد عن ابن عبَّاس]
 
الله تعالى أودع فينا الشهواتلكن هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان حيادية :
 
أيها الأخوة، الآية الكريمة:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا ﴾
رسلاً تترى:
﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ ﴾
لا بد من وقفة متأنية، الله عز وجل أودع فينا الشهوات، كل بني آدم يحب النساء، يحب المال، الدليل:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14]
إذاً أي إنسان على وجه الأرض في ستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس ما منهم واحد إلا ويحب النساء، ويحب المال، ويحب بيتاً فخماً، ومزرعة فارهة، ومالاً وفيراً، هذا متاع الدنيا: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾، لكن هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان حيادية، أودع فيك حب الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الفرد، لكن الطعام والشراب إذا تحول إلى سم قاتل فأنت بهذا تعصي الله عز وجل، إذا أكلت بالاعتدال، فالطعام قوام حياتك، أما إذا أكلت بنهم، أدخلت الطعام على الطعام، وكان همُّ الإنسان الأول بطنه عندئذٍ انقلب الطعام إلى سم قاتل.
 
أية شهوة أودعها الله في الإنسان هي سلم ترقى بها أو دركات تهوي بها :
 
أودع فيك حب المرأة كي يبقى النوع، إذا كان حب المرأة سبباً لهلاك النوع  الذي يجري أحياناً من حروب، ومن مآسي، ومن اجتياحات سببه الشهوات، الشهوات تحتاج إلى أموال، من أجل أن تعيش كما تريد كالنمط الغربي تحتاج إلى بيوت فخمة، وإلى مركبات، وإلى دخل كبير، وإلى عشيقات، هذا يحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى عدوان، فإما أن تحب المرأة وفق منهج الله فتتزوج، وإما أن تحب المرأة بخلاف منهج الله فيكون حب المرأة سبباً لهلاك الإنسان، أي أن هذه الشهوات حيادية، إما أنها سلم نرقى به، أو دركات نهوي بها، لأنك مخير فكل الشهوات التي أودعها الله فيك حيادية، إما أن تكون قوة للآخرة أو قوة إلى دركات النار، لذلك:
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن* كَلَّا  ﴾
[ سورة الفجر: 15-16 ]
﴿كَلَّا ﴾، الله عز وجل يقول: ﴿كَلَّا ﴾، الله عز وجل يقول: ﴿كَلَّا ﴾، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
أي بشكل مختصر هل المال نعمة؟ الجواب: نعم ولا، إذا أنفق في طاعة الله فهو نعمة، أما إذا أنفق في المعاصي والآثام فهو نقمة، هل المرأة نعمة أم نقمة؟ هي نعمة ونقمة، إذا اتقيت الله فيها، أحسنت اختيارها، اخترت ذات الدين، أنجبت منها أولاداً صالحين كانت نعمة، وأيّ نعمة، بل إن بعض المفسرين حينما فسر قوله تعالى:
﴿ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾
[سورة البقرة: 201]
المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك، كلام دقيق جداً، أية شهوة أودعها الله في الإنسان سلم ترقى بها إلى رب السماوات والأرض، أو دركات تهوي بها أسفل السافلين.
 
الشهوة التي أودعها الله في الإنسان لها زاوية محددة :
 
إذاً الشهوة حيادية، فمن الممكن أن تتحرك بالشهوة مئة وثمانين درجة، لكن في الشرع الإسلامي مسموح لك بسبعين درجة، المرأة عند المؤمن زوجة، أو أم، أو بنت، أو أخت، أو عمة، أو خالة، أو بنت أخ، أو بنت أخت، هذه المحارم اللواتي يمكن أن ألتقي بهن، وأن أجلس معهن بثياب محتشمة، لا قيد ولا شرط بين الزوجين، أما المحارم فلا بد من الاحتشام، فهذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان لها زاوية محددة.
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
 [سورة المؤمنون: 5-7]
أودع فيك حب المال، إذا كسبته من طريق مشروعة، وأنفقته في الطرق المشروعة ارتقيت به وكان نعمة وأيّ نعمة، أما إذا اكتسبته من طرق غير مشروعة، وأنفقته في طرق غير مشروعة كان نقمة وأيّ نقمة، إذاً الهوى هو الميل، إما أن يكون الهوى راقياً جداً يسمو بك إلى الله، وإما أن يكون هوى حسيّاً ماديّاً يهوي بالإنسان إلى دركات النار، الهوى متعلق بالعلم، أنت حينما تقرأ هذه اللوحة تتجه في الطريق الصاعدة، أما إن لم تقرأ هذه اللوحة فأمامك طريقان، واحد هابط، والثاني صاعد، وراكب الدراجة يهوى الطريق الهابط، إذاً:
﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
 
تكذيب اليهود لأنبيائهم :
 
أيها الأخوة، هؤلاء اليهود كانوا يكذبون أنبياءهم، وتكذيب رسول معه معجزة أرسله الله رحمة لهؤلاء القوم لينقلهم من الظلمات إلى النور، من وحول الشهوات إلى جنات القربات، من الجهل إلى العلم، من الشقاء إلى السعادة، يكذبونه؟ فما بالكم إذا قتلوه، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
يقتلون جاءت بصيغة المضارع، لأن صورة القتل ينبغي ألا تبرح الأذهان، جريمة بشعة جداً، أن الله بعث لك نبياً ليهديك إليه، ليسعدك في الدنيا والآخرة، لتكون من سعداء الدارين، بدل أن تصدقه، وأن تنصره، وأن تعززه، وأن تدعمه، وأن تكون جندياً معه، تكذبه ثم تقتله؟!
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
 
تعدد المواثيق :
 
ذكرت قبل قليل أن المواثيق كثيرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام بايعه الأنصار بيعات ثلاثاً، الأولى، والثانية، والثالثة، نقف عند الثالثة، النبي عليه الصلاة والسلام قال للأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فقال البراء بن معروف: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، وأهل الحلقة، وتكلم أبو الهيثم، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال ـ أي اليهود ـ حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا كذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال:
 (( بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الهَدْمُـ أنا منكم وأنتم مني ـ  أُحارِبُ مَنْ حارَبْتُمْ، وأُسالِمُ منْ سالَمْتُمْ ))
[أحمد عن كعب بن مالك]
وبسط يده عليه الصلاة والسلام فبايعوه، فكانت بيعة العقبة ميثاقاً لأهل البيعة بالجنة إن أوفوا بما عاهدوا الله عليه، هذا ميثاق، عقد الزواج ميثاق.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
[ سورة النساء: 21]
عقد العمل ميثاق، لا تخون صاحب الشركة، عقد الزواج ميثاق، عقد بيع ميثاق، لا تبع على بيع أخيك، أي أمر إلهي في المعاملات ميثاق من الله يؤكده:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[سورة التحريم: 8 ]
افعل كذا، ولا تفعل كذا، مواثيق كثيرة جداً، ميثاق الاعتراف بالربوبية، هذا ميثاق عالم الأزل، منحك الله عقلاً يكفي أن تعرف الله من خلاله، هذا ميثاق العقل، ميثاق الفطرة، منحك فطرة تكشف بها خطأك، ميثاق الإيمان بالرسل، أن تؤمن بهم، وأن تنصرهم، وأن تدعو بدعوتهم، وأن تكون جندياً معهم، هذا مثال أيضاً.
 
المعرفة هي التي تحدد نوع الهوى :
 
أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:
 (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ))
[البيهقي عن الحسن وابن سيرين ]
هواك أنت كونك مؤمناً وفق منهج الله، لا ينبغي أن يكون هواك في وادٍ، والدين في واد آخر:
((... حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ))
[البيهقي عن الحسن وابن سيرين ]
لذلك الصحابة الكرام كانوا يفرحون لما نزل إليهم من الحق، يفرح بما نزل إليه.
كملخص: الهوى هو الميل، يمكن أن يكون الهوى سامياً يرقى بك إلى الله، وإلى الجنة، وإلى نعيم مقيم، ويمكن أن يكون الهوى متدنياً يهوي بالإنسان إلى دركات النار، ما الذي يحدد نوع الهوى؟ أهو هوى سامٍ أم هوى منحط؟ المعرفة، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه.
وضعنا أمام إنسان إناء كبيراً من أرخص أنواع البلّور، ثمنه عشر ليرات، ووضعنا إلى الجانب كأس كريستال ثمنه ألف ليرة، و وضعنا ماسة موجودة باسطنبول ثمنها يقدر بمئة وخمسين مليون دولار، وقلنا له: اختر، فالجاهل يأخذ أكبر قطعة، التي ثمنها عشر ليرات، لأنه جاهل، لو علم أن هذه الماسة ثمنها يقدر بمئة وخمسين مليون دولار لاختارها، مع أنها صغيرة بحجم البيضة، ما الذي حملك على أن تختار هذه القطعة الثمينة جداً؟ المعرفة.
لذلك إذا عرفت الله اخترته، إذا عرفت الله طلبت رضاه، إذا عرفت الله خفت من وعيده، إذا عرفت الله طمعت في جنته، إذا عرفت الله أسعدك القرب منه، وإذا ما عرفته، فتاة بغي تسوقك إلى النار وأنت لا تشعر، هلاك الناس الآن بالنساء، بالمال الحرام، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، أما المؤمن:
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية لابن هشام]
هذا الثبات على المبدأ، لذلك قال تعالى:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب: 23]
عاهدنا رسول الله على السمع والطاعة، في المكره والمنشط، في الغنى والفقر، في إقبال الدنيا وإدبارها، المؤمن أخذ قراراً مصيريّاً، وهناك من يعبد الله على حرف، إن أقبلت عليه الدنيا شكر الله، وإن أدبرت أعرض عن الله عز وجل.
 
كلما وفَّى الإنسان بما عاهد الله عليه كان عند الله مقرباً :
 
أيها الأخوة الكرام، أردت أن أقف وقفة متأنية عند موضوع الميثاق، أنت مرتبط مع الله بآلاف المواثيق، والمواثيق مع خالق الأكوان، الميثاق ليس مع واحد من بني البشر، مع خالق البشر، فكلما وفيت بما عاهدت الله عليه كنت عند الله مقرباً، لذلك ألا تهز مشاعرك هذه الآية؟
﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[سورة النجم: 37]
وفَّى كل مواثيقه، ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾، ألا تنزعج من أن تنطبق عليك هذه الآية؟
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 102]
لا تكن مع الأكثرية الفاسقة كن مع القلة التي وفت بما عاهدت عليه الله عز وجل.
 
النبي لا ينطق عن الهوى وما من شيء يرقى بالإنسان كأن ينطق بالحق :
 
الآن مقام النبوة أنه:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[ سورة النجم: 3-4 ]
أحياناً ينطق الإنسان عن الهوى، أي ينطق بحسب مصلحته، يقيم الشيء تبعاً لمصلحته، يمدحه أحياناً، ويذمه أحياناً أخرى، لكن المؤمن ينطق بالحق، بينما النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى[، إطلاقاً، ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾، أروي طرفة، مرة أردت أن أشتري ستائر، دُللت على إنسان تاجر في أحد أسواق دمشق، فقبل أن أختار أحد أنواع القماش تكلم بمحاضرة، قال لي: الستارة كلما كانت عريضة أكثر، ثم انثنت على بعضها كانت أجمل، والله كلام طيب، قال لي: ضع دائماً ضعف عرض الغرفة زائد متر، قاعدة، عندك جدار أربعة أمتار لا بد من ثمانية أمتار زائد متر أي تسعة أمتار، قلت له: غرفتي بالبيت ثلاثة أمتار، قال لي: جيد إذاً نريد سبعة أمتار، اخترت ثوباً، قاسَ عوض السبعة أمتار خمسة أمتار، وأنا أعجبني هذا الثوب، قال لي: يا أستاذ، المطرز على الفرد يكون أجمل، معنى ذلك نطق عن الهوى.
ثلاثة أرباع كلام الناس ينطق عن الهوى، تقول له: انصحني، فينصحك بالبضاعة الكاسدة التي عنده، إذا كان وكيل شركة يمدحها مدحاً غير طبيعي، إذا سحبوا منه الوكالة يذمها في اليوم الثاني، يقول لك: هذه سيئة جداً، تسعون بالمئة من كلام الناس ينطقون عن الهوى، عن مصالحهم، وهذا يحدث في الخطبة أحياناً، يخطب إنسان من بيت يصبح ملاكاً، تقياً، نقياً، ورعاً، فهيماً، ذكياً، تحدث مشكلة، يترك الخطبة، يصبح سيئاً، مريضاً، يصاب بالصرع، يتكلمون عنه كلمات منها الصحيح ومنها ما هو غير صحيح، معظم الناس ينطقون عن الهوى، لكن المؤمن ينطق بالحق، لكنه غير معصوم، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، يتكلم الحقيقة، وما من شيء يرقى بالإنسان كأن ينطق بالحق، لذلك ببعض الأحاديث:
 (( أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى ))
[القرطبي في تفسيره عن أبي هريرة]
 
الناس تحت سيف المصيبة يلجؤون إلى اللهلكن في الرخاء شاردون عن الله :
 
معظم الناس في المصيبة يلجؤون إلى الله، لكن في الرخاء شاردون عن الله، حدثني أخ من اسطنبول قال لي: والله عقب الزلزال الذي أصاب اسطنبول لم نجد مكاناً بالجوامع ولا بالصحن، الصلوات الخمس، بعدما غاب الزلزال سنة لم نجد صفين بالجوامع، الناس تحت سيف المصيبة يلجؤون إلى الله.
(( أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً ))
[القرطبي في تفسيره عن أبي هريرة]
﴿ وَحَسِبُوا ﴾
اليهود:
﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾
أي كذبوا الأنبياء، هم أبناء الله وأحباؤه.
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ﴾
[سورة البقرة: 80]
وقالوا:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[سورة المائدة: 18]
إذاً لو أنهم قتلوا الأنبياء فالقضية بسيطة جداً، الآن مثل الغربيين:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر      وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
*   *   *
 
المسلم وقاف عند كتاب الله ووقاف عند الأمر والنهي :
 
قال تعالى:
﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾
أي أنهم كذبوا الأنبياء وقتلوهم، قضية ثانوية جداً، لأنهم أبناء الله وأحباؤه، منتهى الجهل، النبي عليه الصلاة والسلام دعي إلى التمثيل بجثة أحد المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام: لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً. المسلم وقاف عند كتاب الله، وقاف عند الأمر والنهي، أما اليهود:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[سورة المائدة: 18]
بماذا رد الله عليهم؟
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة: 18 ]
ما لكم ولا ميزة، وإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد، نقول كما قلنا لليهود:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة: 18 ]
 
الله عز وجل فتح باب التوبة :
 
قال تعالى:
﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ﴾
الله عز وجل أنشأ لنا السمع والأبصار، أنت بالبصر ترى آيات الله، ترى الكون، ترى الشمس، ترى القمر، ترى الليل، ترى النهار، ترى هذا النبات الذي فيه طعامك، ترى هذه المخلوقات التي سخرت لك، ترى ابنك كيف كان نقطة من ماء مهين وأصبح طفلاً سوياً بأجهزة، بدماغ، بعين، بسمع، ببصر، بلسان، بجهاز هضم، جهاز دوران، قلب، أعصاب، جهاز تصفية، العين من أجل أن تعرف الله، لو أنك أهملت النظر في مخلوقات الله، في عندك سمع ما سمعت درس علم، ما سمعت خطبة، ما سمعت نصيحة، ما سمعت موعظة:
﴿ فَعَمُوا ﴾
أبصارهم عميت عن رؤية الحقائق:
﴿ وَصَمُّوا ﴾
وأذانهم حُجبت عن سماع الحق:
﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
معنى تاب عليهم أي شرع لهم التوبة، تصور لو لم يكن هناك توبة ما الذي يحصل؟ أصغر ذنب ينتهي بأكبر ذنب، ينتهي بأكبر ذنب، ينتهي بجريمة، ينتهي بجهنم، لكن الله عز وجل فتح باب التوبة.
 
التوبة النصوح كما وردت في الكتاب والسُّنة :
 
قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء: 27]
((لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
العبد إذا تاب إلى الله توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه:
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
 (( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَمَا يُصْلِحُهُ، فَأَضَلَّهَا، فَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ فَأَمُوتُ فِيهِ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَمَا يُصْلِحُهُ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
شرع لهم التوبة، وفي معنى آخر:
﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
ساق لهم بعض الشدائد كي يحملهم على التوبة.
 
الله عز وجل يسوق للإنسان أحياناً بعض الشدائد ليحمله على التوبة :
 
هناك توبة قبول من الله عز وجل، تابوا:
﴿ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
أي قبل توبتهم، وهناك توبة تسبق توبة العبد، أي شرع لهم التوبة، وساق لهم بعض الشدائد التي تحملهم على التوبة:
﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ﴾
البحر أصبح طريقاً يبساً، هل من آية تفوق هذه الآية؟ البحر الأحمر كان بحراً فصار طريقاً، لأن فرعون بقوته وطغيانه وأسلحته وجنوده وحقده وقسوة قلبه تبعهم وهم شرذمة قليلة.
﴿  قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
[ سورة الشعراء: 61]
لا أمل، أحياناً تجد أن لا أمل، دولة متغطرسة، معها أسلحة فتاكة، معها أسلحة نووية، معها طائرات، معها حاملات طائرات، يمكن أن تقصف أي مكان في العالم بأسلحة لم تستخدم بعد، يمكن أن تدمر القوة البشرية في مدينة، وتبقى المدينة كما هي، ممكن أن تعطل الاتصالات كلها في مدينة، تنشل قوة العدو، فدولة عظيمة، قوية، متغطرسة، جبارة، متكبرة، مستعلية، ليس في قلبها رحمة، تريد أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين، لا أمل، لسان حال بعض المسلمين يقول: لا أمل، لا:
﴿  قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
[ سورة الشعراء: 61]
ما كان ثمة أمل أبداً، شرذمة أمام البحر ووراءهم فرعون بكل قوته.
﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 62]
فشق لهم البحر طريقاً يبساً، دخلوا فيه وخرجوا من الطرف الآخر، تبعهم فرعون، في منتصف الطريق عاد البحر بحراً فغرق فرعون.
 
وصف الله تعالى جهل اليهود وبعدهم عن الحقيقة وحبهم للدنيا :
 
أيها الأخوة، إذاً لأنهم توهموا أنهم أبناء الله وأحباءه، لأنهم توهموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة قالوا:
﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾
مع أنهم قتلوا أنبياء الله وكذبوهم، ولم يبحثوا عن الحقيقة ذاتياً، ولم يصغوا إلى الحقيقة التي نقلها إليهم الآخرون:
﴿ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
وجاءهم بالآيات الدالة على عظمته، وبعد أن رجعوا إلى أرضهم، ونجوا من عدوان فرعون رأوا أناساً يعكفون على أصنام لهم قالوا:
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾
[سورة الأعراف: 138]
يصف الله جهلهم وبعدهم عن الحقيقة وحبهم للدنيا:
﴿ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾
وفي الدرس القادم نتابع تفسير هذه الآيات:
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾
 الحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب