سورة آل عمران 003 - الدرس (28): تفسير الآيات (102 - 105)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة آل عمران 003 - الدرس (28): تفسير الآيات (102 - 105)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج ليطمئن عقلي: ليطمئن عقلي - 24 - الدكتور هشام عزمي - اسئلة حول الالحاد2           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 24- اذا لم يستجب لك           برنامج كن فضولياً: كن فضوليا - 19 - بر الوالدين - 05 - 08 - 2020           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - من اسقام الشباب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0738 - سورة مريم 033 - 035           برنامج وقفات تربوية: وقفات تربوية -10 -ادارة الحالة الشعورية في النفس         

الشيخ/

New Page 1

     سورة آل عمران

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة آل عمران - تفسيرالآية: (102 - 105)

21/03/2011 02:04:00

سورة آل عمران
الدرس (28)
تفسيرالآيات: (102 – 105)
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا
 وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
      أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن والعشرين من سورة آل عمران ، ومع الآية الثانية بعد المئة ، وهي قوله تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا
 حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( سورة آل عمران : الآية 102-103)
 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
 
1 ـ خطاب الله للمؤمنين :
    
أيها الإخوة الكرام ، كما تعلمون أن الله جل جلاله لم يخاطب الكفار إطلاقاً إلا في آية واحدة يوم القيامة ، لأن الكافر عطل عقله ، واتبع هواه فهو ليس أهلاً لأن يخاطبه الله عز وجل ، بينما المؤمن الذي آمن بالله
 خالقاً ، ومربياً ، ومسيراً ، آمن به موجوداً ، وواحداً ، وكاملاً ، يقول له : يا أيها الذين آمنوا ، يعني يا من آمنتم بي ، يا من آمنتم بعلمي ، يا من آمنتم برحمتي ، يا من آمنتم بعدلي ، يا من آمنتم أني خلقتكم
 لجنة عرضها السماوات والأرض ، قال تعالى :
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
( سورة آل عمران : الآية 102-103)
 
2 ـ حقّ التقوى :
 
      قال بعض العلماء فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حق التقوى أن تطيعه فلا تعصيه ، وأن تذكره فلا تنساه ، وأن تشكره فلا تكفره ، هذا حق التقوى ، بتفصيل أكثر يجب أن تتقي غضبه ،
 يجب أن تتقي معصيته ، يجب أن تتقي سخطه ، يجب ألا تعمل عملاً لا يرضيه ينبغي أن تكون في رضوانه ، ينبغي أن يكون إيمانك كافياً لحملك على طاعته ، ما كل إيمان ينجي ، هناك إيمان لا ينجي ، فيجب أن تؤمن
 الإيمان الذي يحملك على طاعته ، أي أن تتقيه حق تقاته .
قد تجد مليارًا ومئتي مليون مسلم ، لأنهم لا يتقون الله حق تقواه لم يقطفوا ثمار الدين ، وعدهم الله بالاستخلاف فلم يستخلفوا ، وعدهم الله بالتمكين فلم يمكنوا ، وعدهم الله بالطمأنينة فلم يطمئنوا ، وعدهم الله
 أن جندهم هم الغالبون فلم يغلبوا ، وعدهم أن لن يجعل الله لأعدائهم عليهم سبيلا لأعدائهم عليهم فثمة ألف سبيل وسبيل عليهم .
 
3 ـ المؤمن واضح واضحٌ :
 
      إن لم نتقِ الله حق تقواه لا نقطف ثمار الدين ، دقق في أب عنده ثلاثة أولاد ؛ ولد متفوق ، وأخلاقه عالية جداً ، فيكرمه الأب ، وولد آخر معتوه ، فالأب يحاسبه ، لأنه إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، من
 الذي يؤدبه ليلا ونهارًا ؟ الابن الثالث الذي يملك إمكانات ، وهو مقصر ، المؤمن كما أراد الله واضح ، فهو مرتاح في الدنيا ، والكافر الذي لا يرجى إيمانه اختار الدنيا ، وانتهى الأمر ، وهو واضح أيضاً .
مَن هذا الذي يعالج كل يوم ؟ يؤدب كل يوم ، تأتيه المصائب كل يوم ؟ هذا الذي ليس كافراً ، وليس مؤمناً ، ليس كافراً فيخرج عن دائرة العناية الإلهية ، وليس مؤمناً الإيمان الكامل فيقطف ثمار الدين ، هذه
 مشكلة المسلمين ، المؤمن واضح ، والله عز وجل يعامله معاملةً كاملة ، معاملةً فيها إكرام ، والكافر واضح ، فالله عز وجل أخرجه من دائرة العناية المشددة ، من هذا الذي يعالج ، ويؤدب ، ويضيق عليه ،
 ويشدد عليه ، ويصاب تارةً بماله ، وتارةً بصحته ، وتارةً بمن حوله ؟ هذا المؤمن المقصر ، فلذلك كأن هذه الآية تتجه إلى من آمن ، ولكن إيمانه لم يكن يرقى إلى مستوى يحمله على طاعة الله : 
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
( سورة آل عمران : الآية 102-103)
 
4 ـ ملمحٌ لطيف من الآية : الامتحان يكشف المتفوق :
 
هنا ملمح لطيف في قوله تعالى :
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
( سورة الملك : الآية 2 )
       أصل الامتحان أن يكشف هذا الامتحان من هو المتفوق ، أنا عندي خمسون طالباً ، صممت امتحاناً لأكشف المتفوقين منهم ، أما الامتحان الواقعي فهو يكشف الناجحين والراسبين ، فالأصل أن ينبغي أن تكون
 متفوقاً لا أن تنجح فقط ، فالله عز وجل يقول :
ر﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
       سبحان الله ! ما من شيء إلا إذا غصت في أعماقه كان ممتعاً ومسعداً ، الحل الوسط أحياناً لا يصلح في الدين إطلاقاً ، يمكن أن يكون الإنفاق وسطاً ، قال تعالى :
 
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا
( سورة الإسراء : الآية 29 )
       يمكن في شراء الحاجيات أن تختار حاجة وسطًا ، تؤدي الوظيفة بسعر معتدل ، يمكن أن تتخذ الوسطية في شؤون من حياتك كثيرة ، أما أن تكون استقامتك وسطاً ، أو تدينك وسطاً ، فربما لا تقطف ثمار الدين
 بهذا الموضوع ، لأن الله عز وجل يقول :
 
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ
( سورة هود : الآية 112 )
         إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال تعالى :
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
أن تذكره فلا تنساه ، أن تطيعه فلا تعصيه ، أن تشكره فلا تكفره ، أن تتمسك بالكتاب والسنة فما إن تمسكت بهما فلن تضل أبداً ، أن تتبع منهج الله ، قال تعالى :
 
ر﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
( سورة طه : الآية 123 )
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
( سورة البقرة : الآية 38 )
أن تكون وقافاً عند حدود الله ، أن لا تأخذك بلله لومة لائم ، أن تقيم العدل ، ولو على نفسك وأهلك ، أن تقول الحق ، ولو كان مراً ، ألاّ تداهن أحداً ، والمداهنة أن تبذل الدين من أجل الدنيا ، أن تضحي
 بدينك من أجل دنياك ، قال تعالى :
 
ر﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
( سورة القلم : الآية 9 )
لك أن تداري ، وليس لك أن تداهن ، المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا ، والمداراة بذل الدنيا من أجل الدين ، يمكن أن تعطي كل شيء من أمور الدنيا مقابل أن تأخذ بيد من حولك إلى الله ، لكن في أمور
 الدين لا ينبغي أن تضيع شيئاً من الدين من أجل دنياك ، هذا أن لا تأخذك بالله لومة لائم ، أن تقول الحق ، ولو كان مراً ، أن يكون صمتك فكراً ، ونطقك ذكراً ، ونظرك عبرةً ، أن تصل من قطعك ، أن تعفو
 عمن ظلمك ، أن تعطي من حرمك ، أن تكون ذاكراً لله ، أن تكون منيباً لله هذه بعض العبارات التي تحضرني في معنى قوله تعالى :
 
ر﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
ودائماً في مستوى التعليم ؛ الطالب الذي يرجو أن ينجح فقط لا ينجح ، أما إذا رجا أن يكون متفوقاً لعله ينجح ، قال تعالى :
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
 
5 ـ احرص على أن تموت مسلماً :
 
الموت ليس بيدنا ، فكيف ينهانا الله عن أن نموت إلا ونحن مسلمون ، الموت ليس بيدنا ، معنى الآية : ما دام الموت ليس بيدك فاحرص على أن يأتيك الموت وأنت مستسلم لله عز وجل .
للتقريب : لو أنك حريص حرصاً لا حدود له على أن تقوم بعمل يعود عليك نفعه الكثير ، ولا تستطيع أن تقوم بهذا العمل إلا إذا لبيت إنساناً فيما بين ساعتين ؛ من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً ، ما
 دمت حريصاً حرصاً لا حدود له على الوصول إلى هذا الهدف ، وقال لك : أنا سآتي ، وآخذك من بيتك ما بين الثامنة صباحاً ، والثامنة مساءً ، ولا ينتظرك متى تقف وراء الباب ؟ بدءاً من الثامنة صباحاً ، ما
 دام المجيء ليس باختيارك بين ساعتين ، فمن شدة حرصك على تأدية هذا العمل تقف بدءاً من الساعة الأولى وتنتظر ، وما دام الموت لا يأتينا باختيارنا ، فقد يداهمنا مداهمةً ، فينبغي ألاّ يأتينا الموت إلا ونحن
 مستسلمون ، لله خاضعون له .
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
مع شيء من التفصيل للتوضيح ، شركة طيران لا ترد ثمن التذكرة ، والتذكرة بطاقة الطيران ثمنها خمسمئة ألف ليرة ، فإن لم تكن راكباً في الطائرة لا يرد ثمن هذه البطاقة ، والشركة هي التي تأتيك إلى البيت
 لتأخذك ، ولا تنتظر إلا دقيقة واحدة ، متى تأتي ؟ من الثامنة صباحاً ، وحتى الثامنة مساءً ، متى تقف خلف الباب ؟ بدءاً من الثامنة صباحاً ، البطاقة غالية جداً ، فإن فاتتك هذه الطائرة لم يُردّ لك ثمنها ، هم
 يأخذونك من البيت ، ولا ينتظرون إلا دقيقة واحدة ، هذا هو المعنى .
 
6 ـ الاستعداد للموت الذي يأتي فجأة :
 
      ما دام الموت ليس بيدنا ، وقد يأتي بغتةً إذاً ينبغي أن نكون دائمي الاستعداد له ، وهنيئاً لمن صفى علاقاته ، وأدى ما عليه ، وأدى واجباته ، وطالب بحقوقه ، ولم يبقِ مشكلةً مالية ، ولا اجتماعيةً ، ولا عاطفيةً إلا
 وحلها ، فإذا جاءه الموت يرحب به ، وكأنه على موعد معه .
الصحابة الكرام في حياتهم قاسم واحد مشترك بينهم ، وهو أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم حينما جاءهم الموت .
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
لا يأتينكم الموت ، وهو يأتي فجأة إلا وأنتم مستسلمون لله في كل شيء ، خاضعون لأمر الله في كل شيء ، ثم يقول الله عز وجل :
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
( سورة آل عمران : الآية 103)
 
 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
 
1 ـ وجوب الوحدة والاتفاق :
 
هذه قضية دقيقة في شأن الوحدة ، فلابد من شيء يوحدنا أما لو قلنا : علينا أن نتحد لا نتحد، أن نجتمع لا نجتمع ، أن نتفاهم لا نتفاهم ، لأن الأهواء مختلفة ، والمصالح مختلفة ، والأصل ألاّ يجتمع الناس إلا
 على شيء يجمعهم ، لذلك هناك قاعدة دقيقة جداً مأخوذة من قوله تعالى :
 
﴿ وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
( سورة المائدة : الآية 14 )
 
2 ـ قانون العداوة :
 
      وكأن هذه الآية قانون ، فمتى تنشأ العداوة والبغضاء ، ومتى ينشأ الحقد والحسد ، ومتى ينشأ البغي والعدوان ، ومتى تقوم هوة بين الناس ؟ متى يكون بأس الناس بينهم ؟ ومتى يمزقون ويشرذمون ؟ حينما ننسى
 منهج الله ، أما لو أننا طبقنا منهج الله جميعاً كانت المحبة ، والألفة ، والمودة ، قال تعالى :
﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
( سورة الأنفال : الآية 63 )
فإيمانهم ، وطاعتهم لله سبب وحدتهم ، ومحبتهم ، وفسق الناس ، وفجورهم ، ونبذهم لمنهج الله سبب العداوة ، والبغضاء بينهم ، وهذا قانون عام يشمل كل الناس وكل الشعوب وكل الأمم .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :
(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم ، ِلا يَظْلِمُهُ ، وَلا يَخْذُلُهُ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَ )) .
[ متفق عليه ]
 
3 ـ الإسلام هو الذي يجمعنا :
 
الذي يجمعنا هو حبل الله ، حبل الله في أوجه التفاسير هو القرآن الكريم ، بشكل أوسع هو الإسلام ، الإسلام يجمعنا ، اعتصموا بحبل الله جميعاً ، وحبل الله طرفه الأول بيد الله ، وطرفه الثاني بيد المؤمن ، فمن
 تمسك بحبل الله نجا ، أنت ممسك بحبلٍ طرفه بيد الله ، وطرفه بيدك ، فإذا اعتصمت بهذا الحبل ، اعتصمت بهذا القرآن ، اعتصمت بهذا الدين ، اعتصمت بهذا الإسلام ، هذا الذي يجمع الناس ، وللتقريب ؛ قد
 تجد حبالاً كثيرة مدلاة من السماء ، وكل يدعي أن هذا حبل الله ، أين بطولتك ؟ أن تمسك بحبل يمسكه الله من الطرف الآخر ؟ هنا البطولة حبال كثيرة ، كلها دعاوى تدعي أنها حبال الله ، لكن لله حبلاً
 واحداً ممسكاً بطرفه في السماء ، فكل بطولتك أن تهتدي بحبل أمسك الله بطرفه في السماء .
 
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
( سورة آل عمران : الآية 103)
       إذاً : أن نجتمع بلا شيء يجمعنا فاجتماعنا مستحيل ، أن نتعاون بلا شيء نتعاون عليه ، فتعاوننا مستحيل ، أن نتكاتف بلا شيء يدعونا إلى التكاتف تكاتفنا مستحيل .
 
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
( سورة آل عمران : الآية 103)
لو أن صفرًا زائدَ صفر زائدَ صفر فإنه يساوي صفرًا ، الإنسان الذي لا يعتصم بحبل الله صفر ، وليس من الله في شيء ، ليس على الحق ، وليس على المنهج ، وليس على الدين ، وليس على مبادئ ، وليس على
 قيم ، لو اجتمع زيد مع عبيد فالمحصلة صفر ، أما لو أننا اعتصمنا بالله عز وجل لكنا قوةً يرهب جانبها ، فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ )) .
[ متفق عليه ]
      أما أمته حينما تركت سنته هزمت بالرعب مسيرة عام ، واعتصموا بالله جميعاً ، ينبغي أن يكون الاعتصام بحبل الله حقيقةً ، لأنه كما قيل :
وكلٌّ يدعي وصلاً بليلى      وليلى لا تقر لهم بذاكــا
***
 
4 ـ قف عند كلمة ( جميعا ) :
 
الحقيقة كلمة جميعاً لها معنى دقيق ، يقول الله عز وجل :
 
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( سورة النور : الآية 31 )
 
لا نقطف ثمارَ الدين إلا مجتمعين :
 
أنتم لا تقطفون ثمار الدين إلا إذا تبتم إلى الله جميعاً ، أن يكون في بيتك هاتف ، ولك خمسون صديقًا ، ليس عندهم هاتف ، هذا الهاتف لا قيمة له ، يكون له قيمة إذا كان عند كل أصدقائك مثل هذا الهاتف .
للتقريب : حينما تعيش في مجتمع مسلم لماذا تشعر بالسعادة ؟ لأن كل مسلم لن يكذب عليك ، ولن يغشك ولن يؤذيك ، ولن يعتدي على عرضك ، ولن يأخذ مالك ، كما أنك مأمور بالصدق فإن مليارًا ومئتي
 مليون مسلم أمروا أن يصدقوا معك ، كما أنك مأمور بالعفة فإن مليارًا ومئتي مليون أمروا أن يعفوا عن نسائك ، كما أنك مأمور بالأمانة فإن مليارًا ومئتي مليون مأمورون أن يكونوا أمناء معك .
       إن ثمار الإيمان لا نقطفها إلا إذا كان الناس جميعاً أمناء ، وأوضح مثل موضوع الحجاب ، فلو أن أعداد قليلة حجبوا نساءهم ، ومعظم النساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، فثمار الحجاب لا نقطفها ، أما
 لو أن كل نساء الناس محجبات لا يثرن الغرائز ، ولا يبدين المفاتن لقطفنا جميعاً ثمار الحجاب ، وهذا معنى قوله تعالى :
 
ر﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( سورة النور : الآية 31 )
     حينما يعم الفساد في الأرض علي أن أستقيم ، لكن لا تظهر قيمة الاستقامة إلا إذا طبقها الناس جميعاً ، لا تظهر قيمة الأمانة إلا إذا كان الناس جميعاً أمناء ، لا تظهر قيمة العفة إلا إذا كان الناس جميعاً عفيفين.
     وهنا قال تعالى :
 
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
 
فضلُ المعتصم بحبل الله في آخر الزمان : 
 
إذا لم تعتصم الأكثرية بحبل الله ، والأقلية تعتصم بحبل الله ، الأقلية قد تنجو ، لكن ثمرة هذا الاعتصام الكلية لا تأخذها ، قلة قليلة تعتصم بحبل الله ، فهذه نجت ، لكنها تعاني ما تعاني ، (( وَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامَ
 الصَّبْرِ ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ على الجَمْرِ ، لِلعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ، قالُوا : يا رَسُولَ الله ، أجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قالَ : لا ، بَلْ أجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )) .
[ الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني ]
لأن الله عز وجل قال :
 
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
( سورة الروم : الآية 41 )
       ففي آخر الزمان القابض على دينه كالقابض على الجمر ، وقد ورد في الحديث الصحيح عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )) .
[ مسلم ، الترمذي ، الدارمي ، أحمد]
في زمن الفتن .
قال تعالى :
 
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
       أنا حينما أعتصم وحدي ، أو يعتصم من حولي فقط ننجو ، لكن حياتنا صعبة جداً ، لأن الأكثرية لا تعتصم ، الأكثرية لا تصدق ، الأكثرية لا تؤتمن ، ومن علامات آخر الزمان أنه يخوَّن الأمين ، ويؤتمن الخائن ،
 يكذب الصادق ، ويصدق الكاذب .
       حينما يفشو الفساد في الأرض تغدو الحياة صعبةً ، ويغدو القابض على دينه كالقابض على الجمر ، ولكن هذا قدرنا ، أما لو تصورنا أن مجتمعاً بأكمله عرف الله ، واستقام على أمره تجد الحياة شيًا ثمين جداً ، لذلك
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ
 ظَهْرِهَا )) .
[ الترمذي ]
       من ملامح آخر الزمان يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع أن يغير ، ألا ترون ما يجري لإخواننا في فلسطين ؟ يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع أن يغير ، إن تكلم قتلوه ، وإن
 سكت استباحوه .
       أيها الإخوة ، إن الله عز وجل يدعونا أن نعتصم بكتابه ، ولكن جميعاً حتى نقطف ثمار هذا الدين .
 
   وَلَا تَفَرَّقُوا
 
النهي عن التفرّق :
 
قال تعالى :
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا
( سورة آل عمران : الآية 103)
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ
( سورة التوبة : الآية 71 )
أما إذا تفرق المؤمنون بذنوب أصابها أحدهم ، أو بذنوب أصابها بعضهم ،  فالاعتصام بحبل الله يجمع ، وترك الاعتصام بحبل الله يفرق ، قال تعالى :
 
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا
أمر أن نعتصم ، ونهي أن نتفرق ، قال تعالى :
 
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
 
   وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
 
1 ـ تذكير الأوس والخزرج بنعمة الله عليهم :
 
الحروب بين الأوس والخزرج مديدة طويلة ، وحينما جاء الإسلام حلت المحبة محل الخصام ، وحينما جاء الإسلام حل التفاهم محل التنافس ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :
(( لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ
 : لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ ، وَأَعْطَيْتَ
 عَطَايَاعِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي ، قَالَ : فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ ، قَالَ : فَخَرَجَ
 سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ ، قَالَ : فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا ، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ ، فَقَالَ : قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ
 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ ؟ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ ؟ وَأَعْدَاءً
 فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟ قَالُوا : بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ ، قَالَ : أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا : وَبِمَاذَا نُجِيبُكَيَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ ، قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ ،
 وَصُدِّقْتُمْ : أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا ، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا
 مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا ، وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ
 شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، قَالَ :فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ ، وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
 وَسَلَّمَ ، وَتَفَرَّقْنَا )) .
[ أحمد ، والدارمي ]
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
 
2 ـ الخصومات دليل ضعف الإيمان وقلة العلم :
 
        أقول لكم هذه الكلمة ، وأنا أعني ما أقول : ما دام هناك خصومات بين الإخوة المؤمنين ، ومنافسات ، وعداوة ، وبغضاء ، وحقد وغل ، فليعلم هؤلاء المؤمنون أنهم ليسوا على المستوى المطلوب ، وأن هذا
 الإيمان لن ينفعهم ، لأن علامة إيمانهم المحبة بينهم ، علامة إيمانهم التعاون بينهم ، علامة إيمانهم التناصر ، والتضامن ، والتآخي ، وحينما يضعف تطبيق هذا المنهج تنشأ العداوة ، وتتفجر البغضاء ، وحينما نتمسك جميعاً
 بحبل الله عز وجل يحل الوئام محل الخصام ، فالمتبع لمنهج الله عز وجل يتعاون ، ولا يتنافس ، يقدر ما عند الآخرين ، ولا يحتقر ، بينما الذي لا يتبع يتنافس ، ولا يتعاون ، وذو نزعةً عدوانية ، وليس مسالماً .
 
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
 
3 ـ الأخوّة الإيمانية نعمة من الله ، والعداوة نقمة ومصيبة :
 
        والله أيها الإخوة ، كلما وجدت بين إخوة المسجد محبة ، وتعاوناً ، وإيثاراً ، وتضحيةً أنام قرير العين ، وكلما وجدت خصومةً ، وتنافساً ، ومشاكسةً بين إخوة المسجد أتألم أشد الألم ، لأن هؤلاء بهذه الأخلاق لم
 يقطفوا ثمار الدين أبداً .
        ألا ترى أن المسلمين في شتى بقاع الأرض بأسهم بينهم ! بأسهم بينهم ، وليس على عدوهم ، هذا من ضعف إيمانهم ، وكلكم يعلم أن كل فرقةٍ ضالة من شأنها النزعة العدوانية ، والنظرة الأحادية ، لسان حالهم
 ومقالهم : نحن فقط ، الجنة لنا ، نحن هم المؤمنون فقط ، نحن هم المسلمون فقط ، أية فرقة ضلت سواء السبيل تعتد بنفسها ، والله عز وجل يقول :
 
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ
( سورة النساء : الآية 49 )
هو يمدحهم أم يذمهم ؟ يذمهم ، قال تعالى :
 
﴿ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ
( سورة النساء : الآية 49 )
فهذا الذي يسلط الأضواء على ذاته ، وينزهها عن كل نقيصة ، ويطعن بالآخرين ، هذا يشق صفوف المسلمين .
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
 
   وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
 
كنتم في ضلالة عمياء ، وفي انحراف خطير ، الربا ، والخمر ، والزنا ، والعداوة ، والحروب المديدة ، وهذه الجاهلية الأولى ، ولأن الله قال :
 
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى
( سورة الأحزاب : الآية 33 )
معنى ذلك أن هناك جاهلية ثانية ، إنها الجاهلية التي نعيشها ، جاهلية المصالح ، والأهواء ، والحظوظ ، والمنازعات ، والتنافس ، والاقتتال أحياناً .
﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
أي على حافة حفرة من النار فأنقذكم منها .
 
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
     فالمودة بين المؤمنين من خلق الله عز وجل ، يخلقها الله ، فإن لم تكن هناك فهذه مشكلة  كبيرة في الإيمان ، التجمعات كثيرة ، هناك تجمع مصلحي أساسه المصلحة ، فهؤلاء يتعاونون على باطل ، وليس على حق ،
 ولكن تجمعات المؤمنين تجمعات خالصة لله عز وجل ، فلا تحتمل جماعة المؤمنين أية خصومة .
 
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
( سورة الحجرات : الآية 10 )
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
( سورة آل عمران : الآية 104 )
 
 ﴿ صفات المفلحين :
 
1 ـ الدعوة إلى الخير وهو الإسلام :
 
هذه اللام لام الأمر ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، فلابد من فئة في كل مجتمع تتعلم العلم الصحيح العميق الواسع ، وتدعو إلى الله ، تدعو إلى الخير إلى هذا القرآن ، إلى هذا الإسلام ، إلى هذا الدين القويم ، تدعو إلى كل شيء يقرب إلى الله ، وتنهى عن كل شيء يبعد عن الله عز وجل ، قال تعالى :
 
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
والخير هو القرآن ، والإسلام ، وهذا الدين .
 
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ
 
2 ـ الأمرُ بِالْمَعْرُوفِ والنهيُ عَنْ الْمُنْكَرِ :
 
 
 
ما هو المعروف ؟ وما هو المنكر ؟
 
هذا من قبيل عطف الخاص على العام ، المعروف ما عرفته الفطر السليمة ، والمنكر ما أنكرته الفطر السليمة ، الإنسان مفطور فطرة عالية ، ومن أصل فطرته يحب المعروف ، ويكره المنكر ، أما حينما تنطمس
 فطرته ، وتسود صفحته ، وتتحكم به أهواؤه عندئذ يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، ويقول عليه الصلاة والسلام : (( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا : أو كائن هذا يا رسول
 الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ قالوا : أو كائن هذا يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون )) .
[ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي أمامة ]
      في بلد إسلامي في شمالنا قدموا الوسام من الدرجة الأولى لامرأة تدير أكبر شبكة دعارة ، لأنها قدمت للخزانة أعلى نسب من الضرائب ، قدم إليها وسام من أعلى مستوى ، وهي تدير أكبر شبكة دعارة في بلد
 إسلامي ، (( ... كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟ قالوا : أو كائن هذا يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ )) .
[ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي أمامة ]
        قبل أيام في موقع معلوماتي ، بلد إسلامي بعيد جداً ، بنغلادش ، صدر فيه قانون يقرّ أن حرفة الدعارة حرفة لا شيء فيها ، فالمرأة التي ترتزق بثدييها امرأة بحسب هذا القانون شريفة ، ولا أحد يسائلها ، هذا في
 بلد إسلامي ، بنغلادش ، (( ... كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟ قالوا : أو كائن هذا يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ )) .
[ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي أمامة ]
لذلك هذه الأمة الإسلامية لا يمكن أن تكون خير أمة أخرجت للناس إلا إذا أمرت بالمعروف ، ونهت عن المنكر ، قال تعالى :
 
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ
( سورة آل عمران : الآية 110 )
خيريتها أنها تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، فإذا لم تأمر بالمعروف ، ولم تنهَ عن المنكر فقدت خيريتها ، بل هي أمة كأي أمة خلقها الله ، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :
 
﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
( سورة المائدة : الآية 18 )
من هؤلاء الشعوب التائهة ، الأمة الإسلامية إن لم تقم بأمر الله ، إن لم تأمر بالمعروف ، إن لم تنهَ عن المنكر فهي أمة كبقية الأمم التي شردت عن الله عز وجل ، وما من كلمة تصدق على واقع الأمة كهذه الكلمة
 : هان أمر الله عليها فهانوا على الله .
سيدنا عمر حينما طعن ، وأفاق من الإغماء ماذا قال ؟ هل صلى المسلمون الفجر ! فهل يسأل الأب زوجته إذا عاد إلى البيت : هل صلى الأولاد العشاء ، يقول لها : هل كتبوا الوظائف ؟ هل تناولوا الطعام
 جيدًا ، ربما لا يسألها : هل صلى الأولاد العشاء ، سيدنا عمر قال: هل صلى المسلمون الفجر ؟ فحينما نعظم أمر الله نعظُم عند الله ، وحينما يهون أمر الله علينا نهون على الله .
 
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
( سورة آل عمران : الآية 104 )
       ثمة قصة بسيطة جداً ، ولكنها معبِّرة ، سائق سيارة ، ركب معه شاب وشابة قال له : انتظر قليلاً ستأتينا محفظة ، فانتظر هذا الذي سيأتي بالمحفظة ، فتأخر ، ثم جاء بعد حين رجل كبير بالسن عمره سبعون سنة ،
 يحمل محفظة على رأسه ، وأخذها هذا الشاب منه ، وضربه على صدره ، لِمَ تأخرت ؟ السائق لم ينتبه ، وبعد أن انطلق في طريقه من بيروت إلى الشام قالت له زوجته : لا ينبغي لك أن تضرب أباك ، فوقف هذا السائق
 ، وقال له : هذا أبوك ؟ انزل فوراً ، وهذه أجرتكما .
       هذا أدى الذي عليه ، شيء رائع جداً ، قال لي رجل : والله أنا سبب توبة سائق سيارة ، كنت أحمل خمرًا ، فلما لمحه رفض أن يركبني ، وطردني ، فشعرت بذل شديد ، وعقدت العزم على أن أتوب ، وكل إنسان
 أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر.
       تأتي الفتاة إلى بيت عمها بثياب فاضحة ، يرحب بها ، ويهش لها ، ويبتسم ، لا يخطر في باله أن يلومها على هذه الثياب ، هذه ابنة أخيك .
     حينما نقصر في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر تضيع الأمور ، ويضعف الحق ، ويزداد الباطل قوةً ، فهذه الفريضة السادسة ، لكن ما كلفك الله فوق ما تطيق ، إن نهى عن المنكر أدى ذلك إلى فتنة أشد من هذا
 المنكر فلست مكلفاً به ، لك أن تنكر بقلبك ، ولك أن تنكر بلسانك ، ولك أن تنكر بيدك ، ولكن الله لا يقبل منك إنكار اللسان إذا كنت قادراً على أن تنكر بيدك ، كما أنه لا يقبل منك إنكار القلب إذا كنت قادراً
 على إنكار اللسان .
      ثلاثة أولاد في الطريق ، ابنك ، وابن أخيك ، وابن الجيران ، رأيتهم يدخنون ، أنت تقيم الدنيا ، ولا تقعدها على ابنك ، وتعنف ابن أخيك ، وتطلب من هذا الثالث أن ينطلق إلى شأنه ، ابنك بيدك ، ابن أخيك
 بلسانك ، والثالث بقلبك ، لا تعرف من أبوه ، وما رأي أبيه ، بهذا الانحراف ، وقد تنشأ مشكلة كبيرة جداً ، فعليك أن تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر .
أن تنكر المنكر بيدك إن استطعت ، ثم بلسانك ، ثم بقلبك ، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها ، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها ، قال تعالى :
 
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
 
   وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ
 
الاختلاف منه المذموم ومنه الممدوح :
 
قد يكون هناك اختلاف لنقص المعلومات ، وهذا اختلاف طبيعي ، وقد يكون هناك اختلاف تنافسي ، وهذا محمود .
المؤمن يرى أن نشر الدعوة أعظم شيء ، ومؤمن آخر يرى تأليف الكتب أعظم شيء ، وثالث يرى أن بناء المساجد أعظم شيء ، فهذا اختلاف تنافسي جيد ، لكن الاختلاف القذر هو أن نختلف بعد أن جاءتنا
 البينات الواضحات النيرات اختلاف حسد ، وبغي ، وعدوان ، وتنافس .
 
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
( سورة آل عمران : الآية 19 )
 
 
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
( سورة آل عمران : الآية 105 )
       كيف يفسر ما بين المسلمين ؟ إذا كان الله واحداً ، والنبي واحداً ، والقرآن واحداً ، وكلهم يقولون : قال الله ، قال رسول الله ، ومع ذلك فبينهم ما صنع الحداد ، إذاً هذا اختلاف بغي ، وحسد ، ومصالح .
 
﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
( سورة آل عمران : الآية 105 )
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
  
الأسئلة :
أيها الإخوة ، أخ كريم يسأل .
س: تحدثتم أن المصائب ، والبلايا تكون مستمرةً على المؤمن المقصر تأديباً له من الله ، مع العلم أن المؤمن الصادق يبتلى أحياناً .
ج : لاشك أن المصائب منوعة جداً ، فالأنبياء مصائبهم مصائب كشف فقط ، يعني عنده نوع من الكمال لا يظهر إلا من خلال ظرف صعب ، أن يذهب إلى الطائف ، وأن يمشي على قدميه ثمانين كيلو مترًا ليدعوهم
 إلى الله ، ثم يؤذونه أشد الإيذاء ، ويأتيه جبريل ليطبقا الجبلين على أهل الطائف ، فيقول : لا يا أخي ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذه مصيبة أصابت النبي ، ولكن كشفت عن مستواه الأخلاقي الرفيع ،
 وعن رحمته بأعدائه ، مصائب الأنبياء مصائب كشف .
مصائب العصاة مصائب تأديب ، قال تعالى :
 
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
 [ سورة الشورى : الآية 30 ]
" ما من عثرة ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر " ، لا يوجد مصائب تأديب ترافقها معاص وآثام ، لكن هناك مصائب امتحان ، هذه خاصة بالمؤمن ، قال تعالى :
 
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ
 ( سورة البقرة : الآية 155-157 )
مصائب تأديب ، مصائب امتحان ، مصائب كشف ، فما كل مصيبة تشبه أخرى ، هذا هو الجواب .
س : ما عقوبة تارك الصلاة مع أنه يؤدي باقي العبادات ؟
ج : هي العبادة الوحيدة التي لا تسقط بحال ، الحج يسقط ، والصوم يسقط ، والزكاة يسقط ، والشهادة تؤدى مرة واحدة ، أما الصلاة فلا تسقط بحال ، فمن تركها ، وهو يؤدي بقية العبادات فهذا ليس له معنى ، بقية
 العبادات من دون صلاة لا معنى لها إطلاقاً ، فإذا تركها رافضاً لفرضيتها فقد كفر ، أما إن تركها تقصيراً فقد فسق .
س : يقول أخ : ملاحظة عجيبة ، خطر في بالي ، وأنا أنظر إليك في أثناء الدرس أن كثيراً منا ترك أهله وأولاده في البيت ، البعض يلعب ، ويلهو ، وقد يخرج الأولاد إلى الشارع ، وهذا يسبب مشكلةً ما لأحدهم ،
 وعند البحث عن والده يقولون : إنه في الدرس مع الشيخ ، وهذا يسبب تنفيراً من الدرس ، أرجو توجيه زوجاتنا للانتباه للأولاد في غيبتنا ؟
ج: ينبغي أن تضبط أمورك ، وأن تأتي بأولادك معك إذا كانوا يفهمون بسن معقولة ، أو أن تتفق مع زوجتك أن ترعاهم بغيبتك ، أما أن يكون حضور الدرس سبب لمشكلة ، فما كان هذا سببا لمشكلة إطلاقاً .
س: ما عقوبة كشّ الحمام ؟
ج : لا تقبل شهادته ، لأنه يطلع على عورات الناس .
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب