سورة فاطر 035 - الدرس (4): تفسير الأيات (09 – 10) الآيات الكونية هي الطريق الوحيد لمعرفة الله

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة فاطر 035 - الدرس (4): تفسير الأيات (09 – 10) الآيات الكونية هي الطريق الوحيد لمعرفة الله

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج بذور - برنامج زراعي:  برنامج بذور -الحلقة - 81           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 171- الشيخ محمد الحاج محمد - 22 - 8-2019           برنامج أغرب من الخيال:  أغرب من الخيال - 28-وسطية العبادة           برنامج تربية الأولاد:  وسائل تربية الأولاد - 72- التربية بالقدوة 2           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 163- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0395 - سورة يونس 071 - 071         

الشيخ/

New Page 1

     سورة فاطر

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة فاطر ـ (الآيات: 09 - 10) - الآيات الكونية هي الطريق الوحيد لمعرفة الله

18/07/2012 17:32:00

سورة فاطر (035)
 
الدرس (4)
 
تفسير الآيات: (9 ـ 10)
 
الآيات الكونية هي الطريق الوحيد لمعرفة الله
 
 
 
لفضيلة الشيخ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة أتم والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الأكارم ... مع الدرس الرابع من سورة فاطر ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾
 
مقدمة لقوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ
 
1 ـ ظاهرة الرياح والسحاب والمطر :
 
أيها الإخوة الأكارم ، ظاهرة السحاب ، وظاهرة المطر ، وظاهرة الرياح ، وظاهرة إحياء الأرض بعد موتها ، وظاهرة النبات ، هذه كلها أشياء مشاهدة مِن قبل جميع الناس ، ولكن الإيمان لا في مشاهدتها ، فكل الناس يرونها ، وكل الناس يلاحظونها ، وكل الناس يؤمنون أن حياتهم متوقفة عليها ، ولكن المؤمن يرى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرسل الرياح  فتثير سحاباً ، فكأن العقل البشري يصل إلى أن هذا النظام المُعجِز لا بد له من خالق ، لا بد له من مصمم ، لا بد من عقل أول ، لا بد من خالق عظيم ، لا بد من رب كريم ، لا بد من مُسيّر حكيم ، يأتي الجواب في القرآن لهذا الإنسان ، الله الذي فعل هذا ، كذا وكذا .
يا أيها الإنسان هذا الذي تراه ، هذا الذي تعاينه ، هذا الذي تتوقف حياتك عليه الله هو الذي يفعله ، هذا معنى قول الله عز وجل في هذه الآية ، وفي كل الآيات المشابهة .
 
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
(سورة الرعد : 2)
 
﴿ وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ﴾
(سورة النحل : 65)
 
2 ـ هذه الأفعال من الله تعالى :
 
كلمة ( الله ) ، الذي فعل كذا وكذا ، فهذه الظاهرة التي تراها رأي العين ، هذه الآية التي يعرفها جميع الناس هي مِن فعل الله سبحانه ، فالمؤمن يرى أن يد الله هي التي تحركها ، المؤمن يرى أن الله هو الذي يفعل ، أن الله هو الذي تفضل ، أن الله هو الذي سير ، أن الله هو الذي قدر ، فهذا معنى قول الله عز وجل :
 
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ ﴾
 الله صاحب الأسماء الحسنى ، أسماء الله الحسنى جمعت كلها في كلمة ( الله ) ، وهي علَم على الذات الكاملة ، فهذه الأسماء كلها تتلخص في وجود الله ، وفي قدرته ، وفي وحدانيته ، وفي كماله ، هناك أسماء قدرة ، وأسماء كمال ، في وجوده ، وفي قدرته ، وفي كماله ، وفي وحدانيته ، فكل هذه الصفات مجموعة في كلمة ( الله ) عز وجل ، أو في اسم الله الأعظم ( الله ) ، صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى .
هل عرفت مَن الذي سير الرياح ؟ هل عرفت أيها الإنسان من الذي ينزل الأمطار ؟ هل عرفت أيها الإنسان من جعل هذه الأرض تهتز وتربو وتخضر وتزهر ؟ إنه الله .
 
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
 
3 ـ الآيات الكونية من أجل معرفة الله :
 
يا أيها الإخوة الأكارم ، حينما يسوق لنا ربنا جل وعلا في كتابه العزيز بعض الآيات الكونية فما معنى ذلك ؟ ما المراد من ذلك ؟ المراد أن يا عبدي إذا أردت أن تعرفني فهذا هو الطريق ، إذا أردت أن تعرف عظمتي ، إذا أردت أن تعرف قدرتي ، إذا أردت أن تعرف تربيتي ، إذا أردت أن تعرف علمي ، إذا أردت أن تعرف حكمتي ، فأنت لا تراني ، ولن تراني ، لأن الله جل وعلا ، لا تدركه الأبصار ، ولكن إذا نظرت إلى الكون فإنه أثر من آثاره ، تتجلى فيه حكمته ورحمته ، وقدرته ، وعلمه ، وخبرته ، ولطفه ، وقوته ، وغناه ، كل أسماء الله الحسنى تتوضَّع في الكون ، بل إن بعضهم يقول : ما الكون إلا مظهر من مظاهر الكمال الإلهي ، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى  ، وبالتعبير المعاصر الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى ، أسماء الله الحسنى لن تراها رأي العين ، ولكن ترى آثارها ، فإذا أردنا أن نؤمن بالله حق الإيمان ، إذا أردنا أن نتوصل إلى معرفة الله حق المعرفة ، المعرفة التي لا نعصيه بها ، المعرفة التي تحملنا على طاعته ، هذا هو الطريق ، لذلك في آيات أخرى يقول الله عز وجل :
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
(سورة الجاثية : 6)
 
4 ـ الكون بوضعه الراهن معجزة :
 
لو أنّنا رسمنا ترياقاً وحيداً للطب ، فأي طريق آخر لن يوصل المرءَ ليكون طبيباً ، فلو قرأ طالب المجلات الطبية كلها فلن يكون طبيباً ، فشاءت حكمة الله أن يجعل من خلقه دليلاً عليه ، شاءت حكمة الله أن يجعل الكون مظهراً لأسمائه ، فإذا أردت أن تعرفه فكما جاء في الأثر : " حسبكم الكون معجزة" .
من دون خرق عادات ، بوضعه الراهن ، بوضعه الاعتيادي هو المعجزة .
هذه الأرض التي نحن عليها ، شاءت حكمة الله أن تكون كرة ، وللشكل الكروي ميزات كثيرة ، الخطوط على هذا الشكل لا تنتهي ، قال تعالى :
 
﴿  وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾  
(سورة الرعد : 3)
 
5 ـ كروية الأرض وأثر ذلك على المخلوقات :
 
الخط على جسم الكرة مستمر ، تذهب من حيث أتيت ، تدور ، فشاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة ، وشاءت حكمة الله أن تكون بهذا الحجم فلو كانت أكبر من هذا الحجم ، لأصبح وزن الإنسان عليها ثقيلاً جداً ، ولو كانت أصغر من هذا الحجم لاستحالت الحركة عليها ، إذاً : شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة ، ذات شكل كروي لميزات كثيرة قدرها الله  عز وجل ، التكوير يحتاج إلى شكل كروي .
﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾
(سورة الزمر : 5)
فلو كان شكل الأرض مكعباً يأتي النهار فجأة ، والليل يأتي فجأة ، لكن هذا اللغز :
 
﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾
لاحظ بعد صلاة الفجر كيف يتداخل النهار مع الليل ، ولاحظ بعد أذانِ المغرب كيف يتداخل الليل مع النهار ، لولا الشكل الكروي لما كان ذلك .
 إذاً : شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة ، وأن يكون حجمها مناسباً  وشاءت حكمة الله أن تكون الأرض فيها قسم يابس ، أرض صلبة ، وفيها قسم سائل ، إذاً : هناك بحار ، وهناك يابسة ، والأرض مكونة من خمس قارات ، ومن بحار ، لكن هناك حكمة رابعة هي أن نسبة البحار إلى نسبة اليابسة نسبة محكمة ، لو كانت المسطحات المائية أقل مما هي عليه لأصبحت الأرض قاحلة جرداء ، هذه المسطحات المائية الواسعة التي تزيد على أربعة أخماس الأرض ، هي التي تسبب الحياة على الخمس الأخير ، إذاً : كرة بحجم معين ، وبقوام معين ، وبتوزيع بين الماء وبين اليابسة بشكل معين .
ويستحوذُ على العقل شيءٌ خامس ، تداخُل اليابسة مع المحيطات أيضاً فيها حكمة بالغة ، فكل المنخفضات متمركزة فوق قبرص ، وهذه الجزيرة تؤدي أهدافاً كبيرة جداً في طبيعة الطقس ، والمناخ ، والأمطار والرياح ، أمّا هذه الجزر ، فجزر في شمال إنكلترا ، وجزر في بعض المحيطات ، جزر شرقي إفريقية ، جزر في المتوسط ، هذه لها وظيفة كبيرة ، إذاً : فضلاً عن وجود اليابسة والماء ، وعن نسبة الماء إلى اليابسة ، تَوزُّعُ اليابسة مع الماء ، تَوَزُّعاً حكيماً ، كيف تعرف الله عز وجل ؟ من خلال التدقيق في آياته .
 
6 ـ الغلاف الغازي :
 
شيء آخر ، وهو أن اللهَ عز وجل جعل للأرض غلافاً غازياً ـ هواء ـ هذا الهواء له ميزات كثيرة ، أولاً الهواء وسيط ، وسيط لنقل الحرارة ، ووسيط لنقل البرودة ، وسيط لنقل الصوت ، ومع ذلك لا يشكل الهواء حاجزاً يمنع الرؤية ، الهواء لطيف ، وقد يتجلى اسم اللطيف في الهواء ، فهو شيءٌ موجود بيننا ، وبين كل شخصين ، لولا الهواء لما نُقل صوتي إليكم .
إنَّ رواد الفضاء وهم على سطح القمر كانوا بحاجة إلى جهاز لاسلكي ليستمع بعضهم إلى بعض ، وهم إلى جنب بعضهم ، فلا تجدُ هواءً ، عندهم إذاً لا يسمعون صوتاً ، ومن نعمة الله عز وجل علينا أن زود هذه الأرض بغلاف هوائي ، هذا الغلاف الهوائي لو كان ثابتاً والأرض تدور لدمر كل ما على سطح الأرض ، لأن سرعة الأرض حول نفسها تزيد على 1560كم في الساعة ، ونحن نعرف أنّ أشد أنواع الأعاصير تدميراً للمدن بأكملها سرعتها 800 كم في الساعة ، طبعاً سرعة 800 كم للرياح تدمر كل شيء بإذن ربها ، لكن هناك غلاف هوائي محيط بالأرض ، لكنه متحرك معها ، هذا من نعمة الله عز وجل .
 
7 ـ دوران الأرض :
 
الأرض تدور ولو أنها كانت لا تدور لانعدمت الحياة مِن عليها ، بكل بساطة ، لأن الأرض كرة ، سطح من سطوحها يقابل الشمس ، والشمس مسلطة عليها آلاف السنين ، بل آلاف ملايين السنين ، لا بد من أن ترتفع حرارتها إلى درجة مستحيلة ، العلماء قدروها بـ 350 فوق الصفر ، ولابد من أن تنخفض الحرارة في الطرف المقابل 270 تحت الصفر ، الصفر المطلق ، وعندها تنتهي الحياة ، إذاً : شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة ، وأن تكون بحجم معين ، وأن تكون بقوام معين ، وأن يوزع فيها الماء واليابسة توزيعاً حكيماً ، وأن تتداخلاً اليابسة مع الماء تداخل حكيماً ، وأن تغلف بغلاف غازي ، هو الهواء وكل صفات اللطف في الهواء ، وفوق كل ذلك شاءت حكمة الله عز وجل أن تدور الأرض .
يا أيها الإخوة الأكارم : هذه أشياء بديهية ، من مستوى طلاب الثانوي ، الأرض تدور ، لو أنها دارت على محورٍ ، موازٍ مستوي دورانِها حول الشمس ، الشمس هكذا ، وهي تدور حول الشمس ، هذا مستوى دورانها حول الشمس ، لو أن الأرض تدور هكذا ، حول محور يوازي مستوى دورانها حول الشمس ، ما الذي يحصل ؟ كأنها واقفة ، هذه الدورة هكذا تجعل نصف سطحها مقابلاً للشمس ، والنصف الآخر باردا عديم الدفء والضوء ، إذاً : لا وجود لإله حكيم ، لدارت هكذا على نحو يخالف ما هي عليه ، ممكن أن تدور هكذا ، لو أنها هكذا دارت والمحور عمودي على مستوي الدوران دارت هكذا ، الشمس جاءت موازية لكل سطح الأرض لانعدمت الفصول ، ولما كانت الفصول الأربعة ، لا صيفٌ ، ولا شتاء ، ولا ربيع ، ولا خريف ، لو كان المحور أفقياً لا نستفيد شيئاً ، ولانتهت الحياة ، لو كان المحور عمودياً تماماً لانعدمت الفصول وانعدم النبات ، فمَن الذي صمّم أن يكون محور الأرض مائلاً هكذا ، والشمس من هنا ، الكرة مائلة وتدور هكذا ، إذاً : أشعة الشمس تأتي إلى هنا عمودية ، فيكون الصيف ، وتأتي إلى هنا مائلة فيكون الشتاء ، فإذا دارت الأرض دورة حول الشمس انعكست الآية فصارت أشعة الشمس عمودية هنا فيكون صيف ، ومائلة هنا فيكون الشتاء ، هذا تصميم مَنْ هذا ؟
لي صديق ركب طائرة من شمال أمريكة إلى البرازيل رأى العجب العجاب ، في شمال أمريكة ، أو في أمريكة الشمالية حيث الصيف الحار ، والناس على شواطئ البحار ، ويرتدون الثياب الخفيفة ، فلما طارت به الطائرة إلى جنوب الكرة الأرضية رأى العواصف والأعاصير والثلوج ،  في يوم واحد ، شمال الأرض صيف ، وجنوبها شتاء ، وبالعكس ، فهذا تصميم مَن ؟ خلق مَن ؟ ترتيب مَن ؟ تنظيم مَن ؟ الله سبحانه وتعالى ، فإذا أردت أن تعرفه فهذا هو الكون يدلك عليه .
 
8 ـ الليل والنهار :
 
 
أمّا الليل والنهار فإنّ الله عز وجل قال :
 
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
(سورة الروم : 22)
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ﴾
(سورة فصلت : 37)
الليل يأتي بعد النهار ، لأن الأرض تدور هكذا ، والشمس من هنا فيكون النهار ، فلو أن الأرض دارت دورة كل مائة ساعة مثلاً لصار النهار خمسين ساعة ، وأنت لك طاقة محددة ، في أثناء النهار تنام ، وتستيقظ ، ثم تنام أيضاً ، والنهار قائم ، ثم يأتي الليل خمسين ساعة فتنام ، وتستيقظ ، وتنام ، والليل قائم ، من جعل سرعة دورة الأرض حول نفسها ، سرعة متناسبة مع طاقة الإنسان ، الإنسان يعمل ثماني ساعات  يأكل ويرتاح ساعتين أو ثلاثاً ، يأتي الليل يسكن فيه ، ينام ثماني ساعات ، يصلي الفجر ، يستيقظ فتشرق الشمس ، هذا التناسب بين قدرة الإنسان وطاقته ودورة الأرض حول نفسها .
 هناك كواكب سيارة تدور دورة كل خمسين عاماً ، تدور دورة في ساعتين ، والتنوع شديد جداً في الكواكب التابعة للمجوعة الشمسية ، والأرض تدور حول نفسها دورة كل 24 ساعة ، مَن صمم ذلك ؟ الله رب العالمين .
وهناك شيء آخر : طبعاً كل هذا مقدمة لهذه الآية :
 
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ﴾
 
9 ـ كيف تتحرك الرياح ؟
 
الرياح كيف تتحرك ؟ ما دامت الأرض تدور بمحور مائل إذاً هناك منطقة حارة ، ومنطقة باردة ، المناطق الحارة في الأرض ، مناطق شمالية باردة ، وخط الاستواء حار ، والجنوبية باردة ، وهناك صحارى في أعماق القارات ، وهناك سواحل بحار ، وهناك بحار ، ما الذي يحصل ؟ إنَّ الهواء كغيره من الأجسام يتمدد بالحرارة ، وينكمش بالبرودة ، فالهواء في المنطقة الباردة ينكمش ، يزداد ضغطه ، يقول لك : ضغط مرتفع ، وفي الأماكن الحارة ،  يتمدد ، ويتخلخل ، ويقلّ ضغطه ، ما دام هناك منطقة في الأرض بارد فالهواء فيها كثيف ، مضغوط ، ثقيل .
أنا مرة في موسم الحج حينما أقلعت الطائرة بنا من جُدة شعرت أن إقلاعها في زاوية صغيرة جداً ، في دمشق أقلعت على نحوٍ ما  ، في جدة على نحوٍ آخر ، سألت أحد الطيارين فقال لي : إِن الهواء ساخن هناك مخلخل ، لا يحمل الطائرة ، تحتاج الطائرة إلى مسافة طويلة جداً كي تقلع ، لكي تصعد في الهواء ، أما في دمشق فالحرارة أدنى من جدة ، فالهواء إذا كان ساخناً يتمدد فيتخلخل فيقلّ ضغطه ، فيقال : ضغط منخفض ، كما يقال : مُنخفض جوي ، وإذا برد الهواء ، ويتكاثف يزداد ضغطه ، ويثقل وزنه ، فحينما تكون بالأرض منطقة باردة ، هواؤها ثقيل ، مضغوط ، ومنطقة حارة هواؤها خفيف وممدد ينشأ اختلاف في الضغط ، ودائماً الشيء المضغوط يهرب إلى المنطقة ذات الضغط الأقلّ ، من هنا تنشأ الرياح ، فهناك رياح تأتي من القطب الشمالي إلى خط الاستواء ، ورياح تأتي من المناطق الحارة الساحلية إلى المناطق الباردة الداخلية ، هذا هو سر تشكل الرياح على سطح الأرض ، فمن صمم هذا ؟ من جعل الهواء يتمدد ؟ من جعل البرودة تجعل الهواء ينكمش ؟ الله جل وعلا .
إذاً : هل تعرف أيها الإنسان من صمم شكل الأرض ؟ ومن صمم حجمها ؟ ومن صمم سطحها ؟ ومن وزع الماء فيها ؟ ومن وزع القارات ؟ و من وزع الجزر ؟ ومن جعلها متداخلة ؟ ومن صمم الهواء فوقها ؟ ومن صمم دورانها على محور مائل ؟ ومن صمم الليل والنهار ؟ وصمم الصيف والشتاء والربيع والخريف ؟ من صمم كل هذا ؟ مَن جعلها بسرعة مناسبة لطاقة الإنسان ؟ الله رب العالمين ، فلذلك :
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ﴾
وكذلك هناك شيء آخر ، هذا الماء في الدرجة الاعتيادية يكون سائلاً ، إذا بردته في الثلاجة يصبح ثلجاً ، من صمم العناصر ، لها درجة تَجَمُّد ، وكذلك درجة انصهارٍ ، ودرجة تبخرٍ ، كل ما على الأرض بدرجة تكون صلبة ، وبدرجة تكون سائلة ، وبدرجة تكون غازية ، يمكن أن يصهر الحجر البازلتي ، يمكن أن يُجَمّد الهواء ، وفي الأصل الهواء غازي ، وكذلك عندك هواء سائل ، مع التبريد والضغط ، وعندك هواء جامد ، هذه قاعدة عامة ، ومن تصميم ربنا عز وجل أن الماء حينما يسخن يتبخر ، إن أشعة الشمس مسلطة على مساحات واسعة جداً على سطح الأرض ، إذاً : يحدث ما يسمى بالتبخر .
 
التبخُّر :
 
ما هو التبخر ؟ التبخر يعني علاقة حكيمة صممها الله عز وجل بين الماء والهواء ، فالماء إذا تبخر تداخل في الهواء ، يقولون : هواء مشبع ببخار الماء ، وأنت ائتِ بإبريق شاي في الشتاء ، وضعه على المدفأة ، ثم أوقد هذه المدفأة ، بعد ساعتين أو ثلاثاً يفرغ ماؤه ، أين أصبح ماءه ؟ في جو الغرفة ، لو عندك جهاز رطوبة لرأين أن الرطوبة ترتفع عندك من 35 إلى 40 ، وفي الساحل الرطوبة 90 درجة ، في الداخل 30 ، في الغابات 60 أو 65 ، من صمم أن الماء إذا تبخر حمله الهواء ، إنه لقانون رائع جداً ، أن هذا الهواء عند كل درجة من درجات الحرارة يحمل كمية ماء معينة ، فمثلاً هواء في درجة فرضاً 50 ، يستوعب 20 غراماً بخار ماءٍ ، لو هبطت درجته إلى 30 يتخلى عن قسم من الماء ، وهذا هو سر تشكل الأمطار ، المنطقة الحارة يكون الهواء مشبعاً ببخار الماء ، فالله عز وجل يسوقه عن طريق الرياح الشديدة ، ويدفعه إلى منطقة باردة ، وفي هذه المنطقة الباردة يتخلى الهواء عن ذرات الماء التي احتجزها ، ومن جعل بخار الماء يختلط مع الهواء ، ويبدو شفافاً ، وفي حالات يبدو سحباً ، السحب حالة وسط بين الهواء المشبع ببخار الماء وبين الأمطار ، قطرات المياه ، إذاً : الله عز وجل هو :
﴿ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ﴾
بعض العلماء قال : الرياح الساخنة كثيرة بخار الماء ، والرياح الباردة تعيد بخار الماء إلى ماء ، الأمطار تتشكل من رياح ساخنة تبخر الماء في البحار ، ومن رياح باردة تكثفه في طبقات الجو فيغدو أمطاراً .
إذاً :
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾
 
فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ
 
1 ـ فكِّر فيمن أحيا الأرض بعد موتها :
 
انظر إلى شجرة في الشتاء ، لأنها حطب ، انظر إلى أرض قاحلة في الشتاء فهي أرض ميتة ليس فيها شيء ، انظر إليها في الربيع ، اهتزت وربت ، تصبح الأرض قطعة من الجنة ، المروج كلها خضراء ، من أين جاءت هذه الأزهار بنفسجية اللون ، صفراء اللون ، حمراء اللون موزعة ، ذات ألوان وأشكال وروائح ، أين كان كل هذا ؟ انظر إلى الأرض في الشتاء ، لا شيء فيها ، موت مطبق ، الأشجار خشب يابس ، فإذا هي في الربيع ترتدي حلية قشيبةً ، الأزهار ، البراعم ، الأوراق الثمار ، من فعل هذا ؟ فقال :
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾
بفضل الله عز وجل في هذا العام الأمطار وفيرة ، إذا خرجت إلى أي منطقة تجد الأزهار ارتفاعها متر أينما ذهبتَ ، الأزهار البرية التي تنبت من تلقاء ذاتها بحسب ما يظنه الناس ارتفاعها متر ، أين كان كل هذا ؟ انظر إلى أرض في الشتاء تراها ميتة ، فإذا جاءت الأمطار اهتزت وربت ، وانبتت من كل زوج بهيج ، هذا خلق الله قال :
﴿ فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
هذه الظاهرة بربكم ألا ترونها كل عام ؟ إن الذي مضى عليه 30 سنة احذفْ منها 5 سنوات إذ لم يكن مدركاً ، 25 مرة رأى الأرض يابسة ميتة ، فالأشجار خشب ميت ، جاء الربيع ازدهرت الأشجار ، والأرض اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج  ، هذه الظاهرة يراها أحدنا 40 عاماً أو 30 عاماً ، ألا يُفكّرُ في الذي خلقها من هو ؟ يدُ من ؟ صنع من ؟ خلق من ؟ الله جل في علاه .
إذاً :
﴿ فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
 
النبات معجزة من معجزات الخالق :
 
أيضاً النبات ، مَن الذي يدرك أن هذا الماء وظيفته أن يحل معادن التربة ، التربة فيها معادن ، فيها كلسيوم ، فيها مغنزيوم ، فيها فوسفات فيها آزوت ، فيها قصدير ، في كل الأسمدة معادن ، أشباه معادن يأتي الماء فيحل هذه المعادن ، تأتي هذه الشعريات المتوضعة على أدق الجذور ، هذا الجذر الضعيف في رأسه قلنسوة تفرز مادة تذيب الصخر ، وفي بعض الجبال ترى الجذور بين الصخور ، قد تعجب ، يا رب هذا الجذر الضعيف الرقيق ، والنبات اللين الغض ، كيف يدخل بين الصخر ، لأن الله عز وجل زوده برأس ليس رأسَ الماس ، ولكن هو رأسٌ هلامي فيه مادة تذيب الصخر ، وقد يمتد جذر الشجرة إلى 30 متراً تحت الأرض ، بحثاً عن الماء ، الجذر يمشي ، وعلى رأس هذا الجذر أشعار ماصة ، هنا العظمة ، شجرة فستق ، شجرة لوز ، إِجاص ، تَمْر ، مشمش ، تفاح ، عنب ، تسقى بماء واحد .
﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾
(سورة الرعد : 4)
كل فاكهة لها طعم ، ولها قوام ، ولها قشرة معينة ، ولها شكل معين ، ولها صفات معينة ، وتسقى بماء واحد ، العظمة أن هذا الجذر الذي لا يعقل ، يختار من التربة ما يناسب نوع الثمرة التي سوف يحملها شجره ، التفاح فيه حديد ، واليخنة فيها فسفور ، وفيها مواد معينة ، وأكثر النباتات فيها معادن ، معادن مُنحلة ، حسناً فمن الذي أنبأ هذا الجذر أن يأخذ البوتاس ، خذ الكلسيوم ، خذ المنغنيز ، خذ الفوسفات ، خذ الآزوت ، من قال له ذلك ؟ أيعقل أن يكون هذا الجذر عاقلاً ، أم أن الله عز وجل هو الذي سير ذلك ، كل شجرة تأخذ حاجتها من التربة ، من المعادن المنحلة في الماء ، هذا السائل الذي حلت فيه بعض المعادن يصعد بأوعية ، الأوعية مدعمَّة بألياف حلزونية لئلا يكون نمو الشجرة عرضاً ، دافعاً لها لتضيق لمعتها ، وفي النسغ الصاعد أنابيب مدعمة بألياف حلزونية لئلا تضيق لمعتها عند نمو النبات ، تصميم مَن هذا ؟ يصعد هذا السائل إلى الورقة .
وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ، قرأتُ كتاباً في النبات فأدهشتني مقدمة كتبت في رأس هذا الموضوع ، قال فيها : إن أعظم معمل صنعه الإنسان اليوم لا يرقى إلى مستوى الورقة ، ما هذه الورقة ؟ هي معمل قائم بذاته ، تأخذ الطاقة من الشمس ، الفوتونات وفيها اليخضور ، وفيها شلات الحديد ، وتأخذ هذا السائل وتصنع منه نسغاً نازلاً ، هذا النسغ سائل وحده يصنع الأوراق الجديدة ، والأغصان الجديدة ، والبراعم الجديدة ، والثمار الجديدة ، قل :
 
 
﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة : 111)
 
﴿ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة السجدة : 25)
تارة يصبح ثمرةً ، وتارة يصبح غصناً ، وتارة يصبح برعماً أو جذراً ، أو قشرةً ، أو لحاءً ، ما هذا الإعجاز في الخلق .
أيها الإخوة الأكارم ، أقرب شيء لنا جسمنا والنبات ، أنا أقول لكم : وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ فينا آيات لو أمضيت كل حياتك ، ووقفت عند دقائق جسمك لا تنتهي الآيات ، وبإمكانك أن تعرف الله من خلال خلقك ، وبإمكانك أن تعرف الله من ظاهرة النبات وحدها .
هذه الآية دقيقة جداً ، ربنا عز وجل حينما يذكر في القرآن بعض الآيات الكونية إنما يذكرها لتكون منطلقاً لنا في تفكيرنا ، وهي عناوين موضوعات ، وما عليك إلا تأخذها ، وأن تتابع التفكير فيها .
 
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
 
إثبات البعث : كَذَلِكَ النُّشُورُ
 
يا ترى ما هدف هذهالآية ؟ لماذا ؟ قال :
 
﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾
أنتم تستعظمون أن يعاد الخلق مرة ثانية ، أن تخلق هذه الأجساد البالية في القبور ، أن يعاد خلقها مرة ثانية ، ألا ترى ظاهرة النبات ؟ ألا ترى ظاهرة الأمطار ، والرياح ؟ فالذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن ينبت هذه الأجسام من جديد .
إذاً : ربنا عز وجل ساق لنا هذه الآية الكونية لتكون دليلاً ثانياً على إعادة الخلق ، قال :
 
﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾
 ألا ترى هذه الآيات جلية واضحة بأم عينيك ، الذي خلق هذا كله ، قادر على أن يعيد الخلق مرة ثانية :
 
﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾
وبعد فما الذي يمنع الإنسان من أن يؤمن ؟
 
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ
 
هنا نقطة دقيقة جداً ، وهذه النقطة تبين علاقة الآيتين بعضهما ببعض ، الإنسان أحياناً يحصّل مركزاً معيناً ، أو دخلاً معيناً ، أو تجارة معينة ، أو شأناً معيناً ، أو مكانة معينة ، ربما خاف على هذه المكانة ، هذا المركز ؛ فهو يرفض الحق حفاظاً على مركزه ، هناك عوامل كثيرة يرفضها ، وهناك أشخاص كثيرون يرفضون الدين ، لا كراهية في الدين ، لا لأنهم لم يقتنعوا به ، هم مقتنعون به ، ولكن يتوهمون لضعف إيمانهم أنهم إذا تدينوا ، أو إذا آمنوا ، أو إذا صلوا ، أو إذا تابوا ، أو إذا انضبطوا يخسرون مكانتهم أو مناصبهم ، أو دنياهم العريضة ، أو دخلهم الكبير ، أو مكانتهم في الأرض ، فهذا الوهم الخطير ، ربنا عز وجل بدده في هذه الآية ، قال :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
 
1 ـ الحاجات الأساسية للإنسان :
 
والإنسان أيها الإخوة كما تعلمون ، له حاجات أساسية .
أول حاجة من حاجاته : وجوده ، لذلك هو يبحث عن طعام ، والنفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت ، الإنسان قبل كل شيء ، فم مفتوح يأكل ، فهذه هي الحاجة الأولى .
الحاجة الثانية : الإنسان بحاجة إلى أن يبقى نوعه ، من أجل بقاء جسمه يحتاج إلى الطعام والشراب ، ومن أجل بقاء نوعه يحتاج إلى الزواج ، فشهوة البطن ، أو الحاجة إلى الطعام ، هي رقم واحد ، وثانياً الزواج ، حسناً لقد أكل وتزوج ، ثم عنده حاجة السعادة ، كإنسان مهم له شأن ، تصور أحياناً الشريك ، يكون أحد الشركاء أقوى من الثاني ، فالقوي يذل الضعيف ، وأحياناً الإنسان يحس أن كرامته قد جرحت فينسحب من كل هذه الشركة ، لا يتحمل .
أريد أن أقول : إن الإنسان عنده حاجة للطعام والشراب ، وعنده حاجة للزواج ، وعنده حاجة إلى العزة ، وإلى أن يشعر بعزته ، أن يشعر بكرامته ، أن يشعر بقيمته ، أن يشعر بشأنه ، أن ينتزع إعجاب الناس ، هذه حاجة إما أن توظف بالحق أو في الباطل ، إما أن تحقق هذه الحاجة عن طريق الالتزام بالحق وخدمة الخلق ، وإما أن تحقق هذه الحاجة عن طريق إيذاء الخلق ، هم يخافونك ، فيعظمونك ، أو تحسن إليهم فيحبونك ، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان ، وكل حاجة أودعها فيه ، يمكن أن توظف في الحق أو في الباطل ، في الخير أو في الشر ، فالإنسان يحب أن يكون ذا شأن ، وذا مكانة ، وله قيمة ، والناس يحبونه ، أنت بحاجة ماسّة أن يحبك الناس ، وإلى أن تحب الناس ، فإذا توهمت أيها الإنسان أنك إذا آمنت بالله ، وأعلنت توبتك له ، واصطلحت معه ، واستقمت على أمره وعملت الصالحات ، إذا توهمت أن في هذا ضياعاً لمكانتك أو تشتيتاً لشأنك ، أو ذهاباً لوقارك ، فهذا هو عين الجهل ، لماذا ؟ قال تعالى :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
 هذا الكلام أقوله لكم بصراحة : الذي يحب الشأن والمكانة ، الرفعة ، الاحترام ، وأن ينتزع إعجاب الناس ، أن يعظمه الناس ، أن يبجلوه ، أن يحترموه ، أن ينادوه بأعظم ألقابه :
 
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
 أنت بحاجة إلى هذه المشاعر ، مشاعر التبجيل والتوقير والتعظيم فهي مفطورة في الإنسان .
﴿ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
 
فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا
 
1 ـ العزة لا تُنال إلا من الله :
 
لا يمكن لما سوى الله أن يمنحك هذه العزة ، أية جهةٍ سوى الله ، أي إنسان ، أي عظيمٍ ، أي غنيٍ ، أي قويٍ ، أية جهة على وجه الأرض ، لا يمكن أن تمنحك هذه العزة إلا الله ، هنا المشكلة   ، عن ابن عباس رَضِي اللَّه عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
(( ألا ! رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا ! رب مهين لنفسه وهو لها مكرم )) .
[ أخرجه الرافعي ]
وكفار قريش لماذا كفروا بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عرفوه رسولاً كما يعرفون أبناءهم هكذا قال الله عز وجل :
 
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
(سورة البقرة : 146)
لماذا كفروا به إذاً ؟ حفاظاً على مكانتهم ، حفاظاً على زعامتهم ، حفاظاً على تجارتهم ، حفاظاً على انصراف الناس لهم ، ما الذي حصل فيما بعد ، هل بقيت لهم هذه المكانة ؟ هل بقيت لهم هذه العزة ؟ ألم يُصرعوا في معارك بدر وأحد والخندق ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام لهم : يا فلان ، يا شيبة بن ربيعه ، يا أمية بن خلف ، خاطبهم بأسمائهم واحداً واحِداً ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، إني وجدت ما وعدني ربي حقاً ، لقد كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وخذلتموني ونصرني الناس ، قالوا أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ، ولكنهم لا يجيبونني .
التاريخ بين أيدينا ، ما الذي حصل ؟ هؤلاء الذين قاوموا الدعوة ، وكفروا بها ، وكذبوا بها   ، وسفهوا النبي الكريم وأصحابه حفاظاً على مكانتهم ، حفاظاً على وجاهتهم  حفاظاً على تجارتهم ، ما الذي حصل ؟ خسروا بلدهم  وشأنهم ، ألم يقف أبو سفيان في باب عمر بن الخطاب ساعات طويلة فلم يؤذن له ؟ وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان ، فلما دخل عليه ، قال : زعيم قريش يقف في بابك ساعات طويلة ، ولا تأذن لي وهذان يدخلان متى يشاءان ، قال له : أنت مثلهما ؟! من أنت أمامهما ؟
 
2 ـ طاعة الله سبيل العزة :
 
وأقول لكم الآن : إذا توهم الإنسان أنه بمعصية الله قد يرتفع ، وإذا توهم الإنسان أنه بترك الدين يملك عزة وكرامة فهذا هو عين الجهل  هذا كلام واضح كالشمس :
 
﴿ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
شأنك بين الناس ، مكانتك ، رفعتك ، كرامتك ، لا تكون إلا بطاعة الله ، فإذا أردتها بمعصية الله ، فلن تصل إليها . اسمعوا قول النبي الذي لا ينطق عن الهوى .
          عن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها ، عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
(( من التمس رضا الله عنه بسخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله ، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس )) .
 
[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ]
وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لقد سمعت مئات القصص تؤكد هذه الحقيقة  ، نعم مئات القصص ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
 يا أخي أنا بودي أن أكون محترماً ، معك حق ، هذه حاجة طبيعية عندك ، أنا أحب كرامتي ، كرامتي فوق كل شيء ، هذا حسن وجميل ، وهذا طلب مشروع ، أنا أحب أن أحفظ ماء وجهي ، هذا كذلك كلام طيب ، أنا أحب أن أكون كبيراً في بيتي ، لي مكانة عند أولادي ، جيد ، أنا أحب أن أكون لي مكانة في عملي ، جيد ، ولكن لتعلمْ أن هذه المكانة ، وهذه الرفعة ، وهذا التوقير ، وهذا التبجيل ، وهذا الاحترام لا يكون إلا بطاعة الله ، سبحان من جعل العبيد ملوك بطاعته ، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته .
أتحب أن يحبك الناس ؟ أَحِبَّ الله ، واستقم على أمره ، فالله عز وجل يجعل قلوب المؤمنين تهفو إليك ، فإذا أردت العزة بمعصية الله نفر الناس منك واحتقروك ، وتحدثوا عنك بالأقاويل ، واخترعوا عنك الأكاذيب ، وأصبحت سمعتك في الوحل :
 
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
 
3 ـ لا يملك العزة مخلوقٌ :
 
لم يقلْ : فلله العزة ، هناك كلمة أساسية ، وهي جميعا ، العزة كلها من الله ، وما من مخلوق في الأرض يملك هذه العزة ، لا تجد جهة إذا مشيت معها تعطيك عزة ، الأمور بخواتيمها ، الأمور بما تستقر عليه ، طبعاً الله عز وجل جعل امتحانات كثيرة ، جهات أرضية كثيرة تمنحك العزة الظاهرة ، ولكن بعد حين يَتَخَلَّوْن عنك ، فإذا جاء مرض عضال ، فإذا جاءت مصيبة كبيرة ، أين أنت ؟ فلذلك الإنسان الذي معه الحق ، موقفه قوي جداً ، موقعه قوي ، أما مع الباطل فهو عرضة لانهيار سريع  :
 
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
 
معنى : فللّه :
     
         بقي معنى فلله .
 
المعنى الأول :
 
أول معنى : أنك إذا آمنت بالله ، خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، وأن الأمر كله بيده ، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، وأنه ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وأنه إليه يرجع الأمر كله ، وأنه بيده الخلق والأمر ، وأنه خالق كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل ، إذا آمنت بهذا تشعر نفسك عزيزاً ولو  انقطعت علاقتك مع الناس ، كل أمرك بيد الله ، صحتك بيده ، دخلك بيده ، أهلك بيده ، أولادك بيده ، الجيران بيده ، إخوانك بيده ، من هم دونك بيده ، من هو فوقك بيده ، أعداؤك بيده ، انتهى الأمر ، وإذا آمنت ووحدت فطبيعة الإيمان فيها عزة ، انظر حال المنافق لماذا هو في الوحل ، لأنه يرى أن فلاناً بيده مصيره ، فيرضيه ، ثم يرضي خصمه ، وفي ظرف آخر يعلم الأول : لِمَ كنت عنده البارحة ، فيقول : أنا مضطر أن أذهب إليه فقد ضعف مركزه ، لأنه يرى مصيره مع كل هؤلاء ، يراهم يرزقونه ، يرفعونه ويخفضونه ، ينفعونه ويضرونه ، حينما تفكر هذا التفكير فأنت ذليل ، فأنت في الوحل ، وقد بذلت ماء وجهك ، ولا يمكن لإنسان مؤمن أن ينافق ، لماذا ينافق ؟ علاقته مع الله ، مصيره بيد الله ، الله عز وجل هو الرزاق ، وهو المحيي ، وهو المميت ، وانتهى الأمر ، إذاً : طبيعة الإيمان بخالق عظيم ، ورب حكيم ، ومسيّر كبير ، وطبيعة الإيمان بلا إله إلا الله ، تمنحك عزةً ، والمؤمن عزيز ، لا يضطر أن يتملق ، ولا يمدح مدحاً كاذباً ، ولا ينافق ، ولا يداهن ، ولا يذلّ ، ولا يخنع ، الخنوع والتذلل والضعف والنفاق والتملق هي صفات المشركين ، صفات المنافقين ، لذلك :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
 
المعنى الثاني :
 
هناك شيء ثانٍ : الآن أنت حينما تستقيم على أمره تكون عزيزاً ، ودخلك كله حلال ، معك أدلة ، أما إذا كان الدخل حراماً فأنت تفقد شيئاً من عزتك ، يعني أول ملاحظة ، أول تفتيش ، تجد أن قلبك ارتاع ، ما دام في الدخل حرام ، ما دام لديك كذب ، ما دام عندك تدليس ، وتزوير ، ونفاق ، وسعر خُلَّبي ، وسعر حقيقي ، وهناك محضر ضبط شكلي مادام هناك لعب ، وخوف ، وتذلل ، فإذا كشف الإنسان خطأ الآخرين يصيرون عبيداً له ، أرجوك يا سيدي ، من أين جاء ضَعفُك ؟ من أين جاء تذللك ؟ من انحرافك ، فمن هو العزيز ؟ هو الموحد ، من هو العزيز ؟ المستقيم ، لمجرد أن تستقيم فأنت عزيز ، لمجرد أن تكون موحداً فأنت عزيزٌ ، فالتوحيد يكسب العزة ، والاستقامة تكسب العزة .
المعنى الثالث :
 
وكذلك شيء آخر ؟ العمل الصالح ، يكسب العزة ، لمّا الإنسان يخدم الناس بحسب أمر الله عز وجل ، يخدمهم ، يعاونهم ، يبذل ما عنده من أجلهم ، والمؤمن له طبيعة ، يسمونها بالتعبير الحديث استراتيجية ، أساس حياته العطاء ، وليس الأخذ ، بينما الكافر أساسه الأخذ ، امتصاص دماء الناس ، أخذ أموالهم ، بالحق أو بالباطل ، استهلاك جهودهم ، يريد مَن يخدمه دائماً ، أهل الدنيا يستهلكون جهود الناس ، يستهلكون أموالهم ، يعيشون على أنقاضهم ، المؤمن عكس ذلك ، أساس حياته العطاء ، يا من جئت الحياة فأعطيت ، ولم تأخذ ، والمؤمن إذا صح التعبير مركبة حياته على العطاء ، وما دامت حياته مركَّبة على العطاء فهو محبوب بين الناس ، موقر مبجل ، محترم ، يا داود ذكّر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، فإذا آمنت بالله ، ووحدته فأنت عزيز ، وأنت إذا آمنت بالله ووحدته ، واستقمت على أمره فأنت عزيز .
 
المؤمن المستقيم لا يؤتى من جهة المال والنساء :
 
إذا كان الشخص غير مستقيم ، وسافر إلى بلد أجنبي ، ثم زلّت قدمه فصوروه ، وأخذوا عليه وثيقة ، أمسكوا به من خوانقه ، أكثر الأشخاص يؤتون من زاوية النساء ، ومن المال الحرام ، المؤمن مستقيم ، محصن من جهة النساء بطاعة الله ، وغض البصر ، وعدم الخلوة ، ومحصن من جهة المال بكسبه الحلال ، مركزه قوي ، لا يضطر لأن يتذلل ، وكثير من أساليب القذرة جداً بدول أجنبية تفخخ الناس ، فإذا ذهب شخص مخلص لوطنه ، ويريد أن يخدمه يضعونه في مآزق ، يصورونه ، ويعرضون عليه الصور ، والنسخة الثانية عندهم فتجده انتهى واستسلم ، ولا يقدر أن يفعل شيئاً ، من أين جاء تذلّله وخنوعه ؟ من هذه الصور التي أخذوها عليه ، أما المؤمن فلا يسمح لأحد أن يدفعه إلى معصية ، استقامته في كسب المال ، وفي شرف علاقاته بالنساء سبب عزته ، وليس عنده مشكلة ، لا يشرب الخمر مثلاً ، والذي يشرب حينما يثمل يتكلم بأشكالٍ وألوانٍ مذهلة ، وبكلام غير معقول ، يكشف أسراراً ، ويحكي سقطات ، ويحكي مخازي ، ومغامرات قذرة ، في ساعة السكر يحكيها كلها ، فأين مكانته صارت ؟ لقد ضاعت عزته ، ومن أين تأتي العزة ؟ تأتي من معرفتك بالله ، من التوحيد ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله الغني ، وتأتي العزة من طاعة الله عز وجل ، ليس عندك مآخذ ، ما لأحد عليك من مأخذ ، لست أسيراً لواحد له عليك مأخذ ، دخلك حلال ، عملك شريف تعمل في رابعة النهار ، تعمل تحت ضوء الشمس والقمر ، ما عندك شيء مخفي، ليلك كنهارك ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ :
(( وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ، قَالَ : قَدْ
 
 تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ، لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ )) .
[أخرجه ابن ماجه]
انتبه ثم لاحظ ؛ يأتي الذل من الشرك ، ويأتي الذل من النفاق ، ويأتي الذل من الكذب ، ومن التدليس ، ويأتي الذل من المعصية ، من كسب المال الحرام .
ذات مرة سمعت قصة ، أن رجلاً زار صديقه ، ويبدو أن لصديقه أخت ، وحدثت مشكلة ، وموقف حرج ، يقول : إني بقيت سنتين أو ثلاثاً ، كلما استعرضت هذا الموقف شعرت أنني صغير ، وأحياناً الإنسان يحتقر نفسه ، احتقاره لنفسه أشد من تعذيب الناس له ، هناك مواقف مخزية ، مواقف قذرة ، مواقف دنيئة ، فالمؤمن لأنه مستقيم مواقفه كلها مشرفة ، ليس عنده مركز ضعف في حياته ، ما من أحد يهدده لأنه مستقيم ، أما لو كانت له انحرافات ، له مداخلات ، له أساليب ملتوية مع الناس ، دائماً هو عرضة للتهديد ، وعرضة لانكشاف أمره ، أين عزته وكرامته ؟ ذهبت ، فلذلك عين الكرامة الاستقامة ، لماذا قال الله عز وجل :
﴿ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
إذا آمنت بالله كنت عزيزاً ، وإذا استقمت على أمره كنت عزيزاً ، وإذا عملت الصالحات أحبك الناس فعظموك ، فكنت عزيزاً ، وإذا اتصلت بالله ، فذقت حلاوة القرب ، استغنيت عن مديح الناس لك ، فكنت عزيزاً ، إذا كان عند الإنسان خواء روحي ، عنده جفاف روحي ، أحب أنه يسعد بالناس ، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس ، لمّا يصير للإنسان صلة بالله عز وجل يستغني بها عن الناس ، يستغني بها عن سقطاتهم ، عن اللقاء بهم لقاء ساذجاً ، وسخيفاً ، لقاءاته كلها تكون مثمرة .
أنا أعطي تحليلاً دقيقاً ، حينما تؤمن فأنت عزيز ، وَحَّدْت ، لا تخاف في الله لومة لائم ، لا تنافق ، لا تكذب ، لا تدلس ، لا تتملق ، لا تخنع ، لا تخضع لما استقمت فما عليك مأخذ ، رافع الرأس دائماً ، يمكن أن تحمل حاجتك بيدك ، فما تأتي العزة بمركبة ، ولكن تأتي العزة من شرف ، من استقامة ، قد تكون فقيراً وتحمل الحاجة بيدك ، وأنت رافعٌ رأسك ، وقد تكون في أعلى درجات الغنى ، لكن الدخل مشبوه ، فأنت ذليل .
إذاً : الإيمان بالله ، الاستقامة على أمره ، والعمل الصالح والاتصال بالله عز وجل ، تُكسب الإنسان عزة :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
        هذا كلام رب العالمين ، بشكل واضح جلي بسيط ، يا عبادي ، أحبوا العزة والكرامة والشأن والمكانة ، وقد يُردّ الإنسان إلى أرذل العمر .
 
﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾
(سورة النحل : 70)
 
إياكم والعزة الموهومة :
 
أحياناً يبني عزة موهومة في شبابه على الباطل ، فربنا يُدَّفِعُه الثمن باهظاً ، قد يُذله أقرب الناس إليه ، قد تذله زوجته ، لو فرضنا واحداً أصيب بفالج ، ففي أول أسبوع العناية فائقة ، الأسبوع الثاني العناية أقل درجة ، بعد شهر ، بعد شهرين ، بعد سنة تتدنى العناية ، بقي ثماني سنوات طريح الفراش ، ينظفونه ، ثم صاروا يسمعونه كلمات قاسية ، الله يخلصنا منك ، يسمعونه هذه الكلمات ، الله يخفف عنه ، أقرب الناس له ، تزوجت زوجته بعد وفاته ، ثم أخذ منها البيت ، فلما يبني الإنسان عزته على الباطل ، يدفع الثمن باهظاً ، أما الإنسان الذي بنى شبابه في طاعة الله ، فيكون خريف عمره متألقاً دائماً ، يزداد عزة وشأناً  وكرامة .
 
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
 
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
 
العمل الصالح يرفه الإنسان :
 
الكلم الطيب ، الكلام الذي فيه دعوة إلى الله ، دعوة إلى العمل الصالح ، دعوة للاستقامة ، وتعريف بالله ،هذا  الكلام الذي تقطف ثماره طيبة  لكن هناك كلام خبيث ، هناك كلام طيب ، فكل كلمة طيبة أودت إلى عمل صالح ، أو إلى معرفة بالله ، أو إلى طاعة ، أو إلى إصلاح ذات بين أو إلى نشر الخير ، هذا كلام طيب ، فالكلام الطيب يصعد إلى الله ، لكن الذي يرفعك إلى الله هو عملك الصالح ، تكلم ما شئت ، تعلموا ما شئتم ، فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ، الكلم الطيب يصعد إليه ، لكن الذي يرفعك إلى الله هو عملك الصالح .
 
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
(سورة الأنعام : 132)
تكلم ما شئت ، تفلسف ما شئت ، مهما كان الكلام طيباً ومنمقاً وعظيماً ، لا قيمة له إلا إذا طبق في الحياة اليومية ، ومهما كان السامع أديباً ومصغياً ، ولا همسة ، لا قيمة لاستماعه ما لم يكن التطبيق واضحاً ، لا قيمة لكلامي إن لم أطبقه فيما بيني وبين الله ، ولا قيمة لاستماعكم إن لم يترجم إلى عمل ، هذا كلام مختصر مفيد  ، وفروا أوقاتكم ، لا المتكلم يفلح عند الله إن لم يطبق ، ولا المستمع يفلح إن لم يطبق ، يبقى الحديث كلاماً :
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
شيء جميل  كلامك طيب ، لكن أين التطبيق ؟
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
(سورة الصف : 2 ـ 3)
 
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾
 
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ
 
وبعد فالمشكلة ، أنه بخطط ، يدبر ، يمكر لإطفاء الحق ، يبذل الأموال الطائلة ، والجهود ، ثم يخفق ، ويعذب .
أحياناً الإنسان يعمل عملاً ما ليحقق مصلحة ، فتفوته المصلحة ويعاقب ، شخص جاهل ، بلغه أنه إذا قلع أسنانه كلها يعفى من الخدمة الإلزامية ، ذهب لأول طبيب والثاني والثالث والرابع فما أحد رضي ، إلا واحداً رضي ، فخلع له كل أسنانه ، فلما فحصوه اعتبروه متحايلاً للتهرب من الخدمة ، فجعلوا له خدمة مضاعفة ، فقَد أسنانه كلها ، وألزموه بخدمة مضاعفة ، فهذا مثل حاد .
﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾
ـعلى مكرهم ـ
﴿ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾
 لا يفلح ويدفع الثمن ، يعني يعذب عذاباً شديداً ، ولا يحقق هدفه هكذا .
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
(سورة الأنفال : 36)
فالكافر يخسر كل شيء ، والمؤمن يربح كل شيء ، أبقوها ببالكم : مَن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، لا دنيا ولا آخره ، واحد أسس دار سينما ، وكل تخطيطه أنه يشتغل بشبابه فترة فيحصل على ثروة طائلة ، يتمتع فيها طوال حياته ، يقوم بسياحة حول العالم ، يسكن ببيت فخم ، ومركبة فارهة ، فأصابه مرض عضال ، سرطان بالدم ، في ريعان حياته بعد ما حصَّل ثروة دخل عليه رجل ، كان تلميذي سابقاً ، وصاحب السينما خاله ، قال لي : كان يبكي بكاء مراً ، لأن تخطيطه لم يتحقق ، كسب المعاصي والآثام ويعذب الآن عذاباً شديداً ، والأموال لغيره  فالمشكلة إذا ترك المرء طاعة الله عز وجل ، فحياته سلسلة إخفاقات ، سلسلة نكبات ، سلسلة مصائب ، سلسلة فشل :
 
﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾
 في الدنيا والآخرة ، وفي النهاية :
﴿ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ
 
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب