سورة فاطر 035 - الدرس (9): تفسير الأيات (34 – 40)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فاطر 035 - الدرس (9): تفسير الأيات (34 – 40)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة فاطر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فاطر ـ (الآيات: 34 - 40)

26/07/2012 15:18:00

سورة فاطر (035)
 
الدرس (9)
 
الآيات: (34 ـ 40)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
  

  
 بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
 
     الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا ، و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس التاسع من سورة فاطر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى أول الآية الرابعة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
(سورة فاطر)
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
 
1 ـ من نِعم الله الشدائد الحاملة على طاعته :
 
      هؤلاء الذين قالوا : هم أهل الجنة ، حينما دخلوا الجنة قالوا : الحمد لله ، يعني أن كل شيء ساقه الله لهم في الدنيا إذا أوصلهم إلى الجنة فملخص العلاقة بينهم وبين الله في الدنيا والآخرة أن الحمد لله ، وأهل الجنة يمتلئ قلبهم امتناناً وشكراً لله عز وجل ، فإذا ساق الله للإنسان في الدنيا بعض الشدائد ليعينه على نفسه ، ليحمله على طاعته فهذه نعمة باطنة .
     توضيحاً لهذا المعنى : لو أن مؤسسةً أرادت أن تعين موظفاً فيمكن أن تجعل من شروط التعيين أنه لابد من ستة أشهر كمدة تدريبية اختبارية ، ثم إن هذا الموظف التحق بعمله وتصرف ، فمديره كلما رآه أخطأ سجلها عليه ، فأخطاؤه تراكمت ، فلما انتهت ستة الأشهر قال له : ليس لنا بك حاجة وصرفه .
       هذا موقف فيه عدل كامل ، امتحنه المدير ، ورسب في الامتحان فصرفه ، هناك موقف فيه رحمة ، فحينما يخطئ هذا الموظف يأتيه التوجيه : افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، يضغط عليه تارةً ، يعنفه تارةً ، يشدد عليه تارةً ، إلى أن يستقيم عمله فيهذه الشركة ، فإذا مضت ستة أشهر صار مَرْضياً عند أصحابها ، واستمر في العمل ، فالموقف الثاني إذاً موقف رحمة .
     ربنا سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى كان من الممكن بعد أن أعطانا عقلاً ، وخلق كوناً ، وفطرنا فطرةً ، وأنزل كتاباً ، وتركنا وشأننا فقد نغفل ، وقد يجمح عقلنا ، وقد تنطمس فطرتنا ، وقد ننسى الآيات الدالة على عظمته ، فإذا جاء ملك الموت كنا ـ صفر اليدين ـ واستحققنا دخول النار ، لكن موقف الله جل وعلا هو التضييق ، والتشديد ، والتربية ، والمعالجة ، فإذا انتهت كل المعالجات وكل الشدائد ، وكل المضايقات ، وكل الأهوال ، إلى أن عرفنا الله ، واستقمنا على أمره ، وزكت نفوسنا وأصبحت أهلاً لدخول الجنة ، عندئذٍ تنقلب كل هذه الشدائد إلى نعم باطنة .
     الإنسان حينما يعالج ، وحينما تنجح المعالجة ، حينما يصاب بمرض ، ويأتيه الطبيب ، ويعطيه تعليمات قاسية ، ويشدد عليه إلى أن يشفى من مرضه تماماً يمتلئ قلبه امتناناً لله عز وجل ، إذاً : حال أهل الجنة كذلك المريض ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون في طريقهم .
     النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل الله الجنة ، وما قرَّب إليها من قول أو عمل ، ويعوذ به من النار وما قرب إليها من قول أو عمل .
     إنأهل الجنة حينما يرون الجنة وما فيها من نعيم مقيم ، وحينما يرتاحون من عناء الدنيا ، من القلق ، من الخوف ، من توقع المصائب من الكِبَر ، من المرض ، حينما يصلون إلى الجنة يقولون : الحمد لله ، لكن هذه الكلمة لسان حالهم ، نحن نستمع في الدنيا إلى آلاف الأشخاص ، وهم يقولون : الحمد لله ، قد تصبح هذه الكلمة جوفاء لا معنى لها ، تقول له : كيف الصحة ، يقول : الحمد لله ، يقولها وهو ساهٍ لاهٍٍ ، ولكن هذه الكلمة حينما يقولها أهل الجنة يقولونها بكل وجودهم ، قال تعالى :
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾
 
2 ـ الدنيا أحزان بعضها فوق بعض :
 
    وكأن الله جل في علاه لخص الدنيا كلها بأنها حزن في حزن ، وما من مرحلة من مراحل الحياة إلا وفيها أحزان لا تنقضي ، إن كان في التعليم ، في الزواج ، في تزويج البنات ، في معاملة الأصهار ، في العمل التجاري ، والحياة هكذا جعلت ، وهكذا صممت ، فقد أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري ، وتكدري ، وتضيقي على أولياءِ حتى يحبوا لقائي .
    هذه الدنيا تلخص بالحزن ، والآخرة تلخص بالسرور ، فشتان بين من يؤثرها على الآخرة فيخيب ظنه ، وشتان بين من يؤثر عليها الآخرة فيسعد في الدنيا والآخرة ، تسعد بها متى ؟ إذا عرفتها ، إذا عرفتها أنها مبنية على النقص ، إذا عرفتها أنها مبنية على الحزن ، إذا عرفت أنها مبنية على الابتلاء ، إذا عرفتها أنها دار مرور ، وليست دار مقر ، إذا عرفتها أنها دار تكليف ، وليست دار تشريف ، إذا عرفتها أنها دار عمل وليست دار جزاء .
     لذلك أجمل كلمة تقال في شرح هذه الآيةخطبة النبي عليه الصلاة والسلام : (( إن هذه الدنيا دار التواء ـ وسل أيَّ إنسان شئت : هل تخلو حياة الإنسان من بعض المتاعب ، من بعض النقص ، من بعض الهم ، من بعض الحزن ـ إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء )) .
[ ورد في الأثر ]
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34) ﴾
 
3 ـ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
 
      غفور لما وقعنا فيه من ذنوب ، وشكور لما فعلناه من صالحات ، اثنان يغطيان كل أحوالك إذا زلت قدمك ، فهو غفور ، وإذا عملت صالحاً فهو شكور ، إذا أخطأت فهو غفور ، وإذا أحسنت فهو شكور ، إذا منعت فهو غفور ، وإذا أعطيت فهو شكور ، إذا خرجت عن المنهج فهو غفور ، وإذا التزمت المنهج فهو شكور ، غفور شكور اسمان من أسماء الله الحسنى يغطيان كل أحوالك .
﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34) ﴾
ربنا ماذا ؟
﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
 
الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
 
1 ـ الرعاية والحفظ والتأييد من فضل على المؤمن :
 
      لولا أنه هدانا ، لولا أنه ذكرنا ، لولا أنه ربانا ، لولا أنه جمعنا مع أهل الحق ، لولا أنه ضيق علينا حينما غفلنا ، لولا أنه عاقبنا حينما انحرفنا ، لولا أنه سما بنفوسنا ، لولا أنه أنار لنا الطريق ، لولا أنه تولانا ، كلكم يدعو في صلاة الفجر : اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت .
      أيها الإخوة الأكارم ، حينما يشعر المؤمن أن الله يتولاه بالرعاية ، والحفظ ، والتأييد  ، والمعالجة ، فليطمئن قلبه ، ولتطب نفسه ، لأنه مطموع فيه ، ومطلوب إليه أن يقبل على الله عز وجل ، أما حينما يعصي الإنسان الله عز وجل ، والله عز وجل لا يعاقبه فهو في حالة صعبة جداً ، في حالة ميؤوس منها ، لذلك إذا شعرت أن الله يتابعك وأن الله يدقق عليه ، وأنك حينما زلت قدمك جاء العلاج ، وحينما غفلت جاء التذكير ، وحينما قصرت جاءت بعض المصائب فهذه بادرةٌ طيبة جداً ، لأنك مؤهل لأن تكون مؤمناً خالصاً .
﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ ﴾
 
2 ـ الدنيا دارٌ دنية ، والآخرة دار المقامة الأبدية :
 
      لقد سمح لنا أن ندخل هذه الدار ، دار المقامة ، الله عز وجل سمى الدنيا الحياة الدنيا ، وقد نغفل أحياناً عن معاني الكلمات ، حياة دنيا ، والآخرة حياة عليا ، دنيا في كل شيء ، دنيا في مدتها ، والإنسان حتى يستقر يحتاج إلى أربعين سنة ، وهذا في أحسن الظروف حتى يتزوج ، ويكون له بيت معقول ، ودخل معقول ، وسيلة نقل ، مركز مرموق ، ومعترك المنايا بين الستين والسبعين ، معنى هذا أنه بقي له نصف المدة ، نصف المدة إعداد ، ونصف المدة قطف ثمار ، ولا تخلو حياة الإنسان في النصف الثاني أو في الثلث الأخير من منغصات .
     الله سماها حياة دنيا ، حياة دنيا في مدتها ، دنيا في متاعبها ، لذلك قال سيدنا علي : << يا دنيا ، طلقتك بالثلاث ، غري غيري ، يا دنيا ، شأنك قليل ، وأمدك قصير >> .
﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ ﴾
     الإنسان العاقل أيها الإخوة هو الذي ينقل اهتمامه وكل أهدافه إلى الدار الآخرة ، لأنها دار المقامة ، والدار الآخرة مهيأة لإسعادك ، أما هذه الدنيا فمهيأة كي تعرف الله فيها ، مهيأة للعمل صالح ، مهيأة للاختبار ، مهيأة للابتلاء ، تبتلى بالفقر ، تبتلي بالغنى ، بالصحة ، بالسقم ، كل شيء في الدنيا فيه ابتلاء .
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾
إذاً : الدنيا كلها دار حزن ، والآخرة كلها دار نعيم .
﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34)الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
 
3 ـ الجنة محض فضلٍ ، والنار محض عدلٍ :
 
     لذلك قال علماء التوحيد وعلماء العقيدة : الجنة محض فضل ، بينما النار محض عدل ، إذا دخل الإنسان النار فبعدل الله ، وإذا دخل الجنة فبفضل الله ، وعمله مفتاح للجنة ، وليس ثمن الجنة ، وشتان بين المفتاح و الثمن ، كبيت يساوي ثلاثون مليونًا مفتاحهيساوي خمسا وعشرين ليرة ، فإذا كان معك مفتاح البيت شيء ، وإذا كنت قد دفعت الثمن فشيء آخر ، فالجنة بفضل الله ، والعمل الصالح مفتاح للجنة .
﴿ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ﴾
 
لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ
 
     فلان أجرى فحصًا ، وقال له الطبيب : قلبك متعب ، الشرايين متعبة ، وكذلك الكليتان متعبتان ،  الأعصاب متعبة ، فيها توتر عصبي ، دائماً الإنسان متعب ، كلما التقى بطبيب يقول له : هذا الجهاز ، هذا النسيج ، هذا العضو يشكو من قصور ، من تعب ، حتى لو أن الإنسان كان في أعلى درجات الصحة فهناك أمراض الشيخوخة سببها تقدم السن فقط ، يصبح لديه تصلبٌ في الشرايين .
إذاً ، في الآخرة لا نصب ، وليس من الممكن أن يكون هناك نصب إطلاقاً .
﴿ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ﴾
 
1 ـ معنى المسّ :
 
      إذا وضع الإنسان يده في النار شيء ، وإذا مس بإصبعه مكواةً شيءٌ آخر ، هذا مس بأقل زمن ممكن ، وأقل مساحة ممكنة ، والإنسان أحياناً يحب أن يجرّب المكواة ، يا ترى التيار يعمل فيها ؟ يضع إصبعه بعد أن يبله بلعابه بأقل مدة ممكنة ، وأقل مساحة ممكنة ، هذا المس ، حتى على مستوى المس لا يوجد نصب ، لم يقل لا يصيبنا فيها نصب ، بل قال :
﴿ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ولا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35) ﴾
 
2 ـ ولا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
 
     واللغوب هو الإعياء ، والإعياء أعلى درجات التعب ، أحياناً يضع الإنسان على يده ثقلاً ، ويرفعه زمناً ، وبعد حين يشعر بتعب ، ولكن بعد حين أطول يشعر بالإعياء ، ولا يستطيع أن يتابع ، وإنسان يركض ، بعد حين يشعر بالتعب ، لكن بعد حين أكثر يقف ، ويقول : لا أستطيع ، كلمة ( لا أستطيع ) يعني أصابه الإعياء ، ربنا عز وجل نفى الإعياء ، وهو شدة التعب ، ونفى النصب ، فأيّ نوع من أنواع التعب ليس وارداً في الجنة ، وكلمة (نصب) جاءت نكرة .
﴿ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ﴾
     يعني أدنى حالات النصب غير موجودة ، أدنى حالات التعب غير موجودة ، وأشد حالات التعب غير موجودة .
﴿ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ ولا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35) ﴾
     هذه هي الجنة ، أيستغنى عنها ؟ أنسعى إلى الدنيا ، ونغفل عن الجنة ؟ أنسعى إلى دنيا قصيرة مشحونة بالمتاعب والهموم ، ولا تستقيم على حال فيها ؟ وهي دار التواء لا تصفو لإنسان ، ونترك الجنة التي أعدها الله للمؤمنين ، وطريق الجنة ميسور ، وطريق النار موجود مبذول .
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
 
      هذه صورة مشرقة من مشاهد أهل الجنة ، أناس متنعمون في جنة وارفة الظلال ، تجري من تحتها النهار ، الأشجار قطوفها دانية ، العسل مصفى ، اللبن لم يتغير طعمه ، في تجلٍ من الله عز وجل ، مع كل هذا النعيم رضوان من الله عز وجل أكبر من كل نعيم ، هذه حال أهل الجنة ، وقد ورد في بعض الأثر أن المؤمن حينما يطلع على مقامه في الجنة يصيح صيحةً يقول : لم أرَ شراً قط .
     كل المتاعب التي ساقها الله له في الدنيا ينساها ، الطالب أحياناً حينما ينجح بتفوق ينسى كل المتاعب ، عام دراسي أمضاه في غرفة قمئة ، وقد قطع علاقته بالناس ، وبذل جهداً جهيداً ، حينما يقرأ اسمه في الجريدة ، وقد تفوق في المجموع ينسى كل التعب ، وحينما يرى الكافر مكانه في النار يقول : لم أر خيراً قط ، كل العز المادي الذي ناله في الدنيا ينساه ، وكل الطيبات التي استمتع بها ينساها ، وكل اللذات ، وكل الموبقات التي غرق بها ينساها ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35) ﴾
 
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
 
      الآن إليك مشهداً آخر من مشاهد أهل النار ، الصورة المقابلة ، وربنا عز وجل يريدنا أن نتجه إليه رغباً ورهباً ، أحوال أهل الجنة ترغبنا في الجنة ، وأحوال أهل النار تخوفنا منها ، والإنسان أحياناً ينطلق إلى الله عز وجل حينما يجتمع في قلبه رجاء وخوف ، الرجاء وحده يدعو إلى التقصير ، والخوف وحده يدعو إلى اليأس ، فلابد من أن يمتلئ قلب المؤمن بالخوف تارةً ، وبالرجاء تارةً أخرى ، وقد يدل على ذلك الحديث الذي ورد في الأحاديث القدسية : ((  قال ، يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحبَّ عبادي إليَّ تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب ، إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي )) .
[ ورد في الأثر ]
        فالآلاء من أجْل التعظيم ، والنعماء من أجل الحب ، والبلاء من أجل الخوف، فلابد من أن يكون في قلب المؤمن قدر أدنى من التعظيم ومن الخوف ، ومن الحب ، فربنا عز وجل ذكر صورتين : الصورة الأولى مشرقة تصف أهل الجنة ، قال تعالى  :
﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَامِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
(سورة فاطر)
      أما أهل النار فجاء وصفهم في الصورة الثانية ، فنعوذ بالله من أهل النار ، قال تعالى :
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
 
1 ـ معنى الكفر ودلالتُه :
 
     معنى الذين كفروا أي كذبوا بالحق ، ومعنى كفروا أي أعرضوا عن الله ، الكفر له صفة عقلية وصفة نفسية ، بعقله كذب الحق ، يكفي أن يقول هذا القرآن لا يصلح لهذا الزمان هذه كلمة الكفر ، أحد ممن كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم سمعه ابن زوجته يقول : والله لو أن محمداً صادق فيما يقول لكنا شراً من الحمر . ربنا عز وجل قال :
﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾
(سورة التوبة)
      هذه كلمة الكفر ، فإذا كذبت النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا كذبت هذا القرآن فهذا كفر .
     الحقيقة هناك موقف دقيق جداً ، آية قرآنية تضمَّنت حكماً قرآنياً ، فلو أنك قرأت قوله تعالى مثلاً :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
(سورة النور : آية 30)
      هذا كلام الله ، فلابدَّ أن تأخذ ، وتعمل به ، فحينما لا تغض البصر ما موقفك ؟ هل أنت على صواب ؟ إن كنت على صواب كأنك تقول : القرآن ليس واقعياً ، وإذا كنت تعصي الله عز وجل فكيف تستقيم نفسك ؟ كيف تتوازن مع ربك إذا كان هذا أمره ، وأنت تخالف أمره ؟ فالإنسان ينبغي أن يأخذ موقفاً واضحاً إذا ثبت له أن هذا كلام الله ، وأن هذا حكم الله ، وأن هذا أمر الله ، وأن هذا نهي الله عز وجل فكيف تسعه الدنيا إذا عصى أمر الله عز وجل ؟
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
1 ـ الكفر لكليُّ والكفر الجزئيّ :
 
      كذبواوأعرضوا ، كذبوا بالحق ، كذبوا بالدين ، كذبوا بالقرآن ، كذبوا بنبوة النبي ، وهناك تكذيب كلي وتكذيب جزئي ، فحينما لا تعتقد أن الربا محرم ، وتقول : هذا ليس ربا ، بل هذا معونة مثلاً ، حينما لا تعتقد أن الربا محرم فهذا كفر جزئي لبعض أحكام القرآن ، وكذلك حينما لا تعتقد أن هذه الفريضة واجبة وقد قال الله عز وجل :
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 97)
     فهذا كفر جزئي بهذا الفرض ، فالكفر كلي أو جزئي ، فحينما تكذب هذا الدين كله ، أو حينما تكذب القرآن كله فهذا كفر كلي ، وحينما لا تعتقد أن بعض أحكامه القرآن صحيحة ، أو معقولةً ، أو مناسبةً ، فهذا كفر جزئي .
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ﴾
 
لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا
 
حالة صعبة جداً ، لا هم موتى ولا هم أحياء ، قال تعالى :
﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾
(سورة طه)
﴿ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36) ﴾
      الموت مريح ، والحياة الناعمة مريحة ، لا يموت فيستريح ، ولا يحيا حياةً ناعمةً ، يحيا حياةً متعبةً يذوق فيها ألوان الحريق :
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36) ﴾
﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾
 
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا
 
     كلهم يصيح ، هذا يقذف بالتهمة إلى فلان ؛ لولا أنت لما كنت في هذا المكان ، وهذا يتأوه ، وهذا يتألم ، وهم يصرخون ، إنها صورة معبرة ، يَصْطَرِخُونَ ، أما المؤمنون فعلى سرر متقابلين ، مدعوون إلى حفلة راقية ، ويجلسون على أرائك مريحة ، ويتبادلون أطراف الحديث بصوت معتدل ، وبعبارات لطيفة ، وأهل النار يتصايحون .
﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾
 
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
 
راقب عملَك ، فإن العمل السيئ سببُ دخول النار :
 
      إذاً : بشكل ملخص ومكثف : سبب دخولهم النار عملهم السيئ ، ونحن نستفيد من هذه الآية في الدنيا ، عملك ما نوعه ؟ هل عندك إساءة بعملك ؟ هل عندك خروج عن منهج الله عز وجل ؟ هل كنت سبباً لإيذاء الخلق ؟ هل تبني غناك على فقر الناس ؟ هل تبني عزك على إذلالهم ؟ هل تبني مجدك على أنقاضهم ؟ هل تبني أمنك على خوفهم ؟ هل تبني حياتك على موتهم ؟ هل لك عمل طيب ؟ هل أساس حركتك في الحياة أخذ أم عطاء ؟
    أهل الدنيا تركيبة حياتهم قائمة على الأخذ ، يأخذون كل شيء ، يأخذون أموال الناس ، يأخذون خدمات الناس ، يأخذون جهود الناس ، يأخذون العز من إذلال الناس ، هؤلاء أهل الدنيا ، بينما أهل الآخرة يعطون الناس ، يعطون من العلم ، من المال ، من الخدمات ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم .
﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾
      يا أيها الإخوان ، كل إنسان له عمل طبعاً ، له حركة في الحياة ، له حرفة ، فهل فيها غش وفيها كذب ، وتدليس ، وابتزاز لأموال الآخرين ؟ وهل فيها سيطرة ، فيها احتكار ، وتحكم ، واستغلال ؟ لك وظيفة ، فهذه الوظيفة هل تستخدمها في ابتزاز أموال الناس أم في خدمة الناس ؟ كل إنسان له حرفة ، هل تنصح المسلمين أم تغشهم ؟ هل تصدقهم أم تكذبهم ؟ هل تنفعهم أم تضرهم ؟ هل تأخذ أموالهم حلالاً أم تبتز أموالهم ؟ عملك شيء أساسي ، وكل إنسان له عمل ، فليفحص عمله ، وليختبر تصرفاته .
      علاقتك في البيت ، هل أنت محسن أم مسيء؟ علاقتك مع جيرانك ، علاقتك مع من فوقك ، مع من دونك ، مع من حولك  .
﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾
     إذاً : لم يكونوا يعملون الصالحات ، كانوا يعملون السيئات ، إذاً : علامة المؤمن أنه يعمل الصالحات في كل مناحي حياته .
    يأتي الجواب ، جواب رب العزة :
﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾
 
أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
 
1 ـ أما نظرت حولك في سنوات عمرك كلها !؟
 
      عشت ستين سنة ، ستين صيفاً ، ستين خريفاً ، ستين ربيعاً ، ستين شتاءً ، أنجبت الأولاد ، وهذا درس بليغ لك ، هكذا كنت من ماء مهين ، من حوين ، وهذا الطفل الذي أمامك من خلق الله عز وجل ، هذا درس يعرّفك حقيقتك ، فطعامك آية ، أولادك آية ، شرابك آية ، ماء المطر آية ، السحاب آية  ، التضاريس التي حولك آية ، الأطيار آية ، الأسماك آية ، الأنعام آية النباتات آية ، الفواكه آية ، الخضراوات آية .
﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾
     بث في الأرض آيات للموقنين ، الكون كله ينطق بعظمة الله ، ينطق بتوحيد الله ، ينطق بوجود الله ، ينطق بكمال الله ، في كل شيء له آية تدل على أنه واحد ، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى ، تجسيد لصفاته الفضلى سخر لك الكون ، أعطاك العقل ، أعطاك الفطرة ، أعطاك الكتاب ، أعطاك الأنبياء والمرسلين ، عن كل هذا غفلت ، إنها قاصمة الظهر.
﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾
 
2 ـ لقد كان العمر كافيًا للتذكُّر والتفكّر :
      يعني عمّرناكم عمراً كافياً كي تتذكَّر ، القرآن الكريم نذير ، اقرأ القرآن فهي تعليمات الصانع ، توجيهات الصانع ، افعل ولا تفعل ، إنه منهج قويم ، وصراط مستقيم، وحبل الله المتين ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، يهدي للتي هي أقوم ، يهدي إلى صراط مستقيم ، نور مبين ، هكذا القرآن بين أيدينا ، نقرؤه آناء الليل وأطراف النهار ، أقرأ ما فيه ، تدبر ما فيه ، مسكين هذا الذي يقرؤه ولا يتدبر ما فيه .
﴿ أَو َلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
 
وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ
 
      أحياناً ترى طالباً طول العام الدراسي نائماً يلهو ويلعب ، يدخل إلى قاعة الامتحان يصفِن واجماً ، يُقرع الجرس ، وحين سحب الورقة من بين يديه يقول : دقيقة أستاذ ، طول العام الدراسينائم وثلاث ساعات يصفن ساهياً ، وعند انتهاء وقت الامتحان يطلب دقيقتين أو ثلاثاً ، وحين تشد الورقة منه تتمزق ، هذا كلام فارغ ، إذاً : هذا قائم على استهتار وعبث ..
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
 
ما هو النذير ؟
 
1 ـ القرآن :
 
     أيها الإخوة الأكارم ... أولاً القرآن هو النذير ، اقرأه بشكل جدي ، اقرأه مع تدبر ، اقرأه على أنه تعليمات خالق الكون ، اقرأه على أنه كتاب خطير جداً ، فيه تحديد لمسارات الحياة ، فالقرآن نذير .
 
2 ـ النبيُّ :
     والنبي عليه الصلاة والسلام بأحاديثه النبوية الشريفة هو النذير .
     ذكرت في الخطبة اليوم حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ
 
 أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .
[ الترمذي ، أحمد]
     الإنسان يعيش يا ترى إلى ما شاء الله ؟ نستيقظ ، ونعمل ، وننام ، ثم هناك مفاجأة ، بعد سنة أو أقل أو أكثر ، بل هناك مفاجآت ، وسوف ينتهي الأجل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( ...  بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ... )) .
     فقر ينسينا كل شيء ، أو غنىً مطغياً ، كما حصل لثعلبة الذي عاهد الله ، قال تعالى  :
﴿ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
( سورة التوبة )
       فالغنى مطغٍ ، والفقر منسٍ ، والمرض مفسد ، والهرم مفند ، وعند سن الشيخوخة يرد الإنسان إلى أرذل العمر ، فيضعف تفكيره ، ويغيب عن وعيه .
       حدثني صديق له أم توضع في مكان جلوسها وتربط ، قلت له : لماذا ؟ قال : لكيلا تأكل من نجسها ، ضعف تفكيرها ، وانتهى أمرها إلى أرذل العمر .
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ
 
 أَدْهَى وَأَمَرُّ)) .
فالنبي نذير بلغنا ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ :
(( اسْتَضْحَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقِيلَ : لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ مُقَرَّنِينَ فِي السَّلاسِلِ )) .
[ أحمد]
       أقرأ الأحاديث كما ينبغي أن تقرأ كلام الله قراءةً جادة فيها تدبر ، تعقل ، فيها فهم ، فيها دقة ، فيها عمق ، كذلك ينبغي أن تقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو النذير أيضاً ، كتاب الله هو النذير ، والنبي هو النذير .
﴿ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
 
2 ـ سن الأربعين :
 
كذلك قالوا : النذير سن الأربعين ، قال تعالى :
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾
(سورة الأحقاف)
       في الشباب طيش ، وجهل ، واندفاع ، ومراهقة ، أما إذا بلغ الأربعين توازن ، فكل تقصير ربما يعزى إلى المراهقة ، إلى السن الصغيرة ، أو إلى الطيش ، أو إلى الاندفاع ، أما إذا بلغ أربعين عاماً فقال تعالى :
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾
(سورة الأحقاف)
      الأربعون أيضاً نذير ، يعد عذرا ، قد أعذر من أنذر ، وسن الأربعين نوع من النذير في كتاب الله ، وهناك عمر أشد ، أشد حساباً ، وهو الستون .
 
2 ـ سن الستّين :
 
    ومن بلغ الستين أيعصي الله عز وجل في الستين ؟ أو يجلس في المقاهي ويلعب النرد ؟ وفي الستين يملأ عينيه من الحرام ؟ وفي الستين أيغتاب الناس ؟ هو على وشك أن يغادر الدنيا وهو متلبس بمعصية الله عز وجل ، لذلك قال الله عز وجل في بعض الأحاديث القدسية :
(( أبغض ثلاثاً ، وبغضي لثلاث أشد ، أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد )) .
[ ورد في الأثر ]
     في الستين وهو سهرة مختلطة ، في الستين وتستمتع بامرأة لا تحل لك أعوذ بالله .
 
﴿ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾
     فصار القرآن هو النذير ، والنبي هو النذير ، وسن الأربعين هو النذير ، وسن الستين هو النذير .
 
3 ـ المرض :
  
    وقالوا : الحمّى هي النذير ، المرض هو لفت نظر ، الله عز وجلمن رحمته التامة أنه يرسل المرض أحياناً فيوهم صاحبه بأنه دنا أجله لعله يتوب .
      حدثني شخص عن رجل كان يقود سيارته في أحد شوارع دمشق ، وهو يقود سيارته وزوجته إلى جانبه ، فجاءته أزمة قلبية ، ومن غرائب الصدف أن أحد أصدقائه كان إلى جانب السيارة ، فنزل ووضعه في المقعد الخلفي ، وقاد السيارة إلى أحد المستشفيات ، بعد أن صحا قليلاً قال : ائتوني بآلة تسجيل ، وقال بالحرف الواحد : المحل الفلاني ليس لي ، بل لإخوتي فلان وفلان ، وقد أخذته منهم اغتصاباً ، والأرض الفلانية لفلان ، وبدأ يعترف بالأموال التي ليست له ، وكان قد اغتصبها ، لكن بعد أسبوع شعر أن هذه الأزمة انحسرت كلياً فقال : أين الشريط ؟ أعطوه إياه فكسره ، وعاد إلى سيرته الأولى ، وبعد ثمانية أشهر جاءته أزمة أخرى فأودت به.
     إذاً : حكمة الله جل في علاه شاءت أن أرسل له الأولى !! الأولى نذير ، فإذا كان الإنسان تاركًا الصلاة ، آكلا المال الحرام، مغتصبا أموال الآخرين فهو في ظلمات ، فيأتي المرض نذيراً ، أن انتبه يا عبدي ، المغادرة أصبحت وشيكة ، يجب أن نعلم علم اليقين أن بعض الأمراض تعد نذيراً من الله عز وجل .
       فصار القرآن نذيراً ، والنبي نذيراً ، والأربعون نذيراً ، والستون نذيراً .
 
4 ـ الشيب :
    
      والشيب نذير ، فما حكمة الله في شيب الشعر ؟ طريقة لطيفة جداً ، إشعار لطيف جداً من قِبل المولى جل وعلا أن يا عبدي قد اقترب اللقاء ، فهل أنت مستعد ؟ أحياناً في بعض القرى الكهرباء ليست مستمرة في الليل ، فالساعة الثانية عشرة ينقطع تيار الكهرباء ، فقبل عشر دقائق تطفأ ثانية واحدة ، يعني استعدوا ، هيئوا أغراضكم ، توجهوا إلى السرر ، فهذا الإطفاء المؤقت لثوان معدودة قبل الإطفاء النهائي نذير ، إنذار مبكر ، فربنا عز وجل لرحمته بعباده جعل كل هذه الإنذارات ،  فالشيب إنذار ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :
"أن عبدي ، كبرت سنك ، وضعفبصرك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستحي مني فأنا أستحي منك " .
     هذا يضع نظاراته ، هذا ظهره منحنٍ ، هذا سمعه ضعيف يحتاج إلى مقوٍ للسمع ، هذا معه ديسك في فقراته ، هذه كلها نذرٌ من الله عز وجل أنَّ اللقاء اقترب يا عبدي ، فإذا أعطى الله الإنسان صحةً تامة فما شكا شيئاً طوال حياته ، ثم جاء الموت فمات فجأةً فليس هذا في صالحه .
    أيها الإخوة ، ليس هذا في صالحه أبداَ ، لعل المرض يحمله على التوبة ، لعل هذه المشكلة تدفعه إلى الطاعة ، لعل هذا يمنعه عن فعل الإساءات ، لعل هذا يحجزه عن اقتراف الموبقات .
 
5 ـ موت الأقارب :
 
     وقال بعض العلماء : وموت الأقارب هو النذير .
    الله عز وجل كان بإمكانه أن نأتي إلى الدنيا دفعةً واحدة ، وأن نغادرها دفعة واحدة ، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً ، وأن نغادرها تباعاً ، ففلان توفاه الله كان بيننا ، الأقرباء البارحة كنا معاً ، منذ أسبوع كنا معاً في نزهة ثم جاء أجله :
ما بين غمضة عين وانتباهتها    يبدل الله من حال إلى حال
***
    يكون الإنسان ملء السمع والبصر ، معروف ، وله مكانته ، فجأةً صار خبراً على الجدران ، الله تعالى قال :
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
(سورة المؤمنون)
     كان إنساناً مخيفاً له تصرفاته ، وله هيبته ، والناس يرهبون جانبه ، ويحسبون له حساباً .
    أحد السلاطين أمر شيخ النجارين أن يأتيه بمائة كيس نشارة ، وإن لم يأته بها فلابد من أن ينهي حياته ، فهذا أيقن أنه ميت ، فكتب وصيته ، طرق بابه صباحاً ، وقيل له : مات السلطان .
     أحياناً الإنسان فجأةً يصبح خبراً ، يكون شخصاً مليئاً قوياً ، غنياً ، شديداً ، عتيداً ، فالمصائب هي النذير ، وموت الأقارب هو النذير.
        إذاً : النذير هو القرآن ، والنبي ،  والأربعين ، والستون ، والشيب ، المصائب ، حتى الحمى ، والأمراض ، وموت الأقارب ، هذه كلها نذر . ( والنذر جمع نذير) .
﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37)إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) ﴾
 
إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
    
1 ـ علاقتك مع الله :
 
    لتعلم أن علاقتك مع الله ، والمشكلة أنك مكشوف عنده ، كل ما في خاطرك ، كل ما يدور في خلدك ، كل الصراعات في نفسك ، كل طموحاتك ، كل نواياك مكشوفة عند الله عز وجل ، فالإنسان ينبغي أن يستحي من الله .
     قال سبحانه في الحديث القدسي : " طهرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة ؟ " ما منظر الله عز وجل ؟ القلب ، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
(سورةالشعراء)
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
(سورة الشمس)
 
2 ـ هنيئاً لمن كان قلبه سليماً :
     
      هنيئاً لمن كان قلبه سليماً ، ليس فيه غش ، ولا حسد ، ولا حقد ، ولا انحراف ، ولا كبر ، ولا استعلاء ، قلب سليم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فجاء أحد الصحابة ، ثم إن صحابياً جليلاً أراد أن يقتدي به ، فافتعل مشكلة مع أهله ، وقال : أريد أن يبيت عندك ثلاثة أيام ، فرحب به ، هذا رآه يصلي الصلوات المفروضة فقط ، ما رأى في عبادته شيئاً يزيد على الحد الأدنى ، فقال له : أنا والله أردت أن أقيم معك في البيت لأرى عباداتك فما رأيتها تزيد على عباداتي ، فملخص القصة أنه قال له : فو الله ما يكون في قلبي غل على أحد ، فكانت سلامة قلبه سبباً لدخول الجنة ، كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
      هذا هو القلب السليم .
     كان لرجل خصوم ، ينهشون عرضه ، ويتحدثون عنه ، فقال له أحدهم : " إني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك ، فقال هذا العالم : أو سمعتني أقول عنهم شيئاً ؟ قال : لا  فقال : عليهم فأشفق " .
 
﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
(سورة الشعراء)
سبب دخول الجنة هو هذا القلب السليم .
 
﴿ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37)إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌبِذَاتِ الصُّدُورِ (38) ﴾
 
3 ـ إِنَّهُ عَلِيمٌبِذَاتِ الصُّدُورِ
 
      شعور الإنسان بأن الله يعلم فهذا شيءٌ مريح ، وقد يكون تعاملك مع إنسان أمراً صعباً ، قد تكون بريئاً ، ويتهمك بشيء ، أنت بريء منه ، تحلف له الأيمان ، تقدم له الأدلة ، فيقول : انتهى الأمر ، واعتقد هذا الاعتقاد ، لكنك مع الله الأمر سهل جداً ، يعلم السر وأخفى ، لا تحتاج لا إلى حلف يمين ، ولا إلى إبراز وثيقة ، ولا إلى إشارة ، ولا إلى عبارة ، يعلم ما أنت عليه ، وإذا علمت أن الله يعلم حلت كل المشكلات ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .
 
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ
 
      ثم يقول الله عز وجل :
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ ﴾
 
    وهذه الآية دقيقة جداً .
    مرة قرأت كتاب قصصِ العرب ، هو كتاب ممتع ، فيه حديث عن قصص وقعت في العصور الإسلامية المختلفة ، وبعد أن انتهيت منه شعرت أن الأقوياء ماتوا ، والضعفاء ماتوا ، والعلماء ماتوا ، والجهال ماتوا ، والأغنياء ماتوا ، والفقراء ماتوا ، والأذكياء ماتوا ، والحمقى ماتوا ، وأن هذه الحياة لا تدوم لأحد ، وأنه بعد حين سنصبح خبراً من الأخبار ، كلمة :
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ ﴾
      سوق الحميدية مثلاً ، الآن فيه طقمٌ من أصحاب المحلات ، قبل خمسين سنة كان هناك طقم آخر ، وقبل مائة سنة كان هناك طقم ثالث ، وبعد خمسين قادمة سيكون طقمٌ رابع ، هذه البيوت ، هذا البيت فلان عمَّره ، وزينه ، أسسه ، ثم مات ، البيت كبير ، له أبناء عدة ، باعوه ، واشتراه رجل آخر بدل وغيَّر ، أقام حائطاً ، نزع حائطاً ، أنشأ شرفة ، أيضاً كبرت سنة ، ومات ، وبيع البيت بعد وفاته ، واشتراه جاء رجل ثالث ، هذه البيوت يأتيها الناس تباعاً ، المحلات يأتيها الناس تباعاً ، المزارع يأتيها الناس تباعاً ، هذه البلاد كان فيها الرومان ، كان فيها الآشوريون ، الكلدانيون ، الكنعانيون ، أقوام سحيقة سكنت هذه البلاد ، وعاشت فيها ، واستعلت ، ثم جاءها أقوام ، وأقوام ، وأقوام .
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ ﴾
      على مستوى بلاد ، على مستوى بيوت ، على مستوى محلات ، على مستوى مزارع ، على مستوى بساتين ، بعد هذا الأقوياء يتناوبون ، فلان قوي انهار فجأةً ظهر مكانه رجل آخر، هكذا ، حتى الأعمال فلان يشغل هذا المنصب، أحياناً تقرأ ببعض الكتب أن هذا المنصب تولاه أحد عشر مديراً على الترتيب التالي ، أكثرهم في عداد الموتى ، آخر مدير حي ، وهكذا ، فالمناصب ، والمزارع ، والبيوت ، والمحلات ، والبلاد ، والعباد كلهم في تبدل ، مادام في الحياة تبدل ، أي كلنا إلى زوال ، هذا المسجد ، وهؤلاء جميعاً ، وأنا معكم بعد مائة عام في الأعم الأغلب لن يبقى أحد منا حياً ، والله أعلم ، يلينا طقم ثانٍ ، وقبل مائة عام ما كان أحد منا مولوداً ، هذه المائة من باب الاحتياط فأخذنا أعلى رقم ، قبل مائة عام لم يكن أحد منا موجوداً ، وبعد مائة عام لا أحد منا في عداد الأحياء ، وهكذا .
 
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾
 
فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
 
  في القرآن دقائق ورقائق ، قال :
 
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾
( سورة البقرة)
      المهتدي فوق الهدى ، الهدى يرفعه ، الهدى يعزه ، الهدى يعلي قدره ، الهدى يجعله علماً ، الهدى يجعله نجماً متألقاً ، أولئك على هدى من ربهم ، أما من كفر فعليه كفره ، صخرة تسحقه ، الكفر فوقه ، أما المؤمن فهو فوق الهدى ، والهدى يرفعه ، لكن الكافر فالكفر يسحقه .
 
﴿ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا ﴾
 
وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا
 
1 ـ المقت :
 
     المعنى : المقت أشد أنواع الكراهية ، إذا اجتمع مؤمن في مجلس مع رجل كذاب ، وكلما تنفس نفساً يكذب معه كذبة ، هل لك أن تسهر معه سهرة ، أو أن تخرج معه نزهة ، أعوذ بالله ، هو رجل قذر ، أو بذيء اللسان ، أو هو رجل مزاحه رخيص ، المؤمن رقيّ النفسي يجعله إيمانه يترفع عن هذه المستويات ، هذا هو المقت ، انظر ،  فالمستقيم يكره المنحرف ، والأمين يكره الخائن ، والصادق يكره الكاذب ، والنظيف يكره القذر ، هذا هو المقت .
      ربنا عز وجل كامل كمالاً مطلقاً ، فإذا رأى عبداً يكذب ، عبداً منحط الأخلاق ، عبداً خائناً ، لئيماً ، ، غداراً مثلاً ، منتقماً ، حريصاً ، بخيلاً ، جشعاً ، فالله عز وجل يمقته ، والمقت أشد أنواع الكراهية ، قد يقول لك قائل : ولو أن الله مقته فماذا حدث ؟ جاء الجواب :
﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا(39) ﴾
 
وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا
 
إذا مقت الله عز وجل الإنسان خسر وخاب ، وأصبح في أشد البوار والخسارة ، ويمكن أن يكون المؤمن يمقته كافر ، قال تعالى :
﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾
(سورة آل عمران)
       ممكن أن يكره رجل كافر مؤمناً ، يكرهك منحرفٌ ، وأنت مستقيم ، قطعت عليه بعض النفع ، فكرهك ، وكاد لك ، هذا لا قيمة له ، أما إذا مقتك الله عز وجل فهذه كل الخسارة ، وأنت لست على شيء عندئذٍ ، كل الخير في رضوان الله عز وجل .
    أقول لكم هذا الكلام : أعلى شيء يناله إنسان في الدنيا أن يرضى الله عنه ، وأسوأ شيء يصيب الإنسان أن يسخط الله عليه ، لأن الله عز وجل هو كل شيء ، فإذا رضي عنك رضي عنك الناس جميعاً ، إذا أحبك الله ألقى حبك في قلوب الخلق ، وإذا مقتك الله عز وجل ألقى مقتك في قلوب الخلق ، فلا أحد يحبك ، وينصرف الناس عنك ، فلذلك :
 
﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا(39) ﴾
مقت وخسارة .
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ ﴾
 
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ
 
1 ـ لا ينبغي للإنسان أن يبيع نفسه لغير الله :
 
      هذا الذي تعتمد عليه ، تتكل عليه ، تعطيه شبابك ، تعطيه عقلك ، تعطيه ذكاءك ، تعطيه قلمك ، هذا الذي علقت عليه الآمال ، هذا الذي عبدته من دون الله ماذا فعل ؟ مخلوق ضعيف مثلك ، مفتقر إلى مولاه مثلك ، فالإنسان لا يليق به أن يبيع نفسه لغير الله ، تبيع حياتك ، تبيع  جهدك ، تبيع عرقك ، تبيع تعبك ، يتبع شبابك ، لغير الله عز وجل فهذا أخسر الخاسرين ، من وهب شبابه لغير الله ، من وهب لسانه لزيد أو عبيد ، تفكر في محاسن زيد أو عبيد ، وتثني عليه ، وتتحمس لإنسانٍ مثلك ضعيف لا ينفعك ، ولا يضرك ، فهذا اللسان ينبغي أن يكون لله ، أن ينطق بذكر الله ، هذه الخبرات ، هذه الإمكانات ، هذه الطاقات ، هذا العمر ، هذا الشباب ، هذا المال ، هذا الجهد ، هذه الخبرة ، ينبغي أن تكون كلها لله ، لذلك فالله عز وجل يقول :
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص)
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ ﴾
 
2 ـ لم يخلق الشركاءُ شيئا :
 
       هل هناك قارّة هم صنعوها ، أهم خلقوا البحر مثلاً ؟ هل هناك شيء في الأرض بر أو بحر ، جبال أو وديان أو أشجار ، أو فواكه ، أو أطيار أو أسماك ، هم صنعوها أو خلقوها ؟ هل لهم شيء ؟ هل لهم حصة ؟ هل يستطيع أحد أن يدعي أنه خلق شيئاً في الأرض .
      ربنا عز وجل يرينا ضعف الإنسان ، فمثلاً تنحبس الأمطار ، فهل في الأرض كلها جهة تستطيع أن تجتمع ، وتقرر إنزال الأمطار ، تفضلوا واجتمعوا ، وإذا صدر معكم قرار والمادة الأولى فيه : يجب أن تهطل المطار يوم كذا ، فهل هناك جهة في الأرض تستطيع أن تفعل هذا ؟ أحياناً يأتي مرض فيروسي يحار منه العلماء ، الله عز وجل يؤدب الناس بأمراض بسبب انحرافهم ، فيقف العلم عاجزاً ، ومرض الإيدز مثلاً هو عقاب من الله عز وجل لانحراف العصر ، شبح مخيف ، العلماء والجامعات ، والمخابر ، يقفون عاجزين أمام هذا المرض ، وكم من أمراض تحدَّت كلَّ العلماء إزاءها عاجزين .
       أحياناً زلزال يجعل الأرض عاليها سافلها ، تجد بناء من ثلاثين طابقاً أصبح ركاماً ، مدينة على الساحل الأطلسي فيها فسق وفجور إلى ما لا نهاية يأتيها السياح من كل أطراف الدنيا ليستمتعوا بالمعاصي ، ففي ثلاث ثوان أصبحت تحت الأرض ، وهناك فندق شهير وكبير جداً يزيد على ثلاثين طابقاً غاص كله تحت الأرض ، وبقي الطابق الأخير عليه ، وبقيت لوحته كالشاهدة على قبر ، أي هنا دفن هذا الفندق ، الله عز وجل بيده كل شيء .
﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾
      هل تجد مجرةً صنعوها ، يقولون غزونا الفضاء ، كلمة فيها سوء أدب ، فيها تعالٍ قطعوا ثانيةً ضوئية واحدة ، كلمة غزوا القمر أي قطعوا ثلاثمئة وستين ألف كيلو متر بمركبة بقيت يومين أو ثلاثة أيام بسرعة أربعين ألف كيلو في الساعة ، والقمر يعد لصيق الأرض ، كيف يقطعون مثلاً ثماني دقائق ضوئية إلى الشمس ، أو ثلاثة عشر ساعة قطر المجموعة الشمسية ، أو مئة وخمسين ألف سنة ضوئية ، قطر المجرة ، أو أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب إلينا ، أو مليون سنة ضوئية المرأة المسلسلة ، أو ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، بُعْدُ بعض المجرات ، قطعوا ثانية ضوئية واحدة ، أنسب ثانيةً ضوئية واحدة إلى ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية فماذا تجد ؟ غزونا الفضاء كلام فيه سوء أدب .
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا ﴾
     هذه الآية تشير إلى أنه لا إله إلا الله ، وأن كل الشركاء عباد فقراء عاجزون .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب