سورة المائدة 005 - الدرس (21): تفسير الآيات (038 - 040) الحدود في الإسلام والحكمة من تطبيقها

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (21): تفسير الآيات (038 - 040) الحدود في الإسلام والحكمة من تطبيقها

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج في القلب أنتم: في القلب انتم - 74 - رسائل واتس اب - 18 - 6-2019           برنامج جلسة صفا:  فتحي الصافي - 04 - العبادات والسلوك2           برنامج على رواء 2: على رواء ح3 -015 - 06 - 2019 - الموت ابلغ دروس الحياة           برنامج تربية الأولاد: تربية الأولاد في الإسلام - 011 - التربية الإجتماعية 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - كيف تكشف الاصدقاء المزيفين           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0326 - سورة التوبة 001 - 002         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (038 - 040) - الحدود في الإسلام والحكمة من تطبيقها

21/03/2011 05:14:00

سورة المائدة (005)
الدرس (21)
تفسير الآيات: (38-40)
الحدود في الإسلام والحكمة من تطبيقها
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
حقائق حول الآية التالية :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس سورة المائدة ومع الآية الثامنة والثلاثين، وهي قوله تعالى:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
أيها الأخوة الكرام، هناك حقائق لا بد من أن توضع بين يدي الأخوة الكرام حول هذه الآية:
1 ـ أول حقيقة أن الإسلام نظام متكامل لا تقطف ثماره إلا إذا أُخذ بمجموعه :
 
الحقيقة الأولى: أن الإسلام منهج كامل لا تقطف ثماره اليانعة إلا إذا طبق بأكمله ومجموعه، فإذا اقتطعنا من الإسلام حكماً وطبقناه وحده بمعزل عن بضع مئات الأحكام الأخرى فإننا لا نقطف ثمار هذا الحكم، بل نثير جدلاً كبيراً حول هذا الحكم، وهذا ما يجري الآن، نقتطع من الأحكام الشرعية حد قطع يد السارق، ونجعل علامةَ تطبيق المنهج الإسلامي في بلد ما هي قطعُ يد السارق، وهناك مئات، بل عشرات مئات، بل آلاف الأحكام الأخرى غير مطبقة، تطبيق حد السرقة وحده من دون أن يراعى في الإسلام وحدته وتكامله هذا يسبب جدلاً طويلاً، كما جرى في العالم الإسلامي، فأول حقيقة أن الإسلام نظام متكامل لا تقطف ثماره إلا إذا أُخذ بمجموعه، عندئذٍ تكون الثمار يانعة جداً.
 
2 ـ المسلم مضمون له أن يكسب رزقه من عمله وعلى ولي الأمر أن يوفر الأعمال:
 
الحقيقة الثانية: أن المسلم في المجتمع الإسلامي مضمون له أن يكسب رزقه من عمله، فعلى ولي الأمر أن يوفر الأعمال، وسميت في القرآن المعايشَ، أي سبلَ كسب الرزق، والدليل: أن سيدنا عمر رضي الله عنه عين والياً، وأراد أن يمتحنه، فقال: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ فقال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا إن الله استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفةً، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكْرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية. فتأمين فرص العمل من أولى مهمات ولي أمر المسلمين، هذه واحدة.
الآن لو أن مسلماً لا يستطيع أن يعمل، أو أن دخْله من عمله لا يكفيه فلا بد من أن يلزم ولي أمر المسلمين من حوله من أقربائه الميسورين بالإنفاق عليه، فإن لم يكن له أقرباء أغنياء فلا بد من أن يأخذ من بيت مال المسلمين، فإن كان لا يكفي فيجب أن تفرض على مجموع الأمة ضرائب تكفي لكفالة كل أفراد المجتمع الإسلامي، هذه أحكام في الفقه الإسلامي بديهية، فالمسلم ضمن منهج الله، وضمن مظلة الإسلام مكفول رزقه إما من عمله، أو من قرابته، أو من أبناء محلته، أو من بيت مال المسلمين، أو من مجموع الأمة.
أيها الأخوة، شيء آخر، الإنسان حينما يكسب المال في المجتمع الإسلامي لا يستطيع أن يكسبه إلا من طريق مشروع، لأن الطرق غير المشروعة محرمة في الإسلام، فحينما لا يكون في المجتمع الإسلامي كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا معاصٍ متعلقة بكسب المال فهذا العمل في الأصل مشروع، والكسب مشروع، والمال حلال، وفي تعريف جامع مانع للمال الحلال: هو الذي يؤخذ من كسب مشروع، ويُكسب عن طريق منافع متبادلة، أما إذا بنيت منفعة على مضرة فهو الكسب غير المشروع، إذا بنيت منفعة على مضرة كاليانصيب مثلاً، كالربا مثلاً، وما شاكل ذلك، هذا كسب بنية منفعة لفرد على  مضرة المجموع، إذاً الكسب في ضمن المجتمع الإسلامي مشروع، وفي ضمن المجتمع الإسلامي يُمنَع الكذب والغش والاحتيال والاغتصاب والاختلاس والاحتكار، وممنوع أن تستغل قوتك بأخذ مال الآخرين، فإذا ضُمن للإنسان معاشه الكريم، إنْ من عمله الذي وفره له ولي أمر المسلمين، أو من قرابته الموسرين، أو من أقرب الناس إليه، أو من بيت المال، أو من مجموع الأمة، وكان كسب الإنسان المتفوق حلالاً وفق منهج الله، ولنفع الأمة فلا بد من أن يضمن المنهج لكل عملٍ ثمرته، وإلا تتعطل الحياة، ما الذي يغرك أن تنشئ بناء، وتنتفع من أجرة بيوته؟ إلا أن يضمن لك أن هذا البناء لك، وأن هذه الأجرة تكسبها لك، إذاً ما لم نضمن نتائج عمل الإنسان في مجتمع ما فإن الإنسان لا يعمل، لذلك يبدو في المجتمعات التي تسمح للإنسان بالتملك هناك نشاط كبير جداً، وهناك نمو اقتصادي كبير جداً، وفي المجتمعات التي لا تسمح بالتملك يبدو هناك ضعف كبير في الإنتاج وفي إتقان العمل.
 
3 ـ القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ومواقف النبي تعلّم أنّ العمل في الإسلام مقدَّس:
 
الحقيقة التي بَعدها، القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، ومواقف النبي تعلّم أنّ العمل في الإسلام مقدَّس، يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أمسك يد ابن مسعود، وكانت خشنة من العمل، رفعها، وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله، رأى شاباً يتعبد الله في وقت العمل، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعْبَد منك، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( واليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى))
[مسلم والترمذي عن أبي أمامة الباهلي]
وقد قال العلماء: إن العمل الذي تعمله، والحرفة التي تحترفها إذا كانت في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطرق المشروعة، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك ونفع المسلمين، ولم تشغلك عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة.
إذاً الكسب الحلال أصل في تحصيل المال:
(( واليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى))
[مسلم والترمذي عن أبي أمامة الباهلي]
وفي الحديث:
 ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
فهناك حث على العمل، ومن أبلغِ ما قرأت في السيرة أن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما تفقّد بلدة من رعيته ووجد أن كل الفعاليات الاقتصادية بيد غير المسلمين، عنفهم تعنيفاً شديداً، وقال لهم: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ هذا الخليفة الراشد أدرك قبل ألف وأربعمئة عام أن المنتج قوي، وأن المستهلك ضعيف، وأن القوي من المنتجين ينهب أموال الطرف الآخر إذا اشترى منهم، وينهبها إذا باعهم، مثلاً ما يزن ألف غرام من الصوف المصنع قماشاً راقياً يباع بثلاثة آلاف ضعف عن ثمن الصوف، ثلاثة آلاف ضعف بين ثمن الصوف قبل أن يصنع، وبعد أن يصنع، وهكذا يبدو المجتمع المنتج قوياً غنيّاً.
 
المال له صفة جماعية :
 
بعض الدعاة إلى الله فسر قوله تعالى:
﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾
[سورة الأنبياء: 105]
الذين درسوا قوانين الحياة، واستوعبوها، وطبقوها، فملكوا الدنيا، كما هي حال أعدائنا، أتقنوا أعمالهم، واستخرجوا ثرواتهم، واكتشفوا الأشياء التي هم بحاجتها، فملكوا ناصية الأرض، هذا شأن الدنيا، ثم إن الله عز وجل في قوله تعالى حينما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[سورة النساء: 29]
أي أنّ هذا المال له صفة جماعية، أنت حينما تكسب المال عن طريق هذا الكسب توفِّر فرص عمل للناس.
إنسان أخ كريم عنده معمل، وقد قلَّ ربحُه إلى درجة أنّ دخله أصبح يساوي مصروف المعمل، فجاءني مستفتياً، ألي الحق أن أنهي العمل؟ أنا لا أربح أبداً، قلت له: كم عاملا عندك في المعمل؟ قال: ثمانون، قلت له: أنت تفتح ثمانين بيتاً، هذا في حد ذاته في مقياس منهج الله ربح كبير، ثمانون أسرة بيوتها مفتوحة ونفقاتها مغطاة بسبب بقاء هذا العامل عندك في المعمل.
 
في الإسلام حدود لكن هناك تركيزاً شديداً على حفظ الأموال والأعراض :
 
لذلك: 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[سورة النساء: 29]
أي أنّ مال أخيك هو مالك من زاوية واحدة، من زاوية أنه يجب أن تحافظ عليه وكأنه مالك، كما تقول لمن تعيره مركبتك: عدَّها مركبتك، ماذا تقصد من ذلك؟ أن يعتني بها وكأنها مركبته، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[سورة النساء: 29]
بمعنى أنك إذا أكلت مال أخيك أضعفته، وإذا أضعفته كنت مكلَّفاً بالإنفاق عليه، فكأنك أضعفت نفسك، هذا معنى. والمعنى الثاني: أن هذا المال ينبغي أن يكون مالك، من زاوية أن تحافظ عليه وكأنه مالك، فلأن تمتنع من أكله من طريق غير مشروع من باب أولى.
أيها الأخوة: النبي عليه الصلاة والسلام بسنَّته القولية حث على العمل، وسيدنا عمر قال: "إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني "، النبي عليه الصلاة والسلام بسيرته العملية حث على العمل، جاءه رجل يطلب مساعدة، فقال عليه الصلاة والسلام: أعندك شيء في البيت؟ قال: والله ما عندي إلا قعب وحلس - الحلس قماش نجلس عليه، والقعب وعاء نشرب منه - قال له: ائتني بهما، النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه عرض القعب والحلس على أصحابه، قال: من يشتري هذين؟ فقال أحد أصحابه: أنا أشتريهما بدرهم، فقال من يزيد على ذلك - ومنا هنا شرعت المزايدة في البيع - قال آخر: أنا أشتريهما بدرهمين، فباع النبي الحلس والقعب لهذا الصحابي الثاني الذي اشتراهما بدرهمين، وقال للرجل السائل: اذهب فاشتر بدرهم طعاماً لأهلك، واشتر بالدرهم الثاني قدوماً وائتني به، جاء له بالقدوم، يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام شد بيده الشريفة عصاً على هذا القدوم، وقال: اذهب واحتطب، ولا أرينك لخمسة عشر يوماً، عاد بعد هذه الفترة ومعه ثمانية دراهم، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا خير لك من أن تسأل الناس أعطوك أو منعوك.
أيها الأخوة الكرام، في الإسلام حدود، لكن الشيء الذي يلفت النظر أن هناك تركيزاً شديداً على حفظ الأموال والأعراض، فلو أخذت مئة حكم شرعي لوجدت أنّ تسعين بالمئة من الأحكام الشرعية متعلقة بحفظ الأموال والأعراض، لأن المال والعرض شيئان أساسياً في المجتمع الإسلامي.
 
المال قوام الحياة والعدوان على المال عدوان على قوام الحياة :
 
أيها الأخوة، طبعاً هناك حد للعدوان على العرض، وهناك حد للعدوان على المال، وهو موضوع درس اليوم: 
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾
أخوتنا الكرام، المال قوام الحياة، والعدوان على المال عدوان على الحياة، هل تصدقون أن باحثة اجتماعية أرادت أن تبحث في موضوع الدعارة في بعض البلدان المجاورة، فوجدت أن خمسة وتسعين بالمئة من النساء اللواتي يمتهن الدعارة لم يمتهنها لفساد فيهن ولكن لفقرهن، أنت حينما تعتدي على أموال الناس فأنت تعتدي على حياتهم، وعلى قيمهم، وعلى مبادئهم، فأي إنسان يحاول أن يخفض القيمة الشرائية لما في أيدي الناس من أموال لا يدري ماذا يفعل، وهو بذلك يسبب أزمات لا تنتهي في كل أسرة، المال قوام الحياة، والعدوان على المال عدوان على قوام الحياة، لذلك السرقة عدوان على قوام الحياة، نحن نقول: المسلم في المجتمع الإسلامي مضمون له معاشه، والمكاسب التي تشرع في العالم الإسلامي مكاسب مشروعة، ليست مبنية على ضرر أحد، مبنية من جهد مشروع، فالعدوان عليها عدوان على الحياة.
من تعاريف السرقة: أن السرقة أخذ مال مقوَّم في حرز مثله، أي المال في بيت، والبيت له باب، والباب له قفل، والمال في خزانة، هذا معنى في حرز مثله، مال مقوَّم يؤخذ من حرز مثله خفيةً، لو أخذ بقوة السلاح فهو اغتصاب، وهذا موضوع آخر، لو خطف طفلٌ حاجة من محل، ولم يستطع البائع أن يلحق به فهذا اسمه خطف، لو عينت أمين صندوق، وهو عندك أمين، ثم اختلس من المال الذي بحوزته فهذا اسمه اختلاس، فالاختلاس شيء، والخطف شيء، والاغتصاب شيء، والسرقة شيء آخر.
السرقة، أن تأخذ مالاً مقوماً خفيةً في حرز مثله، هذا هو التعريف، لكن قد يغيب عن الناس أن هذه الفتاة التي تبرز كل مفاتنها في الطريق لسان حالها يقول: تحرشوا بي لأنني أتحرش بكم، بلباسها تتحرش بالشباب، وكأن لسان حالها يقول: تحرشوا بي، لأنني أتحرش بكم.
سقت هذا الكلام تمهيداً، والذي يدع ماله من دون حرز فهذا إهمال، كمن يكون عنده موظف صغير شاب فقير، ومكان المال بين يديه، ويغيب صاحب المال عن المحل التجاري، فكأن هذا الذي أهمل المال لم يضعه في حرز مثله، كأنه أغرى هذا الشاب أن يسرق منه، وقد يغب عن أذهان المؤمنين أن الذي يدع ماله معرضاً لسرقة ليس في حرز مثله لا يقلُّ إثمه عن إثم السارق، لأنه هو السبب، لأنه أغراه بالسرقة.
 
محاسبة المرء على الإهمال لأنه أغرى ضعاف النفوس بالسرقة :
 
أيها الأخوة، المرء محاسب عند الله أشد الحساب على الإهمال، والإهمال ألاّ تضع المال في حرز مثله، فالذي لا يضبط حساباته، ولا يضع المال في حرز أمين، ويعرِّضه للنفوس الضعيفة لا يقلُّ إثمه عن إثم السارق، لأنه أفسده.
مثلاً: صاحب محل تجاري له مكتب، والمبيعات توضع في هذا المكتب في درج، والدرج مفتوح، وذهب إلى مكان بعيد، وليس في هذا المحل إلا هذا الموظف، وهو ضعيف النفس، وجد الدرج مفتوحاً، المبلغ لم يحسب، يضع في الدرج المبيعات بشكل من الإهمال، من غير حساب، ولا هناك آلات دقيقة جداً، فشيء مغرٍ أن يأخذ من هذا الدرج، هل تصدقون أن هذا الإنسان صاحب المحل التجاري يحاسب عند الله كما يحاسب السارق، لأنه أغراه بالسرقة، كيف أن الفتاة بثيابها الفاضحة لسان حالها يقول: تعالوا تحرشوا بي، لأنني بهذه الثياب أتحرش بكم، كذلك الإنسان المهمل المقصِّر الذي لا يضع ماله في حرز حريز هو أحد أسباب أن تمدَّ اليد إلى هذا المال.
العلماء قالوا: اليد تقطع في ربع دينار، وربع دينار يكفي طعام أسرة يوماً بأكمله، لذلك سُئل أحد الفقهاء:
يد بخمس مئين عسجد وُدِيتْ       ما بالها قطعت في ربع دينار؟
*   *   *
فأجاب المسؤول:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها         ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
*   *   *
لما كانت أمينة كانت ثمينة، دية اليد التي تُقطَع خطأ عَشر مئين من الدنانير الذهبية.
يد بخمس مئين عسجد وُدِيتْ       ما بالها قطعت في ربع دينار؟
*   *   *
فأجاب المسؤول:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها         ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
*   *   *
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
 ((ادرؤُوا الحدودَ بالشبهاتِ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها ].
ويقول سيدنا عمر: والله لأن أخطئ في أن أدرأ الحد بالشبهات أفضل من أن أخطئ في أن أقيم الحد بالشبهات.
شريك يعتقد توهُّماً أن له عند شريكه مالاً، فلو أخذ منه لا تقطع يده بشبهة، قناعته أن شريكه ظلمه، والحديث عن هذا طويل، فحيثما كانت الشبهة لا تقطع اليد.
 
تعريف جامع مانع للمال الحلال والمال الحرام :
 
أيها الأخوة، لأن المال قوام الحياة، والعدوان على المال عدوان على الحياة، لذلك كان العقاب شديداً في منهج الله عز وجل، ولأن المسلم مضمون له حاجاته الأساسية، إن من عمله، أو من بيت المال، أو من أقاربه، أو من مجتمعه المسلم، ولأن المكاسب في ظل المجتمع الإسلامي مشروعة، ولأن المكاسب ثمرتها مال حلال، والمال الحلال لم يبنَ على مضرة بل بني على منفعة متبادلة، وأوضَح مثل البيع والشراء، فأنت تسكن في حي، إلى جانب بيتك إنسان يأتيك بالبضائع من محلات بعيدة، يبيعك إياها وأنت مرتاح بسعر يزيد على كلفتها، فأنت انتفعت بقربه منك، وبتلبيته لحاجاتك، وهو انتفع بهذا الفرق بين ثمن الشراء والبيع، أما السرقة فليست منفعة متبادلة، انتفع السارق على حساب المسروق، إذاً لو أردت تعريفاً جامعاً مانعاً للمال الحرام قلت: هو مال بُنِي على مضرة، ولو أردت تعريفاً جامعاً مانعاً للمال الحلال: فهو مال أُخِذ من منفعة متبادلة.
أيها الأخوة، كتطبيق عملي طُبِّق حد السرقة في بعض البلاد الإسلامية، طُبِّق بحزم قبل سنوات عديدة، والله القصص التي سمعتها، والمشاهدات التي رأيتها، وما تناقلته الأخبار عن الأمن في هذا البلد لا تصدَّق، رواتب محافظات تبعد عن العاصمة عشرات ألوف الأميال تُنقَل بسيارة مكشوفة، الذين يعملون بتبديل العملة يضعون الأموال في صندوق خشبي مفتوح، ويذهبون للصلاة، القصص التي يراها كل من زار هذا البلد حينما طبق هذا الحد شيء لا يصدق. لي قريب يأتي بطريق البر من هذا البلد، وأنا قلق عليه، قلت له: كيف تأتي وحدك؟ قال لي: ما مِن مشكلة أبداً، أشعر بحاجة إلى النوم فأنام في الطريق، ولا شيء أخاف منه.
الثمار العملية لتطبيق هذا الحد تفوق حد الخيال، لأنه من عند خالق الأكوان، الحقيقة أنه كان التطبيق على آحاد المسلمين، لكن الردع يبلغ درجة تفوق حد الخيال، أن تكون آمناً على بيتك وعلى مالك شي عظيم، فلذلك هذا الحد طبق في بعض البلاد، وقطفت ثماره اليانعة.
 
كمال الخلق يدل على كمال التشريع :
 
شيء آخر، سواء أفهمت أم لم تفهم، اقتنعت أم لم تقتنع، هناك حقيقة مقطوع بها، أن كمال الخلق يدل على كمال التشريع، أنا ربما لا أعرف الحكمة، وقد أقول كلاماً ليس مقبولاً، ولكن قال الشرع: تنتفع به سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف، لأن القاعدة تقول: الانتفاع بالشيء ليس أحدَ فروع العلم به، كإنسان يضع يده على مكيف فيأتيه الهواء بارداً، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإنسان آخر يضع يده على المكيف فيأتيه الهواء البارد، وهو دكتور في التكييف، ينتفع كلاهما بالهواء البارد سواء عرف الأول الأمي ماذا يجري في هذا المكيف أم لم يعرف، وهذا الشرع العظيم لمجرد أن تطبقه تقطف ثماره، وسواء عليك أعرفت الحكمة أم لم تعرف، لكن لا تكن تابعاً لمن يقول: هذا القطع فيه قسوة بالغة، نحن مجتمع متحضر لا نحتاج إلى قطع يد، لذلك في كل ثلاثين ثانية ترتكب في بعض البلاد الغربية المتفوقة جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب، وفي معظم الأحيان السارق يَقتُل حينما يكتشف أمره ومعه سلاح يَقتُل به، لذلك أن تضحي بيدين في كل العام لعشرات الملايين خير من أن يكون في كل ثلاثين ثانية جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب، لكن الشيء الدقيق في هذا الحد أن يكون تنفيذه أمام جمهرة من المسلمين، لأن الحد له هدف ردعي، والحقيقة هدفه الردعي أكبر بكثير من علاجه الفردي، له هدف ردعي:
﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[سورة النور: 2]
شيء آخر، أن الدخل المشروع الحلال يبارك الله لأصحابه فيه، بينما الدخل الحرام يمحق، وقد ورد في الأثر: مَن أصاب مالاً مِن مَهاوشَ أذْهَبَه اللَّه في نَهابِر. المال الحرام يذهب، بل يذهب بأهله:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
 
المقصود من أن الله عزيز حكيم :
 
طبعاً السرقة كسبُ الكسبِ، أيْ عدوان على كسبِ إنسان اشتغل أشهراً مديدة في حقله، وباع المحصول، وحمل الثمن، فجاء من سرق هذا المبلغ، هذا عدوان على الكسب الحلال، إذاً:
 ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ ﴾
عقاباً من الله:
 ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
فالسارق لا يغلب اللهَ عز وجل، السارق يسرق رزقه، ويعاقب على هذه السرقة. كتوضيح لهذه الفكرة: بستان فيه شجر تفاح، البستان العاشر في هذه القرية الشجرة التاسعة، الغصن السابع، التفاحة السادسة، هذه لفلان، حينما كوّنها الله عز وجل كوّنها لفلان، الآن فلان قد يأخذها سرقة، وهي في الأصل له، وقد يأخذها ضيافة، وقد يأخذها شراء، وقد يأخذها هدية، وقد يأخذها تسولاً، فالتسول والشراء والضيافة والهدية والسرقة من اختياره، أما هي له، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
أي أنّ السارق ما أخذ إلا ما سمح الله له به أن يأخذه لكنه أخذه حراماً، واللهُ حكيم، لأن الإنسان مخير يسمح له أن ينفذ اختياره، لكن لا على حساب الناس، كأن السارق مخير في أن يسرق، وليس مخيراً فيمن يسرق، يسوق الله السارق إلى من تعدّ السرقة منه حكمة، لا أقول عقاباً، قد تكون حكمة، لأن أحد الصحابة سُرق، فقال: اللهم إن كان هذا الذي سرق المال سرقه عن حاجة فاجعله آخر ذنوبه، وإن كان عن بطر فاغفر له، المؤمن يرى حكمة الله عز وجل، لا يسكت إذا كان في بيته سارق، ويقول له: افعل ما تريد، الله يرضى عليك، لا، ليس هذا هو المعنى، لكنه لا يحقد، أولاً: الله عزيز، لأن السارق أخذ ما سمح الله له أن يأخذ، لأن هذا المال رزق، لكنه اختار أن يأخذه سرقة ولو صبر لأخذه حلالاً. الشيء الثاني: الله حكيم، لأنه يسوق السارق لمن تعدّ سرقة ماله تأديباً، أو حكمة، أو امتحاناً.
 
لا يليق بألوهية الله أن يقع في ملكه ما لا يريد لكنه يمتحن عباده لينظر كيف يعملون :
 
قال تعالى:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾
لو أن إنساناً لا سمح الله ولا قدر أخذ مالاً حراماً، ولم يكشفه الله عز وجل، وأراد أن يتوب، القضية سهلة جداً، رُدّ المال لأصحابه، إذا كنت تستحي فلست مكلفاً أن تعلن عن اسمك، يمكن أن ترسل حوالة بريدية مع اعتذار لهذا الذي أخذت ماله:
﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾
أصلح أي ردّ المال لأصحابه:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
فلا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لكنه يمتحن عباده لينظر الله كيف نعمل:
﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾
الإنسان إذا سرق يعذَّب، وإذا عفَّ يغفر له، وإذا تاب يغفر له، وفي معنى آخر أنه يعذب في الدنيا بقطع اليد، لكنه إذا تاب بعد قطع اليد يغفر له في الآخرة:
﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
أيها الأخوة، هذا شرع الله، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، وأنا أعلم علماً يقينياً أن هناك من يهاجم الإسلام من خلال هذا الحد، لكن واللهِ لو كشف المجتمع الآخر فوائد هذا الحد لعضُّوا عليه بالنواجذ، أن تنعم أمة بأمن يفوق حد الخيال بسبب تنفيذ هذا الحد الشرعي هذا من عند الخالق، إلا أن هناك من يقول في بعض الندوات: إن هذا سلوك قاسٍ جداً، نحن متحضرون هذا يكفي أن نسجنه، السجن لا يردع، لكن قطع اليد يردع.
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب