سورة لقمان 031 - الدرس (8): تفسير الأيات (17 – 18)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة لقمان 031 - الدرس (8): تفسير الأيات (17 – 18)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة لقمان

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة لقمان- (الآيات: 17 - 18)

14/04/2012 18:09:00

سورة لقمان (031)
 
الدرس (8)
 
تفسير الآيات: (17 ـ 18)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
  
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة لقمان ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
      
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ¯وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ *وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
 
 ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب :
 
أيها الإخوة ، هناك قاعدةٌ أصولية ، وهي أن : " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .
إن قلتُ لإنسان : كن طبيباً ، وآمرك أن تكون طبيباً ، فمن ضِمْنِ هذا الأمر أن تنال الثانوية بدرجاتٍ عالية ، ومن ضمن هذا الأمر أن تنتسب إلى كلية الطب ، لأنك لن تكون طبيباً إلا إذا دخلت كلية الطب ، ولن تدخل كلية الطب ما لم تحمل الشهادة الثانوية ، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وهذه قاعدة أصولية .
1 – لا صلاة إلا بالإيمان والإحسان والاستقامة :
ربنا عزَّ وجل حينما أمرنا أن نصلي لا يمكن أن تصلي إلا إذا كنت مستقيماً محسناً ، ولا يمكن أن تستقيم ، ولا يمكن أن تحسن إلا إذا عرفت الله ، وآمنت باليوم الآخر ، إذاً معرفة الله عزَّ وجل ، والإيمان باليوم الآخر ، والاستقامة ، والعمل الصالح من لوازم الصلاة ، فإذا أمرك الله عزَّ وجل بالصلاة فمن لوازم الصلاة أن تعرفه ، وأن تعرف من تصلي له ، وأن تأتمر بأمره وأن تنتهي عما عنه نهى ، وأن تقدِّم شيئاً يسمح لك أن تُقْبِلَ عليه وهو العمل الصالح ، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
2 – الأمر بالصلاة مقرون بإقامتها دائمًا :
مِن هنا جاء الأمر بالصلاةمقترناً في أكثر الآيات مع إقامة الصلاة ، كإقامة البناء ، فهناك مراحل كثيرة تسبق الصلاة منها ؛ ما هو من طرف الصلاة العمل الصالح ، ومنها أن تأتمر بما أمر ، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر ، ومنها ما هو بعيدٌ عن الصلاة أن تعرف الله عزَّ وجل ، لذلك أحب أن أؤكد لكم وهذا كلامٌ دقيقٌ جداً : أن العلم والعمل وحده هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله ، إذا عرفت الله عرفت ما عنده من ثواب أو من عقاب ، وعرفت أن الأمر كله بيده ، وتوجهت إليه ، وإذا عرفت أنه هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وإذا رأيت الله في كل شيء ، وأنه ما من شيءٍ يقع إلا بأمر الله وبإذن الله ، وما من عملٍ يُنَفَّذُ إلا بتوفيق الله ، وإذا رأيت هذه الرؤية ، فهي وتلك المعرفة وهذا العلم حملك على أن تطيع الله ، وأن تفعل الصالحات تقرباً إليه ، فالآن يمكنك أن تصلي .
3 – فصل الاستقامة عن الصلاة تضييع للدين :
ولذلك حينما فصل الناس الصلاة عن استقامتهم ، وعن أعمالهم الصالحة ، وحينما فصلوا العمل عن معرفة الله ، ضاع الدين وضاع الناس في متاهات الصلوات الشكلية الجوفاء ، ولم تقدم لهم شيئاً ذا بال ، وقاموا إلى الصلاة وهم كُسالى ، ورأوها عبئاً ، وقالوا بلسان حالهم : أرحنا منها ، ولم يقولوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( أَرِحْنَا بِهَا )) .
[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]
 
 منزلة الصلاة في الإسلام :
 
1 – الصلاة عماد الدين :
الشيء العجيب أن في السنة المطهرة أحاديث كثيرةً جداً عن الصلاة ، يكفي أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : 
(( الصلاة عماد الدين ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين )) .
[الجامع الصغير عن عمر]
وقد يسأل سائل : هذه الصلاة التي يصليها عامة الناس ، هل هي عماد الدين ؟ فهذه من أقامها فقد أقام الدين ؟ وهذه من هدمها فقد هدم الدين ؟!! بالتأكيد لا ، لأن هذه الصلاة التي يرافقها الكذب ، والغش ، والمعاصي ، والفواحش ، هذه بالتأكيد ليست صلاةً أرادها الله عزَّ وجل ، لأن الصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والتي هي نورٌ في قلب المؤمن يريه الحق حقاً والباطل باطلاً ، والصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل طَهور ، فإذا اجتمع في قلب مصلٍ حقدٌ وحسدٌ وكبرٌ واستعلاءٌ ، أن يتكلم المصلي كلاماً فاحشاً بذيئاً ، وأن يأخذ المُصلي ما ليس له ، فهذا شيء مستحيل .
2 – الصحابة أقاموا الصلاة ففتحوا البلاد :
قد يسأل سائل : ما السِرُّ بأن أصحاب النبي عليه رضوان الله كانوا قلةً قليلة ، ومع ذلك فتحوا الآفاق ، والبلاد شرقاً وغرباً ، ونحن نَعُدُّ ألفاً وزيادة من الملايين ، قبل سنوات ألف مليون ، والآن سمعت أن المسلمين يبلغون ألفاً ومئتي مليون ، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
.

(( خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ ، وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ((
[ مسند أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 
من حيث العدد لن يغلب في حديثٍ صحيح .. (( وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) .
لأنهم أضاعوا الصلاة ، والله عزَّ وجل يقول :
 
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ .
(سورة مريم59)
3 – ليس كلُّ مُصلٍّ مقيمًا للصلاة :
ومن باب التقريب ، إنسان يحمل أعلى شهادة في الطب ، بورد مثلاً ، هذا ممتلئٌ علماً ، وخبرةً ، ويتقن اللغة الأجنبية كإتقانه العربية ، ويفهم دقائق اختصاصه ، وله تجارب غنية جداً ، وذكاءٌ كبير ، واطلاعٌ واسع ، وشكله الخارجي أنه يرتدي ثوباً أبيضاللون ، ويضع على عينيه نظَّارتين ، وعلى أذنه سَمَّاعة ، فإذا جاء إنسانٌ جاهل ، وارتدى ثوباً أبيض اللون ، ووضع على عينه نظارة ، وفي أذنيه سماعة فهل صار طبيباً ، وهل هذا هو الطب ؟ أن ترتدي هذا الثوب الأبيض ، وأن تضع السماعة على أذنيك ، وأن تضع ورقةً بيضاء على الطاولة ؟
هناك فرقٌ كبير بين المصلي حقيقةً ، وبين الذي فكر في الكون حتى استقرت في نفسه حقيقة وجود الله ، وحقيقة أسمائه الحسنى ، وحقيقة كماله، وحقيقة وحدانيته ، واستقر في نفسه أن الإنسان خُلِقَ ليسعد في الأبد، إذاً استقر في ذهنه أحقية اليوم الآخر ، ثم بدأ يبحث عن أمر الله ؛ في مأكله ، ومشربه ، وزواجه ، وعمله ، وأخذه ، وعطائه ، وفي كل شؤون حياته ، إلى أن طبق السنة النبوية تماماً وبدأ يجعل من طاقاته ، من إمكاناته ، من ذكائه ، وخبراته ، ووقته ، وجهده ، وماله ، فكلها وظفها في طاعة الله ، وتَقُرُّبَاً إلى الله عزَّ وجل ، عندئذٍ وقف ليصلي فرأى الطريق إلى الله سالكةً ، واستراح في الصلاة ، وشعر أنه قريبٌ من الله عزَّ وجل ، وأن هموماً قد انزاحت عن كاهله ، فمن هنا قال عليه الصلاة والسلام :
(( الصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القربات ، وغرة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات )) .
[ ورد في الأثر ]
4 – الصلاة فرض لا يسقط إلا بالموت :
ومن هنا قال العلماء : الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقطُ بحال ، من أركان الإسلام أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويكفي أن تشهد هذه الشهادة مرةً واحدة ، من أركان الإسلام والحج على المستطيع ، فقد تؤديه مرةً واحدة ، وقد لا تؤديه أبداً وأنت مسلم ، ومن أركان الإسلام الصيام ، وقد يصاب الإنسان بمرضٍ يمنعه من الصيام ، وقد يسافر فيؤجِّلَ الصيام إلى ما بعد السفر ، والزكاة على المستطيع ، إذاً : الحج قد يسقط ، والصيام قد يسقط إلى حين ، والزكاة قد تسقط ، والشهادة تؤدَّى مرةً واحدة ، أما الفرض العَيْنِيّ الذي يتكرر ولا يسقط بحالٍ هو الصلاة ، لذلك لا يستطيع الإنسان أن لا يصلي ولو كان في ساحة الحرب ، ولو هُدِّدَ بالقتل إن لم يصل ، عليه أن يصلي صلاة الخائف ، وصلاة الخائف تقصر نوعاً لا كَمَّاً ، لك أن تصلي بأية طريقةٍ تشاء ، وأنت مستلقٍ على السرير ، وأنت واقف ، في أي وضعية ، إذا هددت بالقتل إن صليت فهناك صلاة الخائف ، ومعنى ذلك أن الدين كله قائمٌ على الصلاة ، من ترك الصلاة جحوداً بحقها فقد كفر ، فقد كفر ، والذي أشعر به أن آيات الصلاة في أكثرها قالت :
 
﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾.
(سورة طه14)
أقم البناء ؛ شراء الأرض ، وتخطيطها ، وترحيل الأتربة ، وهدم الأنقاض ، وترحيلها ، وحفر الأساسات ، وبناءها ، وبناء الطابق الأول ، والثاني ، والكسوة الداخلية والخارجية ، تأمين الماء والكهرباء ، هذا كله منطوٍ في كلمة إقامة البناء ، فإقامة الصلاة تستلزم معرفة الله ، لمن تُصلي ؟ تقول : الله أكبر ، هل عرفته أكبر ؟ فهذا الذي يتذوَّقه المؤمن من قوله تعالى :
 
 ﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ ﴾.
ماذا قال الله عزَّ وجل عن هؤلاء الذين يصلون ويراءون ؟ ما قال : فويلٌ للذين يقيمون الصلاة ، بل قال :
 
﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ¯الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ¯الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ¯وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾.
(سورة الماعون4-7)
إذاً : نرجع إلى القاعدة الأصولية وهي أنه : " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " ، فإذاأمرك الله عزَّ وجل بنص القرآن الكريم أمراً قطعي الدلالة ، أمرك أن تصلي ، أو أمرك أن تقيم الصلاة ، فابحث عن موجبات الصلاة ، عما لا تتم الصلاة إلا به ؛ معرفةٌ بالله عزَّ وجل واستقامة على أمره ، وتقربٌ إليه ، عندئذٍ ترى الطريق عند الله سالكاً .
 
 كيف تتمّ معرفة الله عز وجل حتى تكون مقيماً للصلاة ؟
 
قد يسألسائل : كيف تتم معرفة الله ؟ الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، إذاً السبيل الوحيد إلى معرفة الله أن تستعمل العقل الذي هو مناطُ التكليف ، والله عزَّ وجل الكون كله تجسيدٌ إن صح التعبير ، أو مظهرٌ لوجوده ، ومظهرٌ لوحدانيته ، ولكماله، فأسماءالله كلها لها متعلَّقات ؛ قدرته ظاهرةٌ في خلقه ، ورحمته ظاهرةٌ في خلقه ، ولطفه، ووحدانيته ، وكماله كل ذلك ظاهرٌ في خلقه .
إذاً : كل أسمائه الحسنى ، وكل صفاته الفضلى إنما هي مبثوثةٌ في خلقه وفي الكون ، إذاً يكفي أن تنظر إلى الكون ، إلى خلقك ، إلى طعامك ، وشرابك ، وما تحتك ، وما فوقك ، وعن يمينك ، وشمالك ، يكفي أن تنظر ، وأقرب شيءٍ إليك جسدك .
 
﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ .
( سورة عبس17)
ما الذي جعله يكفر ؟
 
 
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ*مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾
(   سورة عبس 18-19 )
إنها نطفة لا ترى بالعين ، ففي اللقاء الواحد يخرج من الرجل ثلاثمائة مليون حوين مَنوي ، وواحدٌ من هذه الثلاثمائة مليون هو الذي يُلَقِّحُ البويضة ، ومن يُصَدِّق أن على هذا الحوين معلومات مبرمجة بأزمان معينة تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة ، والرقم دقيق جداً تأكدت منه إلى أقصى درجة ، حيث إنّ خمسة آلاف مليون أمر مودعة في هذا الحوين الذي لا يرى بالعين ، كيف لقَّح هذا الحوين البويضة ؟ وكيف فتح له الباب ، ثم أغلق ؟ وكيف مُنِعَ من الدخول آلاف مئات الألوف ، بل عشرات الألوف ، دخل هذا الحوين القوي إلى البويضة ، وكيف تلقّحت هذه الخلية الأنثوية الأولى ؟ وكيف انقسمت إلى عشرة آلاف جزيء ، وهي في طريقها إلى الرحم ؟ وإذا قرأت علم الأجنة ، أو قرأت المبادئ الأولى لعلم الأجنة وجدت العجب العجاب ..
 
﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه ُ ﴾ .
(سورة عبس17-23)
ماذا ينتظر ؟
إلى متى أنت باللذات مشغول       وأنت عن كل ما قدمت مسؤول ؟
إلى متى ؟!!
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبه    هذا لعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه    إن المحب لمن يحب يطيعُ
***
الذي أراه أنك إذا تأمَّلت في خَلْقِكَ ، وفي طعامك ، وشرابك ، وفي المخلوقات من حولك، وفي الجبال ، والبحار ، وفي الأطيار ، والأسماك ، فلابدَّ من أن تعود من هذه الجولة وقد خشع قلبك ، ورأيت نفسك صغيراً جداً أمام عظمة الله عزَّ وجل ، وعندئذٍ لا تملك إلا أن تبادر إلى طاعته ، وإلى نفع عباده ، وخدمة مخلوقاته ، فإذا كنت عارفاً به ، مستقيماً على أمره ، محسناً إلى خلقه ، استقبلك الله عزَّ وجل في الصلاة ، وأقبل عليك ، وتجلّى على قلبك ، وملأ قلبك نوراً ، وملأ حياتك حبوراً ، وجعلك من المقربين المنعمين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
ألا ترى معي أن أحيانا ، وفي ساعات صفائك ، وعقب أعمالك الصالحة ، والتضحيات ، والبذل ، والعطاء ، ألم تقف مرةً بين يدي الله عزَّ وجل فتنهمر دموعك ، ويخشع قلبك ، وتتمنى أن تدوم الصلاة ساعات طويلة ؟ إذا كنت صَلَّيْتَ هذه الصلاة فهذه هي الصلاة ، التي أمرنا الله بها ، والتي نرقى بها .
 
﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾.
(  سورة طه 14)
 
﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾.
(سورة العلق19)
 
 
﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ .
(سورة النساء : من الآية 43)
فإذا تلوت القرآن في الصلاة فربما شعرت كأنك تسمع القرآن أول مرة ، وكأنه نزل من تَوِّهِ على النبي عليه الصلاة والسلام ، هذه هي الصلاة،فالصلاة ميزان ، من وّفَّى استوفى ، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها ، فخالقٌ عظيم ، وربٌ كريم ، إنه خالق السماوات والأرض يأمرك أن تقف بين يديه ، هل وأنت ساهٍ ولاهٍ ، وأن تنحني وتنحني ، وأن تقعد وتسلم ، وانتهى كل شيء ، أهذا أمر الله عزَّ وجل ؟ هذه الذات الكاملة ، وهذا الرب الكريم ، وهذا الإله العظيم هذا أمره ؟ أترضى لمخلوقٍ أن تؤدي أمره أداءً شكلياً ؟ أترضى من ابنك إذا أمرته أن يدرس أن يقعد وراء المنضدة ، وأن يفتح كتاباً ، ويقلبه أمامك ، وعينه نحوك ، ولا يقرأ شيئاً ؟ أترضى منه هذا ؟ ألا تتهمه بالنفاق إذا فعل هذا ؟ فكيف ترضى أن تؤدي هذه العبادة العظيمة أداءً شكلياً ، أداءً أجوف ؟ لكن أنَّى للمنحرف أن يقف بين يدي الله عزَّ وجل ، وأنى للمذنب أن يقبل على الله ؟ وللمسيء إلى خلقه أن يتجلى الله على قلبه ؟ هذا القلب بيت الرب ، والله عزَّ وجل أغنى الأغنياء عن الشرك ، إذا كان في القلب شرك فالله عزَّ وجل يَدَعك وشأنك ، فأن يستحق قلبك أن يتجلَّى الله عليه في الصلاة ، أن يستحق قلبك أن يمتلئ نوراً من الله عزَّ وجل في الصلاة ، لابدَّ من أن يكون طاهراً ، فالقلب بيت الرب ، ومنظر الرب ، فيا عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طَهَّرْتَ منظري ساعة ؟ لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( الصلاة عماد الدين ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين )) .
[الجامع الصغير عن عمر]
 
 الصلاة عماد الدين :
 
       العماد في اللغة ، الخيام كما تعرفونها لها عمودٌ كبير في وسطها، فالخيمة الدائرية لها عمودٌ كبير ، ما قيمة هذه الخيمة بلا عمود ؟ إنها قماش ملقى على الأرض ، فهل تصلح هذه الخيمة أن تُسْكَن ؟ وهل يُجْلَسُ فيها ؟ وهل تستعمل كخيمة بلا عمود ؟ فهذه الصلاة إذا كان الدين خيمةً فالصلاة عماد الدين أو عمودها ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، فأنت لا حظ مُخَيَّماً حينما يُزْمِعُ أصحابه الرحيل يبدءون بسحب الأعمدة ، وحينما يسحب عمود الخيمة تتداعى على الأرض ، وتصبح قماشاً بعضه فوق بعض وانتهى الأمر ، تشبيهٌ نبويٌ رائعٌ جداً :
(( الصلاة عماد الدين ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين )) .
[الجامع الصغير عن عمر]
(( الصلاة طهور )) .
[ ورد في الأثر]
إنّ المصلي طاهر النَفْس ، لا يغشّ أحداً ، لا يكذب ، ولا يتلاعب ، ولا يحتال ، ولا يخدع ، ولا يسئ في كلامه ، إنه مصلٍ ، طاهر ، أي إنه إنسان متصل بالله ، ومكارم الأخلاق كلها مخزونةٌ عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً من خلال الصلاة منحه خلقاً حسناً ، فهذا كلام قطعي ، كل أخلاقك ، وكل كمالك ، وحلمك ، ورحمتك ، وإنصافك ، ولطفك إنما تشتقه من الصلاة ، فبقدر اتصالك بالله عزَّ وجل تأخذ من كماله .
إن كان لك اتصال بهذا المُجَمَّع الأساسي للكهرباء ، فبقدر ما تأخذ من هذا المُجَمَّع تكون قوة التيار عندك ، فإذا كان عندك آخذ ضعيف جداً بثمانين فولطاً ، مائة وعشرة ، مائتين وعشرون ، كلما علا قطر الآخذ اشتدت قوة التيار ، وهكذا .
فلذلك الوقفة الآن عند :
      
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ
 
 هل أنت في مستوى وقفتك في الصلاة ؟
 
قبل أن تقف مع الناس في المسجد ، وتستمع إلى الإمام يتلو آيات القرآن الكريم ، هل أنت في مثل هذهالوقفة ؟ هل أنت في مستوى هذه الوقفة ؟ لا يمكن أن أقول لك : إن لم تكن كذلك فلا تصلِّ ، ولكن أقول لك: صلِّ الصلاة فرضاً ، ولكن حاول أن ترفع مستوى صلاتك ، ورفع مستوى الصلاة برفع مستوى العلم ، وكلما ازددت علماً ازددت قُرباً ، وكلما ازددت بذلاً ازددت قرباً .
 
 احرصْ على يومك قبل أن يفوتك :
 
شيئان احرص عليهما كل يوم كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم )) .
[الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه مقال ]
(( ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً )) .
علماً وقرباً،العلم معرفة ، والقرب بذل ، ولذلك إذا مضى هذا اليوم ، ولم تزدد علماً ، أو لم تزدد قرباً بعمل صالح فَابْكِ على هذا اليوم ، بل إن اليوم يقول لك : " يا ابن آدم ، أنا خلقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة " .
بل إن أخطر ما تملكه هوالزمن ، إنك زمن ، أو إن رأس مالك هو الزمن ، أو إن أخطر ما تملكه هو الزمن ، فإما أن تنفقه إنفاقا استهلاكياً سخيفاً ، وإما أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً ، فإذا حرصت على معرفة الله عزَّ وجل ، وعلى حضور مجالس العلم ، وعلى فهْمِ كتاب الله ، وعلى فهْمَِ أمر الله ونهيه ، وعلى فهم السُنَّةَ المطهرة ، وعلى أن تقف على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا حرصت على طلب العلم ، فطلب العلم يجعلك من طُلاب العلم ، وطلاب العلم أغلب الظن إذا كانوا صادقين يطبقون علمهم ، فإذا طلبت العلم ، وتعلَّمت العلم ، وطبقت العلم ، صار الطريق إلى الله سالكاً ، فإذا اتصلت بالله عزَّ وجل لك أن تقول مع من يقول : " يا رب ، ماذا فَقَد من وجدك ؟ والله ما فَقَد شيئاً ، وماذا وجد من فَقَدك ؟ والله ما وجد شيئاً .
ملخّص الملخص أن ترى الله في كل شيء ، وأن تسعى إليه في كل شيء ، وهؤلاء التائهون ، الشاردون ، البعيدون ، هؤلاء ما أتعسهم ، وما أشد خسارتهم حينما يأتيهم ملك الموت ..
 
﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾.
( سورة الطور 45)
 
 لا تأخذ من الدنيا شيئاً إلى قبرك :
 
هناك أخبار تأتي للإنسان كالصاعقة ، فإذا اكتشفت فجأةً أن هذا البيت الوحيد الذي لا تملك غيره ، قد بعته بعملةٍمُزَيَّفَة ، وأن هذه العملة المزيفة فضلاً عن أنها لا قيمة لها سوف تحاسب عليها حساباً كبيراً ، أليس هذا الخبر صاعقاً ، إذا اكتشفت فجأةً أن هذا البيت الذي اشتريته ليس للذي باعك إياه ، وأن الذي يملكه شخص آخر ، وأن هذا المبلغ الذي دفعته له ذهب هباء ، أليسهذا الخبر صاعقاً ؟ فإذا كشف الإنسان في  لحظة ما أن كل عمله في الدنيا لا قيمة له ، وأن كل سعيه قد ذهب أدراج الرياح ، وأن الله عزَّ وجل جعل من عمله هباءً منثوراً ، وأنه قادمٌ على حياةٍ أبدية لا يملك مالاً للتداول فيها .
إذا ذهبت إلى بلدٍ غربي فإنّ أول شيءٍ تفكر به أن تشتري عملة ذلك البلد ، فإذا كنت مُزْمِعاً أن تسافر إلى الدار الآخرة ألا ينبغي أن تفكِّر ما العملة الرائجة هناك ؟ إنها العمل الصالح ، لذلك : << يا قييس ، إن لك قريناً يدفن معك وهو حي ، وتدفن معه وأنت ميت ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ، ألا وهو عملك >>  .
يخرج الرجل من البيت ، والبيت أملاك غير منقولة ، ومحله ، وله أهل ، وأولاد ، وأقرباء ، وأصحاب ، هؤلاء يمشون معه ، ولكنهم جميعاً يقفون عند شفير القبر ، أما الوحيد الذي سينزل في هذا القبر فهو الميت ، يرفع غطاء النعش ، ويؤذن المؤذن ، ويحمل ، ويوضع في هذه الحفرة ، شيءٌ واحد يدخل معك في القبر ، إنه عملك ، لذلك قالوا :
والقبر صندوق العمل
***
صندوق عملك هو قبرك ، لذلك قالوا  :
الدنيا ساعـة     فاجعلها طاعة
والنفس طماعة    عودها القناعة
***
هذه المعاني المستنبطة من قوله تعالى :
       
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
أما :
 
      
﴿  وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
 
 منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
 
1 – السعيدُ يُسعِد غيرَه :
فليس القصد أن تكون وحدك سعيداً ، أنت إنسان في مجتمع ، فإذا سَعِدَ المجتمع سعدت معه ، وإذا شقي المجتمع شقيت معه ، ولذلك فأنت مأمورٌ أن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر ، وهذه عبادة عَدَّهَا بعضهم كالصلاة والصيام ..
      
﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
 
2 – إذا أردت أن تسعد فأسعِد الآخرين :
إذا وصلت فأوصل غيرك ، وإذا عرفت فعَرِّف غيرك ، إذا سعدت فأسعد غيرك ، وإذا اتصلت فأعن غيرك على الاتصال ، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ، وحينما تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر تصبح امرؤاً صالحاً في مجتمعٍ صالح ، فقد يحدث أن بعض إخواننا ، هو وأخوه ، وأخوه ، وأخوه ، كلهم ديّنون ، ورعون ، مستقيمون ، فهؤلاء الإخوة ، ما دامت البيوت كلها مطبقٌ فيها الإسلام ، هؤلاء يشعرون بسعادة ، وليس هناك مُنَغِّصَات ، أما إذا وُجد أخ واحد مستقيم ، وأربعة إخوة منحرفون فإنه يعاني الأمرَّيْن ، فهناك تداخلات ، وقرابة ، وأولاد ، وأولاد عم ، وتطلعات ، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر عاد الخير عليك ، فإذا كان بإمكانك أن تهدي أخاك من أمك وأبيك ، وبإمكانك أن تأتي به إلى المسجد ، وأن تحمله على طاعة الله عزَّ وجل أصبحتما اثنين ، فإذا جلبت الأخ الثالث أصبحتم ثلاثة ، فإذا أمكنك أن تهدي إخوتك جميعاً أصبحتم كتلةً يُعْتَز بها ، رأيت طاعة الله سهلةً ، فلم يعد هناك موازانات ، وتطلعات ، وإفساد ، انتهى الإفساد ، وأصبحت البيوت كلها عامرةً بذكر الله ، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فقد سعدتَ قبل الذين أمرتهم بالمعروف ، وسعدت قبل الذين نهيتم عن المنكر ، فإذا أكثرت المؤمنين مِن حولك سعدتَ بهم ، وسعدوا بك ، هذه عبادةٌ ، عبادةٌ بكل معنى هذه الكلمة .
      
﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
إذا اهتدى مؤمن إلى الله يقول : ما لي وللناس ، دعهم في ضلالهم يا أخي ، لهم رب يحاسبهم ، هذا مؤمنٌ في الدرجة الدُنيا من الإيمان ، لأن قلبه لم يمتلئ حباً لهم ، ولم يمتلئ غيرةً عليهم ، وشفقةً عليهم ، بل كان هذا القلب بعيداً عن أن يكون رحيماً ، فلذلك المؤمن الصادق يتحرَّق على هداية إخوته ، وأقربائه ، وجيرانه ، وشركائه ، وزملائه ، ومن حوله ، ومن دونه ، ومن فوقه ، لذلك دائماً ينطلق اللسان بذكر الله عزَّ وجل ، أمرت أن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً ..
      
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
 
3 – لا تأخذك في الله لومةُ لائم :
يجب أن لا تأخذك في الله لومة لائم ، وألا تجامل ، وألا تحابي ، وألا تطلب السلامة على حساب هذا الأمر الإلهي ..
      
﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
فلان حَدَّثَكَ عن أنه سيفعل كذا وكذا ، وهذا الفعل مُحَرَّم ، لاتبقَ صامتاً ، ذكره قل له: يا أخي هذا العمل حرام لا يجوز ، قل له : من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى ، أما أن تقول : ما لي وللناس .
4 – ترْكُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية منكر أكبر منه :
إذا نتج عن أمرك بالمعروف ، أو نهيك عن المنكر فتنة أشدُّ من فعل هذا المنكر ، عندئذٍ قال العلماء : " في مثل هذه الحالة لا ينبغي أن تفعل ذلك ، لأن سيدنا عمر يقول : << ليس بخيركم من عرف الخير ، ولا من عرف الشر ؛ ولكن من عرف الشَرَّيْن ، وفرَّق بينهما ، واختار أهونهما >> .
إذا أمرت بالمعروف ، أو نهيت عن المنكر ، ونتج عن هذا الأمر وذاك النهي فتنةٌ أشدُّ من المنكر الذي يقترف ، فالأوْلى أن تسكت ، ولذلك فالحكمة تقتضي أن تفعل ما ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي ، وفي الوقت الذي ينبغي .
5 – وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمَن له ولاية على غيره :
لكن أغلب الظن أن الأب وأولاده ، والزوج وزوجته ، وصاحب المعمل وعمَّاله ، وصاحب المتجر وموظفيه ، ومديرالمؤسسة وموظفيه أيضاً ، الله عزَّ وجل جعل أشخاصاً تحت رعايتك ، وإشرافك ، فأنت قيمٌ عليهم ، أمرهم بيدك ، هؤلاء الذين أناط الله بك مصالحهم ومقدّراتهم ، فهؤلاء ينبغي أن تأمرهم بالمعروف ، وأن تنهاهم عن المنكر ، وأقرب مثل عندك محل تجاري عندك موظف ، أخلاقه عالية ونشيط ومخلص لكنه لا يصلي ، ألا ينبغي لك أن تأمره بصلاة ؟ وأن تشجعه عليها ؟ وتحضَّه على معرفة الله ؟ لأن هذا سيحاسبك ، يقول لك : خدمتك ثلاثين عاماً ما ذكرتني مرة بالصلاة ، لم تأمرني أن أصلي ، ولم تدفعني إلى معرفة الله عزَّ وجل ، واعتصرت مني قوَّتي ، وألقيتني في جهالةٍ وفي ضلالة ، إذاً :
      
﴿  وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
ولا سيما من كان في حوزتك ، وتحت إشرافك ، ورعايتك ، هؤلاء أولى الناس أن تأمرهم بالمعروف وأن تنهاهم عن المنكر .
     
﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
6 – ضابط المعروف والمنكر شرعي لا مجال للعقل فيه :
ما المعروف ؟ ما أمر الله به ، وما المنكر ؟ ما نهى عنه ،  الحسن ما حَسَّنَهُ الشرع ، والقبيح ما قَبَّحَهُالشرع ، وكل شيءٍ حسنه الشرع وأمر به فهو حسن ، وهو المعروف ، وكل شيءٍ نهى عنه الشرع فهو المنكر وهو القبيح ، فلا ينبغي أن تكون لك قيَم أخرى ، وأن تفعل أشياء تراها حسنة ، وهي تخالف الشرع ، والمؤمن الصادق قيمُهُ من قيَم كتابه ، ومقاييس الفوز عنده هي مقاييس الفوز عند الله عزَّ وجل ..
(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )) .
[البغوي في شرح السنة عن ابن عمرو]
لا يوجد عنده مقاييس خاصة ، فمثلاً : إنسان لا يصلي ، فهو بعيد عن الدين ، ومنكر للدين ، تقول عنه : لبق ، ولطيف ، وأخلاقه عالية ، وفهيم ، وحذق ، فأنتتطعن في الدين ، إذا أثنيت عليه كل هذا الثناء وهو لا يصلي ، وهو لا يهتم بالدين ، فكأنك ألغيت الدين ، ولم تعبأ به ، إذاً : ينبغي لك تكون القيم التي تتعامل بها نابعةً من كتاب الله ، لا أن تكون نابعة من مجتمعك ، ولا من تقاليدك ، ولا من عاداتك .
7 – من نتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معاداة الناس :
لكنك إذا أمرتبالمعروف ، ونهيت عن المنكر فالطريق في ذلك ليس محفوفاً بالورود ؛ ولكنه محفوفٌ بالأشواك ، لأن الذي يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر يتصدى له أشخاصٌ شهوانيّون يتضررون من هذه الدعوة ، إذاً : لابدَّ أن يناصبوها العِداء ، وأن يقفوا عقباتٍ في طريق الدعوة إلى الله ، لأنهم تضرروا ؛ في شهواتهم ، و في مصالحهم ، إذاً : لابدَّ من أن تؤذى ، إذاً : جاء الأمر الإلهي الثالث :
     
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
8 – لذلك : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
أن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر ، وأن تدعو الناس إلى الله ، وأن تحضَّهم على طاعة الله ، ثم تعيش هكذا بلا مشكلة ، ولا معاداة ، ولا معارضة ، ولا نقد ، ولا حسد ، هذا مستحيل ، ذلك أنّ سيدنا موسى قال في المناجاة : " يا رب ، لا تُبقِ لي عدواً " ، قال الله عزَّ وجل : " هذه ليست لي " ، أليس هناك أعداء لله عزَّ وجل يناصبونه العِداء ، ويهاجمون الأديان كُلها ، ويقللون من شأن القرآن ؟ هؤلاء هم أعداء الله عزَّ وجل ، إذاً : لابد‍َّ للحق من أن يعاديه الباطل ، ولابدَّ لأهل الحق أن يقف أهل الباطل لهم عقباتٍ في طريقهم إلى الله عزَّ وجل ، لذلك :
      
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ
وأحيانا يتلقَّى الإنسان الضربات من أقرب الناس إليه ، أحياناً زوجه تناصبه العداء إذا أراد أن يحملها على طاعة الله ، وأحياناً أولاده ، أو والده ، أو شريكه ، أو أقرباؤه وأسرته .
 
﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾.
(  سورة الزخرف 22)
يقول لك : نحن تربينا هكذا ، لا يوجد عندنا هذا التستر ، ستفرق الأسرة !! وأقرب الناس إليك ، من يقول لك : إن أخذ الفائدة حرام ؟ هل من المعقول أن يترك المال هكذا من دون فائدة ؟! أدخلك في متاهات الربا ، ولذلك لابدَّ من معارضة ، ومن تجريح ، وحَسَد ، ووضع العصي بالعجلات .
      
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
 
 إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
 
1 ـ مِن العزم عدمُ التردُّدِ :
أحياناً تتردد في أمور ، مثلاً : نذهب إلى نزهة أو لا نذهب ، نجد أماكن أو لا نجد ، يا ترى النفقات كبيرة ؟ هل الآن وقتها أو ليس وقتها ؟ قضية النزهة قضية تأخذ وتُعْطِي ، لكن لا سمح الله ولا قَدَّرَ إذا أصاب الإنسان مرض ولابدَّ من أن يجري عملية جراحية ، وأن حياته متوقفة على إجراء هذه العملية ، فهل هنا موازنات وتردد ؟ إن إجراء هذه العملية من عزم الأمور ، من الأمور المقطوع بها التي لابدَّ من أن تفعل ، فالإنسان أحياناً في قضايا له فيها خيار ، لكن في قضايا كثيرة جداً ليس فيها له خيار ، أن تقيم الصلاة ، وأن تأمر بالمعروف ، وأن تنهى عن المنكر ، وأن تصبر على ما أصابك ، إن هذا لمن عزم الأمور ، بمعنى أنه لابدَّ من أن تصلي ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهذا الأمر ليس أمراً اختيارياً ، ولا احتمالياً ، فهو لا يحتمل التردد ، ولا أن تقول : افعل أو لا تفعل ، لا ، إن ذلك من الأمور التي يجب أن تعزم عليها ، من الأمور المقطوع بصحَّتها ، وبحتميتها ، وبضرورتها ، وبأنها طريقٌ إلى الله وحيدة ، هذا معنى من عزم الأمور، عزمت عليه أن يفعل ، أي شددت عليه أن يفعل .
أحياناً يكون دخلُ الإنسان محدوداً جداً ، لكن يصاب ابنه بمرض ـ وقد يقتضي هذا المرض أن ينفق عليه عشرات الألوف ، بل مئات الألوف ، تراه بإرادته يبيع بيته من أجل معالجة ابنه ، لأن معالجة الابن من عزم الأمور ، وأحياناً ينهدم حائط بالبيت بفعل الأمطار ، فيصبح البيت مكشوفاً ، ويضطر صاحبه أن يقترض من أية جهةٍ ليشيد هذا الجدار ، ليس هناك أمرٌ مخيرٌ فيه ، بل من عزم الأمور .
1 ـ الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور :
أنا أضرب أمثلة ، ما معنى من عزم الأمور ؟ أنت في حياتك أشياء كثيرة تتردد بها ، تقدم أو تحجم ، توازن أفعل أو لا أفعل ، لكن هناك أشياء كثيرة أيضاً حينما تقع ترى نفسك مندفعاً إلى فعلها دون تردد ،  أو سؤال ، أو تريُّث ، أو استشارة أبداً ، التهبت الزائدة عند ابنه ، وصاح من شدة الألم ، وقال له الطبيب : لابدَّ من أن تجرى العملية اليوم ، وانتهى الأمر ، يقول لك : والله ليس معي مالٌ ، فيستدين ، يضع الذهب رهناً ، فإجراء العملية لابنه مِن عزم الأمور ، فلابدَّ من أن يفعلها ، فيجب أن تَعُدَّ الصلاة ومقدمات الصلاة ؛ من عملٍ صالحٍ ، من استقامةٍ على أمر الله ، ومن معرفةٍ بالله من عزم الأمور ، وأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر من عزم الأمور ، وأن تصبر على ما أصابك من عزم الأمور ، فمستحيل أن تمضي حياة المؤمن من دون ابتلاء ، قال تعالى :
 
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
(سورة المؤمنون30)
إذاً : لابدَّ من أن تبتلى ، ومع الابتلاء لابدَّ من أن تصبر ، ولابدَّ من أن تحتسب  ..
      
﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ *وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾
 
 وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
 
بعضهم قال : إذا دعوت إلى الله ، إذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، فلا ينبغي أن تستعلي على الناس ، وأنت في هذه الطاعة ، بل ينبغي لك أن تكون واحداً منهم ، وأن تخفِض لهم جناحك ، وأن تكون لهم لَيِّنَاً ، أرحم بهم من أنفسهم ، وأن تكون لهم كواحدٍ منهم ..
      
﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
1 – معنى تصعير الخد :
تصعير الخد أن تميل خدك كبراً ، واستعلاءً ، وإعجاباً ، واحتقاراً لمن دونك ، كل هذه المعاني مستنبطة من :
      
﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
 
        أن تميل ، أمال ، يُمِيلُ ، أن تميل رأسك كبراً،وتيهاً ، وعجباً ، واحتقاراً للآخرين ، فأحياناً يفتخر الإنسان بنسبه ، أو بشهاداته ، أو بماله ، أو بقوته ، أو بوسامته ، أو بذكائه ، أو أنه وسيم جميل الطلعة ، أو أنه ابن فلان فيفتخر بأبيه ، أو بقوته ، أو بماله ، وتفوُّقه في هذه النواحي يحمله على أن يتكبَّر ، مع أنّ الناس لا يحبون المتكبر ، فإذا تكبرت عليهم انفضوا عنك ، ونفروا منك ، وانصرفوا إلى غيرك ، فإذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، فإياك أن تُصَعِّرَ خدك للناس ، وإياك أن تمشي في الأرض مرحاً ، وأن تفرح بالدنيا .
2 – إذا جاءتك الدنيا فلا تتكبّر على عباد الله :
أحياناً تأتي الدنيا كما تشتهي ، وفي حالات كثيرة تأتيك الدنيا كما تريد ، ويزداد مالك ، وتزداد قوتك ، يزداد شأنك ، ويتألَّق نجمك ، وتلمع في سماء الدنيا ، ويقبل الناس عليك معظِّمين مُبَجِّلين ، هذا امتحانٌ خطير ، وهذا مزلقٌ خطير ، فإما أن تنجح وإما أن ترسب ، حتى إنهم قالوا : ما من فاتحٍ على وجه الأرض إلا إذا دخل البلد المفتوح ، دخله متغطرساً ، مختالاً ، متكبراً ، إلا النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما دخل مكة كادت ذُؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، تواضعاً لله عزَّ وجل.
        فهل لديك إمكانية وأنت في ساعات تألُّقَك ، وفي ساعة نجاحك،وارتفاع شأنك ، أن تكون في أعلى درجات العبودية لله عزَّ وجل ؟
3 – عليك تعظيمُ النعمة مهما دقَّتْ :
سيدنا عمر جاءه رسولٌ في أذربيجان ، وأذربيجان الآن تابعة للاتحاد السوفياتي ، وقد كانت ولايةً تابعةً لسيدنا عمر ، والعاصمة كانت المدينة ، وليست موسكو ، بل المدينة ، جاءه رسول من أذربيجان ، فكرِه هذا الرسول أن يطرق بيته ليلاً فتوجه إلى المسجد ، فسمع بكاءً ومناجاةً ، يقول هذا الرجل الذي يناجي ربه : << رب ، هل قبلت توبتي فأُهنِّئَ نفسي ، أم رددتها فأعزِّيها ؟ ، قال له : من أنت يا رجل ؟  ، قال له : أنا عمر ، فهذا الذي كره الذي يطرق بيته ليلاً هو في المسجد يصلي ، قال : يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ قال : إنني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي ، وانطلقا بعد الفجر إلى البيت ، قال :يا أم كلثوم ، ما عندكِ من طعام ؟ ، قالت له : والله ما عندنا إلا خبزٌ وملح ،  خبزٌ وملح فقط في بيت أمير المؤمنين ، فقال : هاتِه ، أكل خبزاً وملحاً ، ودعا الدعاء التالي فقال :  الحمد لله الذي أطعمنا ، فأشبعنا ، وأسقانا فأروانا >> .
وأنت تأكل سلطة ، ولبناً ، وفاصولياء ، وأرزا ، وراءها تفاح ، وحليب وجزر ، وبعد ذلك والله الأكلات طيبات ، قلت : الحمد لله ، هذا الكلام فقط ؟! سيدنا عمر أكل خبزاً وملحاً ، وقال : الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا ، وسقانا فأروانا ، هكذا المؤمن ، حتى مر بالأثر ، إن شاء الله أذكرها لكم بالتفصيل ، أن الإنسان إذا شرب كأس ماء ، شربه على ثلاث دفعات ، وفي كل دفعةٍ قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، فلما انتهى من الدفعة الأولى قال : الحمد لله رب العالمين ، والمرة الثانية والثالثة هكذا ، قال : ما دام هذا الماء في جوفك لن تحدَّثه نفسه بمعصية الله عزَّ وجل ، أديت حق النعمة ، هذا كأس الماء .
قيل لملِكٍ عظيم : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منع منك ؟ قال : بنصف ملكي ـ قرأت قصةً عن باخرةً غرقت في عرض المحيط ، أحد قوارب النجاة ، أكبر قارب نجاة كان فيه حوالي سبعون إنساناً ، وفي هذا القارب مستودع للماء لا يكفي لإنسانين ، فوزع الماء بملعقة الشاي ، فكل واحد باليوم له ملعقة شاي من الماء ، هل تصدقون أن ركاب هذا المركب قتل بعضهم بعضاً ، ولم يصل إلى الشاطئ إلا اثنان ، من أجل شربة ماء ، من أجل أن يشرب ملعقتين من الماء بدلاً من ملعقة ـ قال له : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس إذا منع منك ؟ قال له : بنصف ملكي ، قال : فإذا منع إخراجه ، قال : بنصف ملكي الآخر ، قال له : ملكك يساوي كأس ماء .
إذا شرب الإنسان الماء ، وكانت الكليتان سليمتين ، والحالب والمثانة ، وكله يعمل بانتظام ، أليست هذه نعمة كبرى ؟ لذلك :
      
﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
 
كن متواضعاً .
آيةً واحدة : إذاً إذا دعوت إلى الله ، أو أمرت بالمعروف ، أو نهيت عن المنكر ، أو في أية حالةٍ من حالاتك ..
      
﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
 
إياك أن تستعلي عليهم ، وإياك أن تخاطبهم من فوق ، وأن تكون متعجرفاً ، وأن تشعر أنك فوق الناس.
      
﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ
 
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
 
إياك أن تستخفك الدنيا ، أن تفرح بها ، وبمالها ، وزينتها ، ومباهجها ، فلا تنس أن البيت الذي جهدت في بنائه ، وفي كسوته ، وفي تزيينه ، وفي تأثيثه لن يبقيك أحدٌ فيه ساعةٌ بعد الموت ، ولن يسمح لك أن تدفن فيه ، يقول لك : في المقبرة ، اشتريته ، وجهدت في بنائه ، وتزيينه ، وتأثيثه ، وأقرب الناس إليك إكرامهم لك سرعة ترحيلك من هذا البيت ، فعلامَ الفرح ؟
      
﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
 
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
 
       يجب أن تفرح لا بالدنيا ، ولكن بطاعة الله ، يجب أن تفرح إذا أجرى الله الخير على يديك ، وإذا سمح الله لك أن ينطلق لسانك في تعريف الناس بالله عزَّ وجل ، وإذا جعلك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر ، وباباً له ، بهذا فافرح ..
 
 
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾.
(سورة يونس : من الآية 58)
أما أن تفرح بالدنيا ! فليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، والباقي ليس لك .
      آخر آية :
      
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
 
القصدُ في المشي تسطيرُ الأهداف :
 
معنى القصدُ في المشي :
 
مرة جاء أحدعلماء مصر الكبار إلى مجلس الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ، طبعاً الذي جاء شيخ الأزهر ، جلس جلسة تَنِمُّ عن اعتزازه بعلمه ومكانته ، هكذا سمعت القصة ، بدأ الشيخ يتحدَّث ، كلما حَدَّثَ حديثاً وفَسَّرَهُ ، وتعمَّق في شرحه ، هذا الضيف بدأ يغَيِّر من جلسته ، إلى أن انتهى المجلس وهو جالسٌ على ركبتيه وهو لا يدري ، إذاً : كلما عرفت هذا الذي يتكلم تتأدب معه ، إذا دخلت على إنسان يحتل منصباً رفيعاً ، لاحظ نفسك ، تجلس جِلْسَةً فيها أدب ، لا تعبث بما على المنضدة ، ولا تقرأ جريدة أمامه ، ولا تُمسك المسبحة ، إذا كنت أمام شخص مهم ، تجلس بأدب ، واحترام ، تنظر إليه ، وتتطامن في جلستك ، هذا مع إنسان ، فكيف إذا عرفت الواحد الديان ؟ إذاً المتكبر المختال لا يعرف الله عزَّ وجل ، لو عرف الله لتأدب معه حتى في جلسته ، ومشيته ، ومَنْطِقِهِ ، وكلامه ، إذاً :
      
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
 
المعنى الأول :
اقصد أي كن معتدلاً بين الكبر ومَيل الخد والتذلل ، أيضاً هناك مشية لا يحبها الله عزَّ وجل ، أن تمشي خانعاً ذليلاً خافض الرأس ، وأن تتمسح بالناس ، وأن تذل نفسك لهم ، هذا أيضاً مرفوض ، المؤمن عزيز ، لا ينبغي له أن يذل نفسه ، << متى أمَتَّ علينا ديننا >> ؟ قالها سيدنا عمر لأحد الأشخاص ، قال له : متى ؟ لله العزة ، إذًا بين التذلل المَقيت والكبر المقيت ، ودائماً الفضيلة وضعٌ وسطٌ بين نقيصَتَين ، الكبر نقيصة ، والخنوع نقيصة ..
      
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
 
كن معتدلاً في مشيك .
المعنى الثاني :
ورد في بعض التفاسير : أي واقصد في مشيك رضاء لله عزَّ وجل ، ففي مشيك إلى دكانك ، وإلى عيادتك ، وإلى معملك ، وإلى أهل بيتك ، وإلى زيد ، وإلى عُبيد ، كل حركةٍ من حركاتك ، اقصد بها رضاء الله عزَّ وجل ، هذا ورد في بعض التفاسير  .
      
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
 
فارتفاع الصوت ليس فضيلةً ، فالعربة الفارغة لها ضجيج ، فإن كانت مُحَمَّلَةً ليس لها ضجيج ، والشيء الفارغ له صَدى ، وكل الآلات الموسيقية مجوَّفة من الداخل فارغة ، وما دامت فارغة لها ضجيج .
والحمد لله رب العالمين
 

 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب