سورة المائدة 005 - الدرس (18): تفسير الآيات (032 - 032) الدعوة إلى الحياة الحقيقية التي تليق بالإنسان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (18): تفسير الآيات (032 - 032) الدعوة إلى الحياة الحقيقية التي تليق بالإنسان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج براهين:  براهين - 07 - أسباب الالحاد           برنامج الصحة النفسية:  الصحة النفسية - 07 - التوجيهي - 21 - 04 - 2019           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 250- اسم الله الإله 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - قطرة ماء           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0269 - سورة الاعراف 095 - 102           برنامج على رواء: على رواء ح 96 - 20 - 04 - 2019 - دور الفرد في الحياة         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (032 - 032) - الدعوة إلى الحياة الحقيقية التي تليق بالإنسان

21/03/2011 05:08:00

سورة المائدة (005)
الدرس(18)
تفسير الآية: (32)
الدعوة إلى الحياة الحقيقية التي تليق بالإنسان
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
معنى الندم :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن عشر من دروس سورة المائدة، ومع الآية الثانية والثلاثين، وهي قوله تعالى:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
أيها الأخوة، الآية التي سبقت:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
ما هذا الندم؟ الحقيقة هو ندم الفطرة، لأن الإنسان فطر فطرة كاملة، وجبل جبلة كاملة، فلو خرج عن مبادئ الشرع، أو مبادئ منهج الله، أو مبادئ فطرته، لأصابه ندم شديد، والندم تعذيب الفطرة لصاحبها:
﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((الإِثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
[مسلم عن النواس بن سمعان ]
((البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْب))
[أحمد والدارمي عن وابصة ]
 
ما كان التخصيص لبني إسرائيل إلا بسبب أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق :
 
قال الله عز وجل:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾.
[ سورة الشمس: 7-8 ]
أيها الأخوة، من أجل ذلك أي بسبب أن قابيل قتل هابيل، وكل قاتل إلى يوم القيامة في صحيفة قابيل، لأنه أول من سفك دماً في الأرض. أيها الأخوة:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
لماذا بني إسرائيل بالذات؟ لأنهم قتلوا، فمن قتلوا؟ قتلوا أنبياءهم، أنت محرم عليك أن تسفك دماً، محرم عليك أن تقتل إنساناً أي إنسانٍ، كائناً من كان، فكيف بإنسان يدعو إلى الله عز وجل، فكيف بإنسان هو صلة السماء بالأرض، فكيف بإنسان يشيع في الناس العقيدة الصحيحة والسلوك القويم، لذلك هؤلاء الذين قتلوا أنبيائهم بغير حق هذا كان الحكم لهم بالذات، وما كان التخصيص لبني إسرائيل إلا بسبب أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾
 
النبي صلى الله عليه وسلم عصمه الله من أن يُقتَلَ قبل أن يؤدي الأمانة :
 
بعد قليل سيتضح أنه يجوز أن يُقتَل القاتل لأن القتل أنفى للقتل.
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[سورة البقرة: 179 ]
ويجوز أن يُقتَل عن طريق أولي الأمر المفسدون في الأرض، ولكن:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ ﴾
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل في آية أخرى:
﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة البقرة: 91 ]
أي النبي صلى الله عليه وسلم عصمه الله من أن يُقتَلَ، قال له:
﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾
[سورة المائدة: 67 ]
وبناء على هذه الآية صرف حراسه، ليكون واثقاً من أن عصمة الله لا يمكن أن تخرق، لذلك بعض الغربيين أسلم بسبب هذه الآية، لو لم يكن واثقاً من أن الله سيعصمه ما صرف حراسه، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يقتل، طبعاً سوف يموت، لكن يموت متى؟ بعد أن يؤدي الرسالة، ويبلغ الأمانة، وينصح الأمة، ويكشف الغمة.
 
حدود الله عز وجل لا يقيمها إلا أولي الأمر :
 
معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾
[سورة الزمر: 30 ]
بهذا المعنى.
﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾
[سورة آل عمران: 144 ]
بهذا المعنى، أي بعد أن يؤدي الرسالة ويبلغ الأمانة، لكن ما دامت الرسالة لم تبلغ، والأمانة لم تؤدَ فالله سبحانه وتعالى عصم نبيه صلى الله عليه وسلم بنص القرآن الكريم من أن يقتل قبل أن يؤدي الأمانة:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾
لو أن الإنسان قتل يقتله ولي أمر المسلمين، والحدود أيها الأخوة لا تقام إلا من قبل ولي أمر المسلمين، وإلا كانت الفوضى، ومن التطرف، ومن الانحراف عن منهج الله أن يتصور الواحد من المسلمين أنه بإمكانه أن يقيم الحدود من تلقاء نفسه، حدود الله عز وجل لا يقيمها إلا أولي الأمر.
 
الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نكون جميعاً وحدة إيمانية :
 
أيها الأخوة:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
كأن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نكون جميعاً وحدة إيمانية، قال تعالى مثلاً:
﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[سورة البقرة: 188 ]
المعنى: لا تأكلوا أموال بعضكم، لا تأكلوا أموال أخوانكم، لكن الآية:﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾، لأنكم إن أكلتم أموال أخوانكم فكأنما أكلتم أموالكم، لأن إضعاف المؤمن إضعاف لأخيه، ولأنك مطالب أن تحافظ على مال أخيك وكأنه مالك، فلئن تمتنع عن أكله ظلماً من باب أولى، توجيه رائعٌ جداً لكل مسلم مال أخيك هو مالك من زاوية واحدة، هو أنه يجب أن تحافظ عليه وكأنه مالك، فإذا كنت مكلف أن تحافظ عليه وكأنه مالك فلئن تمتنع عن أكله ظلماً من باب أولى، بكلمة: ولا تأكلوا أموالكم إشارة إلى أن هذا المال ينبغي أن تحافظ عليه.
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾
[سورة النساء: 29]
إنكم إن قتلتم مسلماً فكأنكم قتلتم أنفسكم، له زوجة وأولاد، أفجعتم أسرة تنتمي إلى المسلمين.
 
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة :
 
كأن الله في آيات كثيرة:
﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾
[ سورة الحجرات: 12 ]
هذه الآيات في مجملها تشير إلى أن الله يريدنا أن نكون مجتمعين، أن نشكل وحدة إيمانية، فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعض، إذاً:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
مطلوب أن الناس جميعاً عليهم أن يستنكروا فعل المنكرات لا أن يسكتوا، لذلك يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة، وحينما أرسل الله ملائكة ليهلكوا قرية قالوا: يا رب إن فيها رجلاً صالحاً، قال: به فابدؤوا، قالوا: ولمَ يا رب؟ قال: لأن وجه كان لا يتمعر إذا رأى منكراً، وحينما قال الله عز وجل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة آل عمران:110]
علة هذه الخيرية الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فإن قصرت الأمة في هذه الفريضة ليست خير أمة أخرجت للناس، هي أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل، لا تمتاز عن بقية الأمم ولا بشعرة.
 
المجتمع بأكمله ينبغي أن يستنكر المنكر وهذا من الإيمان :
 
أيها الأخوة الكرام، من أسباب هلاك بني إسرائيل أنهم:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة المائدة: 79 ]
بل إن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول: (والله لو أن أهل بلدة ائتمرت على قتل واحد لقتلتهم به جميعاً )، فالقتل أنفى للقتل، ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب، المجتمع بأكمله ينبغي أن يستنكر المنكر، وهذا من الإيمان.
حدثني أخ كريم سائق سيارة على خط دولي جاءته فتاة وشاب ليركبا معه، لكنهما ينتظرا محفظة تأتي بعد ربع ساعة، مضى ربع ساعة ولم تأتِ المحفظة، انتظر زمناً آخر فجاء رجل في السبعين من عمره، وقد وضع المحفظة على رأسه، فما كان من هذا الشاب إلا أن وكزه على رأسه ولامه على تأخيره، ثم أخذ المحفظة منه، وسارت المركبة، وفي منتصف الطريق سمع السائق هذه الفتاة وهي زوجته تقول للشاب وهو زوجها: لمَ ضربت أباك؟! فأوقف السائق المركبة، وطرد منها الراكبين، وأعطاهما ما دفعاه له، وقال: أخشى أن أقع في حادث مأساوي لأنكما أغضبتما ربكما.
لو أن كل واحد منا سمع أو رأى شيئاً منكراً فأنكره لكنا في حال غير هذا الحال، لو أن كل عم رأى بنت أخيه ترتدي ثياباً فاضحة فوعظها ونصحها، واستنكر عملها لكنا في حال غير هذا الحال، لذلك الذي يسبب هلاك المسلمين أن تقول: أنا ليس لي علاقة، حينما تقول: ليس لي علاقة، ولست مكلفاً، وأنا مكتفي بنفسي، وأنا أقيم الإسلام في بيتي ولا شأن لي بمجتمع الناس هذا أيضاً من ضعف الإيمان، لذلك يقول الله عز وجل:
 ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
أي يا أيها الناس جميعاً استنكروا فعلاً واحداً خرج عن منهج الله عز وجل.
 
حينما نتعاون على إقامة الحق وإنكار الباطل نعلو في عين الله جميعاً :
 
الحقيقة في ملاحظة تستدعي أن نذكرها، ما الذي يعين الإنسان على التجرؤ على الحق؟ ما الذي يعين الظالم أن يظلم؟ ما الذي يعين المجرم أن يرتكب جريمة ثانية؟ سكوت الناس عنه، لا شيء يعين على تفاقم الخطأ كسكوت الناس عن الخطأ، لذلك:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 104 ]
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، ولحكمة بالغة أن الله سمى العمل الصالح معروفاً، لأن النفوس البشرية تعرف المعروف بفطرها السليمة، ولأن النفوس البشرية تنكر الخطأ بفطرها السليمة، فالمعروف نعرفه بالفطرة، والمنكر ننكره بالفطرة، وهذا معنى أن الدين متوافق مع الفطرة توافقاً تاماً، لذلك لا شيء يعين الشرير على أن يرتكب الخطأ كسكوت الناس عنه.
قصة مشهورة جداً: رأى سبع من السباع في غابة ثيراناً ثلاثة، ثوراً أبيض، وثوراً أسود، وثوراً أحمر، فأقنع الثورين الأسود والأحمر على أن يأكل الأبيض فسمحا له، ثم أقنع الثور الأسود على أن يأكل الأحمر فسمح له، بقي أمامه الأسود، فلما توجه إلى الأسود ليأكله قال: أُكلت يوم أكل الثور الأبيض.
المجتمع الذي لا يتناصح، ولا يأتمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، مصيره إلى الزوال، وما من شيء يضعف الناس كتفرقهم، وما من شيء يضعف الناس كسلبيتهم، وما من شيء يضعف الناس كأن يقول الواحد: أنا ليس لي علاقة، أوضح مثلاً: شب حريق في نهاية الشارع، بينك وبينه عشرون بيتاً، إن لم تخرج من بيتك للمساهمة بإطفاء هذا الحريق فسيأتي إلى بيتك، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الأنفال: 25 ]
إن لم تسارع لإطفاء الحريق في نهاية الشارع فهذا الحريق سوف يصل إليك، لذلك حينما نتعاون على إقامة الحق، وإنكار الباطل نعلو في عين الله جميعاً، وحينما نتفرق وكل واحد ينتمي إلى ذاته، ولا يعنيه مجتمعه ينبغي أن ندفع الثمن باهظاً.
 
الآية التالية توجه إلى الحياة الاجتماعية :
 
طبعاً قصة أخرى ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: أن أناساً ركبوا قارباً واقتسموا بينهم الأماكن، فقال الذي في الأسفل: أنا سأثقب مكاناً في السفينة لأخذ الماء منه من أجل ألا أزعج من فوقي، فقال عليه الصلاة والسلام:لو أخذوا على يديه نجا ونجوا، ولو تركوه هلك وهلكوا.
أوضح مثل السفينة، إذا أراد أحد الركاب أن يثقب في أرض السفينة ثقباً ليأخذ منه الماء غرقت السفينة بمن فيها، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا.
أيها الأخوة الكرام: قال عليه الصلاة والسلام:
((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) 
[ مسلم عن جابر ]
كيف أننا في الكمبيوتر عندنا نسخ ولصق، فكل عمل صالح الذي دل عليه والذي دعا إليه له مثل النتائج التي تفعل هذا العمل:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
هذه الآية توجه إلى الحياة الاجتماعية، توجه إلى أن تنتمي إلى مجموع المسلمين توجه إلى أن يعنيك ما يعني المسلمين، توجه إلى أن تكون حاملاً  لهموم المسلمين، توجه إلى أن تكون إيجابياً لا سلبياً، توجه إلى أن تسهم بشكل أو بآخر في التخفيف عن المسلمين، الآن:
﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾
أعيد وأكرر: إنه ممنوع أشد المنع، ومحرم أشد التحريم أن تسفك دماً كائناً من كان، ولكن حينما يكون سفك الدم لإنسان له عمل صالح فقد حرمت المجتمع كله من هذا العمل الصالح.
 
حياة النفس أن تعرف الله وتتوب إليه وتعمل صالحاً وتتقي أن تعصيه :
 
أيها الأخوة الكرام: هذه آية تشير إلى قيمة من له عمل طيب عند الله عز وجل، هو في قلوب الناس جميعاً، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النجل: 120]
﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾
أحياها بتعريفها بربها، أحياها بحملها على طاعته، أحياها بأن دفعها إلى التوبة، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 24]
الإيمان هو الحياة، والطاعة هي الحياة، هناك حياة بيولوجية، حياة مادية، القلب ينبض، الرئة تعمل لها وجيب الأعصاب تستقبل، العضلات تتحرك، المعدة تهضم، الدم يدور في الأوعية، هذه حياة الجسم، لكن حياة النفس أن تعرف الله، وأن تتوب إليه، وأن تعمل صالحاً، وأن تتقي أن تعصيه، لذلك:
﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾
أي من دل إنساناً على الله، من عرف إنساناً بالله، من حمل إنساناً على طاعة الله، من دفع إنساناً إلى عمل صالح، من أعانه على التوبة، من سهل له طريق الحق، من جمعه مع أهل الحق، من نور قلبه بالهدى، أي عمل هدفه إحياء النفس فكأنما أحييت الناس جميعاً، السبب؛ هذا الذي دللته على الله، واهتدى بهدي الله، وانضبط وفق منهج الله، حوله أشخاص، له زوجة وأولاد، وله عمل يتعامل مع الناس، أي مئات بل ألوف من البشر تعاملوا معه، وأثنوا على استقامته، وعلى صلاحه، فكان سبباً لهدايتهم، ومن يصدق أنك قد تكون سبباً في هداية إنسان فتأتي يوم القيامة لترى أن هناك ملاييناً مملينة قد اهتدت إلى الله عز وجل عبر السنوات والحقب بسبب هداية هذا الإنسان، وهذا شيء لا يقدر بثمن.
 
الفساد أن تخرج النفس عن طبيعتها التي فطرها الله عليها :
 
عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعليّ رضي اللّه عنه:
((فَوَ اللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه ]
﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ ﴾
أيها الأخوة الكرام، نعود إلى كلمة الفساد:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾
طبعاً القتل أنفى للقتل:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾
أي أن يكون عقاب القاتل القتل، هذا يردع القاتل عن أن يقتل، فيحي نفسه ويحي الذي كان سيقتله:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ ﴾
والعرب تقول في الجاهلية: القتل أنفى للقتل:
﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾
الفساد أيها الأخوة أن تخرج النفس عن طبيعتها، هذه البنت التي خلقها الله، خلقها لتكون بنتاً تسعد أبويها، ثم لتكون زوجة لتسعد زوجها، ثم لتكون أمّاً تسعد أولادها، ثم لتعيش حياة مطمئنة هادئة راقية، فجاء الذي أفسدها ودلها على الزنى، فجعلها بغِيّاً، وعندئذ تكون سبباً لشقاء من يأتي بعدها، هذا هو الفساد في الأرض، أن تخرج الإنسان عن طبيعته التي فطره الله عليها.
 
الدعوة إلى الله دعوة إلى الحياة الحقيقية التي تليق بالإنسان لنيل رضوان الله تعالى :
 
ما الذي يجري الآن في العالم؟ يوضع إعلانات في الصحف عن فرص عمل في بلاد غربية برقم كبير جداً، تتقدم طالبات العمل، ولأن الإسلام حرم أن تسافر المرأة من دون محرم تقبل هذا الطلب المغري وتسافر، يؤخذ جواز سفرها، وتساق إلى الدعارة، وتضرب وتعذب إن رفضت، ولا تعطى مما يأخذون عليها إلا الشيء اليسير، آخر إحصاء سبعمئة ألف امرأة كل عام تدخل إلى حيز الدعارة، هذا الذي يفعل هذا ألا ينبغي أن يُقتَل؟ ألا ينبغي أن ترتاح الأرض منه؟ هذا يجري في دول شرق آسيا، وفي دول أوربة الشرقية، وفي بلاد كثيرة، هذا الفساد طفل صغير خلقه الله بريئاً تفسده، ويعمل في الدعارة؟ أيضاً الشيء الذي يجري في العالم لا يتصور من شدة الفساد في الأرض، فحد الذي يقتل نفساً بغير نفسٍ أن يقتل، وحدّ الذي يفسد الإنسان، يفسد براءة الأطفال، يفسد براءة الفتيات، هذا حده أن يقتل أيضاً على يد ولي المسلمين، هذا هو الحكم الشرعي، لذلك معنى قوله تعالى:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
لذلك قالوا: هذا الذي يكيد لخصم له، هذا محاسب عند الله، سواء أكان الذي أخذه منه مساوياً لما فقده أو أكثر، ولكن هذا الذي يقطع الطرق، قديماً كان هناك قطاع طرق والآن يوجد قطاع طرق لكن إلى الله، الطرق إلى الله تقطع بالشهوات، وصور العاريات والانحراف في الملمات، هذا كله أيضاً قطع طريقٍ إلى الله عز وجل، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾
فأنت إذا هديت إنساناً فكأنما أحييت الناس جميعاً، وأوضح دليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 24]
فالدعوة إلى الله دعوة إلى الحياة الحقيقية، دعوة إلى الحياة التي تليق بالإنسان، دعوة إلى الحياة التي ينبغي أن يحياها الإنسان، دعوة إلى الحياة التي يمكن أن تتصل بالآخرة، فتكون هذه الحياة سبباً لنيل رضوان الله تعالى.
أيها الأخوة الكرام، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
الإسراف تجاوز الحد.
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب