سورة المائدة 005 - الدرس (5): تفسير الآيات (003 - 003) ديننا ثابت لأنه دين الله تعالى

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (5): تفسير الآيات (003 - 003) ديننا ثابت لأنه دين الله تعالى

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج في القلب أنتم: في القلب انتم - 74 - رسائل واتس اب - 18 - 6-2019           برنامج جلسة صفا:  فتحي الصافي - 04 - العبادات والسلوك2           برنامج على رواء 2: على رواء ح3 -015 - 06 - 2019 - الموت ابلغ دروس الحياة           برنامج تربية الأولاد: تربية الأولاد في الإسلام - 011 - التربية الإجتماعية 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - كيف تكشف الاصدقاء المزيفين           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0326 - سورة التوبة 001 - 002         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (003 - 003) - ديننا ثابت لأنه دين الله تعالى

21/03/2011 04:40:00

سورة المائدة (005)
الدرس (5)
تفسير الآية: (3)
ديننا ثابت لأنه دين الله تعالى
 
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
الدين ليس طرفاً من أطراف أهل الأرض بل من عند الله عز وجل :
 
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس من دروس سورة المائدة ومع تتمة الآية الثالثة وهي قوله تعالى:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾
تتمة هذه الآية:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾
الكلمات في هذه الآية تعني أن هذا الدين هو دين الله في الأرض، قوى كثيرة وبينها خصومات وبينها حروب وتنتصر هذه القوة مرةً وتلك مرةً، ولكن الدين له شأن خاص، هذا الدين هو دين الله عز وجل، فإذا كان الإنسان متمسكاً بدينه فالله معه، وإذا كان معه فمن عليه، أي مستحيل أن يكون الدين طرفاً كأطراف الأرض، هذه فكرة خطيرة جداً، الدين ليس طرفاً من أطراف أهل الأرض، هذا الدين من عند الله عز وجل، فإذا كان الذين يتمسكون به يتمسكون به مخلصين وصادقين ومطبقين لا يمكن أن يهزموا، بدليل قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
[ سورة الصافات: 173]
على مستوى المعارك والحروب لا يمكن أن يهزموا.
 
عدم انتصار المسلمين إما لخلل في عقيدتهم أو لخلل في استقامتهم :
 
قال تعالى:
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾
[ سورة الروم: 47]
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة النور: 55 ]
أي أن يكون هذا الدين طرفاً من أطراف قوى الأرض يفوز مرةً وينهزم مرةً من غير سبب من المتمسكين به هذا مستحيل، لكن أحياناً لا ينتصر المسلمون؛ إما لخلل في عقيدتهم، أو لخلل في استقامتهم، لخلل في عقيدتهم:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة التوبة: 25]
ولخلل في استقامتهم كيوم أحد إذ لم ينتصر المؤمنون لأنهم عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما لو تصورنا ليس هناك خللاً في العقيدة، ولا خطأً في السلوك، وهؤلاء متمسكون بهذا الدين، فهذا الدين لا يُوازى مع قوى الأرض، خالق الأكوان هو الذي يرعاه ويؤيده وينصره، فإذا كنت مع الله كان الله معك، طبعاً هذا المعنى القتالي.
المعنى العقائدي لا يمكن أن يأتي العلم أو التطور بشيء يناقض ما جاء به القرآن إلى أن ييئس الذين كفروا أن يستطيعوا تقويض دعائم هذا الدين.
 
على المؤمن أن يطمئن أنه لن يظهر تطور في الأرض ينقض الدين :
 
الحقيقة أيها الأخوة: شدة الضغط على الدين في هذه الأيام من قِبل العالَم كله لأنه دين الله، لأنه متغلغل في أعماق الإنسان، أعداء الدين الألداء أيقنوا أنه لا سبيل لمواجهة هذا الدين، لذلك غيروا خططهم فجعلوا أبرز خططهم تفجيره من داخله، أي اصطناع اتجاهات منحرفة إن في العقيدة أو في السلوك ودعمها، وعرضها على الناس على أن هذا هو الدين، فأي اتجاه منحرف في الدين، منحرف في العقيدة، أو في السلوك، ترى من يرعاه من أعداء الدين، يرعونه لا حباً بالدين ولكن حباً في تفجيره من داخله، فكلمة:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾
أي هذه معركة مع الدين خاسرة تقريباً، للتقريب: إنسان لا يستطيع بأي شكل أن يواجه دولةً، لا يستطيع، أضعاف مضاعفة، قوى، جيوش، طيران، بحرية، جوية، أجهزة، إنسان واحد لا يتمكن أن يواجه دولة، فكذلك للتقريب: جهة في الأرض مهما علت، مهما عظمت، لا تستطيع أن تواجه دين الله عز وجل إلا بأساليب ملتوية، إلا بتفجيره من داخله، أو باصطناع اتجاهات منحرفة في العقيدة والسلوك وعرضها على الناس على أنها هي الدين، قد ينجح أعداء الدين بمعركة إعلامية فيصورون أهل الدين على أنهم إرهابيون، أو على أنهم مجرمون، أو على أنهم قتلة، وقد يصطنعون مثل هذه المواجهات اصطناعاً، والحقيقة التاريخ الحديث يكشف خطط جهنمية لأعداء الدين قد لا تصدق، حينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
 [ سورة إبراهيم: 46]
فأنت إذا كنت مع الدين، وكنت صادقاً، ومستقيماً، ومخلصاً، يجب أن تتأكد وأن تطمئن إلى أنه لن ـ لن لتأبيد النفي ـ لن يظهر تطور في الأرض ينقض الدين، ذلك لأن الكون خلْق الله عز وجل، ولأن القرآن الكريم كلامه، ولأن العقل مقياس أودعه فينا، ولأن الفطرة جبلة جبلنا عليها، فكل هذه الأطراف من عقل إلى واقع، إلى فطرة، إلى جبلة، إلى كون، هذه من أصل واحد هو الله عز وجل، توافق قوانين الكون مع قوانين القرآن الكريم  توافق تام، وتوافق قوانين الفطرة مع قوانين القرآن الكريم توافق تام، وتوافق مبادئ العقل مع مبادئ الكون والقرآن توافق تام، يجب أن تطمئن.
 
يجب أن ييئس الذين كفروا من إلغاء هذا الدين :
 
يحضرني في هذه المناسبة أن إنساناً في فرنسا كان رئيس وزارة، وهو من أرقى عائلات باريس، وله سمعة طيبة، ولم يضبط بمخالفة للقوانين، وهو في سن السبعين انتحر، أذكر أنني قرأت حول هذا الخبر أن مئة باحث وصحفي أرادوا تعليل سبب انتحاره فلم يهتدوا، لا اختلاس، ولا فضيحة، ولا أي مشكلة، إنسان متوازن، ذكي، من أرقى العائلات، متوازن جداً لماذا انتحر؟ إلا أن صحفياً واحداً كشف السر، هذا أمضى سبعين عاماً وهو يعتقد أنه لا إله، فلما اكتشف أنه كان مضللاً، وأنه كان غائباً عن الحقيقة سبعين عاماً احتقر نفسه.
لو عاش مسلم مئة سنة مستحيل أن يظهر شيء في الأرض ينقض إسلامه، مستحيل، بالعكس كلما تقدم العلم، وكلما تطورت الأمور أكدت حقائق هذا الدين لأنه دين الله، هذه نعمة أيها الأخوة لا تعدلها نعمة، أنك مطمئن أنه لن يظهر في الأرض تطور علمي أو اكتشاف علمي يرفض ما تعتقده، بينما إذا اعتقدت مذهباً أرضياً، أو اتجاهاً أرضياً، فقد تفاجأ أنك على خطأ ولو أمضيت باعتقاده سنوات وسنوات، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾
أي معركة رأوها خاسرة، هذا الدين الذي أكرمنا الله به كم مؤامرة دبرت عليه؟ والله آلاف المؤامرات، كم فرق ضالة ظهرت كي تحيده عن مساره الصحيح؟ ظهرت وانقرضت وبقي الدين شامخاً، هذا الدين دين الله، كم إنسان ادعى أنه أتى بقرآن آخر؟ الآن ببعض المواقع المعلوماتية في كلام عن قرآن ليس بكتاب الله عز وجل، يكفي أن تقرأه لا تملك إلا أن تضحك، لا تملك إلا أن تضحك لأن هناك فرقاً كبيراً بين كلام الله وبين كلام خلقه، أي محاولة حاولها الطرف الآخر لمحو هذا الدين، في بلاد إسلامية في الشمال جاء رجل أراد إلغاء الإسلام كلياً، قام بأشياء تفوق حد الخيال؛ لا آذان، ولا قرآن، ولا مسجد، ولا شيء ينتمي إلى الدين، حتى الحروف غيَّرها، إذا سافرت إلى هذه البلاد تجدها بلاداً مسلمة، وكل ما فعله هذا الذي أراد إلغاء الإسلام لم يجدِ إطلاقاً.
النقطة الدقيقة هذا دين الله، دين الله لا تستطيع جهة في الأرض مهما تكن قويةً أن تلغيه، يجب أن ييأس الذين كفروا من إلغاء هذا الدين.
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾
 
يجب على المؤمن أن يطمئن إلى تحقق وعد الله عز وجل :
 
الآن أيها الأخوة، هذه المحاولات التي تجري لتغيير مناهج المسلمين، لقمع نشاطاتهم، لتجفيف منابع الخير فيهم، هذه المحاولات لا تنجح لأنه لا يعقل ولا يقبل أن يسمح الله لجهة في الأرض أن تفسد على الله خطته في هداية الخلق مستحيل، الله عز وجل فعال لما يريد، بيده كل شيء، كن فيكون زل فيزول، أيسمح الله لجهة في الأرض قوية بلغت قوتها ما بلغت أن تلغي الدين في الأرض؟ أن تحول بين الناس وبين هدايتهم؟ هل تستطيع جهة أرضية أن تفسد على الله هدايته لخلقه؟ مستحيل، لكن الله لحكمة أرادها يسمح لهؤلاء الأعداء أن يتكلموا فقط، أن يتكلموا، لن ينالكم إلا أذى.
لكنك ينبغي أن تطمئن إلى أن هذا الدين دين الله، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تمحوه، سيدنا رسول الله كان مهاجراً من مكة إلى المدينة، وقد أهدر دمه، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وتبعه سراقة، فإذا بأقدام الخيل تغوص في الرمل حتى لامس بطنها الرمل، وعلم سراقة أن هذا الإنسان الذي أمامه والذي أراد قتله ممنوع منه، قال له النبي الكريم ـ وهذه قصة ثابتة في التاريخ ـ قال له: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟
ما هذا الكلام! إنسان ملاحق، مهدور دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول لسراقة الذي يتبعه: سوف أصل إلى المدينة، وسوف أنشئ دولةً، وسوف أحارب أكبر دولتين في العالم، وسوف أنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ويا سراقة سوف تلبس سواري كسرى.
لولا أنه رسول الله، ويرى أن الكون كله بيد الله، وأن الفعل كله فعل الله، وأنه لا ناصر إلا الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، يقول هذا الكلام؟ يتورط بهذا الكلام؟ لو لم يكن رسول الله لكان متورطاً، ما هذا الكلام؟ وفعلاً وصل إلى المدينة، وأسس دولةً، وفتح البلاد، وفي عهد عمر جاءت كنوز كسرى، وطلب سراقة، وألبسه بيده سواري كسرى، وقال: بِخ بخ، أعيرابي من بني مدلج يلبس سواري كسرى، وتحقق وعد الله عز وجل.
أيها الأخوة، يجب أن تطمئن أنك لست مع جهة أرضية تقوى وتضعف لا، أنت مع خالق الأكوان، لست مع جهة أرضية تتقدم وتتأخر، تزيد وتنقص، تقوى وتضعف، تغتني وتفتقر، لا، أنت مع خالق الأرض والسماوات، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 
في الكون جهة واحدة ينبغي أن نخشاها هي الله تعالى :
 
أخواننا الكرام، المؤمن يتمتع بمعنويات عالية جداً، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
 [ سورة آل عمران: 139]
في تاريخ المسلمين من أدلة أن هذا الدين دين الله، وأن الناصر هو الله، ما لا يعد ولا يحصى، المسلمون حينما فتحوا الأرض كانوا قلةً؛ أربعون ألفاً يواجهون ثلاثمئة ألف وينتصرون عليهم، إذا كنت مع الله كان الله معك، ومهما تصورتم ضعف المسلمين الآن، وضعف قوتهم، وقلة حيلتهم، مهما تصورتم هوان المسلمين على بقية الناس، مثلاً يموت إنسان، وتُتهم جهة أنها أسقطت هذه الطائرة، ديته خمسمئة مليون ليرة سورية سوف تدفع بعد أيام، كل إنسان مات بهذه الطائرة يأخذ خمسمئة مليون، أي أن ديته عشر ملايين دولار، والآلاف المؤلفة الذين قتلوا في حروب، وفي أعمال بلا ثمن، مهما تصورتم ضعف المسلمين، وقلة حيلتهم، وهوانهم على الناس، ومع ذلك الله عز وجل لا يتخلى عنهم، ولكن نحن في محنة مع أنفسنا.
أيها الأخوة، إذا كنت مع الله كان الله معك، إذا كنت مع الله أنت أقوى جهة في الأرض، قال تعالى:
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
[ سورة النساء: 141]
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾
بالكون هناك جهة واحدة ينبغي أن تخشاها هي الله، الله وحده ينبغي أن تخشاه، لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه، فكأن الله يطمئن المؤمنين أنتم إذا كنتم معي لا تخافوا من أية جهة، فلا تخشوهم واخشوني إن كنتم مؤمنين.
 
كلما تقدم العلم جاء بكشوف تبين عظمة هذا القرآن وأنه من عند الواحد الديان :
 
تصور حلبة مركبات كهربائية وأصحابها يصطرعون، هناك إنسان بيده قطع التيار، مهما احتدم الصدام بحركة من هذا الإنسان يقف التيار الكهربائي، انتهى كل شيء، هذا مثل صارخ، حلبة مواجهة بين سيارات كهربائية في بعض الألعاب، فإذا قطع التيار توقف كل شيء، فالأمر بيد الله عز وجل.
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾
أي يئسوا من أن ينتصروا على دينكم؛ إما انتصار عقائدي، أو انتصار ميداني، هناك انتصار علمي، أحياناً قد يأتي إنسان بفكرة يروج له بعض الصحف والمجلات، هي تضرب الدين في بعض مبادئه، هذا الشيء الذي ظهر ليكون مأخذاً على الدين يتلاشى وحده، سمعتم قبل سنة أنا سميتها فقاعة إعلامية بموضوع الاستنساخ، أين الاستنساخ الآن؟ ماذا جرى؟ فقاعة وانتهت، لم يظهر حتى الآن شيء يمكن أن يزحزح قناعة المسلمين عن حرف في القرآن الكريم، كلما تقدم العلم جاء بكشوف تبين عظمة هذا القرآن وأنه من عند الواحد الديان، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
الإكمال نوعي والإتمام عددي، أكملت لكم دينكم فلا زيادة، وأتممت عليكم نعمتي فلا نقص، لا في الدين زيادة ولا فيه نقص، أو مجموع القضايا التي عالجها الدين تام عدداً، طريقة المعالجة كاملة نوعاً، هذا الدين لا يستدرك على الله فيه شيء، لأن القضية لم تذكر استدركناها على الله.
 
الآية التالية أصل بأن هذا الدين كماله مطلق :
 
 
الإله كماله مطلق:
 
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
اليوم أكملت لكم دينكم فلا نقص، إذاً أي إضافة إلى الدين يعد بدعةً، وأي زيادة يعد بدعةً، هذا دين الله، لكن هناك من يقول ويتحدث عن التجديد في الدين، كلمة ممكن أن نتداولها ولكن بشرط التجديد، أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه هذا هو التجديد، أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، أما أن نضيف شيئاً فهذا عمل خطير، أو أن نحذف شيئاً فهذا عمل أخطر، لا زيادة ولا حذف لأنه دين الله، ولأن الله علمه مطلق وخبرته مطلقة، فإذا أضفنا كأننا نتهم الله بأنه أنقص شيئاً في الدين أكملناه نحن، وإذا حذفنا كأننا نتهم الله عز وجل بأنه زاد في الدين شيئاً ينبغي أن نحذفه، فلا زيادة ولا نقصان، ولكن التجديد يعني أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه. هذا معنى قوله تعالى:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
هذه الآية أيها الأخوة أصل بأن هذا الدين كماله مطلق، ولعلماء العقيدة كلمات لطيفة في هذا الموضوع: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيء إلا بالدليل، والأصل في العبادات الحظر ولا تشرع عبادة إلا بالدليل. لا زيادة ولا نقص، الزيادة بدعة والنقص بدعة والبدعة ضلالة والضلالة في النار، البدعة التي هي ضلالة هي البدعة في الدين، أما لو كبرنا الصوت هذا بدعة ولكن لا علاقة لها لا بالعبادات ولا بالعقائد، هذه بدعة في اللغة لا شيء فيها يحكمها الشرع، فإذا كانت مباحةً أبيحت، وإذا ابتدعنا شيئاً محرماً ابتدعنا شيئاً واجباً فهي واجب.
 
البدعة نوعان؛ بدعة في اللغة وبدعة في الدين :
 
البدعة نوعان بدعة في اللغة وبدعة في الدين، في الدين لا زيادة ولا نقص، قال تعالى:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
في الدين يوجد التزام في النص الذي جاء به القرآن، وبشرح هذا النص الذي ورد عن النبي العدنان، فهذا هو مبدأ كبير من مبادئ عقيدة المسلم؛ لا يقبل زيادة ولا نقصان، الزيادة اتهام بالزيادة، والنقصان اتهام بالنقصان، فلا نزيد ولا ننقص.
معنى آخر: الإتمام عددي، أي عدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً والإكمال نوعي طريقة معالجة الدين للموضوعات التي عالجها كاملة نوعاً، فالمعالجة كاملة والعدد تام، فلا زيادة في العدد ولا نقص، ولا معالجة أعمق ولا معالجة أطول المعالجة كاملة والعدد تام:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
هذه الآية أصل في أن هذا الدين لا يضاف عليه شيء ولا يحذف منه شيء، وحينما تضيف أو تحذف إنك تتهم الله وهو الكامل، فالذات الكاملة تتهمها إما بزيادة لا مسوغ لها أو بنقص ضروري أن نستكمله، وهذا بحق الله عز وجل وبحق كماله مستحيل على الله عز وجل.
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾
لكن هناك بدعة في اللغة، يمكن أن نكبر الصوت في المسجد، لم يكن على عهد رسول الله، هذا لا علاقة له بالدين هذا له علاقة بالدنيا، يمكن أن نكيف الجو في المسجد، يمكن أن نحسن الإضاءة في المسجد، يمكن أن نأتي بماء ساخن في الشتاء، وماء بارد في الصيف، هذه بدع لكنها بدع لغوية، وهناك بدع موقوفة على طريقة استخدامها، فكما أن هذا الجهاز يكبر الصوت كذلك يكبر صوت المغني، فهذا متوقف على نوع استخدام هذا الجهاز.
 
الضرورات تبيح المحظورات :
 
إذاً:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
لكن الله يعلم أن هناك حالات قد تعتري الإنسان، هذا الإنسان كائن يأكل فإذا منع عنه الأكل لسبب أو لآخر وأشرف على الموت جوعاً له أن يأخذ بالمحظورات، الضرورات تبيح المحظورات:
﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ ﴾
المضطر:
﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾
أي في حالة جوع شديد، طبعاً علاقة نهاية مع أولها:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ﴾
 
بعض بنود الضرورة الشرعية :
 
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾
في حالة جوع شديد يفضي به إلى الموت، الجوع الذي ينتهي بصاحبه إلى الموت:
﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ﴾
أي يأكل من لحم الميتة وهو كاره، غير متجانف: غير مائل، المتجانف: المائل، غير مائل إلى أكل هذا اللحم لكنه مضطر:
﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾
في حالة جوع شديد:
﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ﴾
غير مائل لإثم:
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
لأن الله سبحانه و تعالى يقول:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[ سورة البقرة: 286]
هو الذي خلقنا ويعلم حاجتنا إلى الطعام، ففي حالات قد تكون نادرة جداً إنسان ضل الطريق وكاد يموت من الجوع فلم يجد إلا دابة ميتة، هل بإمكانه أن يأكل منها؟ نعم، يأكل عند الضرورة الشرعية التي يخشى بها الموت، أو فقد أحد الأعضاء، أو التعذيب الذي لا يحتمل، أو فقد المال كله، هذه بعض بنود الضرورة الشرعية. في مخمصة وغير مائل، الذي يترك المعاصي ثم تتاح له فيفرح ليس هذا، يأكل وهو متألم أشد الألم:
﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
الله عز وجل يعفو عنه لأن الحياة مقدمة على كل شيء، رأسمال الإنسان حياته، فهذا من دفع الحرج عن المؤمنين، في حالات نادرة جداً في إمكانه أن يأخذ بالذي حرمه الله عليه للضرورة القصوى الشرعية، وكره هذا الشيء.
يوجد شيء آخر: العلماء قالوا الضرورة تقدر بقدرها، إذا كاد يختنق في غصة في حلقه فرأى كأساً من الخمر فشرب منه كمية قليلة جداً دفعت هذه الغصة لا ينبغي أن يشرب كل الكأس، الذي يسمح له أن يمرر هذه الغصة، فالضرورة تقدر بقدرها، والضرورات الشرعية تبيح المحظورات، وهذا الأصل في كتاب الله.
 والحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب