سورة المائدة 005 - الدرس (24): تفسير الآيات (044 - 044) التشريع الإلهي والكتب السماوية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (24): تفسير الآيات (044 - 044) التشريع الإلهي والكتب السماوية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج براهين:  براهين - 07 - أسباب الالحاد           برنامج الصحة النفسية:  الصحة النفسية - 07 - التوجيهي - 21 - 04 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 250- اسم الله الإله 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - قطرة ماء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0269 - سورة الاعراف 095 - 102           برنامج على رواء: على رواء ح 96 - 20 - 04 - 2019 - دور الفرد في الحياة         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (044 - 044) - التشريع الإلهي والكتب السماوية

21/03/2011 05:20:00

سورة المائدة (005)
الدرس (24)
تفسير الآية: (44)
التشريع الإلهي والكتب السماوية
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
لكل قوم هاد لأن طبيعة الحياة من قبل لم يكن فيها تواصل بين الأمم والشعوب :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سورة المائدة، ومع الآية الرابعة والأربعين، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
أيها الأخوة، طبيعة الأمم والشعوب قديماً أن كل قوم مستقل عن القوم الآخر، ليس هناك تواصل، لذلك جعل الله لكل قوم هاد، وقد يتعاصر الأنبياء، لأن كل نبي لقوم، ولأن كل قوم لهم مشكلات، ولهم سقطات، ولهم زلات، ولهم مخالفات، فالنبي الذي يرسل الله لقوم يرسله ليعالج مشكلات هؤلاء بالذات وتحديداً، فلكل قوم هاد، طبيعة الحياة من قبل لم يكن فيها تواصل بين الأمم والشعوب، لذلك قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾
الهدى: هو الطريق إلى الله عز وجل. والنور: هو النور الذي يضيء الطريق. وشيء طبيعي جداً أننا إذا شققنا طريقاً لا بد من أن ننوره، فقد يعبَر الطريق ليلاً ونهاراً، فتنوير الطريق من لوازم شقّه، فالله سبحانه وتعالى يبين أنه رسم طريقاً إليه، وأنه نوّره بنوره، ففي حياة الإنسان طريق يستوعبه بفكره، ونور يقذف إلى قلبه، فهناك معالم للطريق، وهناك نور يقذفه الله في قلب المؤمن يهتدي به في الطريق إذا أظلمت الأمور، لكن هذه التوراة كما قلت قبل قليل متعلقة ببني إسرائيل، باليهود حصراً.
 
من لوازم كمال الله عز وجل أنه خلق كل شيء فأحسن خلقه :
 
قال تعالى:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾
أولاً: لأن الله سبحانه وتعالى خلقنا لنعرفه، وخلقنا لنعبده، ولا بد من أن ينزل كتباً، وأن يرسل رسلاً، هذه حقيقة. لكن الإنسان حينما يغفل عن الله عز وجل، حينما لا يتبع طريق الهدى، وحينما يعمى قلبه فلا يستنير بنور الله، يضل سواء السبيل، وقد قال الله عز وجل:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه: 123 ]
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾
هذا الكون يدل على عظمة ما بعدها عظمة، يدل على علم، وعلى حكمة، وعلى رحمة، وعلى لطف، فكل أسماء الله الحسنى يشفّ عنها الكون، كمال الخلق يدل على كمال التصرف، وكمال الخلق يدل على كمال التشريع.
من لوازم كمال الله عز وجل أنه خلق كل شيء فأحسن خلقه، ولا يعقل، ولا يقبل أنه ترك خلقه معطلين عن التوجيه وعن الإرشاد، لذلك بعثة الأنبياء متواصلة، وإرسال الرسل متواصل، وإنزال الكتب متتابع، لأن الله سبحانه وتعالى خلقنا لنعرفه، وخلقنا لنعبده، وخلقنا لنسعد به في الدنيا والآخرة، وبشكل مبسط جداً لا يمكن لأب على وجه الأرض جالسٍ في غرفة الجلوس وابنه يقترب من المدفأة دون أن يقول كلمة، أو أن يتحرك، لأن من لوازم الرحمة أن ترشد الضال، ومن لوازم الرحمة أن تربي الذي شرد عنك.
 
الله عز وجل ألزم نفسه ذاتياً بهداية الخلق :
 
إذاً: أن يرسل الله رسلاً، وأن يبعث أنبياء، وأن ينزل الكتب، هذا شيء يتناسب مع كماله، ومع علة وجودنا، أوجدنا الله كي نعرفه، إذاً يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
[ سورة الليل: 12 ]
وكلمة (على) إذا جاءت مع لفظ الجلالة تعني الإلزام الذاتي، أي أنّ الله عز وجل ألزم نفسه ذاتياً بهداية الخلق:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
[ سورة الليل: 12 ]
وفي آية ثانية:
﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة النحل: 9]
أي: وعلى الله بيان سبيل القصد.
 
الإنسان إذا شرد عن الله عز وجل يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة :
 
قال تعالى:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 23]
أنت مطلوب شئت أم أبيت، بل إن هدايتك ليست صدفةً، إنها فعل إلهي مقصود لذاته، أراد الله أن يهديك، لذلك نصب لك هذه الآيات في الكون، هو طريق إليه، منحك عقلاً متوافقاً مع الكون، أنزل كتباً فيها إعجاز، أرسل أنبياءً جعلهم معصومين، أرسل رسلاً حملهم أمانة لينقلوها للناس، هذه كلها سبل الهداية، ثم تولى الله تربيتنا مباشرةً، فالإنسان إذا شرد عن الله عز وجل يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، تاب الله عليهم ليتوبوا.
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 21]
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 155-157]
إن دخلت إلى مسجد، ورأيت جمعاً غفيراً فاعلم علم اليقين أن هؤلاء جميعاً قد وفَّر الله لهم تربية عالية جداً، ساق لهم بعض الشدائد، رغبهم، خوفهم، جمعهم مع أهل الحق، أسمعهم كلمة الحق، أنت مطلوب لمعرفة الله، مطلوب لعبادته، مطلوب كي يرحمك الله عز وجل، وهذا هو الحق.
 
المعنى الواسع والضيق للإسلام :
 
إذاً: هذه الآية:
 ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾
التوراة في الحقيقة طريق إلى الله واضحة المعالم كما قال الله عز وجل، وهذه الطريق منوّرة بنور الله، يحكم بها النبيون الذين أسلموا، والحقيقة أنه ما من نبي في القرآن الكريم، وما من رسول في القرآن الكريم إلا وَوُصِف بأنه مسلم، لو تتبعت أسماء الأنبياء جميعاً، وأسماء الرسل جميعاً في كتاب الله لوجدت أنه لا بد قطعاً وحصراً من أن يوصف النبي، وأن يوصف الرسول بأنه مسلم، ومعنى كونه مسلماً أنه استسلم لله، خضع لله، انصاع لحكم الله، هذا مفهوم الإسلام الواسع أن تنصاع لله، أن تستسلم له، أن تخضع له، أن تطيعه، أن تأتمر بما أمر، أن تنتهي عما عنه نهى وزجر، هذا المعنى هو معنى الإسلام الواسع، معنى الإسلام الضيق هو بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، والوحي الذي نزل على قلبه، وهذا القرآن، هذا هو الإسلام بالمعنى الضيق، فكل مسلم، وكل رسول مسلم، وكل من اتبع رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم، واتبع قرآناً نزل على قلبه فهو مسلم بالمعنى الآخر.
﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾
الدين واحد، والشرائع متعددة، وشرائع الأنبياء السابقين متعلقة بالظروف التي عاشوا بها، وبالمشكلات التي ألمت بأقوامهم، وبالمعاصي التي ارتكبوها، فأناس بخسوا المكيال والميزان لهم معالجة خاصة، وأناس أكلوا الربا لهم معالجة خاصة، لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟ حصل بعد ذلك هذا التواصل بين الأمم والشعوب، هذا التواصل نقل كل المعاصي إلى كل الشعوب، هذا شيء واقع الآن، فالانحرافات الخطيرة في أقصى الدنيا تنتقل إلى كل أرجاء الدنيا عن طريق هذا التواصل الذي هو سمة العصر، فلأن هناك تواصلاً بين الأمم والشعوب، ولأن هناك علاقات مستمرة بين الأمم والشعوب اقتضى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم محمد آخر الأنبياء والمرسلين، لأن رسالته سوف تعمَّم على كل الخلق أجمعين.
﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾
 
الرباني هو الذي يتوخى مرضاة الله عز وجلفي كل حركاته وسكناته :
 
كما قلت قبل قليل: هؤلاء الأنبياء لأقوامهم حصراً، ولكن:
﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ ﴾
من هو الربّاني؟ هو الإنسان الذي يتحرك من أجل ربه، بهدى من ربه، ومن أجل ربه، متوكلاً على ربه، محباً لربه، مهتدياً بهدى ربه، لذلك لأنه في كل شؤون حياته وفي كل حركاته وسكناته يتوخى مرضاة الله عز وجل، فسمي هذا الرباني، لعله ما من صفة يرتقي بها الإنسان كأن يكون ربانياً، كما يقال: فلان رباني، فلان شهواني، فلان شيطاني، فالرباني هو الذي يهتدي بهدي ربه، والذي ينصاع لأمر ربه، هو الذي يقبل على ربه، هو الذي يتوخى مرضاة ربه.
﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾
العلماء، وعلماء اليهود بالذات.
﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾
أيها الأخوة، هناك حقيقة دقيقة، وهي أن الأنبياء السابقين كانت الكتب التي أنزلت عليهم قد أوكل إليهم حفظها بأمر تكليفي، وكتبهم شيء والمعجزات شيء آخر.
 
ليست معجزات الأنبياء السابقين منطبقة على كتبهم :
 
ليست معجزات الأنبياء السابقين منطبقة على كتبهم. إن سيدنا عيسى عليه وعلى سيدنا أفضل الصلاة والسلام، معجزته إحياء الموتى وكتابه الإنجيل. سيدنا موسى معجزته العصا، وكتابه التوراة.
فالمعجزة ليست عين الكتاب، والكتاب ليس عين المعجزة، الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل أوكل حفظها إلى الأنبياء، وإلى الذين من بعدهم من المؤمنين، فالأنبياء قطعاً قاموا بحفظها، لكن الذين جاؤوا من بعدهم لم يحفظوها كما أراد الله عز وجل، لأنه أمر تكليفي، والأمر التكليفي غير الأمر التكويني، الأمر التكليفي يعصى، الأمر التكليفي قد لا يطبق، تماماً كما لو رأيت لوحةً كتب عليها: ممنوع المرور، على طريق، لكن الطريق مفتوح، وبإمكانك أن تخالف، وأن تسير، نقول: هذه اللوحة التي كتب عليها: ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي، يطاع أو يعصى، أما إذا عصي هذا الأمر فهناك تبعات تلحق الذي عصى، لكن الأمر التكويني أن ترى أن الطريق مسدودة بمكعبات من الاسمنت المسلح، ارتفاع المكعب متران، هذا أمر تكويني، وليس أمراً تكليفياً. إلا أن الله جل جلاله لأن معجزة النبي هي القرآن اتحدت المعجزة مع الكتاب، فلأن النبي لا لقوم محددين، بل لكل الأمم الأرض مجتمعين، لذلك كانت معجزته وهي القرآن محفوظة بأمر تكويني من قبل الله.
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الحجر:9 ]
هذا يفسر أن الكتب السماوية السابقة أُمر الأنبياء وأتباعهم من بعدهم بحفظها، فالأنبياء حفظوها، لكن أتباعهم لم يحفظوها، لأن الأمر بحفظها كان أمراً تكليفياً، بينما حفظ القرآن تولاه الله بذاته، قال:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الحجر:9 ]
 
القرآن الكريم تولى الله حفظه بذاته بأمر تكويني :
 
لذلك الشيء الذي لا يصدق مع أن الناس تفلتوا من أحكام القرآن، لكنّ القرآن حُفِظ كما أنزِل، وبأساليب وبأشكال لا تعد ولا تحصى، شيء يلفت النظر، ففي كل بلاد الأرض هناك طبعات من كتاب الله، بكل الأحجام والألوان والأشكال والتوضيحات والتيسيرات، ومطبوع بطرائق رائعة جداً، لأن الله تولى حفظه، تجد معظم الناس لا يطبقون أحكامه، ولكن إذا علم أن تغيراً طرأ عليه تقوم الدنيا ولا تقعد، فحفظ القرآن شيء يلفت النظر، تطبيقه شيء، وحفظه شيء آخر، لأن الله تولى حفظه، لا تجد في العالم الإسلامي احتمالاً طفيفاً أن تغير كلمة، أو أن يعدل حرف، بل إن هناك دراسات تتعلق بالحروف القرآنية، وبقضايا في الرياضيات بالغة الدقة تؤكد أنه لو بدلت حركة مكان حركة لاختل النظام الرياضي للقرآن الكريم، هذا قد يكون نوعاً من أنواع الإحكام والإعجاز.
على كلٍ أن القرآن الكريم تولى الله حفظه بذاته بأمر تكويني، هذه قضية إيمانية فإذا ما آمن الإنسان بهذه الآية، وأراد أن يناقش القضية مناقشة عادية فقد لا يصل إلى نتيجة، لكن هذه القضية قضية إيمانية مسلم بها الإنسان أن الله تولى حفظه، وأن القرآن الذي نزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، والذي قرأه الصحابة الكرام هو القرآن نفسُه الذي بين أيدينا، ودقة حفظه وضبطه شيء لا يصدق، في كل العالم الإسلامي إن هو إلا انعكاس لتولي حفظ الله له بنفسه. إذاً:
﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾
هذا منهج الله، وهذا منهج الحكيم، وهذا منهج الرحيم، وهذا منهج القوي، وهذا منهج من إليه المصير، لا تستحي بكتاب الله، هو المنهج القويم، لا تستحِ بآية يثار حولها جدل كبير، لا تستحِ بحكم شرعي ينتقده أعداء الدين:
﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾
اعتقد يقيناً أن هذا كلام الخبير، وأن هذا كلام العليم، وأن هذا كلام الرحيم، وأن كل ما يثار حول القرآن الكريم من أعداء الدين هي زوبعة في فنجان، أو هو نباح من حيوان، لا يغيِّر من واقع القرآن شيئاً.
 
فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه :
 
ما ضر السحابَ نبحُ الكلاب، وما ضر البحرَ أن ألقى فيه غلام بحجر، ولو تحوّل الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا القرآن، ما أثاروه إلا على أنفسهم، ويبقى القرآن قرآناً هو كلام الواحد الديان.
﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾
هناك من استحيا ببعض الآيات، خجل من بعض الآيات، فقال: هناك آيات ظالمة في القرآن الكريم، هكذا:
﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾
لأن الطرف الآخر يعيش للدنيا فقط، بينما ربنا عز وجل أراد لنا الآخرة، أراد لنا حياة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر:
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾
فالإنسان ـ للتوضيح فقط ـ  حينما يكون معه شيك مصرفي بمليون من العملة الخضراء، ولا ينتبه إليه، كتب على ظهره كلاماً لا طائل منه، ثم مزّقه، ولم ينتبه لقيمته، استخدم هذا الشك كورقة على ظهره، ولما انته من هذا الذي كتبه مزقه، وألقاه في المهملات، ماذا فعل هذا الإنسان؟ استخدم ورقة مالية قد تحل كل مشكلاته، وتجعله غنياً جداً، استخدمها كورقة بيضاء، أو كمسودة، ومزقها تمزيقاً تاماً، ثم اكتشف الحقيقة، هذا الذي اشترى بكلام الله ثمناً قليلاً، هذا الذي أفتى في كتاب الله بغير علم، أو أفتى بخلاف ما يعلم، هذا الذي اتخذ القرآن مطية إلى الدنيا، هذا الذي فسر القرآن ليرضي الأقوياء، أو ليحقق مصالحهم.
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
هذا الذي لا يعرف عظمة الله من خلال الكون، وبالتالي لا يعرف عظمة هذا القرآن، لأن الفرق بين كلام الله وكلام خلقه كالفرق بين خالق الأكوان وهذا الإنسان الضعيف، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
 
من لا يثق بتشريع الله وحكمه فهو كافر :
 
هذه الآية أيها الأخوة:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
حينما تعتقد أن حكماً أرضياً، وأن تشريعاً أرضياً هو أصوب من تشريع الله وحكمه فهذا كفر، وأيّ كفر، حينما لا تثق بتشريع خالق السماوات والأرض وتثق بتشريع إنسان ضعيف جاهل، له مصالح، بصره قاصر، حينما لا تثق بحكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات، وتثق بحكم إنسان له مصالح وضعيف، رؤيته محدودة، فهذا نوع من الكفر وأيّ كفر:   ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
أيها الأخوة، هذه الآية تبين أن النبوة في الأرض موجودة، لأن الله خلقنا لنعرفه، لكن كانت هناك مرحلة أقوام متباعدين، ولكل قوم هاد، ولكل قوم معجزة، وهي كعود الثقاب تألقت، ثم انطفأت، وأصبحت خبراً، وكان كل تشريعٍ يعالج قضايا الأقوام الذين جاء التشريع من أجلهم، أما حينما كان التواصل بين الأمم والشعوب كما هي الحال الآن كان عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء، ولأنها اتحدت معجزته بكتابه، لذلك تولى الله بذاته حفظ كتابه بأمر تكوين لا بأمرٍ تكليف.
الحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب