سورة السجدة 032 - الدرس (2): تفسير الأيات (04 – 05)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة السجدة 032 - الدرس (2): تفسير الأيات (04 – 05)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة السّجدة

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة السجدة - (الآيات: 04 - 05)

30/04/2012 17:41:00

سورة السجدة (032)
 
الدرس (2)
 
تفسير الآيات: (4 ـ 5)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
تذكير :
 
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني من سورة السجدة ، في الدرس الماضي أيها الإخوة تمَّ شرح قوله تعالى :
 
﴿ الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ

 
( سورة السجدة )
هذا الكتاب ليس مفترى ، بل هو من عند الله ، من هو الله ؟
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
 
 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

(سورة السجدة : آية " 4 " )
 
 شرف الرسالة مِن شرف المرسِل :
 
       شرفُ الرسالة من شرف المُرسل .. ، لذلك " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت " .
فهذا الكتاب لا ريب فيه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كتابٌ حكيم ، كتابٌ حق ، نور ، هدى ، بيان ، لكن أخطر من هذا كلِّه ، هو مِِن عند مَن ؟ من عند خالق السماوات والأرض ، كلما عظم المرسِل عظمت الرسالة ، كلما شرف المرسِل شَرُفت الرسالة .
خطاب الله خالق السماوات والأرض ، أراد الله عزَّ وجل أن تأخذ الكتاب بقوة ، كي تعظمه ، كي تبادر إلى تصديقه ، كي تبادر إلى تطبيق أحكامه ، كي تسعى إلى نيل ثماره ، أن تعرف من الذي أرسله ، الله عزَّ وجل قال :
﴿ الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
 
( سورة السجدة )
من هو رب العالمين ؟
 
﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾
( سورة السجدة : آية " 3 " )
من هو ربك يا محمد ؟ ومن هو ربُّ العالمين ؟
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
 
(سورة السجدة : آية 4)
 
 الكون المعجِز مِن خَلق الله رب العالمين :
 
     حتى هذه اللحظة لا يعرف أحدٌ حدودَ الكون ، لا يزال الكون مجهولاً ، بعض العلماء قال : " لم تبتل بعدُ أقدامُنا ببحر المعرفة " ، لا زلنا على شاطئ المعرفة ، فإذا كنا على شاطئ معرفة الكون فكيف بخالق الكون ؟
       مجرة حديثة اكتشفت بعيدة عنا بعشرين ألف مليون سنة ضوئية .. والضوء يقطع في الثانية الواحدة ما يزيد على ثلاثمائة ألف كيلو متر ، كَم في الدقيقة ؟ وفي الساعة ؟ وفي اليوم ؟ وفي السنة ؟ فما عرفنا بعدُ حدود الكون ، ولا زلنا أطفالاً نحبو ، ولم تبتل بعد أقدامنا ببحر المعرفة " ، كما قال الإمام الشافعي : " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " .
فهل تعرف أيها الأخ الكريم من الذي أنزل هذا الكتاب ؟ إنه ربُّ العالمين ، ومن رب العالمين ؟ إنه خالق السماوات والأرض ..
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
 
 

( سورة السجدة : آية " 4 " )

ففي المنطق هل يمكن لجهةٍ أن تعبدَها غير خالق الكون ؟              
 
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة : آية " 21 " )
 
 المستحق للعبادة وحده هو خالق الكون وحده :
 
        لعِظَم حقِّه عليكم ، ولأنه الخبير ، ولأنه العليم ، ولأنه الرحيم ، ولأنه القدير ، ولأنه اللطيف ، ولأن إليه المصير ، فالله عزَّ وجل يريد أن يبين أن الله وحده يجب أن تعبده ، لأنه هو الخالق ، وهذا كتابه ، خلق الكون ، ونَوَّره بهذا الكتاب ، إنه نورٌ مبين ، خلق الكون ، وجعل هذا الكتاب حجةً علينا أو لنا ، حجةً علينا إن قصَّرنا قي تطبيقه ، وحجةً لنا إن طبَّقناه ..
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
 
( سورة السجدة : آية " 4 " )
 
 معنى : سِتَّةِ أَيَّامٍ
 
        لا شك أن اليوم المذكور في هذه الآية ليس اليوم الذي نعرفه ، لأن اليوم الذي نعرفه هو ناشئٌ من دورة الأرض حول نفسها ، دورة الأرض حول نفسها تُشَكِّل يوماً طبعاً مع وجود الشمس ، قبل أن تُخلَق السماوات والأرض لم يكن هناك يومٌ بالمعنى الذي نعرفه ، إذاً : لا شك أن هذه الأيام الستة ليست كأيامنا التي نحن فيها ، لا كما قال اليهود : خلق الله عزَّ وجل الكون يوم الأحد والاثنين ، والثلاثاء والأربعاء ، والخميس والجمعة ، واستراح يوم السبت ، ليس من شأن خالق الكون أن يصيبه التعب ، وأن يستريح ، وليس من شأن هذا الخلق أن يكون بأيامٍ لم تُخلَق بعد ، إلا أنَّ بعض العلماء قالوا : " إنَّ هذه السماوات والأرض خُلِقَت في حِقَبٍ ممتدة ، حقبٍ طويلة " ، فلو درست علم الجيولوجية لقالوا لك : إن الأرض مرت في نشأتها بمرحلةٍ غازيةٍ ، مرحلة ملتهبة ، مرحلة متجمدة ، عصور مطيرة ، عصور نوع من أنواع معيَّنة ، فلعل هذه الأيام الستة هي مراحل طويلة تم خلالها خلق السماوات والأرض ، وكأن الله عزَّ وجل هيَّأ للإنسان هذه الأرض ، وجعل تهيئتها من خلال مجموعةٍ من الأيام التي هي في المعنى الدقيق حِقَبٌ طويلةٌ ، تم فيها خلق السماوات والأرض ، وكل ما تقرؤونه في تاريخ الأرض ، وعلوم الأرض ، وعلوم الجُيولوجية إنما هو تفسيرٌ وتوضيحٌ وبيانٌ لمضمون هذه الآية الكريمة ، وقد قال العلماء عن القرآن : " إن فيه أصولاً للعلوم الكونية " ، أصولاً وليس فروعاً ..
 
 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

 
مذاهب العلماء في الآيات المتعلقة بذات الله :
 
كلُّكم يعلَم أنَّ في القرآن الكريم آياتٌ متعلقةٌ بذات الله ، مثلاً :   
 
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر : آية " 22 " )
      أين كان ؟ وأين وصل ؟ وهل ربنا يمشي ؟ وهل له مكان يحويه ؟ ليس بجسمٍ ، ولا صورةٍ ، ولا مُتَبَعِّضٍ ، ولا متجزِّئ ، ولا متلونٍ ، وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك .. " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، لا يُسأل عنه بمتى ؟ لأنه خالق الزمان ، ولا بأين هو ، لأنه خالق المكان " ، كيف :
 
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
 
كيف :
 
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح : آية " 10 " )
       كيف : (( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا )) ؟
[ مسلم وأحمد]
هذه الآيات المتعلِّقة بذات الله عزَّ وجل ذهب فيها العلماء أربعةَ مذاهب ، مذهبان من مُعْتقد أهل السنة والجماعة ، ومذهبان باطلان .
المذهب الأول : التفويض :
فالمذهب الأول هو التفويض ، الآيات المتعلقة بذات الله نُفَوِّض تفسيرها إلى الله ، وهذا أسلم مذهب ، لأن المحدود لا يمكن أن يحيط باللامحدود ، ولأن الحادث لا يمكن أن يحيط بالقديم ، ولأن المخلوق لا يمكن أن يحيط بالخالق ، وأنت في أعلى درجات العلم ، وأنت في تألُّقك العلمي قل عن هذه الآيات : لا أدري ، وأنت عند الناس عالم ، وأنت حينئذٍ عند الناس في أعلى درجات العلم ، لا يضُرُّك أن تقول : لا أعلم ، في آياتٍ متعلقةٍ بذات الله عزَّ وجل ، لأن الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به العقول ، وكلُّ ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك ، هذا مذهبٌ أول ، مذهب التفويض ، نفوض أمر الاستواء إلى الله عزَّ وجل .
سُئل الإمام مالك عن الاستواء فقال : " الاستواء معلوم ـ في هذه الآية ـ والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة " ، وهذا في كل الآيات المتعلقة بذات الله ..
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾
( سورة النساء )
كيف يسمع ؟ وكيف يبصر ؟ وكيف :
 
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
 
وكيف :
 
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
 
وكيف :
 
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
( سورة الطور : آية " 48 " )
هذه الآيات المتعلقة بذات الله ، المذهب الأول أن نفوض .
المذهب الثاني : التأويل :
      والمذهب الثاني أن ونُؤِّول ، التأويل بما يليق بكمال الله ، بما يليق بذات الله ، بما يليق بمقام الأُلوهية والربوبية :
 
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
 
     أي جاء أمر الله عزَّ وجل ، هذه القرية الفاسقة ، الفاجرة ، المنحرفة ، يأتيها أمر الله ، أيْ أن يأتيها عقابه ، يأتيها زلزال ، يأتيها بركان ، تأتيها مشكلات ، تأتيها أوبئة ، تأتيها أمراض ، فإذا قلنا : جاء أمر ربِّك ، بمعنى جاء أمره ، و جاء ربك ، بمعنى جاء أمره ، وإذا قلنا :
 
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
 
 
اليد رمز القوة ، قوة الله فوقهم ، وإذا قلنا :
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
( سورة الحج )
سميع : أي يعلم المَقولات كلها ، وإذا قلنا : بصير : يعلم المتحرِّكات ، وإذا قلنا : عليم : يعلم ما في النفوس ، وإذا قلنا :
 
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
 
 
أي بعنايتنا ، المذهب الثاني مذهب التأويل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل .              
المذهب الثالث والرابع : التعطيل والتجسيم :
وأما مذهب التعطيل ومذهب التجسيم فهما مذهبان باطلان ، أن تُجَسِّم الذات الإلهية بأنه يأتي ، وأن له يداً ، وأن له عيناً ، وأن له سمعاً ، هذا مذهبٌ باطل ، لأنه قام على التجسيم ، فكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك .
مرة أحد الخطباء نزل درجةً وقال : إن ربَّكم ينزل إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا ، هذا تجسيم ، هذا كفر ، إذاً : مذهب التجسيم باطل ، ومذهب التعطيل باطل ، أن تعطل هذه الآيات ، آيات من كتاب الله ، فلذلك هناك آياتٌ تُدركها بلا تفسير ، فلا تحتاج إلا إلى تفسير الزمخشري ، ولا إلى تفسير الطبري ، ولا إلى تفسير القرطبي ، ولا إلى تفسير ابن كثير ، ولا إلى مفسِّر حديث ، ولا إلى قديم .
مثلاً :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾
( سورة التحريم : آية " 8 " )
 
 سبيل فهم الآيات :
 
1 ـ فهم الآيات فهما عربيا سهلا :
     هذه آيات محكمة واضحة ، أساساً تقام عليك الحجة بهذه الآيات ، لست محتاجاً إلى أحد ، لست مضطراً إلى أن تكون تبعاً إلى أحد في فهم هذه الآيات ، إن الله يحب الصادقين .
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
( سورة البقرة )
 
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
( سورة الأعراف )
 
﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
( سورة آل عمران )
 
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾
( سورة آل عمران )
 
﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
( سورة الأعراف )
       فالآيات المحكمة واضحة ، ومن فضل الله علينا أن كل الآيات التكليفية محكمة ، كل الآيات التكليفية التي فيها افعل ، ولا تفعل آيات محكمة ، هذه آيات نفهمها بالبداهة ، كل ذي فكرٍ سليم ، كل ذي إدراكٍ صحيح ، كل ذي فطرةٍ نقيَّة يقرأ هذه الآية فيفهمها ، هذه آياتٌ واضحةٌ بينةٌ لا خلاف فيها .
 
2 ـ تفسير الآيات بالنقل :
       هناك آيات من نوع آخر ، بالنقل نعرفها ، فإذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ صحيحٌ ، يفسِّر آيةٌ كريمة فهذه الآية وإن بدت لنا غامضة لكن النقل الصحيح يُلقي عليها ضوءاً .. شيء جميل .
3 ـ تفسير الآيات بالعقل :
وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل ، فإذا قال الله عزَّ وجل :
 
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾
( سورة الإسراء : آية " 23 " )
     يا ترى منطوق الآية ألا تقول لهما : أف ؟ إذاً : ما الذي أراده الله من هذه الآية ؟ إذا كان قول أفٍ قد نهيت عنه لأن فيه إيذاءً للأم أو للأب ، إذاً أي نوعٍ من أنواع الإيذاء منهيٌ عنه بالعقل ، هناك آياتٌ نفهمها بالنقل ، وهناك آياتٌ نفهمها بالعقل .
4 ـ طريق تفويض تفسير الآيات :
وهناك آيات كهذه الآية لا نفهمها لا بالنقل ولا بالعقل ، ولكن إما أن نفوض أمرها إلى الله عزَّ وجل ، وهي آياتٌ قليلةٌ جداً ، لا تزيد على عدد أصابع اليد ، فنفوِّض تفسيرها إلى الله عزَّ وجل ، ونحن في أعلى درجات العلم ، هذا حجمك وأنت عبد ، ألم تسمع قوله تعالى :
 
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
( سورة الإسراء )
فإذا تَنَطَّعْتَ لفهم كل آيةٍ فكأنك تنقض قوله تعالى :
 
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 
       ولو نظرت إلى السلف الصالح حينما كان أحدهم متواضعاً في نقل العلم ، وفي تعليم العلم ، لرأيت العجب العجاب ..
 
تورع السلف الصالح عن الإجابة بغير علم : 
 
جاء وفدٌ من المغرب إلى الإمام مالك إمام دار الهجرة ، والمقولة التي تعرفونها جميعاً : " لا يُفْتى ومالكٌ في المدينة " ، جاء هذا الوفد بثلاثين سؤالاً ، طرحت عليه الأسئلة ، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً ، وقال عن الباقي : لا أدري ، قالوا : يا إمام ، أنت إمام دار الهجرة ، قصدناك من أطراف الدنيا ، بقينا أربعة أشهر نسير إليك ، ثم تقول : لا أدري ، فقال بكل بساطة : قولوا لهم : الإمام مالك قال جواباً لها : لا يدري .. نصف العلم لا أدري ، هذا التنطُّع لمعرفة كل شيء ، كل شيء تعرفه ، إذاً فأنت جاهل ، الذي قال : إنه يعرف كل شيء فهو لا يعرف شيئاً .
 
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 
      والقصة التي تعرفونها .. كان شابٌ يدرِّس في بعض مساجد بغداد ، وقد فتح الله عليه ، والتف الناس حوله ، طبعاً هذا ملأ قلوب الأصوليين من الدعاة غيرةً وحسداً ، فأراد بعض علماء بلده أن يُسَفِّهَهُ ، وأن يُصَغِّرَهُ أمام تلاميذه ، فحضر درسه ، فلما انتهى الدرس قال : يا غُلام ، هذا الذي قُلته ما سمعناه ، قال : يا سيدي ، أو علمت العلم كله ؟ قال: لا ، قال : إذاً هذا من الذي لا تعرفه .. هذا الذي قلته ، وهو من الذي لا تعرفه أنت .
      كلما رأى الإنسان عظمة الله عزَّ وجل ، وكلما كَبُرَ الله في نظره كلما صغر في عين نفسه ، والكبر من علامات الجُهَّال .
        أروي هذه القصة مئات المرَّات ، لأنها تشفي غليلي ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أحد أصحابه الذين استشهدوا ، رفع عنه الرداء ، وقبَّله ، وبكى ، فسمع النبي صوتاً من وراء الحجاب ، فإذا امرأةٌ تقول : هنيئاً لك أبا السائب ، لقد أكرمك الله ، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب ، فأجابها ، طبعاً هو يجيبها ، لماذا ؟ لأنه نبيٌ مُشَرِّع ، فلو سكت لكان كلامها صحيحاً ، إنه مُشَرِّع ، ولا يصح أن يسكت على خطأ ، لو أنك كنت في مجلس ، وتكلمت امرأةٌ من وراء الستار كلاماً غير صحيح ، وسكت ، فلا شيء عليك ، لست مكلَّفاً ، أنت لست مشرعاً ، لكن النبي وحده لو سكت في هذا الموطن لعُدَّ كلامها صحيحاً ، قال : ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟! قولي : أرجو الله أن يكرمه .. كلمة ( أرجو ) فيها أدب مع الله ، أما كلمة : ( لقد أكرمك الله ) فيها تألٍّ على الله ، فيها تطاول على مقام العبودية ، قولي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبيٌ مرسل ، لا أدري ما يفعل بي .
إذا علمت المستقبل على وجه اليقين ، فلست عبداً لله عزَّ وجل ، خرجت من مقام العبودية إلى مقام الأُلوهية ، إذاً قولي : أرجو الله أن يكرمه ، ونحن نقول : أرجو الله أن يكرمنا ، أما على وجه اليقين ، أنا من أهل الجنة ، وفلان من أهل النار ، فلان كافر ، من أعطاك هذه الصلاحية كي تكون وصياً على الناس ؟ هذا ليس من شأن العبد ، هذا من شأن الرَّب ، أنت كن في حدود الأدب ، ورحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده ، إذاً :
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
القول الأول في معنى ستة أيام : أيام من أيامنا :
           بعضهم قال : ستة أيامٍ من أيامنا .. هذا القول ينقضه طبيعة اليوم ، طبيعة اليوم ناشئةٌ عن دورة الأرض حول نفسها مع وجود الشمس ، هذا تم بعد خلق السماوات والأرض ، بعد المرحلة الغازية ، والمرحلة الدخانية ، والمرحلة الملتهبة ، وانفصال الكواكب عن بعضها ، وبرود الكواكب ، إذاً أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في أيامٍ ستة كأيامنا ، هذا فهمٌ مرفوض .
القول الثاني في معنى ستة أيام : أيام من أيامنا :
       أما أن نفهم أن خلق السماوات والأرض تم في مراحل فهذا مما تُؤكِّده العلوم ، علوم الأرض ، وعلوم الجيولوجية .. كيف ؟
المرحلة المطيرة ، ثم مرحلة النباتات العملاقة ، ومرحلة الحيوانات العملاقة ، ومرحلة الالتهاب .. إلخ ، هذا شيء يعرفه المختصون ..
 
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾
 
          إذا أردنا أن نفوِّض نقول : الله وحده يعلم تفسير هذه الآية ، وإذا أردنا أن نُؤوِّل بما يليق بكمال الله عزَّ وجل ، وما يليق بمقام الإلهية والربوبية ، نقول كما قال بعض المفسرين : خَلَق الكون ، ثم بُثَّ فيه الحياة ، خلق الكون ، ودبَّر الكون ، فهناك مرحلة الخلق ومرحلة التدبير، مرحلة الخلق ومرحلة بث الحياة ، مرحلة الخلق ومرحلة التسيير ..
 
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
 
ورد في بعض التفاسير ، أن الاستواء على العرش بعد أن خلق الله السماوات والأرض ، وليس هذا ترتيباً زمنياً ، لأنه يستحيل على الله عزَّ وجل أن ينتقل وفق الزمن من مرحلة إلى مرحلة ..
 
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
( سورة يس )
مرحلة انتقال من مرحلة إلى أخرى هذا لا يليق بالله عزَّ وجل ، ولكن يوجد خلق ، ويوجد تسيير، قال :
 
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ¯قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾
( سورة طه )
يؤكِّد هذا المعنى أن أكثر الآيات التي وردت فيها كلمة :
 
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
( سورة السجدة )
جاء بعدها : يُدَبِّر الأمر من السماء إلى الأرض ، آيات التدبير تأتي بعد آيات الاستواء ..
 
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾
( سورة السجدة : آية " 4 " )
 
 
 مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ
 
       أي إذا توهَّمتم أن زيداً أو عبيداً ، أن فلاناً أو علاناً وليٌ لكم من دون الله ، وشفيعٌ لكم من دون الله ، فهذا وهمٌ باطل ، إذا اكتشفتموه بعد فوات الأوان تعضّون أصابعكم ندماً ، أي أنك إذا توجَّهت عنايتك إلى إنسان ، وظننت أن بيده شيئاً يملكه ، يعطيك أو يمنعك ، يؤذيك أو ينفعك ، إذا توهَّمت هذا التوهُّم فهذا هو الضلال البعيد ..
 
 

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾

 
( سورة السجدة : آية " 4 " )
النبي عليه الصلاة والسلام قال حديثاً جامعاً مانعاً موجزاً مقتضباً ، قال :
(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجوَن إلا ربه )) .
[ مسند الفردوس ]
أي أية جهةٍ في الأرض لا تستطيع أن تفعل شيئاً ..
 
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ *إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
( سورة هود )
 
﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
 
( سورة الأنعام )
 
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
 
( سورة فاطر )
 
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
( سورة الزمر)
 
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف : آية " 54 " )
 
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف )
 
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
 
لو ذهبت تدعو..
 
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
( سورة الشعراء )
      فأكبر باب من أبواب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر .
 
إياكم والشرك الخفي :
 
إيَّاك أن تظن أنك لا تقول : فلان إله ، كما يقول البوذيون " بوذا إله ، لا .. هذا انتهى ، هذا الشرك الجَلِي انتهى وقته .. (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي )) .
[ابن ماجه]
الخفي شيء ، والجلي شيءٌ آخر ، إذا ذهبت إلى بلاد شرقي آسيا لرأيت الآلهة المتعددة ، ميكادو إله في اليابان ، بوذا إله في الصين مثلاً ، هذه آلهة ، هذا شرك جلي ، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن فُتِحَت مكة ، وبعد أن كُسِرت الأصنام ، قال عليه الصلاة والسلام : (( إن الشيطان يَئس أن يعبد في أرضكم )) .
[ الترمذي]
       ليس في العالم الإسلامي مَن يقول : فلان إله ، هذا انتهى وقته ، لن يعود ، لن ترجع عقارب الزمن إلى الوراء ، ولكن الخطر كامنٌ في الشرك الخفي ، إذا توجَّهت إلى زيد ، وظننت أن زيداً ينفعك أو يضرُّك ، إذا ظننت أن غضبه كبير فأرضيته ، وعصيت الله فهذا أكبر أنواع الشرك .
 
اعلم يا عبد الله أنه ...
 
لمجرَّد أن تعصي خالق الكون ، وترضي مخلوقاً فهذا هو الشرك ، هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عزَّ وجل ، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً ، لا رافع ، ولا خافض ، ولا قابض ، ولا باسط ، ولا معزَّ ، ولا مذلَّ ، ولا معطٍ ، ولا مانع ، ولا رازق إلا الله ، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تُقَرِّب أجلاً ..
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾
( سورة الأحزاب : آية " 39 " )
 
 من صفات الدعاة : خشية الله وحده :
 
     هؤلاء الدعاة إلى الله لهم آلاف الصِفات ، أغفلها الله كلها ، لماذا ذكر صفةً واحدة ؟ فإذا قلت : السيارة مثلاً ، من صفاتها أن لها أبواباً ، ومقاعد ، ومصابيح إضاءة ، وصحوناً لوضع المهملات مثلاً ، إن في السيارة ألواناً زاهية ، في السيارة ساعات ، في السيارة توقيتاً ، إن في السيارة محرِّكاً ، إذا ألغيت المحرك ألغيت كل السيارة .. إذاً أصبح اسمها وقَّافة ، لم يعد اسمها سيارة .. فربنا عزَّ وجل إذا وصف من روائع وصفه أنه لا يصف الشيء بصفات إن توافرت اسمها أو لم تتوافر بقي الشيء ، لا .. بل يصف الشيء بصفةٍ إن فُقِدَت فُقِدَ الموصوف .. حتى إن علماء البلاغة سمَّوا هذا الترابط بين الموصوف والصفة ترابطاً وجودياً ، أقول لكم : الطائرة تطير ، هذه صفة أساسية في الطائرة ، إذا قلت : فخمة ، واليخت فخم ، إن قلت : كبيرة ، والأرض كبيرة ، إن قلت : غالية ، والمدرَّعة غالية ، أما إذا قلت : هذه الطائرة تطير ، إذا أُلغي طيرانها أُلغيت الطائرة كلها ، وانتهت .
فهؤلاء الدعاة إلى الله ذكر الله صفةً واحدةً لهم ، إن توافرت نجحوا في دعوتهم ، وإن لم تتوافر لا قيمة عندئذٍ لدعوتهم لا . لاستقامتهم ، ولا لورعهم ، ولا لصدقتهم ، ولا لزكاتهم ، ولا لحجِّهم ، ولا لأي شيء ، يسقطون وتسقط دعوتهم ، ما هذه الصفة ؟
 
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب : آية " 39 " )
لأن هذا الداعي لو خشي غير الله لسكت عن الحق خشية الذي يخشاه ، ولتكلم بالباطل إرضاءً لمن يخشاه ، فإذا تكلم بالباطل ، وسكت عن الحق فماذا بقي من دعوته ؟ انتهى هو ودعوته ، فلذلك قال الله عزَّ وجل :
 
﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾
      أي إذا أرضيت هذه الجهة ، وعصيت الله فهذه لا تنفعك ، أندم الناس عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار ، أندم الناس غنيٌ دخل ورثته بماله الجنة ، ودخل هو بماله النار  ..
 
﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
( سورة الشعراء )
إن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول : يا أهلي ، يا ولدي ، لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحَرُم ، فأنفقته في حلِّه ، وفي غير حله ، فالهناءة لكم ، والتبعة علي .. شيءٌ خطير أن تنسى الواحد الديان ، أن تعيش هملاً ..
 
 
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
( سورة العلق )
أمر إلهي ، لو تجاوزنا خصوصية السبب ، وأن هذه السورة موجَّهةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام  .. إذاً :
 
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾
( سورة السجدة )
 
أمرك بيد الله وحده :
 
إذا أدركت بذكاء وأنت موظف في وزارة .. أدركت أن في الوزارة رجلاً قوياً غير الوزير ، بيده كل شيء ، تجد نفسك بشكل غير شعوري تتجه إليه ، تسترضيه ، تقدِّم له آيات الولاء ، تقدم له آيات الوفاء ، تعبِّر عن حبك له ، حفاظاً على سلامتك ، أو طمعاً فيما عنده ، أي أن تشعر أن فلاناً بيده شيء ، هذا في أحوال الدنيا ، أما إذا أيقنت أن أمرك كلَّه بيد الله ، فماذا ينفعك زيد أو عبيد ؟
أنا لا أنسى هذا الموقف يوم جاء أحدَ ولاة يزيد بن معاوية على البصرة ، جاءه توجيهٌ من يزيد بن معاوية ، هذا التوجيه يبدو أن فيه مخالفةً لأمر الله عزّ وجل ، وكان عنده الإمام الحسن البصري ، فهذا الوالي خاف على دينه وخاف على مستقبله ، وجاءه أمرٌ ممن يخافه ، فماذا يفعل ، أيرضيه أم يعصيه ؟ عنده الحسن البصري فقال : يا إمام ، ماذا أفعل ؟ أوصني ، انصحني ، أنا في حيرةٍ من أمري ، إن عصيته حصل كذا وكذا ، وإن أرضيته أغضبت الله عزّ وجل ؟ أجاب هذا الإمام بما سيأتي بعد قليل .. والإمام الحسن البصري مرة سُئِلَ : " يا إمام ، بمَ نلت هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن أموال الناس ، وحاجتهم إلى علمي " ، قيمة العالم في زهده بما عند الناس .. أجاب الإمام الحسن البصري  : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيداً لا يمنعك من الله ".
إني والله لأردد هذه العبارة مرات ومرات ، ولو قلتها آلاف المرات لما شبعت من تردادها .
        إذا عصيت خالق الكون ، وأطعت زيداً أو عبيداً ، فإن هذا الإنسان لا يمنعك من قضاء الله ، نقطة دم لا يزيد حجمها على رأس دبوس ، لو تجمدت في بعض أوعية الدماغ يصاب في مكان بشلل ، وفي مكان بفقد ذاكرة ، وفي مكان بفقد محاكمة .. وفي مكان بغيبوبة ، وفي مكان بسُبات ، فعلى ماذا تعتمد ؟ دماغك بيد الله عزّ وجل ، قلبك بيد الله ، الصمَّام لو أنه ضعيف أو غير محكم ، يقول لك : إنه يحتاج إلى عملية في أمريكا ، وصمام جديد ، وهكذا يكلفك سبعين أو ثمانين ألف ليرة ، والإقامة تحتاج إلى كذا ، فيحتاج إلى مليون ليرة لتغيير صمام القلب ، قد ينجح ، وقد لا ينجح ..
أخ كريم من إخواننا الكرام رحمه الله ، وآنسه ، والله وضع صماماً لقلبه ، فزرته فقال لي : والله الحمد لله ، لكن طول الليل أسمع طرقاً .. لأن الخردقة لها صوت ، صمام قلبك ليس له صوت ، معه كاتم للصوت لكي ترتاح في أثناء النوم ، فالله عزّ وجل أعطى لك قلباً ، أعطى لك صمامات ، وأوردةً وشرايين ، وضغطاً مناسباً ، وأمعاء ، ومعدة ، وكبداً ، وكُليتين ، وكظراً ، وغدة نخامية ، وغدة درقية ، آلاف الأجهزة والأعضاء ، ولو أن جهازاً صغيراً .. مثلاً غدة لو قصرت في عملها لعكرت عليك العيش ، وأرقتك ..
      كان لي قريب في ريعان الشباب ، وكان في الصف الرابع بكلية الطب ، وكان مِلء السمع والبصر ، أصابه فقر دمٍ عضال ، صحته جيدة ، وطعامه مُغَذٍِّ ، كيف يصاب بهذا المرض ؟ بعد التحليل والمراقبة تبيَن أن الطحال الذي هو مقبرة كريات الدم الحمراء ، ووظيفته الأساسية : أن يتلقَّى كريات الدم الحمراء الميتة ، ويحللها ليعاد تصنيعها من جديد ، هذا الطحال صار يعمل بنشاطٍ أكبر من حد الاعتدال ، فأصبح يأخذ الكرية الحمراء الحية ، فيقتلها ليحللها ، فصار هناك فقر دم ، ومات بهذا المرض ، فأنت حياتك في ساعة ما متوقَّفة على الطحال ، فإذا عمل بنشاط زائد ينهي الحياة ، ومتوقفة على الكظر ، وموقفة على الغدة النخامية ، وهناك مركز توازن السوائل في الإنسان لو اختل لكان مكان الإنسان إلى جانب الصنبور والمرحاض ، يشرب في النهار عشرين أو ثلاثين صفيحة ماء ، نعم لو اختل مركز توازن السوائل لاختلَّت حركته ، وتوقف عمله وسعيه .
  أتحسب أنك جرمٌ صغير    وفيك انطوى العالم الأكبرُ 
***
أنت بيد الله عزّ وجل ، دماغك بيد الله ، هذه الخلايا لو أنها صارت تعمل بشكل نمو غير طبيعي لانتهت الحياة كلها ، لم يعد لك أملاك ، بل صارت لغيرك ، إذا صار هناك نمو غير طبيعي بالخلايا ، إذا تعطل الصمام ، أمراض كثيرة جداً ، فهذا الذي يعصي الله أمره عجيب ..
الحقيقة أن الشيء الغريب أن تجد الإنسان في الستين أو في الخامسةِ والستين وهو مقيم على معصية ، والحديث القدسي معروف عندكم :
(( أحبُّ ثلاثاً ، وحبّي لثلاثٍ أشد ، أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائع أشد ، أحبُّ المتواضعين ، وحبي للغني المتواضع أشد ، أحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ؛ وأبغض ثلاثاً ، أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد )) .
في الحديث القدسي :
(( عبدي ، كبرت سنك ، وانحنى ظهرك ، وضعف بصرك ، وشاب شعرك ، فاستحيي مني ، فأنا أستحيي منك )) .
 
اعتبر بما أصابك :
 
يقولون لك : فلان معه ضعف في البصر ، إذاً فعليه بالنظارات ؟ نظارات وشيب ، يقولون لك : صار هناك ضعف عام بالجسم ، وصار هناك عسر هضم ، أو صار هناك ضعف في الكليتين ، هذه كلُّها إشارات لطيفة جداً ، أن يا عبدي ، قَرُبَ الرحيل ، فهل أنت مستعد ؟ لحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل يسبق الموت الشيخوخة ، ما الشيخوخة ؟ وهنٌ عام ، شيبٌ في الشعر ، ضعفٌ في البصر ، ضعفٌ في السمع ، ضعفٌ في الأجهزة العامة ، هذه كلها إشارات لطيفة : أن يا عبدي ، هل أنت مشتاقٌ إليّ ، قرب الرحيل ، هل أنت مستعد ؟
إلى متى أنت باللذات مشــغولٌ         وأنت عن كـل مـا قدمـت مسـؤولُ
***
تعصي الإله وأنت تُظْهِـرُ حُـبَّهُ         هـذا لعـمـري فـي الـمقـال بديعُ
لـو كان حبك صادقـاً لأطعـته         إن المـحـب لـمن يـحـب يطـيع
***
 
أيا غافلاً تبدي الإساءة والجـهلا          متى تشكر المولى على كل ما أولى  
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراها        كأن الـعين عـمـياء أو حــولا
لأنت كمزكومٍ حوى المسك جيبه         و لكنه المحروم ما شــمه أصـلا
***
إذاً :
 
 
﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ﴾
 
 لا تعص الله برضا الناس :
 
       انظر إذا تعلَّقت بزوجةٍ ، وعصيت خالق الكون ، أُؤكِّد لكم ، وأنا واثق من كلامي أن كل الشر يجب أن يأتي من هذه الزوجة التي أرضيتها ، وعصيت الله عزَّ وجل من أجلها ، إذا أرضيت شريكك ، وعصيت الله ، لابدّ من أن يتخلى عنك ، هذا تأديب الله لك ، الجهة التي تُرَجِّي منها الخير ، وترضيها على حساب طاعتك لله هي التي سوف تزعجك ، هي التي سوف تُقْلقك ، هي التي سوف تكيد لك .
      إذا كان للشخص شريك جره إلى معصية الله ، إنْ في الربا ، و إنْ في الغش ، و إنْ في كذا ، وهو يسايره ، فإنه يكون قد عصى خالق الكون ، وأرضى شريكه ، هذا الذي أرضيته ، وعصيت الله فيه لا بدّ من أن يكيد لك ، لا بدّ من أن يتخلَّى عنك ، لا بدّ من أن يقلب لك ظهر المِجَنّ ، هذا الحديث لا تَنْسَوه :
((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى )) .
[ ورد في الأثر]
أيّ أمرٍ تُحاول أن تصل إليه بمعصية تأكَّد ، واعلم علم اليقين أن هناك بوناً شاسعاً بينك وبينه ، فلذلك :
(( لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق )) .
 [ الترمذي ]
 
 قوانين مستنبطة من التعامل اليومي :
 
        فكرة أتمنى على نفسي أن أُحْسِن نقلها إليكم ، ربنا عزّ وجل جعل في الدنيا قوانين مستنبطة من التعامل اليومي ، قد يأتيك أمر الله ، وبحسب قوانين البشر سوف يصيبك ضررٌ كبير إذا أطعت الله ، هكذا يتراءى لك ، وإذا عصيت الله تيسرت أمورك ، وتحل مشكلاتك ، و.. و..الخ ، هنا يمتحن المؤمن ، فإذا كنت مؤمناً صادقاً تقول : والله لا أعصي الله ، ولو أطبقت السماء على الأرض ، فأنا أقول لكم : والله أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من أن يُخَيِّب مؤمناً ، أو من أن يضيِّع مؤمناً..
((  ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .
[ الجامع الصغير ]
        أخ كريم من إخواننا يريد أن يشتري بيتاً ، ومعه مبلغ لا يكفي لثمن هذا البيت ، والبيت ثمنه مناسب جداً ، فتوجَّه ليأخذ مالاً بطريقةٍ غير مشروعة ، هو لا يعلم أنها غير مشروعة ، لكن لعدم علمه ظنها مشروعة ، فأخبره أحد الأشخاص أن هذا العمل غير مشروع ، ومخالف لقواعد الدين ، يقول هذا الأخ الكريم : والله دَمَعَت عيني ، وقلت : يا رب ، لا أعصيك ، وليس لي بعدُ رغبة في هذا البيت ، خرج البيت من نفسه ، لأن ثمنه كان معصيةً لله عزّ وجل ، قال : فتوجَّهت إلى دكاني ، فإذا صديقٌ ينتظرني ، هذا الصديق قال : أنا عندي مبلغ من المال أتمنَّى أن تجعله وديعة لي عندك لسنتين ، وأُناشدك الله أن تستعمله في هاتين السنتين ، لمجرَّد أن نوى هذا المؤمن أن يدع شيئاً لا يُرضي الله ، واستغنى عن البيت جاءه من يسعفه ، ويقدم له مالاً يستخدمه لحاجاته ، فاقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلَّم :
((  ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .
      وأنا أقول لكم ، والله وهذا إيماني : إن زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً لله وتبقى بلا شيء ، وتبقى في مؤخرة الركب ، وهل يضيعك الله عزّ وجل ، وينساك لأنك أطعته ؟! هل هذه أخلاق الله عزّ وجل ؟
 
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
( سورة الجاثية )
       هذا الإيمان ، الإيمان أن تُطيع الله عزّ وجل ، ولو كان في طاعته فيما يبدو لك خسارةً ، هذا هو المؤمن .
والله لا أعصي الله ولو أُلقيت في الطريق ، ولو أكلت خبزاً يابساً لا أعصي الله ، إذا علم الله منك هذا العزم الأكيد عندئذٍ يؤتيك الدنيا والآخرة .. " من أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا " .
"عبدي ، خلقت لك السماوات والأرض ، ولم أعي بخلقهن ، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين ، لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفك في رزقك ، وعزَّتي وجلالي ، إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .
      فسعادة الإنسان أن يعرف الله ، وأن يعرف منهجه .
 
وجوب قصد الأشياء من طرقها المشروعة :
 
مثلاً :باب عظيم ، بين أن تحاول فتحه عن طريق الهدم ، والمطارق ، والمتفجرات ، ، وبين أن يكون معك مفتاح صغير وزنه عشرة غرامات تفتحه ، وتدخل ، إذا عرفت الله وعرفت منهجه ، هكذا الحياة ، الرزق معروف طريقه ، الأمانة والاستقامة ، الزوجة الصالحة .. كن صالحاً يأتك الله بصالحة ، السعادة الزوجية لها أسباب ، إذا بُني الزواج على طاعة الله تولَّى الله التوفيق بين الزوجين ، إذا بُني على معصية الله تولَّى الشيطان التفريق بينهما .. الرزق له باب ، الزواج الناجح له باب ، الرفعة في المجتمع لها باب ، الصحة لها باب ، أول بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام هي الشِبَع ..
 
﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾
( سورة السجدة )
 
 تدبير الله شؤون الكون :
 
       الله عزّ وجل هو الخالق ، وهو المربِّي ، وهو المسيِّر ، من معاني الخلق أن الله عزّ وجل يظهر إلى الوجود ما كان غير موجود ، من معاني الربوبية أنه يتولَّى الجسم فيربيه ، والعقل فيربيه ، والنفس فيربيها ، والتربية إمداد ومعالجة ، من معاني التسيير أن كل حركةٍ وسكنةٍ في الكون إنما هي بيد الله عزّ وجل ، فالتدبير : الرعاية ، العناية ، العلم ، الإمداد ، الإعطاء ، المنع ، الرفع ، الخفض ، علماء التوحيد قالوا : "الرافع الخافض ، المُعز المُذل ، الضار النافع " ، وقالوا : إن هذه الأسماء المزدوجة لا يجوز أن تذكر واحداً منها دون الآخر ، أي أن تقول : الله ضار، لا ، ﴿ولله الأسماء الحسنى ﴾ ، قل : ضارٌ نافع ، لأنه يضر لينفع ، ويذل ليعز ،  ويأخذ ليعطي ، ويمنع ليُعطي ، ويقبض ليبسط ، كل الأسماء المزدوجة يجب أن تذكرها مثنى مثنى ، إشارةً إلى أن الأولى في خدمة الثانية .
 
  لا تغتر بالحياة الدنيا :
 
لا أنسى هذه الخطبة الموجزة التي خطبها النبي عليه الصلاة والسلام ، قال عليه الصلاة والسلام :
((إن هذه الدنيا دار التواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ ، لا منزل فرح )) .
[ الجامع الصغير ]
الدنيا دار تكليف ، وأما التشريف فهناك في الآخرة ، الدنيا دار عمل ، والجزاء هناك في الآخرة .. " إيَّاك عبد الله والتنعُّم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " .
إن هذا الذي يقصد النعيم لذاته ما عرف الحياة ، وما عرف أنها مرحلة ، وما عرف أنها ممر ، وما عرف أنها دار عمل بل ظنَّها دار جزاء ، ظنَّها دار استقرار ..
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾
( سورة يونس )
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء )) ، لأنها مؤقتة ..
 
﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾
( سورة إبراهيم )
 
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ *   مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
 
( سورة آل عمران )
 
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام )
          قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
  ( سنن الترمذي : رواه سهل بن سعد )
((  إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ الرخاء مؤقَّت ـ ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي )) .
 
 إذا أحب الله عبده ابتلاه :
 
       إذا أيقنت أن الله يحبك .. " إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه " .
صحابيةٌ جليلة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تريد التفريق بينها وبين زوجها ، لأن زوجها ما أصابته مصيبةٌ منذ تزوجها ، معنى هذا أن الله عزّ وجل لا يحبه ، أي لا يعالجه الله عزّ وجل ، وإذا كان الشخص مريضا بمرضٍ خبيث تقول له : ليس فيك شيءٌ ، كل ما تشاء ، ميؤوس منه ، إما إذا وجد إنسان مرضه قابل للشفاء تجد أن هناك تشدداً بالغاً ، فإذا عالجك الله عزّ وجل ساق لك من الهموم والشدائد ، وعرفت أن هذه الشدة لهذا المرض ،  وهذه المصيبة لهذا الذنب ، وهذه الإهانة لهذا الكبر ، وهذا الفقر لهذا الإسراف ، وهذا التطاول عليك لهذا التطاول على غيرك ، فكشفت أن لكل سيئةٍ عقاباً .
رجل مؤمن له شيخ أنبأه أن لكل سيئةٍ عقاباً ، فوقع يوماً في معصية ، وزلَّت قدمه ، ولم يصبه شيء على خلاف العادة ، فناجى ربه وقال : " يا رب ، لقد عصيتك ، ولم تعاقبني ، فوقع في قلبه ، أن عبدي ، قد عاقبتك ، ولم تدر ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
       فإذا أحب الله عبده عجَّل له بالعقوبة ، وإذا تابع الله عزّ وجل نِعَمَهُ عليك ، وأنت في معصيته فاعلم أن هذا ليس إكراماً ، إنما هو استدراج ، إذا رأيت الله يتابع نِعَمَهُ عليك ، وأنت تعصيه فاحذره ، أما إذا رأيت الله عزّ وجل كلما زَلَّت قدمك جاء العلاج ، وجاء التأديب ..
 
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ *ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
( سورة البقرة )
       إذا جاءتك على كل زلة قدمٍ مصيبة فاعلم أنك في العناية المشددة ، وإذا زلَّت قدمك ولمتر شيئاً فاعلم أنك في دائرة الإهمال ، فلذلك مما يطمئنك ، مما يجبر خاطرك أن الله سبحانه وتعالى لا ينساك من علاجه ، معنى هذا أنت في العناية المشددة ، أنت في دائرة المعالجة .
اليوم التقيت مع أخ كريم قلت له : ما اسمك ؟ قال : اسمي مُراد ، قلت : يا الله ؛ أنت مُرادٌ أكثر مما أنت مُريد ، أنت مرادٌ أيها الإنسان من قِبل الخالق أضعاف ما أنت مُريد ، فجعلت له من اسمه فألَ خير ، وأشعرته بذلك .
 
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
( سورة النساء : آية " 27 " )
 
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود : آية " 119 " )
 
 فرح الله بتوبة العبد :
 
خلقك ليرحمك ..
((لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد ، والعقيم الوالد، والظمآن الواجد )) .
[ ورد في الأثر ]
" إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هَنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " .
        هذا الأعرابي الذي ضل الطريق ، وغابت عنه ناقته ، وعليها طعامه وشرابه ، فأيقن بالهلاك ، وجلس يبكي ، ثم يبكي حتى أدركه النوم ، فأفاق فرأى الناقة ، فمن شدة فرحه اختل توازنه .. وقال : يا رب أنا ربك ، وأنت عبدي ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته )) .
[ مسلم ]
أنت تعرف لو أنك تبت إلى الله فإن الله يفرح بتوبتك ، فماذا تنتظر ؟ ما الذي يمنعك ؟
 
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
( سورة الزمر : آية " 53 " )
     هذه أرجى آيةٍ في القرآن الكريم ، لم يخاطب الله العُصاة الذين أسرفوا في المعصية ، يطمئنهم أن يعودوا إلى الله فيقبلهم ..
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
      ما دام القلب ينبض فإن باب التوبة مفتوح ، كل شيء يصحَّح ، سيدنا زيد الخير لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا زيد ، ما وصف لي أحدٌ فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد ، أُعْجِبَ به النبي ، هذا زيد الخير لقي النبي لساعةٍ واحدة ، فأعطاه متكأً قال : والله لا أتكئ في حضرتك يا رسول الله ، ما هذا الأدب ؟ أسلم قبل ربع ساعة ، النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه ، وقال :  يا رسول الله ، أعطني ثلاثمائة فارس حتى أنال من بلاد الروم ، قال النبي الكريم : لله دَرُّك يا زيد ، أي رجلٍ أنت ؟ غادر زيدٌ النبي عليه الصلاة والسلام إلى ديار قومه ، وفي الطريق أدركته المنية .
القضية قضية إخلاص ، كل هذه النيات كُتِبَت له ، فالله رب النيات ، فإذا أخلصت لله عزّ وجل ، ولو امتد بك العمر مقصراً اجتباك .
 
اعتبروا أيها الشباب :
 
هذه القصة أذكرها ، ولا أنساها حتى الموت ؛ أحد علماء دمشق حدثني إياها ، واطلعت عليها بأصولها ، وثبتت لي صحتها ، رجل في الخامسة والخمسين من عمره من صعيد مصر ، تمنَّى أن يكون عالماً ، وهو لا يقرأ ، ولا يكتب ، ركب دابَّته ، وساقها إلى القاهرة ، وفي أحد أزقَّة القاهرة سأل أحد الباعة : أين الأزعر ؟ قال له : أي أزعرٍ هذا ؟ قل : الأزهر يا رجل ، وليس الأزعر ، لا يعرف الأزعر من الأزهر ، هذا الرجل مشتاق لمعرفة الله ، تعلَّم القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين ، وحفظ القرآن في الخامسة والخمسين ، وعاش حتى السادسة والتسعين ، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر ، اسمه زكريا الأنصاري ، بدأ طلب العلم في الخامسة والخمسين ، لا يقرأ ، ولا يكتب ، إذا كنت طالبا لله فالله موجود ..
 
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
( سورة العنكبوت )
  من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة .
الدنيا ليست ذات بالٍ ولا شأن ، نأكل ونشرب وننام ، حياة تتكرر ، حياة بهيمية لا معنى لها، مملة ، الشاب لماذا هو يسعد ؟ لأنه متأمَّل ببيت ، يرسم في خياله مساحة البيت ، هنا غرفة ضيوف ، هنا كذا ، وبعد هذا يحصل على بيت مساحته سبعون متراً ، يسكن فيه ، ويعلل نفسه بسراب الأماني ، يتصور الزوجة ، ولها مواصفات معينة فيفاجأ بها ، وسطاً ، زوجته تحددت ، وبيته تحدد ، أولاده تحددوا ، كل الأحلام تلاشت ، أما إذا عرف الله عزّ وجل ، فرجاؤه ومبتغاه في مرضاة الله ، وفي كلها سعادته .
 
  المؤمن سعيد لأنه دخل في وعد الله له :
 
       أنا كنت أضرب لإخواننا مثلاً دقيقاً ، نفترض أن موظفاً معاشه ألف وخمسمئة ليرة ، عنده ثمانية أولاد ، والديون تركبه ، له عم يملك خمسمئة مليون ، ومات فجأةً بحادث سيارة ، وعمه ليس له أولاد ، فكل هذه الأموال آلات إليه ، لكن لم يتمكن من أن يقبض أول ليرة إلا بعد سنتين ، إجراءات الروتين والمالية والورثة ، ولكن عاش في هاتين السنتين أسعد الناس ؟ هو لم يقبض شيئاً ، ولم يأكل لقمة زائدة ، ولكنه دخل في الوعد ، هذا المثل توضيح لمثل أكبر ، المؤمن حياته قد تكون خشنة ، قد يكون معذَّباً في حياته ، قد يكون دخله أقل من مصروفه ، قد يكون في بيته مشكلات ، قد تكون صحته وسطاً ، يعاني من آلام ، قد يعاني متاعب في عمله ، كل هذا ممكن ، لكن هذا دخل في وعد الله ..
 
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
( سورة القصص )
سر سعادة المؤمن أن الله وعده بالجنة ، (( فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر )) .
[ البخاري ]
إذاً :
 
﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾
( سورة السجدة )
هذه الآية إن شاء الله نعود إليها في الدرس القادم .
 والحمد لله رب العالمين
 
 
 

 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب