سورة السجدة 032 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة السجدة 032 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة السّجدة

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة السجدة - (الآيات: 01 - 03)

28/04/2012 18:22:00

سورة السجدة ( 032 )
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 ـ 3)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة السجدة .
 
 فضل سورة الفاتحة :
 
كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة السجدة ، وسورة الدهر في فجر الجمعة .
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿ الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 
( سورة السجدة )
 
 أقوال المفسرين في الحروف المقطعة :
 
مرَّ بنا من قبل أن هذه الحروف التي بُدِئتْ بها بعض السور للمفسرين اتجاهاتٌ عديدة في تفسيرها ، فمن هذه الاتجاهات :
 
القول الأول :
 
 
الله أعلم بمرادها .
القول الثاني :
ومن هذه الاتجاهات أنها أوائل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم .
القول الثالث :
ومن هذه الاتجاهات أنها أوائل أسماء الله عزَّ وجل .
القول الرابع :
ومن هذه الاتجاهات أن القرآن الكريم إنما أُنْزِلَ بلغة العرب ، وهذه الحروف هي الأساس في هذه اللغة ، والحروف بين أيدي هؤلاء العرب ، فهناك إعجازٌ في نظم القرآن ، من هذه الحروف نُظِّمَ القرآن ، ومن هذه الحروف أُنزل هذا القرآن ، والقرآن تحدَّى العربَ أن يأتوا بعشر سورٍ من مثله ، وتحدَّاهم بسورة ، وتحدَّاهم بأقل من ذلك ، معنى ذلك أن المادة الأولية لهذا القرآن بين أيدي الأُمَّة العربية ، والقرآن تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن .
 
 خلق الله فيه إعجاز :
 
نوضح هذا بمثلٍ آخر :
الإنسان مؤلفٌ من ماء ، ومن حديد ، يصنع مسماراً واحدا ، ومن فسفور ، ومن كِلس ، المواد التي يتألَّف منها جسم الإنسان أصبحت محددةً ومقننة ، هل بإمكان الإنسان أن يصنع إنساناً من هذه المواد التي بين أيدي البشر ؟ الطعام الذي تأكله بعض الأنعام بين أيدينا هل بإمكاننا أن نصنع الحليب من هذا الطعام الذي تأكله بعض الأنعام ؟ المواد التي تأْكُلها بعض الحيوانات الأهلية بين أيدينا ، هل بإمكان الإنسان أن يصنع بيضةً واحدة ؟ هل بإمكان الإنسان أن يصنع لتر حليبٍ واحدا ؟ هل بإمكان الإنسان أن يصنع خليةً ؟ لا أقول : بشراً سوياً ، خليةً ، شرياناً ، قطعةً من كبد ، إذاً لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل ، الموادُ الأولية التي خلق الله منها الإنسان وخلق الحيوان وخلق النبات متوافرةٌ بين أيدي الناس ، ومع ذلك كلُّ الخلق لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يصنعوا ذبابةً واحدة ، ولو اجتمعوا .
من هذا القبيل ، وهذا كلام الله ، خلقه فيه إعجاز ، لا تزال الحياة سراً حتى الآن ، فهذا الكبد الذي يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، إذا خرجت الروح من الإنسان لماذا يصبح قطعةً من اللحم الفاسد ؟ وكذا الشأن عند الحيوان ، وهو ما يقال له عند اللحام : سودة ، أريد نصف كيلو من السودة ، كان قبل أن يذبح الحيوان كبداً ، وكان يقوم بأدوار خطيرة جداً ، ما هذا السر ؟ فأي شيءٍ فيه حياة لا يزال سراً ..
 
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء )
      بذرة التين أدقُّ من رأس دبوس ، هذه إذا زُرِعَت في ظروفٍ صحيحة تُنتج شجرة تينٍ كبيرة ، هذه التفصيلات ، هذه الخصائص ، هذه الطعوم هل هي كامنة في هذه البذرة ؟ لهذه الشجرة آلاف الخصائص ، آلاف الجُزئيات ، كلها مبرمجةٌ في هذه البذرة ، لا يزال سرُّ الحياة مجهولاً ..
 
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾
( سورة الإسراء : آية " 85 " )
       هذه القوة التي تجعل المواد الأولية كائناً حياً ، الآن يدرِّسون في الجامعات الخلية في عامٍ بأكمله ، الخلية الحيوانية ، كل أنواع المخلوقات الحيَّة لها طبيعةٌ في الخلق واحدة ، وأنها تنطلق من خلية ، والخلية عالمٌ قائمٌ بذاته ؛ لها غشاء ، ولها سائل ، ولها نواة ، ولها نويَّة ، ولها مورثات تزيد على خمسة آلاف معلومة مبرمجة في أوقاتٍ محددة  .
أردت أن أنقلكم من ألف لام ميم إلى طبيعة الخلق ، المواد التي تأكلها البقرة بين أيدينا ، فهل بإمكان البشر جميعاً أن يصنعوا كأس حليب ؟ المواد التي تأكلها الدجاجة بين أيدينا فهل بإمكان البشر جميعاً أن يصنعوا بيضةً واحدة ؟ المواد التي يأكلها الإنسان بين أيدينا ، فهل بإمكان أعظم الدول تقدماً أن يصنعوا خليةً واحدةً حية ؟ ليس في الإمكان ، سرُّ الحياة بيد الله عزَّ وجل ، هناك إعجاز .
 
 عجز البشر جميعاً عن إتيان بآية من مثل القرآن :
 
والقرآن الكريم نزل بلغة العرب ، بلسانٍ عربيٍ مبين ، وأصل هذه اللغة من هذه الحروف ، فهل بإمكان البشر لو اجتمعوا أن يأتوا بسورةٍ من مثل هذا القرآن ؟ إذاً الوحي الذي جاء به النبي فيه دليلٌ على أنه وحي ، حينما تحدى الله عزَّ وجل العرب كافةً عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وبعضهم قال : " إذا تحدَّاك إنسان ، وأنت بالإمكان أن تَرُدَّ عليه التحدي ماذا تفعل ؟ " أغلب الظن أنك ترد عليه التحدي ، فإذا كان الذي تحداك من طبقتك ، وقد استعلى عليك ، وتحداك ، فهل تسكت ؟ إذا كان الذي تحداك من طبقتك ، ولم يُعرف قبل هذا التحدي بهذا التفوُّق ، هذا يدفعك أكثر إلى أن تقبل التحدي ، إذا كان الذي تحدَّاك من طبقتك ، ومن بلدتك ، ومن مستواك ، ولم يُعرف قبل هذا التحدي بالتفوق ، وفي تحديه لك منعك من حظوظ نفسك ، وقَيَّدك بقيودٍ كثيرة ، هل ترفض هذا التحدي ؟ لا شك أنك تندفع كثيراً إلى قبول هذا التحدي ، والقرآن تحدَّى العرب جميعاً على لسان النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، أن يأتوا بعشر سورٍ من مثله ، أن يأتوا بسورةٍ واحدة ، أن يأتوا بآيات ، ومع ذلك وقف العرب عاجزين عن أن يُعارضوا هذا القرآن ، أو عن يأتوا بمثله ، لذلك ربنا عزَّ وجل لفت النظر إلى أن :
 
﴿ الم﴾
(سورة السجدة )
      حروفٌ بين أيديكم تنطقونها صباح مساء ، إن كنتم تزعمون أن هذا القرآن ليس كلام الله فأتوا بمثله .
 
 تنزيل الكتاب من رب العالمين :
 
الحقيقة في هذه السورة قضيةٌ دقيقة جداً ، هذه القضية متعلقةٌ بالعقيدة وهي ، يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
       أصل التركيب تنزيل الكتاب من رب العالمين ، التنزيل مصدر بمعنى مُنَزَّل ، أيْ كتابٌ منزلٌ من رب العالمين ، كلام البشرِ قاطبةً في كَفَّة ، وهذا الكلام في كفةٍ أخرى ، هو كلام الخالق ، وذاك كلام المخلوق ، والفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق كالفرق بين الخالق والمخلوق .
 
﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ ﴾
 
       أي أن الكتابُ المنزَّلُ على النبي عليه الصلاة والسلام المُعْجِزُ بنظمه ، المتعبَّد بتلاوته ، الذي نُقِل إلينا عن طريق التواتر هذا الكتاب من رب العالمين ، لا من زيدٍ أو عبيد ، قد تدخل إلى مكتبٍه ، وترى آلاف الكتب ، هذا من مؤلفه ؟ الدكتور فلان ، وهذا مؤلفه ؟ الفقيه الفلاني ، البشر يصيبون ، ويخطئون ، يتفوقون في ناحية ، ويتخلَّفون في ناحية ، يُبْدِعون في جهة ، ويقصِّرون في جهةٍ أخرى ، هذا شأن البشر ، ولكنك إذا وقعت عينك على القرآن الكريم فهو كتابٌ من نوعٍ آخر ، كتابٌ من خالق البشر ، لذلك الله عزَّ وجل يقول :
 
﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 
( سورة السجدة )
 
 مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟
 
      ومن ربُّ العالمين ؟ رَبُّ العالمين الخالق ، المُسَيِّر ، الرب ، أي الذي خلقكم ، والذي يتعهدكم بحياتكم المادية والمعنوية ، والنفسية والعقلية والروحية ، هو الرب يُمِدُّ ويربي ، فأقرب اسمٍ من أسماء الله تعالى للإنسان كلمة ( رب ) ، اسم الرب ، لأنه الذي يُربي ، لأنه الذي يرحم ، لأنه الذي يداوي ، لأنه الذي يعطي ، لأنه الذي يمنع في الوقت المناسب ، لأنه الذي يرفع لحكمةٍ أرادها ، والذي يخفض ، والذي يبسط ، والذي يقبض ، والذي يُمد ، والذي يُحيي ، والذي يميت ، والذي يُلقي الخوف أحياناً ، أو يلقي الطمأنينة أحياناً أخرى ، هو رب العالمين .
 
 لَا رَيْبَ فِيهِ
 
لكن في قوله تعالى :
 
﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 
بين المبتدأ والخبر ، أو بين طَرَفَيّ الآية جاءت جملةٌ اعتراضية :
 
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
 
لا يوجد شك ، ولا خللٌ ، ولا شططٌ ، ولا مبالغةٌ ، ولا تقصيرٌ ، ولا زيادة ، ولا نقصانٌ .
 
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
 
 كلما تقدّم العلم أيّد آيات القرآن :
 
أي أنك كلما قرأت هذا الكتاب ، وهو القرآن ازددت يقيناً وثقة بمعلوماته وأخباره ، في حين أنه ليس من  كتابٍ على وجه الأرض ، ولا يوجد كتاب كُتِب وأُلِّف إلا مع مضي الزمن ظهر ما ينقض بعض فقراته ، حتى الكتب الدينية التي هي في الأَوْج ، هناك مؤلف كتاب شهيرٍ جداً من كِبار العلماء ، والمعلومات الطبية في وقتها كانت ضعيفة ، فذكر في هذا الكتاب الشهير الذي يُشار إليه بالبنان ، في هذا الكتاب أن الإنسان إذا أكل فإن بخار الطعام يتوَجَّه نحو الدماغ فيُعيق التفكير ، وكأن المعدة وعاءٌ مفتوح ، وكأن هذا الطعام بخارهُ يتصاعد نحو الأعلى إلى أن يصل إلى الدماغ ، طبعاً بعد تقدم الطب والتشريح ، وعلم وظائف الأعضاء ، الإنسان يضحك من هذه الفكرة ، إذاً أي كتابٍ من صنع البشر ، أي كتابٍ من تأليف البشر ، بمجرَّد أن يمضي عليه وقتٌ حتى يظهر الخلل فيه ، لكن القرآن الكريم مَضى على نزوله ألفٌ وأربعمائة عام ، وكلَّما تقدَّم العلم أشواطاً طويلة اتجه نحو تأييد آياته .
 
الظلام في الغلاف الخارجي بين سبق القرآن وإثبات العلم :
إن أحد العلماء العرب المتفوقين في علم الفضاء كان في قاعدة إطلاق الصواريخ في بلد غربي ، طبعاً هذه القاعدة على اتصال مع روَّاد الفضاء في مركبتهم ، أحد روَّاد الفضاء بعد أن تجاوزت مركبته الغلاف الجوي الأرضي ، صاح بأعلى صوته عبر جهاز اللاسلكي : لقد أصبحنا عُمْياً لا نَرى ، ما الذي حصل ؟ كان في جو الأرض ، وكان في جو الهواء ، والهواء يُحَقق ظاهرة في علم الفيزياء اسمها تناثر الضوء ، فأشعة الشمس تنعكس على ذرات الهواء ، وعلى ذرات الغبار فيتألَّق الجو ، ويصبح مضيئاً ، فلما خرجت المركبة من غلاف الأرض الجوي إلى أعماق الفضاء فجأةً انتقل رواد الفضاء بمركبتهم إلى ظلامٍ دامس ، والصور الملونة التي يلتقطها روَّاد الفضاء من مركباتهم تؤكِّد ذلك ، لونٌ أسودٌ داكن ، وفي هذا اللون الأسود تألُّقٌ لبعض النجوم ، ومنها الشمس ، هذا ما يراه روَّاد الفضاء في مركبتهم ، ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ *لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
( سورة الحجر )
       هذه آية قرآنية أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام ، ولم يكن يخطر في بال أحد أن الإنسان سيستطيع أن يصعد إلى القمر ، أو أن يتجاوز الغلاف الجوي .
 
﴿  لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾
 
( سورة الحجر : آية " 15 " )
       أي أنه لا يوجد كتاب يؤلفه إنسان إلا والزمن وحده يكشف بعض أغلاطه ، والحقيقة حتى في العلوم البحتة ، حتى في النظريَّات الجغرافية يقول لك : نواة الأرض سائلٌ مُلتهب ، بعدئذٍ يقال : لا ، بل مواد جامدة ، لكنَّها حارَّة ، كل حينٍ من الدهر يظهر علينا العلماء بنظرياتٍ جديدة تنقض ما قالوه من قبل ، إذاً الإنسان ليس عليماً ، يتكامل في علمه ، يكشف خطأه ويصوِّبه ، ثم يخطئ ، ويكشف الخطأ ويصوب ، هذا شأن البشر .
 
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
 
( سورة الإسراء )
 
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾
( سورة البقرة : آية " 255 " )
       أما كتاب خالق البشر لو امتد بنا الزمان آلاف السنوات فلا يمكن أن يظهر اكتشافٌ علميٌ حقيقيٌ ، أن تظهر حقيقةٌ علمية تناقض كلام الله ، لأن الله هو خالق الكون ، الكون خلقه والقرآن كلامه ، ولا يُعقل أن يتناقض كلامه مع خلقه ، إذاً كلمة :
 
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
 
 
 
تعني اليقين الحقيقي .
 
 لا بد من أن تعلم أن القرآن كلام الله حتى تستقيم :
      والإنسان أيها الإخوة ، إذا شعر أن هذا الكلام كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه فإنه يستقيم معه ، لكن متى يستقيم على أمر الله ؟ قال بعض علماء التوحيد كلمةً رائعةً ، قال : " الإنسان لا يستقيم على أمر الله إلا إذا أيقن بوجوده ، وأيقن بأنه يعلم ، وأيقن بأنه سيُحاسب " موجود ، ويعلم ، وسيحاسب ، لو أيقنت بوجوده ، لكن يقينك بعلمه ضعيفٌ فلن تستقيم ، لو أيقنت بوجوده وأيقنت بعلمه ، لكن يقينك باليوم الآخر ضعيف فلن تستقيم ، لاحظ لا تستقيم على أمره إلا إذا أيقنت بوجوده ، وبعلمه ، وبحسابه .
       فأريد أن أوضح لكم هذا المثل ، لو فرضنا أن إنساناً ثرياً كبيراً من أثرياء العالم ، وله وكيل أعمال يُعطيه راتباً يفوق حدَّ الخيال ، يعيش في بحبوحةٍ كبيرة ، هذا الثري العظيم أرسل أمراً إلى وكيله : أن ادفع إلى فلان مليون ليرة ، فهذا الوكيل ، لو علم أن هذا الكتاب ، أو أن هذا التوقيع ، ليس توقيع هذا الثري ، وأعطى هذا الوكيل هذا المبلغ لزيد ، والثري لم يعترف على هذا الكتاب ، وقال : لا .. هذا ليس توقيعي ، أنت تسرَّعت ، وتورطت ، وعليك أن تدفعه ، ادفعه من جيبك ، إذاً لو لم يكن هذا التوقيع توقيعه لكان هذا المبلغ عليه ، ولو أن التوقيع توقيعه ، ولم ينفِّذ مضمون هذا الأمر لطرده من عمله ، إذاً حينما يأتي هذا الوكيل كتابٌ من هذا الثري يأمره أن يدفع هذا المبلغ لزَيْد ، أخطر شيءٍ في هذا الكتاب أن يتأكَّد الوكيل من صحة التوقيع ، فلو لم يتأكد ، ودفع ، ولم يكن التوقيع توقيعه لدفع هذا المبلغ من جيبه ، ولو كان التوقيع توقيعَه ، ولم يستجب له لطرده من عمله ، إذاً أخطر شيءٍ عند الوكيل التحقُق من نسبة هذا الكلام إلى هذا الثري ، هذا مثل للتقريب .
      فأنت كمسلم أخطر شيء في حياتك أن تتأكَّد أن هذا القرآن كلام الله ، إن لم تكن متأكداً فلن تستقيم على أمر الله ، لن تعبأ به ، إن كان من عند الله ، وعصيت أمر الله فقد أهلكت نفسك ، وإن لم يكن من عند الله وقيَّدت نفسك في الحياة بقيود لا معنى لها ضيَّعت حياتك ، إذاً قبل كل شيء يجب أن تؤمن بأن هذا القرآن كلامه .
       أيها الإخوة الأكارم ، في العالم الإسلامي لا يُطْرح إطلاقاً أن هذا القرآن ليس كلام الله ، ولكن هناك تصديق عفوي ، تصديق ساذج ، تصديق وراثي ، نحن نشأنا في بلاد إسلامية ، وبيننا خطباء ، ومدرسون يدرسون التربية الإسلامية ، وهذا القرآن كلام ربنا ، لكن حينما يأتيك إنسان ضال مُضل ، حينما يأتيك إنسان يريد أن يُطْفئ نور الله ، ويطرح عليك أن هذا القرآن ليس كلام الله ، هل عندك حجةٌ قوية على ذلك ؟ أنا أرى أنه لا شيء في الحياة أخطر من أن تؤمن بكل جارحةً من جوارحك ، وبكل خليةٍ من خلاياك أن هذا القرآن كلامُ الله ، وأنَّك سوف تحاسب في ضوء هذا القرآن ، وأنه أمرٌ ونهيٌ ، وأن في الأمر سعادةً ، وفيما نهى الله عنه شقاء ، من هنا جاء قوله تعالى :
 
﴿ الم﴾
( سورة السجدة )
أي هو كتابٌ يعجَز البشر مجتمعين عن الإتيان بمثله ، أو بسورة من مثله :
 
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
( سورة الإسراء )
فمن معاني :
 
﴿ الم﴾
 
      هذه الحروف بين أيديكم ، هذا القرآن أُنزل بلسان العرب ، وهذه الحروف تؤلِّف لسان العرب ، ائتونا بمثل هذا القرآن ، لذلك قال ربنا عزَّ وجل :
 
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
       الرب خالقكم ، ومربِّيكم ، ومسيركم ، خلق ، وربَّى ، فأقرب معنى للتربية : أنت لو تعهَّدت نبتةً ، تعهُّدُ النبتة بأن تسقيها ، وأن تعزق الأرض حولها ، وأن تنزع الأعشاب الضارة من حولها ، وأن تُعطيها السماد الكافي ، والمقويات والهرمونات ، وأن تقلِّمها ، وأن تكافح أمراضها ، هذه هي التربية ، وتربية الطفل الصغير بأن تُعنى بصحته ، وبطعامه ، ونومه ، وحاجاته ، ونظافته ، ثم أن تعنى بجسمه ، ثم أن تعنى بعقله ، ثم أن تُعنى بأخلاقه ، ثم أن تعنى بدينه ، هذه هي التربية ، هذا شيءٌ قريبٌ منا .
 
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 
 من لوازم ربوبية الله أنه جعل لنا منهجاً في الحياة :
 
       أي لأنه رب العالمين أنزل هذا الكتاب ، ولأن الله عزَّ وجل لا يُعقل أن يخلق الإنسان ، ويدَعه بلا منهج ، بلا إرشاد ، بلا تعليم ، بلا تنوير ، بلا توضيح ، بلا تبيين ، هذا بيان إلهي ، فالدولة إذا شقَّت طريقاً ، بعد أن تشق الطريق تضع لك الشاخصات ، هنا مُنعطف خطر ، انتبه ، هنا تقاطع خطر ، هنا جِسر ، أمامك تحويل ، فهل تقبل أنت من وزير المواصلات أن يشق الطريق ، وفي الطريق آلاف المفاجآت من دون شاخصات ؟ إنسان يشقُّ الطريق ، ويضع الشاخصات ؛ خالق الأكوان يخلق الإنسان ، وينزل على نبيِّه الكتاب ، فيه فلسفة الحياة ، فيه تفسيرٌ دقيقٌ من خالق الكون لحقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان ، ولِما قبل الحياة ، وما بعد الحياة ، فيه تربيةٌ لجسمه ، ولنفسه ، ولأخلاقه ، ولدينه ، ولعقله ، فيه أمرٌ وفيه نهيٌ ، فيه حلال ، وفيه حرام ، فيه وعد ، وفيه وعيد ، فيه بشارة ، وفيه إنذار ، فيه آيات كونية دالَّة على عظمة الله عزَّ وجل ، ومع كل ذلك :
 
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾
( سورة السجدة : آية  3)
 
الآن دعاة الإلحاد ، أو المشككون في الدين ، من أين يأتون بالشبهات على الدين ؟ يدعون أن هذا القرآن من عند محمد ، وأنه كان ذكياً جداً ، وكان عبقرياً ، وقد جمع العرب حوله بهذا الكتاب ، وهذه مرحلة انقضت وانتهت ، فالحد الفاصل بين الإيمان والكُفر أن تعتقد أن هذا القرآن من عند الله ، لا ريب فيه كلام خالق الكون ، منهجٌ دقيق .. ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ ، لا أن تعتقد أن هذا الكلام من عند محمد عليه الصلاة والسلام كما يدعي ذوو الشبهات .
 
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
 
 الإذعان التام لا الفلكلور والشكليات :
 
   فإذا كان لك رأي بموضوع غض البصر ، وتقول : يا أخي ، إنه صعب ، لأننا في زمن صعب ، ولك رأي آخر مغاير لكتاب الله في موضوع الربا ، لك رأي في الاختلاط ، لك رأي في حجاب المرأة ، لك آراء مخالفة لكتاب الله ، أي أنك ترتاب بهذا الكتاب ، فلا تراه حكيماً ، ولا تراه صحيحاً ، ولا تراه يُغَطِّي حاجات البشر الآن ، فالقضية ليس فيها حل وسط ، كلام دقيق ، وكلام مصيري ، وكلام خطير ، أي أنَّك يجب أن تأخذ موقفاً واضحاً صريحاً ، أما الوضع العفوي أنه يا الله ، هذا كلام الله ، تقبله من أول وجه ، ومن ثاني وجه ، ومن ثالث وجه ، ومن رابع وجه ، ومن خامس وجه ، وسادس وجه ، وبيتك غير إسلامي ، وعلاقاتك المالية غير إسلامية ، وعلاقاتك الاجتماعية غير إسلامية ، وكسب المال غير إسلامي ، وإنفاق المال غير إسلامي .. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ )) .
 ( من سنن الترمذي عن صهيب )
       رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ، هذا الموقف الفلكلوري ، أنه كلام الله ، وتقبّله ، وتعلقه في غرفة النوم ببيت من قماشٍ مطَرَّز ، وأنت تعصي كلام الله عزَّ وجل ، القضية أخطر من ذلك ، بل أصبح القرآن عند بعض الناس كتاباً يُتلى على الأموات فقط ، فإذا سمعوا القرآن تشاءموا ، ظنوا أن هناك ميِّتا ، هذا القرآن كلام الحياة ، كلامٌ يُحيي القلب ، كلامٌ فيه منهجٌ للحياة ، فلذلك بين الإيمان والكفر ، أن تعتقد أن في القرآن ريباً ، وفيه شك ، وتناقض ، وتضارب ، هناك موضوعات لم يعالجها ، في موضوعات أغفلها ، بينما تجد موضوعات سكت عنها ، موضوعاتٍ فَصَّل فيها كثيراً وليته لم يُفَصِّل ، إذا كنت تملك هذا التفكير في كلام خالق الكون فالشوط أمامك طويلٌ جداً .
     إذا قال لك رجل : أنا طبيب .. تقول له : أهلاً وسهلاً ، فقال لك : الضغط كلما ارتفع كلما كان أحسن .. فأين أنت من الطب ؟! أنت تحتاج لتعلّم كثير معنا ، أيّ طبيب هذا ؟ فلان مُمَرِّض ، قلها لطالب ابتدائي : كلما ارتفع الضغط كان أحسن ؟ إنه يرفضها ، قال لك آخر : أنا مهندس ، الإسمنت لا يحتاج لحديد ، الإسمنت يتحمل قوى الشد ..  فهذا مهنته أدنى من أن يكون عاملاً ، لأن أبسط حقيقة بالبناء أن الإسمنت يتحمل قوى الضغط ، ولا يتحمل قوى الشد ، يحتاج إلى حديد يدعمه ، فإذا قال لك : أنا دكتور في الهندسة ، وأرى أنَّ الإسمنت يكفي ، ورأيه كرأي ذلك العاقل ، فارفضه ، ودعه وشأنه ، أو يقال : ليس لنا شأنٌ في آيات القرآن ، أو هناك تناقضات ، أو الموضوعات التي عالجها القرآن لا تُغَطِّي حاجات البشر الآن ، عندئذٍ نقول له بأدب : لا يزال الطريق أمامك طويلاً جداً ، هذا دين وهو قضية مصير ، هذا كلام خالق الكون ، اقرأه ، تدَبَّره ، تفهَّمه ، احضر مجالس العلم ، اعلم أبعاده ، اعلم حلاله وحرامه ، واعلم وعده ووعيده ..
 
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
( سورة السجدة : آية " 3 " )
 
 من معاني الحق :
 
المعنى الأول : الشيء الثابت :
 
 
        كلمة حق تهز أعماق الإنسان ، الشيء الثابت .
الآن مثلاً : دمشق لها ملامح ، فإن الذي عاش فيها قبل عشرين سنة يقول لك : لم يكن فيها كل هذا التوسع ، لم تكن مثلاً بهذه الأناقة ، بهذه النظافة ، فيها حدائق ، توسَّعت توسُّعاً كبيراً جداً ، كل إنسان عاش قبل عشرين سنة كان يرى هناك عربات في المَرْجة ، كانت الطرق كلها ترابية ، وكان منظف الطرقات يرش الماء بالقربة ، وبعد هذا يكنس ، كل وقت له ترتيبه ، أما جبل قاسيون فإنه لا يتغَيَّر ، هذا الجبل كما كان على عهد الرومان فهو نفس الجبل لم يتغير ، على عهد الأمويين كذلك نفس الجبل ، فهناك أشياء ثابتة ، وأشياء متغيِّرة ، فالجبل ثابت ، أما أنواع البيوت ، نمط البيوت ، الشوارع والحدائق تغيَّرت طبعاً ، فالحق هو : الشيء الثابت ، وهناك ثوابت على الدوام ، فالقرآن :
 
﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ ﴾
 
       أي كلام خالق الكون ، مع مرور الزمن لا يمكن أن تأتي حقيقةٌ ثابتة تنقضه ، ولا أن تأتي تجربةٌ تظهر نقصاً فيه ، ولا أن تأتي فرضيةٌ تُضعف مضمونه ، مستحيل لأنه هو الحق ..
 
﴿ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
 
 القرآن حق من ربّ العالمين :
 
لم يقل : من الله ، بل قال : من ربك الذي يربِّيك ، المربي أرسل توجيهات ، المربي أرسل هذا الخطاب ، المربي أنزل هذا القرآن ، انتبه يا إنسان ، أنظر إلى الأب ، قد ترى لسانه يُبْرى من كثرة التنبيهات ؛ يا ابني ادرس ، يا ابني كن صادقاً ، يا ابني اضبط أمورك ، سجِّل مصروفك ، مثلاً ، وفِّر من المال ، هذه النفقة لا جدوى منها ، تجد أن الأب بشكل عفوي ، بدافع محبته إلى ابنه ، بدافع حرصه على مستقبله ،  بدافع تجربته الطويلة ، بدافع معلوماته الغزيرة ، دائماً يُلقي على ابنه المواعظ والتوجيهات ، والحكم والحقائق ، هذه الأبوة ، وهذه التربية ، فلأن الله رب العالمين ، رب هذا الإنسان ، لئلا يضيع ، لئلا يتيه ، لئلا يضل ، لئلا يزل ، لئلا يشقى ، لئلا يهلك نفسه ، تنزيلٌ من رب العالمين ..
 
﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ ﴾
 
دائماً الحق هو الشيء الثابت ، فأحياناً نحن ننشئ جناحاً في المعرض خمسة عشر يوماً ، فقد يكون من كرتون ، أو من قماش ، السقف قماش ، الجدران كرتون ، هذا مكان مؤقَّت ، لكن دائرة ضخمة مثلاً ، رئاسة الوزراء يكون بناءه من حجر ، لأنه أُنشئ ليبقى ، تجد أساسات ، وجدر سميكة .. الخ ، فالحق هو : الشيء الثابت ، والباطل هو : الشيء المتغيِّر ، الأزياء كلها باطلة ، لماذا ؟ لأنها في تبدُّل مستمر ، أما الحق فثابت .
المعنى الثاني : الشيء السامي العظيم :
وهناك معنى آخر للحق ؛ الشيء الثابت والشيء السامي العظيم ، الهادف ..
 
﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ ﴾
 
      أي مهما تبدَّلت العصور ، مهما تبدلت الأزمان ، مهما تقدَّم العلم ، مهما تنوَّعت الحياة ، مهما ارتقى الإنسان ، مهما فعل فإن هذا القرآن كلام خالق الكون ، الحقائق فيه ثابتة ، والأوامر ثابتة ، والنواهي ثابتة ، والطريق إلى الله ثابت ، لا توجد مفاجآت .
إن الإنسان أحياناً يمشي مع الباطل ، يقضي حياته في الباطل ، يقضي شبابه ، يزهق حياته ، وبعد ذلك يكتشف بعد سبعين عاماً أن هذا المبدأ باطل ، تخلّى عنه أصحابه ، هذه مفاجأة كبيرة جداً ، هذه مفاجأة ساحقة أن إنسانا نذر نفسه لهذا المبدأ ، وضحَّى بشبابه ، وقدَّم كل شيء ، بعد هذا العُمر المديد إذا بالفكرة لا أصل لها ، وهي من صنع الأهواء والمصالح والأنانيَّات ، وانتهى الأمر ، و..
 
                                 ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
( سورة يوسف )
     هذه مفاجأة خطيرة ، أما إذا كنت دائماً مع الحق فليس هناك مفاجأة أبداً ، مهما تقدمت بك السن ، مهما قرأت ، مهما اطلعت ، لو سافرت ، أينما شئت فلتسافر ، القُرآن شامخٌ كالطود ، بالعكس كلما رأيت انحراف البشر ازددت إيماناً بأحقيَّة هذا القرآن ..
 
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾
( سورة الإسراء )
       الآن المجتمع الغربي انتهى ، ليس في المجتمعات الغربية أسرة بالمعنى الدقيق ، هناك تفتت ، تشرُّد ، تبعثُر ، تشرذم ، شقاء ، لدى الغرب تقدم من جهة وتخلف كبير من جهات أخرى ، الإنسان انسحق لأنه ظن أن اللذَّة هي كل شيء ، غفل عن القيم ، غفل عن سر وجوده ، غفل عن هذا الانضباط الروحي الرائع ، هذا كله غفل عنه الغربيّون ، لذلك الدعوة إلى الله في بلاد الغرب ، تجد الآن قبولاً مُنقطع النظير ، لشقاء الإنسان ، لما يعانيه من قسوة المادة ، فالأطفال أحياناً يُسرقون لتباع دماؤهم في السوق السوداء ، في أرقى المجتمعات ، فهذا الشيء مخيف جداً ، أن الإنسان بلغ درجة صار عندها يسرق طفلاً ، ويصفي دمه ، ويبيعه في السوق السوداء !! هكذا يكون الإنسان إذا ترك الله عزّ وجل ، يصبح وحشاً كاسراً ، إذاً هذا المرض الشهير الذي قال عنه أحد المسؤولين الكبار في بلد متقدم قال : " إن القنبلة الذرية التي سوف تصيبنا هي مرض الإيدز " .
 
 ما هو الفساد ؟
 
     سنة ألفين وعشرة سيكون ضحايا الإيدز بمئات الملايين ، هذا هو الزنا ، أقول لكم ، وأنا أعني ما أقول : ما من مشكلةٍ تعاني منها البشرية إلا بسبب الخروج عن هذا المنهج ، ما هو تعريف الفساد ؟ هو حركة إنسان مخيَّر بلا منهج ، فلسفة الفساد في الأرض إنسان مخير يتحرَّك بغير منهج ، لأن كُلَّ شيءٍ مضبوطٌ بالحكمة والخير من عند الله ، أما الإنسان فمخير ، فإذا عرف الله عزّ وجل ، وسار على هذا المنهج سعِد وأَسعد ، وأصبحت الأرض صالحة ، وأما الفساد إخراج الشيء عن صلاحه .
متى يَفْسُد الملح ؟ يفسد إذا وضعته في الحلويات ، فإنك أخرجته عن صلاحه ، أفسدت المِلح وأفسدت الحلويات ، إذا وضعت السكَّر في الطعام ، أفسدته وأفسدت الطعام ، الشيء الذي تخرجه عن صلاحه هو الفساد ، إذاً  حركة الإنسان بلا منهج هي الفساد ، فلذلك :
 
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
إذا كنت مع القرآن فاطمئن ، لن تفاجأ مهما امتد بك العمر ، كلما نمت خبرتك وزاد اطلاعك ، وزادت ثقافتك ازددت يقيناً بأن هذا القرآن الكريم حقٌ من عند الله عزّ وجل .
لي صديق أطلعني على كتاب عن العسل ، مؤلف هذا الكتاب من بلدٍ عقيدته ( لا إله ) ، ليس: ( لا إله إلا الله ) ، بل لا إله ، عشرة فصول ، أو أحدَ عشر فصلاً عن فوائد العسل ، الأمراض الجلدية ، الأمراض الإنتانية ، علاقته بجهاز التنفس ، بجهاز القلب والدوران ، علاقته بالإنتانات ، علاقته بالهضم ، علاقته .. شيء يحيِّر العقول ، كأن هذا الكتاب كله ترجمةٌ تفصيليةٌ لقوله تعالى :
 
﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾
( سورة النحل : آية 69  )
والذي ألَّف الكتاب لا يعرف الآية الكريمة إطلاقاً ، وإذا عرفها فلن يؤمن بها في الأساس ..
 
﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
( سورة السجدة : آية 1)
إذاً ليس فيه ريب ..
 
﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
 
 ما حار فيه البشر بيّنه ربّ البشر :
 
1 ـ مِن أين يتشكل الجنين ؟
 
      البشرية اضطربت ، وتساءَلَتْ : يا ترى الجنين يتشكَّل من الحوين المنوي ، والرحم عبارة عن أرض للاستنبات ؟ هكذا اعتقد الناس عشرات السنين ، أو لخمسين عاماً تقريباً ، ثم اعتقدوا العكس أن الجنين ينشأ من البويضة ، وما الحوين المنوي إلا مُنَبِّه ، لكن الله عزّ وجل قال :
 
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾
( سورة الحجرات: آية " 13 " )
( من ) للتبعيض ، من حوين وبويضة ، ثم تاه البشر ، يا ترى الجنين من الرجل أم من الأنثى ، أيْ كونه ذكراً أو أنثى ؟ القرآن أشار :
 
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
( سورة النجم )
الذي يُشَكِّل الذكر والأنثى النطفة لا البويضة ، هذا كلام خالق الكون ، آيةٌ قرآنيةٌ تاه فيها البشر :
 
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ*  فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
( سورة الرحمن )
2 ـ أين  هو البرزخ بين البحرين ؟
      أين هذا البرزخ ؟ أين هو البرزخ بين البحر العربي والبحر الأحمر ؟ باب المندب فيه الماء متصل ، أين هو البرزخ بين المتوسط والأسود في البوسفور ؟ أين هو البرزخ بين المتوسط وبين الأطلسي في جبل طارق ؟ والناس قالوا : لا يوجد شيء ، لكن الله قال :
 
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَان ِ* فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
 
 
        إلى أن ركب الإنسان المركبة الفضائية ، وصوَّر البحار من الجو فظهرت في الصور خطوطٌ بين كل بحرين خط ، لا تزال طبيعة هذا الحاجز مجهولة ، لكن آثاره واضحة ، أن كل بحر له مكوناته ، وله ملوحته ، وله حرارته ، وله كثافته ، الكثافة ، والملوحة ، والمكونات ، والحرارة .. وأن مياه البحر الأحمر لا يمكن أن تختلط بمياه المحيط الهندي ، وأن مياه المتوسط لا يمكن أن تختلط بمياه البحر الأسود ، ومياه المتوسط لا يمكن أن تختلط بالمحيط الأطلسي ، جاء الكشف من عند الأجانب من خلال مركبات الفضاء ، عندما رأوا أن هناك خطوطاً درسوا المياه ، فرأوا هنا ملوحة بنسبة ما ، وهنا ملوحة بنسبة أخرى ، عند باب المندب ، قبل عشرة أمتار من هذا الخط وجدوا الماء له ملوحة ، وهنا بعد مسافة معينة له ملوحة مغايرة ، وإذا الإنسان شاهد البحر الأحمر ، أو وضع قدمه في مياهه يشعر أن هذا الماء خفيف أخف من مياه المتوسط ، ولكن يوجد اتصال عند قناة السويس ، وعند باب المندب .
 
﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾
       بقي هناك حجر محجور بين المياه العذبة والمياه المالحة ، أسماك المياه العذبة لا تنتقل إلى المياه المالحة ، وأسماك المياه المالحة لا تنتقل إلى المياه العذبة ..
 
﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾
( سورة الفرقان )
        هذا كلام خالق الكون ، ولو كان عند الإنسان وقت ، أو نفس علمي طويل لعلم الكثير ، أَيَّةُ إشارةٍ في القرآن تدعمها حقيقةٌ علميةٌ عمرها أعوامٌ طويلة .
 
3 ـ لماذا يطير الطائر ويهاجر ؟
 
ربنا عزّ وجل قال عن الطيور :
 
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾
(   سورة الملك)
       ربنا عزّ وجل عزا طيران الطائر انطلاقا وتسيراً في جو السماء إلى ذاته ، وبحثٌ علميٌّ بقي مستمراً عشرين عاماً لماذا يطير الطير ؟ لماذا يُهاجر ؟
هناك مائة مليار طائر في العالم ، لماذا تهاجر ، ما السبب ؟ يا ترى خارجي أم داخلي ؟ خارجي .. صار الجو حاراً ، فوضعوها في أجواء باردة ، تحركت نحو الهجرة .. يا ترى طول النهار ؟ وضعوها في ضوءٍ قليل قصير تحركت نحو الهجرة ، إذاً الدافع داخلي ، ولكن هاجرت فما الذي يدلّها على الطريق ؟ تنطلق في رحلةٍ طولها سبعة عشر ألف كيلو متر من جنوب أمريكا إلى شمالها ، سبعة عشرَ ألف كيلو متر ، من جنوب أفريقيا إلى الشرق الأوسط ، ولكن تعود إلى أعشاشها في الشتاء ، لو أنها انحرفت درجة واحدة ، كان عشها في دمشق فإذا هي في مصر ، كان عشها في دمشق فإذا هي في العراق ، درجة واحدة ، من يهديها في ظلمات البر والبحر ؟ القرآن الكريم قال :
 
﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾
   سورة الملك19) )
 
كما أن هناك آية أخرى :
 
﴿ مَا يُمْسِكُهُنّ إِلَّا اللَّهُ﴾
( سورة النحل : آية " 79 " )
      عزا طيران الطائر إلى ذاته ، البحث العلمي يقول : " هناك إيقاعاتٌ خفيةٌ تُلْقى في قلب الطائر من جهةٍ مجهولة " ، وبعد عشرين سنة وضَّحوا الآية ، هكذا القرآن ، أنت مع كلام خالق البشر ، فلا أعتقد أن هناك كتاباً آخر يجب أن يستحوذ عليك ، أن تهتم به ، أن تُعْنَى بدقائقه ، أن تُعنى بآياته ، أن تُعنى بأمره ونهيه ، أن تُعنى بوعده ووعيده ، ببشارته وإنذاره إلا القرآن ..
 
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
( سورة السجدة )
 
 القرآن نذير لمن لا نذير له :
 
        هؤلاء العرب الذين ما أتاهم من نذيرٍ من عهد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام إلى محمدٍ عليه الصلاة والسلام ..
 
﴿ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
 
 
حُكم أهل الفترة :
       وهذا ينقلنا إلى موضوع أهل الفَترة ، أهل الفترة مطالبون بالإيمان بالله ، أما إذا لم يصلهم التكليف فلا يحاسبون عليه ، فهناك أناس يخلطون ، الكون يدلُّ على الله عزّ وجل ، والإنسان أعطاه الله عقلاً ، هو أداة معرفة الله ، فلا عُذر له إن لم يؤمن ، لكنَّ الإنسان إذا آمن بالله ، ولم يَطَّلع على الأمر بالزكاة ، أو الأمر بغض البصر ، أو الأمر بكذا ، فهذه الأوامر التفصيلية هذه لا يحاسب عليها إلا من تبلغها ، فلذلك أهل الفترة لا نقول : معفون إعفاءً تاماً من كل مسؤولية ..
 
( سورة ق: آية " 6 " )
 
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
( سورة الغاشية )
إذاً :
 
﴿ الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
( سورة السجدة )
       الذي أتمناه على كل أخٍ كريم أن يكون موقفه واضحاً تماماً من هذا الكتاب الكريم ، هل تملك الأدلة القطعية على أن هذا القرآن كلام الله ؟ إن كنت كذلك فكيف تُغَطِّي نفسك أمام ربك إذا سألك : لماذا لم تنفِّذ هذا الأمر ؟ لماذا قصَّرت في هذا الأمر ؟
 
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
( سورة النور : آية " 30 " )
 
 كيف نخالف القرآن مع أنك تعلم أنه قطعي من رب العالمين ؟
 
      لماذا أنت أيها المؤمن تتساهل أحياناً في هذا الأمر ؟ إذا كان بلغ لديك حدَ اليقين أنه كلام الله فكيف تنسجم مع نفسك إذا خالفت أمره ؟ ألا تشعر باختلال التوازن ؟ أما إذا كان هناك شك عندك من أمره فإن هذا موضوع آخر ، لذلك فإنَّ هذا الموضوع يجب أن يكون محسوماً لدى كل إنسان .
     في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نتابع هذه السورة الكريمة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأُها كل فجر جمعة ، وأغلب الأئمة في العالم الإسلامي يقلِّدون النبي عليه الصلاة والسلام ، ويقرؤونها في فجر الجمعة مع سورة الدهر ، فمراكز الثقل في الآية هي كلمة :
 
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
      أي هل هناك يقينٌ قطعيٌّ ، قطعيٌّ ، قطعي أن هذا القرآن كلامه ؟ إذا كان كذلك فكيف تخالفه ؟ وكيف تُغَطي نفسك أمام ربك حينما يسألك ؟ وكيف لا يختل توازنك إذا كنت موقناً أن هذا الكلام كلامه وأنت لا تطبِّقه ، ما موقفك ؟ هذه قضية مصيرية ، كلمة لا ريب فيه :
 
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
 
 مخالفة القرآن ثمنها باهظ :
 
       مثلاً : لو أن مهندساً رأى بناءً ، وأدرك بعلمه أن هذا البناء خطر ، ولابدّ من أن يقع ، وأنه أَلْقى هذه الحقيقة على مسامع أصحاب البيت ، وأبلغهم ، وأخذ توقيعهم على ذلك ، وأصحاب البيت لم يعبئوا بهذه النصيحة ، وبقوا في البيت إلى أن وقع البيت فوق رؤوسهم ، فهذا هو العلم ، وذاك هو الجهل .
       فالإنسان أحياناً يرتكب مخالفات في كتاب الله يدفع الثمن باهظاً ، حتى في حياته الزوجية ، لأنه لم يعبأ بكلام الله عزّ وجل ، الله عزّ وجل قال مثلاً آيات كثيرة جداً في العلاقات الزوجية ، فإذا لم يعبأ بها يدفع الثمن باهظاً من سعادته الزوجية ، هناك توجيهات كثيرة في كسب المال ، إن لم تعبأ بها دفعت الثمن باهظاً من تجارتك ، هناك توجيهات كثيرة في إنفاق المال إن لم تعبأ بها دفعت الثمن باهظاً ، فإذا كان الإنسان مُحِباً لذاته ، إذا كان مفرطاً في أنانيته ، عليه أن يتفهم كلام الله ، والمرء يجب أن يلاحظ نفسه .
مثلاً : آلة غالية جداً .. كأن يشتري أحياناً كمبيوترا ، أو يشتري مركبة موديل جديد ، يقول لك : هذه كلفتني كذا مليون ، تجده حريصاً حرصاً بلا حدود على اقتناء الكُتَيِّب الذي تصدره الجهة الصانعة ، حريصا حرصا بلا حدود على ترجمته لفهمه ، حريصا حرصاً بلا حدود على تنفيذ تعليماته ، حرصك على سلامة هذه الآلة دفعك إلى كل هذا الحرص ، وكل هذا الجهد ، ترجمت ، وقرأت ، وفهمت ، وسألت ، ونفَّذت ، فحرصك على آلةٍ صغيرة أو على مركبةٍ أيعقل أن يكون أشد من حرصك على نفسك ، وعلى مصيرك ، أو على مستقبلك ؟! وعلى حياتك بعد موتك ؟ هكذا الدنيا ؟ الإنسان لو رأى بعينه شيئاً من الخلل في صحته لا ينام الليل ، يسأل عن أمهر طبيب ، يسأل عن الطبيب الأول ، ويقول لنفسه : ( هذه عين ليس معها لعب ، فهي أداة البصر ) ، ولكن نفسك التي بين جنبيك ؟ هي التي سوف تعيش بها إلى الأبد ..
 
 
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
( سورة الشعراء )
     أرجو أن تدركوا معي أنَّ هذا الكتاب ليس أمراً بسيطاً ، بل هو قرآن من عند الله ، بعضهم يتلوه ، ويقول : تباركنا والحمد لله ، شعرنا براحة ، كلام الله ، بل إن الموضوع أخطر من ذلك ، أخطر بكثير ، أخطر من أن تتلوه هكذا ، الموضوع أن تقف عند أمره ونهيه ، عند حلاله وحرامه ، عند آياته الدالة على عظمة ربك، عند الآيات التي تَعِد أو توعد ، هذا المطلوب ، فالمطلوب أن نتلوه ليلاً ونهاراً ، صباحاً ومساءً ، أن نتفهَّمه ، أن نتدبَّره ، يجب أن تكون في مستوى هذه الآية :
 
 ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
     كنت أقول لكم سابقاً : من السهل جداً أن تقول : ألف مليون ليرة ، فالعبارة لا تكلفك شيئاً ، ألف مليون ليرة ، ثلاث كلمات ، يمكن إذا كان الجهد يقاس بوحدات ، وحدات لا تُذكر ، فما هذا النفس الطويل .. ألف مليون ليرة .. شتَّان بين أن تلفظها وبين أن تملكها ، فرقٌ كبيرٌ جداً بين أن تقول ألف مليون ليرة ، وبين أن تملك هذا المبلغ ، وكذلك في القرآن شَتَّان بين أن تقرأ آية قراءةً صحيحةً مجوَّدة ، وبين أن تكون في مستواها، حينما تخالف كلام الله ما معنى ذلك ؟ أنك تشعر من أعماقك أن هذا الكتاب صعب تنفيذه ، كأن الله كلَّفك ما لا تطيق مع أن الله تعالى يقول :
 
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
( سورة البقرة : آية " 286 " )
     أنت حينما تعتقد هذه العقيدة فإنك قد خالفت كلام الله ، فاجهد أن تكون عقيدتك مطابقةً لكلام الله ، فاجهد أن تستنبط سر الحياة ، سر الكون ، وسر الحياة ، وسر وجودك من كلام الله ، اجهد أن يكون عملك مطابقاً لتوجيهات الله ، اجهد أن تكون أهدافك مطابقةً لما في القرآن ، لا أن تكون أرضيةً ، فالمفاجأة كبيرة جداً ..
 
﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
( سورة الطور )
       يُصْعَق .       
مثلاً : شخص قلب كل أمواله إلى عملة أجنبية ، بيته ، معمله ، أرضه ، سيارته ، بيته في المصيف ، المبلغ صار مئتي مليون ، وذهب إلى بلدٍ أجنبي ليعيش في بحبوحةٍ كبيرة ، ليشتري البيوت والقصور، والسيارات ، ويعيش بلا عمل ، وبدخلٍ من ريع المبلغ في المصارف ، ثم يفاجأ أن هذه العملة التي قبضها مزوَّرة ، فبلحظة واحدة يُصعق ..
 
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾
( سورة المعارج : آية " 42 " )
      أحدهم وضع أمواله في شركة استثمارية في الخليج .. مبلغ ضخم جداً كل ما يملكه .. كان في دمشق يمضي شهراً كعطلة ، فلما عاد إلى بلده في الخليج أنبأه شريكه أن هذه الشركة التي وَضَعْت فيها كل أموالك قد فلست ، فوقع مغمياً عليه ، هذه صعقة كبيرة جداً ، نحن نقرأ القرآن ، يجب أن يقرأ قراءةً جدية ، الأمر ، النهي في كل التوجيهات ، في زواجك ، ولا يمكن أن يشقى زوج إن طبق كلام الله عزّ وجل ..
 
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
( سورة النساء : آية " 19 " )
      اقرأ التفاسير كُلَّها ، المعاشرة بالمعروف ليس أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ، بل أن تحتمل الأذى منها ، هكذا توجيه ربنا عزّ وجل ، فيجب أن نقرأ القرآن بتدبر ، بعناية ، يجب أن توقع عملك وفق القرآن ، إذا قال لك : غُض بصرك ، غض بصرك وإلا صار البيت جحيماً، كلَّ يوم بينك وبين زوجتك مشاجرتان أو ثلاثٌ ، إذا قال لك الله عزّ وجل :
 
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
( سورة البقرة : آية " 276 " )
فصدق ، لأنك تجمع ، ثم تجمع ، ثم تجمع ، وفي ثانية واحدة يدمِّر مالك كله ..
 
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
 
إذا قال لك : زكّ ، فزكّ ، إذا قال لك : افعل ، فافعل ..
 
﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
( سورة الحجرات : آية " 12 " )
        لو اغتبت يتمزَّق المجتمع ، تجد الأسر كلها ممزقة فما هو السبب ؟ من الغيبة ، يستقبل استقبالاً مع ترحاب ، يغادر منزلهم فيتكلمون عليه ، يكون الواحد حاضراً فينقل الكلام إليه : هكذا تكلموا عليك بعد خروجك ، فيرد عليه : هم تكلموا بهذا الكلام علي ، أعوذ بالله ، هم فعلوا معي هكذا ؟ تجد الحياة كلها ممزقة من الغيبة ، فإذا أردت أن تسعد أنت، وأهلك وأولادك ، ومجتمعك وجيرانك ، وإخوانك فطبق كلام الله ، كلمة :
 
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
نعم أعتقد أن كلام الله صحيح ، وهو عين الصواب والحق . الدرس كله على كلمةلا ريب فيه ، هذا كلام خالق البشر .
 
والحمد لله رب العالمين 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب