سورة المائدة 005 - الدرس (33): تفسير الآيات (068 - 068) حقيقة الدين

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (33): تفسير الآيات (068 - 068) حقيقة الدين

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج براهين:  براهين - 07 - أسباب الالحاد           برنامج الصحة النفسية:  الصحة النفسية - 07 - التوجيهي - 21 - 04 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 250- اسم الله الإله 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - قطرة ماء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0269 - سورة الاعراف 095 - 102           برنامج على رواء: على رواء ح 96 - 20 - 04 - 2019 - دور الفرد في الحياة         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (068 - 068) - حقيقة الدين

21/03/2011 05:38:00

سورة المائدة (005)
الدرس (33)
تفسير الآية: (68)
حقيقة الدين
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
البطولة أن تعرف الحقيقة المُرّة وأنت حيّ قبل أن يفوت الأوان :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سورة المائدة، ومع الآية الثامنة والستين، وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
أيها الأخوة الكرام، أقول وأكرر: الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرَة من الوهم المريح، الإنسان قد يتوهم أنه على شيء وهو ليس على شيء، قد يتوهم أنه مؤمن وهو في الحقيقة ليس بمؤمن، قد يتوهم أن مصيره إلى الجنة، والحقيقة قد تكون خلاف ذلك، فالبطولة أن تعرف الحقيقة المُرّة وأنت حي قبل أن يفوت الأوان، لأنه أكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق قال:
﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة يونس: 90]
فقال الله له:
﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة يونس: 91]
ينبغي أن تعرف الحقيقة وأنت حي، ينبغي أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان.
 
مع الإيمان لك خيار وقت لا خيار قبول أو رفض :
 
كنت أقول أيها الأخوة: إن خيار الإنسان مع آلاف الموضوعات خيار قبول أو رفض، قد ترفض حرفة دخلها قليل، وقد ترفض سفرةً نتائجها هزيلة، وقد ترفض فتاةً لا يعجبك مظهرها، إلا أنك مع الإيمان لك خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، فإما أن تؤمن في الوقت المناسب، أو أن إيمانك بعد فوات الأوان حيث لا قيمة له، لأن الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات: 24]
ولأن الذي قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص: 38 ]
حينما أدركه الغرق قال:
﴿ آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة يونس: 90]
لذلك تنطلق هذه الآيات، وقد تبدو صعبة، تنطلق هذه الآيات من أن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرَة من الوهم المريح.
 
العبرة أنالإنسان قد يتوهم أنه على شيء وهو عند الله ليس على شيء :
 
أنا أخاطب المسلمين، قد يتوهم المسلمون أنهم على شيء وهم ليسوا على شيء، قد يتوهم المسلمون أنهم أمة النبي عليه الصلاة والسلام والنبي يوم القيامة سيتبرأ منهم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبي عليه الصلاة والسلام يَقُولُ:
(( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَداً، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، قَالَ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً، سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))
[متفق عليه عَنْ سَهْلَِ بْنِ سَعْدٍ]
كلمة شيء في اللغة لا أدري ماذا أقول، لو وجدت في المسجد قشةً طولها نصف ميل، وقطرها عشر الميل، هذه شيء، أي أحقر شيء تتصوره هو الشيء، أقل شيء تفكر فيه هو الشيء، ليس من كلمة في اللغة العربية مدلولها أقل من الشيء، شيء:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾
أي يا محمد قل لهم:
﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى ﴾
وأيها المسلمون:
 ﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾
العبرة نحن البشر، العبرة هذا الإنسان الذي خلقه الله عز وجل لجنة عرضها السماوات والأرض، فإذا توهم أنه على شيء قد يكون عند الله ليس على شيء:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى ﴾
 
معية الله لها ثمن والآخرة لها ثمن :
 
قبل أن أتابع ما بعد حتى، قال الله:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾
[سورة المائدة: 12]
وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
[سورة المائدة: 12]
إذاً معية الله لها ثمن.
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
الآخرة لها ثمن.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً ﴾
[سورة الكهف: 110]
 
النسبية مقبولة في كل شيء إلا في الدين :
 
لقاء الله له ثمن، لكن أيها الأخوة هناك حقيقة دقيقة، النسبية مقبولة في كل شيء إلا في الدين، إذا عملت بالتجارة، وبذلت جهداً بسيطاً تأخذ ربحاً قليلاً، إذا درست، ونلت ابتدائية فأنت بعيد عن الأمية، الشهادة الإعدادية أعلى، الثانوية أعلى، الليسانس أعلى، الماجستير أعلى، الدكتوراه أعلى، ففي العلم نسبي، فلان ثقافته وسط، معلوماته محدودة، فلان حجمه المالي قليل، يوجد أشياء كثيرة نسبية، إلا في الدين:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
القرآن، أي أن تأخذ بعض الدين، وأن تعتمر،وأنت في بيتك تعيش كما تريد، وأنت في تجارتك تفعل ما تشاء،وأنت في علاقاتك تقيمها على مزاجك، وأنت في أخذك وعطائك لا تعبأ بمنهج الله، ولكنك اعتمرت، ولكنك في رمضان صمت، ولكنك حججت بيت الله الحرام، ولكنك لبست ثياب المسلمين، وتعطرت بعطرٍ زيتي لا كحولي، وحملت مسبحة، ووضعت في بيتك:
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
[ سورة الفتح: 1 ]
ووضعت مصحفاً في مركبتك، هذا ليس هو الدين، هناك من يتوهم أنك إذا أخذت ببعض ما في الدين تنتقي ما يعجبك، وتدع ما لا يعجبك، تنتقي ما لا يكلفك شيئاً،وتدع ما هو يضعك أمام مسؤوليتك، لذلك هذا الكلام يوجه لأهل الكتاب، ويوجه أيضاً للمسلمين، لأن الأمراض التي وقع بها أهل الكتاب المسلمون مهيئونأن يقعوا فيها نفسها،أو قد وقعوا فيها، الدليل: الله عز وجل  أهلك بني إسرائيل لأنهم:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
[ سورة المائدة: 79 ]
 
لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم بكل تفاصيله :
 
الآن في الأوساط الإسلامية قد تأتي ابنة أخيك،وترتدي ثياباً فاضحة، ثياباً تصف معالم جسمها بدقة بالغة، ترحب بها، وتثني على هيأتها، وتسألها: كيف حالها، ولا تفكر أبداً أن توجهها إلى الثياب التي ينبغي أن ترتديها فتاة مسلمة، أليس كذلك؟
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
[ سورة المائدة: 79 ]
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة، فإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقدنا خيريتنا، وفقدنا كل الميزات، هذا الدين له خصيصة، إما أن تأخذه كله فتقطف ثماره، وإما ألا تأخذ من ثماره شيئاً، قال الإمام الغزالي: " العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً ".
كذلك الدين، إما أن تأخذ بهذا المنهج بكل تفاصيله، وأنا لا أشدد عليكم، لكنها الحقيقة، والدليل هذا الذي نجده في العالم الإسلامي من قهرٍ، وظلمٍ، وضياعٍ، وتشتتٍ، وتفلتٍ، وتشرذمٍ، وتجزئةٍ، وقهرٍ، لماذا حصل ما حصل؟ لأننا لسنا على شيء، ولو كنا على شيء لعوملنا غير هذه المعاملة من قبل الله عز وجل، لأن الأمر بيد الله، وطنوا أنفسكم على أن تقبلوا الحقيقة المرة، لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم بكل تفاصيله،لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما إذا استمسكتم بهما: كتاب اللّه القرآن وسنتي ))
[الدار قطني عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام، وطنوا أنفسكم على أن تقبلوا الحقيقة المرة:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ ﴾
التي أنزلت:
 ﴿ وَالْإِنجِيلَ ﴾
الذي نزل، وأن تؤمنوا بالقرآن الكريم:
﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
 
المؤمن يحاسب نفسه حساباً عسيراً في الدنيا حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة :
 
المؤمن يحاسب نفسه حساباً عسيراً في الدنيا حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، وغير المؤمن يحاسب نفسه حساباً يسيراً في الدنيا، فإذا هو يحاسب حساباً عسيراً يوم القيامة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، اسأل نفسك كل يوم: هل بيتي إسلامي؟ هل تجارتي إسلامية؟ هل علاقاتي الاجتماعية وفق منهج الله؟ هل تغضب لله؟ هل ترضى لله؟ هل تعطي لله؟ هل تمنع لله؟ هل تتصور أن الله سيحاسبك عن كل حركة وسكنة وكلمة ولفتة وابتسامة وعبوس، أم أن الأمور هكذا كما تتوهم؟
(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
عود نفسك أن تواجه الحقيقة الصعبة، عود نفسك أن تواجه الحقيقة المرة:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾
ويقاس عليها: قل يا أيها المسلمون:
﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا ﴾
القرآن الكريم، حتى تقيموا هذا المنهج.
 
ما دامت سنة النبي مطبقةً في علاقاتنا الداخلية والخارجية فنحن في مأمن من عذاب الله:
 
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
كأننا في مأمن أن نعذب، والنبي عليه الصلاة والسلام فينا، كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام فينا؟ طبعاً حينما كان حياً الآية واضحة، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانينا فلن نعذب، ضمن الامتحان، لكن بعد أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى ما معنى الآية؟ أي ما دامت سنته مطبقة في بيوتنا، وفي أفراحنا، وفي أحزاننا، وفي كسب أموالنا وفي إنفاق أموالنا، ما دامت سنته مطبقةً في علاقاتنا الداخلية والخارجية، فنحن في مأمن من عذاب الله، وهناك مأمن آخر:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
لو أن الإنسان طبق منهج الله لا يعذب، ولو أنه أخطأ فاستغفر لا يعذب، عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا  (( كُنْتُ رِدْفَ النبي عليه الصلاة والسلام عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُـ دققوا في هذه الإجابة ـ قَالَ:))
[متفق عليه عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أنشأ الله لك حقّاً عليه، أنك إذا أطعته لن يعذبك، فإذا كان المسلمون يعذبون ليلاً ونهاراً، وصباحاً ومساءً، وفي كل أقطارهم، معنى ذلك أن هذه رسالة من الله أن يا أيها المؤمنون غيّروا ما بكم، غيروا ما بأنفسكم حتى أغيّر ما بكم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الرعد: 11 ]
 
حفظ كتاب الله من لوازمه حفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام :
 
هذه الشدة التي يتحملها المسلمون في شتى أقطارهم إنما هي رسالة من الله:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
لذلك هذا القرآن الكريم منهج الله، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، هذا منهج السماء، هذا وحي السماء، هذا القانون الذي لا يعدل، ولا يطور، ولا يبدل، ولا يغيّر، ولا يستدرك عليه، ولا يضاف عليه، ولا يحذف منه.
أيها الأخوة، مصيبة المسلمين الكبرى أنهم حينما أضافوا إلى دينهم ما ليس منه تفرقوا، واقتتلوا، وكان بأسهم بينهم، وحينما حذفوا من الدين ما هو منه ضعفوا، وأصبحوا في مؤخرة الأمم، هذا الدين توقيفي، لا يضاف عليه، لأن الإضافة عليه اتهام له بالنقص، ولا يحذف منه، لأن الحذف منه اتهام له بالزيادة.
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
لذلك إذا قلنا كلمة تجديد في الدين لا تعني إلا شيئاً واحداً، أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد في الدين أن تعود إلى ينابيعه الأصيلة، أرأيت إلى نهر بردى، مياه عذبة صافية رقراقة رائعة، يمشي في طريقه إلى دمشق، تأتيه الروافد يمنة ويسرة، في مصبه ماء أسود، أليس كذلك؟ فإذا أردت أن تجدد في هذا الدين فارجع إلى ينابيعه الأصيلة، ارجع إلى الكتاب والسنة، لأن الله جل في علاه تولى حفظهما، وحفظ كتاب الله من لوازمه حفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي تجده في العالم الإسلامي من عناية بنص القرآن تفوق حد الخيال، لأن الله تولى حفظ هذا القرآن بأمر تكويني، بينما كلف الأنبياء السابقين أي يحفظوا كتبهم السماوية بأمر تكليفي، والأمر التكليفي يعصى، بينما الأمر التكويني لا يتبدل، لأنه فعل الله عز وجل.
 
الدين أن يجدك الله عند الحلال والحرام :
 
إذاً الحقيقة الأولى في هذا الدرس: يجب أن نخاطب أنفسنا ونحن المعنيون، والقرآن الكريم الذي تحدث عن أهل الكتاب فبأسلوب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، نحن المعنيون بهذه الآية: يا أيها المسلمون:
﴿ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾
حتى تقيموا القرآن، أما الدين فله مظاهر، قد ترتدي ثوباً أبيض يوم الجمعة، وتتعطر بمسك وعطر زيتي، وتحمل سبحة، وتضع المصحف في مركبتك، والآيات الكريمة في بيتك، وقد تقيم احتفالاً بعيد المولد، وقد تدعو كبار العلماء إلى عقد قران ابنك، ليس هذا هو الدين، الدين أن يجدك الله عند الحلال والحرام.
ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، أن يراك الله في طاعته، وأن يفتقدك في معصيته، هذه الولاية، والولاية في المفهوم القرآني بسيطة جداً:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس: 62-63 ]
هذه الوَلاية كلها، ولولا أن الولاية في متناول كل إنسان لما كان الحساب عسيراً.
هذا الدين أيها الأخوة مثله مثل الهواء، ينبغي أن يستنشقه كل إنسان، وهناك قاعدة في هذا الدين رائعة: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، لمجرد أن تطبق هذا الدين تقطف كل ثماره، إن طبقته عن علم أو عن غير علم، بعمق فلسفي أو بغير عمق، لأن هذا الدين منهج موضوعي، يعطي ثماره لكل من طبقه.
الأدق من ذلك لو جاء كافر، لو جاء ملحد، وطبق المنهج الإلهي في بلده لقطف ثماره، لذلك تعجب أن هذه الدول القوية كل إيجابياتها إسلامية، دون أن يؤمنوا بالله، هم آمنوا بالمال، هم عبدوا المال من دون الله، فطبقوا المنهج الإلهي عن ذكاء لا عن تعبد ، فقطفوا ثماره كلها.
 
كلما جاءت الآيات الباهرات تؤيد هذا الدين العظيم ازداد الكفار بغضاً وكفراً :
 
أيها الأخوة، هذه الحقيقة الأولى:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾
على أدنى شيء، ولا على قشة:
﴿ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ ﴾
التي أنزلت:
﴿ وَالْإِنجِيلَ ﴾
الذي أنزل، إن طبقتم التوراة التي أنزل، والإنجيل الذي أنزل قادكم هذان الكتابان إلى الإيمان بالقرآن الكريم، لأن في الإنجيل بشارة إلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام.
الآن القسم الآخر في الآية:
 ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾
الشيء المنطقي أنه كلما نزلت آية خففت تشددهم وتعنتهم، وكلما جاءت الأحداث موافقة لوعد الله ووعيده ينبغي أن تخف حدة بغضهم وعداءهم، لكن الذي حصل هو عكس ذلك، كلما جاءت الآيات الباهرات تؤيد هذا الدين العظيم ازدادوا بغضاً، وازدادوا كفراً، وازدادوا عداءً، وازدادوا بعداً.
 
علاقة الإنسان بالقرآن :
 
هذه الحقيقة لها ما يقابلها في عالَم الفيزياء مبدأ العطالة، الجسم المتحرك يرفض السكون، والجسم الساكن يرفض الحركة، أي أنت حينما تركب مركبة، ويوقف السائق المركبة فجأةً، الركاب متحركون مع المركبة، يرفضون أن يقفوا، فتكون الحوادث المؤلمة، لذلك صنعوا الحزام، حزام الأمان كي تبقى مرتبطاً بالمركبة إذا وقفت، فالذي يركب مركبةً، وتقف فجأة يندفع نحو الأمام، فقد يموت بفعل الصدمة، فالأجسام المتحركة ترفض السكون، والأجسام الساكنة ترفض الحركة.
فإذا مشى الإنسان في طريق الكفر لا تزيده الأيام إلا كفراً، والذي مشى في طريق الإيمان لا تزيده الأيام إلا إيماناً، فاحرص على أن تكون بين المؤمنين، الإنسان أحياناً يبالغ في العداوة والبغضاء، كلما جاءت آية باهرة ازداد كفراً، وكلما جاء تأييد سماوي ازداد تعنتاً، هكذا قال الله عز وجل، لذلك يقول الله عز وجل عن القرآن:
﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾
[سورة الإسراء: 82]
ويقول الله عنه:
﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾
[سورة فصلت: 44]
يقول الله عز وجل موضحاً علاقة الإنسان بالقرآن:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ* كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
[سورة الشعراء: 198-200]
 
القرآن بإعجازه وكماله ووضوحه يزيد الكافر طغياناً وكفراً :
 
إذا كان الإنسان بعيداً عن الله، غارقاً في الشهوات، منحرفاً، لو قرأ القرآن يزداد بالقرآن بعداً عن الله عز وجل.
﴿ الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
[سورة البقرة: 1-3]
﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾
الطغيان مجاوزة الحد.
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
 [ سورة العلق: 6-7]
فهذا القرآن بإعجازه، بكماله، بوضوحه، يزيد الكافر طغياناً وكفراً:
﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
هم اختاروا هذا الطريق، والإنسان مصيره باختياره، فالمؤمن اختار طاعة الله عز وجل، وغير المؤمن اختار معصيته، المؤمن اختار الدار الآخرة، وغير المؤمن اختار الدنيا، والدنيا تغر، وتضر، وتمر، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، وهؤلاء الذين آمنوا برسول الله eأين هم الآن؟ في أعلى عليين، إنك إن ذهبت إلى العمرة تقف أمام قبر الصديق، وتسلم عليه، تقف أمام قبر عمر، أما هؤلاء الذين حاربوا النبي عليه الصلاة والسلام أين هم الآن؟ في مزبلة التاريخ.
هل اعتمر أحدهم، ووقف أمام قبر أبي جهل؟ مستحيل، إياك أن تقف في خندق معارض للحق، لأن المصير في مزبلة التاريخ، أما هؤلاء الذين نصروه في الدنيا كانوا أعلاماً يوم القيامة.
 
الآية التاليةأصل في حقيقة التدين :
 
لذلك أنا أقول لكم أيها الأخوة: لا تقلق على هذا الدين، إنه دين الله مهما تآمر المتآمرون عليه، مهما ائتمرت قوى البغي على هذا الدين، إنه دين الله، لكن يسمح لهم إلى حين كي يعربوا عن عداوتهم له، سوف يألفون لنا فرقاناً، من آيات هذا الفرقان: يا محمد أأنت أضللت عبادي؟ يقول يا ربي أنا ضللت فأضللتهم، هذا يعد لنا ليكون كتابنا المقدس بعد حين، لكن خاب ظنهم، والله طفل من أطفال العالم الإسلامي إذا سمع فقرات من هذا الفرقان الحق لا تستأهل آية منه إلا سخريته فقط.
أيها الأخوة: هذا كلام الله، وزوال الكون أهون على الله من أن يبدل أو يغير، ولكن نية الكافر شر من عمله، مهما فعل فهو ينوي أشد مما فعل. يقول الله عز وجل:
﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
الآية الثانية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
هذه الآية أصل في حقيقة التدين.
 
إذا تخلى الله عنا لأسباب وجيهة فقد هان أمر الله علينا فهنّا على الله :
 
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
أي الذين ينتمون إلى هذا الدين انتماءً تاريخياً أو شكلياً:
﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾
أتباع سيدنا موسى:
﴿ وَالصَّابِئُونَ ﴾
من لا دين لهم:
﴿ وَالنَّصَارَى ﴾
أتباع سيدنا عيسى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
أتباع سيدنا محمد ممن كان له انتماء شكلي صوري تاريخي، مليار وثلاثمئة مليون، ولا وزن لهم عند الله إطلاقاً، ذكرت اليوم في الخطبة بلداً إسلاميّاً خلال عشرين يوماً صدر منه خمسة وسبعون مليون اتصال لبرنامج ستار أكاديمي، لهذا البرنامج الساقط، الذي يثير غرائز الإنسان، ويجعله كالثور، هؤلاء مسلمون؟ وكل دقيقة بعملات البلد التي صدرت منه هذه المكالمات تساوي مئة ليرة، كل دقيقة، والاتصال يجب الانتظار ساعة أو نصف ساعة، ألوف المليارات تجبى بهذه الطريقة، والناس يموتون من الجوع في جنوب السودان، يموتون من الجوع في بقاع متعددة من المسلمين، وألوف المليارات من أجل اتصال بلد إسلامي خلال عشرين يوماً، خمسة وسبعون مليون اتصال، وقبل ذلك كان ستة وثمانون مليون اتصال، لسوبر ستار، أيضاً مليارات وراء المليارات تدفع، والناس يموتون من الجوع أهؤلاء مسلمون؟ إذا تخلى الله عنا لأسباب وجيهة، هان أمر الله علينا فهنا على الله.
 
الانتماء الشكلي للأديان والتعصب لها يسبب الحروب الطائفية في العالم :
 
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
أتباع النبي عليه الصلاة والسلام اتباعاً تاريخياً شكلياً أجوف، لم يبقَ من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ﴾
طبعاً ينبغي أن تكون والصابئين، هذا اسمه كسر الإعراب، لفتاً للنظر، حتى الذين لا دين لهم:
﴿ وَالنَّصَارَى ﴾
يوجد معنى ضمنياً، سواء عند الله، وانتماء شكلياً، لا يقدم ولا يؤخر، أربعة محلات تجارية، مكتوب على الأول حرير، والثاني أجواخ، والثالث قرطاسية، لكن ليس فيها بضائع إطلاقاً، فقط اختلاف لافتات، المحلات الثلاث ليس فيها بضائع إطلاقاً، إذاً الاختلاف شكلي، هذا الانتماء الشكلي لهذه الأديان، والتعصب لها يسبب هذه الحروب الطائفية في العالم، الانتماء الشكلي دون التطبيق يسبب هذا الذي يجري في العالم اليوم، أحقاد تفوق حدّ الخيال، حروب، قسوة، إبادة، قتل، تمثيل، يقول عليه الصلاة والسلام من علامات آخر الزمان:
((... وموت كعقاص الغنم ـ وباء يصيب الغنم))
[ الحاكم عن أبي عوف الأشجعي]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبي عليه الصلاة والسلام:
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
في تاريخ البشرية القاتل يقتل، أما الآن الحروب الأهلية، خمسمئة ألف إنسان ذبحوا في أيام في رواندا بجنوب إفريقيا، الآن أقل خبر يقول لك: مئتا قتيل ومئة جريح، في جنوب السودان ثلاثمئة ألف شخص على وشك الموت الآن جوعاً وتشرداً.
 
وصف دقيق لآخر الزمان :
 
أيها الأخوة:
((... وموت كعقاص الغنم ـ وباء يصيب الغنم))
[ الحاكم عن أبي عوف الأشجعي]
 (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه ))
[ورد في الأثر]
نحن في آخر الزمان:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
أتباع رسول الله الذين اتبعوه اتباعاً شكلياً صورياً تاريخياً، حياتهم، معاشهم، تجارتهم، علاقاتهم ليست إسلامية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾
أتباع سيدنا موسى:
﴿ وَالصَّابِئُونَ ﴾
من لا دين لهم:
﴿ وَالنَّصَارَى ﴾
 
الدين أداة وحدة لا أداة تفرق :
 
دققوا: سواء عند الله، انتماء شكلي، انتماء تاريخي، هذا الانتماء الشكلي معه تعصب، والعلاقات مصالح، والمصالح متناقضة، إذاً هناك حروب، تجد أحقاداً بين المسلمين، بينما في غير المسلمين لا يعلمها إلا الله لأن الانتماء شكلي، الدليل:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
[سورة المائدة: 13]
الأسير عند المسلمين كان يطعم أطيب الطعام، ويأكل الذي أسره أردأ الطعام، النبي عليه الصلاة والسلام خلع رداءه، وألبسه لأسير، أما في بغداد فيعرى الأسير، ويذل، وتنتهك حرماته، هكذا، فلذلك:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾
[سورة المائدة: 13]
هذه العداوة والبغضاء بين أتباع الأديان سببها أن أتباع الأديان جميعهم نسوا ما ذكروا به، لم يطبقوا مناهجهم، ولو بقوا لاجتمعوا، ولتحابوا، الدين أداة وحدة لا أداة تفرق:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ﴾
إن المعنى الضمني والحتمي: كلهم سواء عند الله، انتماء شكلي لا قيمة له.
كل يدعي وصل بليلى                       وليلى لا تقر لهم بذاكا
*   *   *
 
كل فئة وكل أتباع دين يتوهمون أن الله لهم وأن الجنة لهم والله بريء منهم جميعاً :
 
الآن كل إنسان، وكل فئة، وكل طائفة، وكل جماعة، وكل دين، الله لهم والجنة لهم، والله سبحانه وتعالى لا يقرهم على ذلك أبداً.
﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
[سورة البقرة: 111]
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة: 80]
كل يدعي وصل بليلى، كل فئة، وكل طائفة، وكل أتباع دين يتوهمون أن الله لهم، وأن الجنة لهم، والله بريء منهم جميعاً:
﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
[سورة البقرة: 111]
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[سورة المائدة: 18]
 
واقع المسلمين اليوم :
 
هذه الآية تنطبق أشد الانطباق على المسلمين المعاصرين، وقال المسلمون: نحن أتباع أمة محمد، نحن أتباع سيد الخلق وحبيب الحق، نحن أتباع وحي السماء، يردّ الله علينا: فلمَ أعذبكم بذنوبكم، هل هناك خبر واحد سار من خمسين سنة إلى الآن؟ أبداً، كأن الله تخلى عنا، لكنه وعدنا، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
[ سورة مريم: 59]
وقد لقينا ذلك الغي، الآن المسلم أو المسلمون فيه تجسيد وصفي، إنسان يضرب ضرباً حتى تكسر كل عظامه، ما اكتفينا، هذا الذي ضربه وقته ثمين، ومصروفه كبير، يحتاج إلى أجرة، لأنه ضربك، يريد أجرة، سيأخذ كل ما تملك أجرة له، لا يكفي، وتريد مدحه أيضاً، تريد أن تُضرَب، وتدفع أجرة، وتمدح، هذا واقع المسلمين اليوم أليس كذلك؟
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
 
مقياس الإيمان أن يحملك على طاعة الله :
 
أنت حينما تؤمن الإيمان الحقيقي الذي يحملك على طاعة الله، مقياس الإيمان أن يحملك على طاعة الله:
 ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله )) .
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
لذلك:
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾
الإيمان الحق:
﴿ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
أيقن أن الله معه، ويعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، وما من ركنين من أركان الإيمان اقترنا أشد من الإيمان بالله واليوم الآخر، أنت حينما تعلم أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك فلن تعصيه، لذلك لا يكفي أن تؤمن بالله، لا بد من أن تضيف إلى إيمانك بالله أنه سيحاسبك وسيعاقبك:
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
بربكم إنسان قوي إذا قال فعل، هل يعصيه أحد؟ أبداً، إنسان من جنسك، من جلدتك، من بني قومك، ما دام قوياً، وعلمه يطولك، وقدرته تطولك، أبسط مثل؛ الإشارة حمراء، والشرطي واقف، وشرطي على دراجة، وسيارة فيها ضابط مرور، وأنت مواطن عادي تمشي على الأحمر؟ هل هناك أبسط من هذا المثال؟ إذا أيقنت أن علم واضع قانون السير يطولك من خلال هذا الشرطي، وأن قدرته تطولك من خلال سحب الإجازة، ومصادرة السيارة لا تعصيه، هذا القانون أبديّ.
 
حقيقة الدين وفحواه :
 
لذلك أيها الأخوة:
 (( كفى بالمرء علماً أن يطيع الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه))
[ورد في الأثر]
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
بنى حياته على العطاء، يعطي من ماله، من وقته، من صحته، من خبرته، من كل شيء رزقه الله إياه، من هؤلاء:
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
هؤلاء المتدينون حقيقة، هذه هي حقيقة الدين، هذا فحوى الدين:
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
مما سيأتي:
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على ما مضى، هذا ملخص الملخص، هذه حقيقة الدين، أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً.
 
آيات قرآنية تبين أن حقيقة الدين أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً :
 
قال تعالى:
﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف: 84 ]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدً ﴾
[ سورة الكهف: 26 ]
 لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ ﴾
[ سورة الأعراف: 54]
﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر: 62]
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾
[ سورة المعارج: 11]
﴿  فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 175 ]
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً*يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان: 27-28]
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
 [ سورة الغاشية: 25-26]
﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾
[ سورة الفجر: 27-28]
 
الآيات التي قرأناها موجهة إلينا نحن المسلمين :
 
قال تعالى:
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
مما سيكون:
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على ما مضى. 
أيها الأخوة الكرام، الآيات التي قرأناها موجهة إلينا نحن المسلمين، لا تخاطب بها غير المسلمين، هي موجهة إلينا، ولكن من باب إياكِ أعني، واسمعي يا جارة، فنحن كوننا مسلمين، والله لا أبالغ، لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي تجارتنا، وفي كسب أموالنا، وفي إنفاق أموالنا، وفي لهونا، وفي أفراحنا، وفي أتراحنا، وفي إقامتنا، وفي سفرنا، فإن لم نفعل فلسنا على شيء، وليس لنا عند الله ولا ميزة، هذه الحقيقة المرة التي أعتقد أنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 الحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب