سورة آل عمران 003 - الدرس (11): تفسير الآيات (028 - 032)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة آل عمران 003 - الدرس (11): تفسير الآيات (028 - 032)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج ليطمئن عقلي: ليطمئن عقلي - 24 - الدكتور هشام عزمي - اسئلة حول الالحاد2           برنامج كيف تتعامل مع الله:  كيف تتعامل مع الله - 24- اذا لم يستجب لك           برنامج كن فضولياً: كن فضوليا - 19 - بر الوالدين - 05 - 08 - 2020           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - من اسقام الشباب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0738 - سورة مريم 033 - 035           برنامج وقفات تربوية: وقفات تربوية -10 -ادارة الحالة الشعورية في النفس         

الشيخ/

New Page 1

     سورة آل عمران

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة آل عمران - تفسيرالآية: (028- 032)

21/03/2011 01:28:00

سورة آل عمران(003)
الدرس (11)
تفسير الآيات: (28 – 32)
 
لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
        الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
        أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثامنة والعشرين ، وهي قوله تعالى :
 
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
 
  لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
 
1 ـ الولاء والبراء :
 
       يا أيها الإخوة الكرام ، هناك أصلٌ كبير من أصول الدين ، وهو الولاء والبراء ، فما لم توالِ المؤمنين ، وما لم تتبرَّأ من الكفار والمنحرفين ، فأنت لست من الله في شيء ، هذا الموضوع خطير جداً ، لأنه قد يقول لك المسلم : أنا لا أسرق ، ولا أزني ، ولا أشرب الخمر ، ولكن قلبه معلقٌ بالكفار ؛ يحبهم ، ويصِلهم ، ويعتز بهم وهو لا يدري ، وقد ضيَّع أصلاً كبيراً من أصول الدين .
      هذه الآية الكريمة أصلٌ ـ فيما يسميه العلماء ـ الولاء والبراء ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )) .
[ متفق عليه ٍ]
أنت لك أصحاب ، لك أصدقاء ، لك جيران ، لك معارف ، لك أقران ، لك أخدان ، هؤلاء إن لم يكونوا مؤمنين فالمودة معهم ، والصلة بهم ، والمحبة لهم خطيرةٌ على دينك دون أن تشعر ، ما الذي ضيَّع المسلمين ؟ أنهم ذابوا في مجتمعات الكفر ، إلى أن أصبحت حياتهم مشابهةً للكفار ؛ أعيادهم ، وأفراحهم ، وطريقة تفكيرهم ، وأنماط سلوكهم ، هذه كلها مطابقةٌ لما هو عند الكفار ، لذلك ورد في الحديث الشريف عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ )) .
[ متفق عليه ]
قد تجد إنساناً يسافر إلى بلد غربي ، ويعود ، فيثني عليهم ثناءً لا حدود له ، يتعامى عن كل نقائصهم ، وعن كل انحلالهم ، وعن كل انغماسهم بالملذَّات القذرة ، ويشيد بأبنيتهم ، وشوارعهم ، ونظمهم ، وحقوق الإنسان عندهم ، هذا الذي لا يرى من الصورة إلا وجهاً واحداً ، أو يتعمَّد إغفال الوجه السلبي ، هذا معنى ذلك أنه موالٍ له ،
(( من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً )) .
[ من كنز العمال عن جابر ]
على كلٍ ، نحن أمام قرآنٍ كريم ، نحن أمام كلام خالق البشر ، نحن أمام كلامٍ لا يعلو عليه كلام ، يقول الله عزوجل :
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ
2 ـ مَن هو الولي ؟
 
مَن هو الولي ؟ إنسان تحبه ، إنسان تصله ، إنسان تستنصحه ، إنسان تهتدي برأيه ، تُصغي إلى كلامه ، هذا هو الولي ؛ محب ، مُناصر ، قريب ، موصول ، فما قولك بمؤمنٍ بالله ورسوله يدع المؤمنين ويبتعد عنهم ، ويلتصق بالكفار ، ويصلهم ، بل ويحبهم ؟! ما قولك أن هذا العمل يسلَخك من الإيمان ، وينزع عنك الإيمان ، ولو كنت صائماً مصلياً ؟ هكذا يقول الله عزَّ وجل :
 
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
        قال بعض العلماء : من دون المؤمنين استقلالاً أو مشاركةً .
لك أصحابٌ من المؤمنين ، ولك أصحابٌ من الكفار والمشركين ، ومع كِلا الفريقين تمضي سهرةً ممتعةً ، ويبتسم وجهك ، وينطلق لسانك ، وتَمْحَضهم النصيحة ، وتستهديهم ، وتسترشدهم ، وتأخذ رأيهم ، وتقيم علاقاتٍ متينةٍ معهم ، وتهاديهم في أفراحهم ، وتعزيهم في مصائبهم ، وكأنك واحدٌ منهم ، بل وتحتفل بأعيادهم ، بل وتفعل في بيتك ما يفعلونه هم في أعيادهم ، قال :
     
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
 
 وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
 
1 ـ الولاء والبراء من علامات الإيمان :
 
علامة إيمانك أنك توالي المؤمنين ، ولو كانوا فقراء وضعفاء ، وتتبرَّأ من الكفار والمشركين ، ولو كانوا أقوياء وأغنياء ، من علامة إيمانك أنك تودُّ المؤمن ، ولو أساء إليك ، وتبغض الكافر ، ولو منحك عطاءً كبيراً ، هذا هو الإيمان ، القضية قضية ولاء وبراء .
أنت مع مَن ؟ أنت مع المؤمنين ، إذاً تتألَّم لآلامهم ، تشقى لشقائهم ، تفرح لسعادتهم ، تسرُّ بنصرهم ، تحزن بتأخرهم ، هذه علامة إيمانك ، فإذا كنت توالي أهل الكفر والشرك ، وتشيد بانتصاراتهم ، وأنت معجب بقوتهم ، وجبروتهم ، وأنت راضٍ عن انحرافهم وانحطاطهم ، ولا يضيرك أن تقلدهم فيما يفعلون ، فاعلم علم اليقين أنه لا ذرة إيمانٍ في قلبك ، والدليل قوله تعالى :
 
 
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
   ورد في بعض الآثار أن الله عزَّ وجل يقول : " يا عبدي ، ماذا فعلت من أجلي ؟ يقول : يا رب ، فعلت كذا وكذا ، يقول الله له : تعجلت بهذا الراحة لقلبك ، ولكن ماذا فعلت من أجلي ؟ قال : يا رب ، وما أفعل من أجلك ؟ قال : هل واليت فيَّ ولياً ؟ هل عاديت في عدواً ؟ ".
         فإذَا دعاك غنيٌ أو قويٌ ولو كان متفلتاً من الدين لبيت دعوته ‍! أما إذا دعاك قريبٌ لك فقيرٌ من أطراف المدينة فإنك تعتذر ؛ الوقت ضيق ، ومشغول ، فتلبية دعوة المؤمنين الفقراء من عمل الآخرة ، وتلبية دعوة الأغنياء والأقوياء من عمل الدنيا ، من مُتَع الدنيا ، فانتبه لو أنك لم تشرب الخمر ، ولم تزنِ ، ولم تقتل ، ولم تسرق ، لمجرد أن توالي الكفار والمشركين ، وأن تحبهم ، وأن تعظّمهم ، وأن تشيد بتفوقهم ، وأن تتحدث عن حضارتهم .
 
1 ـ هذا شرك فاحذره :
         أيها الإخوة ، هذا الموضوع خطيرٌ جداً ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى له امتحانات عديدة في أفعاله ، ففي حينٍ يقوِّي الكفار ، يقويهم إلى درجة مذهلة ، فيبدو للناظر أن كلمتهم هي العُليا ، يبدو للناظر أنهم يفعلون ما يريدون ، وأنهم أقوى قوةٍ في الأرض ، وأنه لابد من موالاتهم ، وإلا فلن ننال شيئاً ، هذا كلام يطرح ، لابد من موالاة هذه الدولة القوية ، وإلا لا نصل إلى شيء ، ومهما تنازلت ، ومهما خضعت ، ومهما صغرت لا تأخذ شيئاً إلا مزيداً من السلب والقهر.
        هذه مشكلة كبيرة ، حينما ترى أن جهةً غير الله بيدها كل شيء فهذا شرك كبير ، والله هذا يكاد يكون شركًا أكبر ، حينما ترى أن جهةً قويةً جداً بيدها كل شيء ، ولابد من موالاتها ، ولابد أن تقيم معها علاقةً طيبة وإلا سحقتك ، هذا هو الشرك بعينه ، أين الله ؟
 
 
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
( سورة البقرة : من الآية 257 )
        هذه الآية أيها الإخوة من أخطر الآيات في حياة المؤمن ، أنا لا أقول لك : أن تناصبهم العِداء ، لا أقول لك : إن أية علاقة معهم محرَّمة ، علاقات العمل مشروعةٌ ولا شيء فيها ، أنا أبعدك عن علاقاتٍ حميمة ، عن شراكةٍ اندماجية ، عن صحبةٍ متينة ، عن نزهةٍ طويلة ، عن سهراتٍ مختلطة ، هؤلاء لهم قيَمهم ، ولهم طريقتهم في الحياة ، يعيشون للدنيا وحدها ، لا يعبأون بقيم الدين ، ولا قيم الآخرة ، كيف تنسجم معهم ؟! وكيف تصفو العلاقة بينك وبينهم ؟! هذا مستحيل إلا أن يكون هذا الذي يواليهم على شاكلتهم .
 
2 ـ شخصية المؤمن لها سمات غير سمات الكافر :
        
أيها الإخوة الكرام ، شخصية المؤمن لها سمات ، وشخصية الكافر والمشرك لها سمات ، فحينما يندمجان فلابد أن تعتقد يقيناً أن سمات المؤمن كاذبة ، وليست صحيحة ، لو أنها حقيقية لما انسجمت مع سمات الكافر ، إنها مزوَّرة ، إنها مُدَّعاة ، يدعي أنه كذا ، وهو ليس كذلك ، فشيءٌ خطير أن تركن إلى كافر ، أن تستسلم له ، أن تصغي إليه ، أن تمحضه الود ، أن تحبه ، أن تتعلق به ، أن تعظِّمه ، أن تكبره ، أن تراه قوياً ، أن تراه يعيش حياةً راقية ، أين هذا هو الرقي ؟ .
 
  لا توازن بين شيئين إلا بميزان الآخرة :
 
         أيها الإخوة الكرام ، أتمنى عليكم شيئًا ، جرِّب ألا توازن بين جهتين ، ولا بين أمتين ، ولا بين شعبين ، ولا بين دولتين ، ولا بين رجلين ، ولا بين حرفتين ، جرب ألا توازن بين جهتين إلا إذا أضفت الآخرة إلى كلٍ منهما ، قد تجد مطعمًا دخله فلكي ، لكنه يبيع الخمر ، وقد تجد مطعمًا في قرية غلته لا تزيد على مئتي ليرة في اليوم ، لكنه يبيع بإخلاص ، ويقيم شرع الله ، ففي الموازنة الظاهرة شتان بين المطعمَين ، أما في الموازنة الحقيقية إذا أضفت الآخرة إلى كلٍ منهما وجدت أن هذا المطعم المتواضع ، الذي دخله لا يكفي مصروف صاحبه ، هو أرقى على المدى البعيد من صاحب هذا المطعم الأول ، وقس على هذا كل شيء .
       دخل سيدنا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآه مضطجعًا على حصير ، وقد أثر الحصير على خده الشريف ، فبكى عمر ، قال :
ـ يا عمر ما يبكيك ؟
ـ قال : رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟!
ـ قال :يا عمر ، أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟! هذه رواية .
الرواية الثانية : يا عمر ، إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً .
الراوية الثالثة : أفي شكٍ أنت يا عمر ؟
قال : لا .
الدنيا لا قيمة لها ، وأساساً :
 
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
( سورة الأنعام : من الآية 44 )
          فأضف إلى أركان دينك الولاء والبراء ، ينبغي أن توالي المؤمنين ، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين ، أنا لا أقول لك : أن تناصبهم العداء ، قد لا تقوى عليهم ، لا أقول لك : أن تشتمهم في وجههم ، لا ، لا ، ولكن تبرأ منهم ، ابتعد عنهم ، علاقات العمل مقبولة ، علاقات العمل أنت مضطرٌ أن تعاملهم ولا شيء عليك ، أما العلاقات الحميمة ، السهرات الطويلة ، الصلات المتينة ، السفر ، النزهات ، الشراكة الاندماجية بينك وبين كافرٍ أو مشرك ، كيف تنسجم معه ؟ كيف تقبل قيمه ؟ كيف ترضى عن تفلته ؟ كيف تستسيغ نفاقه ؟!! لابد من أنك على شاكلته ، فكلما اقتربت من أهل الكفر ابتعدت عن أهل الإيمان ، وكلما واليتهم كان جفاءً لدينك ، ولقيمك ، ولمبادئك ..
 
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
 
3 ـ الموالاة على الكفر كفرٌ ، وعلى الفسق فسقٌ :
 
      هناك بعض التفصيلات : لو أنك واليتهم على كفرٍ فموالاتك كفر ، لو أنك واليتهم على كفرٍ ، هم كفار ، وأنت مدحتهم ، أو أثنيت عليهم ، أو أقررتهم على ما هم فيه ، إذا واليتهم على كفرهم فموالاتهم كفرٌ ، وإن واليتهم على فسقٍ فموالاتهم فسقٌ ، وإن واليتهم على حرب المؤمنين فموالاتهم كفرٌ ، بل هو أشد أنواع الكفر أن تستعين بكافرٍ على مؤمن ، العبرة أن تكون مع المؤمنين ، وفي خندق المؤمنين ، ومع أهل الحق ، ولكن قد تجد في هذا صعوبة لأن الكفار أقوياء ، وعندهم أشياء مغرية جداً لكنهم في النهاية لن يعطوك شيئاً .
        أنا أقول كلمة واحفظوها : المسلم إذا والى كافراً ، وأعانه على كفره ، أو أعانه على ظلمه ، أو أعانه على فسقه ، بمثابة منديلٍ مُسِحَت به أقذر عمليةٍ ، ثم ألقي في سلة المهملات ، هذا هو المسلم إذا أعان كافراً على كفره ، أو على فسقه ، أو على انحرافه ، أو على فجوره ، وأشاد به ، وأثنى عليه ، وعظَّمه ، وقدَّره ، حاول أن تكون مع المؤمنين لأن الله معهم ، وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمَن معك ؟ ..
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
          من دونِهم ، لأن الكفار دونَهم ، الحقيقة حينما يكشف الغطاء تعرف الحقائق ، قد تجد مؤمناً بسيطاً ، مستقيماً ، فقيراً ، متواضعاً ، مهمَّشاً في الحياة ، لكنه يخاف الله ورسوله ، هذا المؤمن يوم القيامة تجده علماً من أعلام الآخرة ، وقد تجد كافراً متألِّقاً ، مشهوراً ، معروفاً ، معزَّزاً ، مكرَّماً، مبجلاً ، لو رأيت مقامه في الآخرة لرأيته في أسفل سافلين ، فالعبرة أن هذه المراتب في الدنيا لا قيمة لها ، قال تعالى :
 
 ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا(21)
( سورة الإسراء )
       من يعرفني ؟ إذا كنت مع الله فالله معك ، وإذا كان الناس لا يعرفون فضلك ، فالله يعرف مكانتك ، والله يعاملك معاملةً يشعرك أنه يحبك ، وأنك عنده بمكان .
       فيا أيها الإخوة الكرام ، هذه آيةٌ من أخطر الآيات ، لأن عدم تطبيقها قد يكون سبباً لانسلاخك من دين الله ، والدليل :
     
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
 
 وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
 
ليس له موالاةٌ مع الله إطلاقاً ..
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
        لأنه في المنطق لا يقبل أن توالي رجلاً ، وأن توالي عدوه ، مستحيل ، لا يجتمع موالاة جهةٍ وجهةٍ معاديةٍ لها ، من هم أصدقاؤك ؟ قال : صديقك ، وصديق صديقك ، وعدو عدوك ، من هم أعداؤك ؟ عدوك ، وصديق عدوك ، وعدو صديقك ، فلا يجتمع أن توالي كافراً ، وأن توالي مؤمناً ، إنهما متناقضان ، إلا أن يكون منافقاً ..
 
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)
( سورة البقرة )
هذا المتلون منافق ، ولا شأن عنده عند الله ، و..
 
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ
( سورة النساء : من الآية 145 )
 
  لا تستحِ بدينك ، فإنّ الله ناصرُه :
 
          شيء رائع جداً أن يكون لك هوية ، أنت مسلم ، فلا تستحِ بدينك ، قدمت لك ضيافةٌ في رمضان فلا تقل : معي قرحة ، لا بل قل : أنا مسلم ، وصائم ، لا تخف ، الذي أنزل هذا الدين هو الذي يحميك ، فإذا كنت لا ترى أن الله لا يحميك فلماذا تعبده ؟ إن كنت ترى أن جهةً يمكن أن توقع بك سوءًا ، واللهُ لا يتدخل ، فلماذا تعبد الله ؟ هذا كلام منطقي ؛ أنت مع أقوى الأقوياء ، أنت مع خالق الأرض والسماء ، أنت مع رب العالمين ، أنت مع من بيده ملكوت كل شيء ، أنت مع من أمره هو النافذ ..
 
﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)
( سورة يس )
        أنت مع مَن ؟ مع مَن يفعل ما يريد ، العالم كله ، المجرات كلها في قبضته ، الأقوياء جميعاً في قبضته ، فأنت مع الله ، فلا تخشَ مع الله أحداً .
 
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
( سورة الأحزاب : من الآية 37 )
      فيا أيها الإخوة ، حينما توالي أهل الكفر والطغيان ، معنى ذلك أنك لا تعرف الله ، وأنك ليس لك ولاءٌ مع الله إطلاقاً ، لا يعقل أن تواليَ عدواً لله ، لا يعقل أن توالي مَن يرفض دين الله ، لا يعقل أن توالي من يستهزئ في عباداتك ، لا يعقل أن توالي من يريد أن يطفئ نور الله .
دقق في هذه الآية ، بربك لو رأيت إنساناً يتِّجه نحو الشمس ، وينفخ في قرصها ليطفئها ، بمَ تحكم عليه ؟ بالجنون ، ماذا يقول الله عزَّ وجل ؟
 
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
( سورة الصف : من الآية 8 )
         إذا كانت أشعة الشمس ، أو لهب الشمس لا يمكن أن يطفأ بنفخةٍ من فم إنسان ، فهل يعقل أن يستطيع الكفار ، ولو اجتمعوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ؟! كم من أمةٍ قام فيها من يريد إلغاء الدين ، بأماكن عديدة في العالم ، ما الذي حصل ؟ هؤلاء الذين أرادوا إطفاء نور الله هم انطفؤوا ، وبقي نور الله ساطعاً .
      لذلك لا تقلق على هذا الدين ، إنه دين الله ، وإذا شاء الله عزَّ وجل نصر دينه بالرجلٍ الفاجر ، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل ، ولكن اقلق على شيءٍ واحد ، ما إذا سمح الله لك ، أو لم يسمح أن تنصر دينه ، وإنه لشرفٌ عظيم أن تكون جندياً من جنود الحق ، فلابد أن تكون مع المؤمنين ؛ بقلبك ، وقالبك ، بمشاعرك ، وعواطفك ، وقد يكون المؤمنون ضعافاً ، عندهم فوضى ، وعندهم تقصير ، لكنهم طيبون ، طيبون مقصرون ، هؤلاء الذين يعجبونك خبثاء ، خبثاء مجرمون .
      يا أيها الإخوة ، لكن القوي مسموع الكلمة ، والضعيف لو تكلم لا يسمع صوته ، أنت مؤمن ، لابد أن تكون هذه الآية أحد أركان عقيدتك :
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
        لا يتخذهم استقلالاً ، أي أنه ترك جميع المؤمنين ووالاهم ، أو مشاركةً ؛ والى بعض المؤمنين ، ووالى بعض المشركين ، والولاء لا يقال له ولاء ، لكن الحب ، والود ، والنصيحة ، والتقليد ، تقلدهم في حياتهم ، في أعيادهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم .
 
 استثناء مهمّ : فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ       
 
لكن العلماء استثنوا ، قال تعالى :
 
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ
( سورة التوبة : من الآية 7 )
       عاملك إنسان غير مسلم معاملة طيبة ، أنت من واجبك أن تعامله معاملةً طيبة ..
 
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ
( سورة التوبة : من الآية 7 )
 ولم يقاتلك ، ولم يتآمر عليك ، ولم يطعن بك ، ولم يسئ إليك ، قال تعالى :
 
﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
( سورة الممتحنة : من الآية 8 )
       فلا شيء ، إنسان ليس مسلماً ، أراد أن يزورك ، ويسمع منك ..
 
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
( سورة التوبة : من الآية 6 )
      استقبله ، ورحِّب به ، وضيفه ، وتكلم الحق أمامه ، فأي لقاء يتم بين مسلم وغير مسلم أنا أرحب به ، وأرحب به كثيراً ، بشرط أن يتاح للمسلم أن يعرض أفكاره ، ودينه أمامه فقط ، فإذا كان بإمكانك أن تعرض ما عندك فاجتمع مع أي إنسان ، وكُن بشوشاً ، لطيفاً ، الإسلام واقعي ، لكن شخصًا لا يعبأ بدينك ، ولا يقيم له وزناً ، ويحتقر منهجك ، وهو قوي ، أو غني ، فأنت تزوره ، وتتذلل إليه ، وتتضعضع أمامه ، فهذا لا ينبغي ، والنبي الكريم يقول :
(( من جلس إلى غني فتضعضع ذهب ثلثا دينه )) .
[ من زيادة الجامع الصغير عن ابن مسعود وأنس ]
فكيف إذا كان غنياً غير مسلمٍ ، ولكنه مشرك ؟! لا ..
 
﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
 
تهديد إلهيٌّ :
        
هل بعد هذا التهديد من تهديد ؟
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
      أحياناً يقول الأب لابنه : إن صاحبت فلاناً فلست ابني ، فهل بعد هذا التهديد من تهديد ؟ إن صاحبت هذا الشاب الفاسق فلست ابني ، ولن أعترف بك ، هذا أعلى أنواع التهديد ..
 
      
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
لكن :
 
﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
 
  إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
 
هذه رخصة من الله :
 
        فإذا كان هذا الكافر قوياً جداً ، لدرجة أنك إن لم تشعره أنك قريبٌ منه سحقك ، أو أنهى حياتك ، في مثل هذه الحالات هناك رخصةٌ اسمها التَقِيَّة ، لكن هذه تقدَّر بقدرها ، ولا يتوسع فيها كثيراً ، فإذا هددت حياتك ، يمكن أن تظهر له بعض المودة اتقاءً لشره ، وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره ، كإنسان له لقب معين ، فإن لم تناديه بهذا اللقب نشأت مشكلةٌ لا قِبَل لك بها ، تناديه بهذا اللقب ، النبي الكريم كتب : " من محمدٍ رسول الله إلى عظيم الروم " ، هل كان قيصر عنده عظيماً ؟ لا ، ولكن هذا لقبه ، ففي حالات يكون المؤمن حكيمًا ، والشرع دقيق جداً ، فلان له لقب معين أناديه بلقبه ، هذا لا يزيد ، ولا ينقص ، فحينما تخاف شر إنسانٍ ظلومٍ ، جبارٍ ، لا يخاف الله ، تناديه بلقبه ، أو حينما تظهر بعض المودة في حالاتٍ نادرةٍ جداً ، في حالاتٍ تهدد فيها كل مصالحك ، فهذا سمح الله به ، لأن الشرع يسع كل الأحوال ، وكل الظروف ، ففي ظروف نادرة جداً إن لم تظهر له مودةً فعل بك ما فعل ، وهذا الشيء واقع ، إذاً أنا أتقي شره بهذه الكلمة ، أو بهذه الابتسامة .
        لكن لو وافقت غير مسلمٍ ، أي لو وافقت كافراً أو مشركاً على عملٍ مباح ، فلا  مانع ، كأن نريد أن نلغي الظلم في هذه الجهة ، فتعاونا ، النبي استعان بمشركين لإزالة ظلم ، هذه المعاهدات التي جرت بينه وبين القبائل ، فقال العلماء : يجوز أن تستعين بكافر لرد ظلامةٍ ، أو لتحقيق مصلحةٍ للمسلمين ، طبعاً من دون أن نخسر شيئاً ، دقق ، من دون أن يكون هذا على حساب ديننا ، ولا على حساب شرعنا ، ولا على حساب مصالحنا ، مجرد جهة بعيدة تريد أن ترفع عنها الظلم ، فتعاونا كدولتين فلا في مانع ، هذا الشيء مشروع ، هذا من الاستثناءات المتعلقة ..
 
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
         ويقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ
 
  وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ
 
ويحذركم الله ذاته العليَّة ، أي إياك أن تظهر شيئاً ، وأن تخفي شيئاً ..
 
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ
( سورة آل عمران : من الآية 179)
       ويحذركم الله ذاته العليا أن تجترئوا عليه ، وتوالوا أعداءه ، حينما قال الله عزَّ وجل :
 
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
دققوا الآن ..
 
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
( سورة الأنفال : من الآية 60 )
      فيجب أن يكون عدوكم هو نفسه عدو الله ، هذه الآية دقيقة جداً ، لا يمكن أن تحارب إلا من كان عدواً لله ، يجب أن يكون عدوكم ، وعدواً لله في وقتٍ واحد ، أما إذا كان عدوكم ، ولم يكن عدواً لله ، فيا لطيف !! هذا الذي يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم إلى أبد الآبدين ، يجب أن يكون هذا الذي تقاتله عدواً لك ، وعدواً لله في وقتٍ واحد ، وإلا فأنت مجرم في حق المؤمنين ..
 
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
 
     
﴿ وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
 
  هذا واقع المسلمين للأسف الشديد :
 
سوف تعودُ إلى الله ، وترجعُ إليه ، وسوف يحاسبك عن هذه الموالاة ، وهذا الانحياز .
      صدقوني أيها الإخوة ، إنك لو دققت في حياة المسلمين بعمق ، وجدت ولاءهم لغير المسلمين ، فيتفنن المسلم أحياناً كيف يوقع بك الأذى ، ويعلم أنك مسلمٌ مثله ، فإذا جاء مع غير مسلم كان لطيفاً إلى درجةٍ لا تصدَّق ، أليس هذا ولاءً لهم ؟
هذا الأخ المؤمن ، وتعلم أنه مظلوم ، تتفنن في إيقاع الأذى به ؟ وهذا القوي غير المسلم تتفنن في ملاطفته ، وفي البحث عن حلٍ لمشكلته ، وفي بيان سبيلٍ لنجاته ؟! كيف تواجه الله يوم القيامة ؟ هذا الذي جاءك ضعيفاً ، توقع به أشد أنواع الأذى ، وأنت مرتاح ، وهذا الذي جاءك قوياً ، تفكر له عن حلٍ لمشكلته دون أن تشعر ، هذا والله ولاءٌ ، وأيّ ولاء ، وبراءٌ من المؤمنين ، وأيّ براء ، لو دققت في حال المؤمنين ، فيكفي أن توالي هؤلاء ، وأن تحبهم ، وأن تدافع عنهم ، وأن تشيد بهم ، وأن تتحدث عن براعتهم ، وعن كفاءتهم ، وعن تفوّقهم وأنت لا تدري ، أنت واليتهم ، وأنت لا تدري .
        هذا درسٌ مهم جداً ، أيها الإخوة ، حتى يرضى الله عنا ، وحتى ينصرنا ، وحتى ينظر إلينا بالعطف فلابد أن نكون مع المؤمنين ، وأن يكون ولاؤنا للمؤمنين ، ومحبتنا للمؤمنين ، وقد لا يعجبك المؤمن ، فيه تقصير ، فيه تخلف ، فيه جهل أحياناً ، فيه تجاوز ، واحد عنده أولاد ، فأولاده قدره ، شاء أم أبى ، أولادنا قدرنا ، والمؤمنون قدرنا ، لكن محبتنا لهم ، وعطفنا عليهم ، وقوتنا لهم ، وحرصنا عليهم ، وخبرتنا في خدمتهم .
 
  نماذج حية من الولاء والبراء :
 
        أيها الإخوة ، أضع بين أيديكم نموذجًا للولاء والبراء : طبيب مقيم بأمريكا ، وله دخلٌ فلكي ، ويعيش حياةً ماديةً تفوق التصوُّر ، لكنْ في أعماقه شعور بالذنب ؛ أن كل علمي ، وكل خبرتي ، وكل تفوقي لغير المسلمين ، فعاد إلى بلده ، وافتتح عيادةً ، لا شك أن الموازنة بين بلده ، وبين بلد غربي متقدم فيها بونٌ شاسع ، لكنه أسرّ لي ، وقال : شعرت براحةٍ لا توصف ، لأنني أعالج المسلمين ، وأضع علمي في خدمتهم ، هذا شاهد .
        قبل أيام زارني أخ ولد في أمريكا ، طبيب ، ولكنه متخصص في الأطراف الصناعية ، وأراني بعض إنجازاته ، شيءٌ مذهل ، طفل صغير قطعت رجله من أعلى الفخذ في حادث ، بعد تركيب طرف صناعي صار يمشي ، قدَّم خدمات ، قال لي : أنا والله أتمنى أن آتي إلى الشام في العام ثلاث مرات كي أعالج هؤلاء المصابين بتكلفةٍ فقط من دون أي ربح ، والرقم رمزي جداً ، شعر أن كل خبرته لغير المسلمين ، شعر بضيق .
       أنت مسلم ، إن تعلمت في هذا البلد الطيب فلحمك من خير هذا البلد ، فصرت لغير المسلمين بكل خبراتك ، وكل قدراتك ، كل إنسان يخدم غير المسلمين على المدى الطويل يشعر باختلال بتوازنه ، هؤلاء المسلمون هم الذين رفعوك وجعلوك طبيباً ، أيعقل أن يكون علمك لغيرهم ؟ فمن الوفاء لدينك ولأمتك أن تكون خبراتك العالية في خدمة أهل بلدك وأهل دينك ، هذا من الولاء والبراء ، أما قد يصفو العيش لبعض المسلمين في بلادٍ بعيدة ، فيستقرون إلى نهاية الحياة ، ويدفعون ثمناً لا يتحمَّله أحدٌ من المسلمين ، أولاده ، أولادهم هم الثمن ، يشعر أنه دفع ثمناً لا يستطيع تحمله ، وهذا الواقع ، وهذا من الولاء والبراء ..
 
﴿ وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
 
  قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
 
1 ـ هذه الآية تهديد لهؤلاء المتلوِّنين في الولاء والبراء :
 
       أحياناً بذكاءٍ من المنافق يبدي ولاءً للمؤمنين ، ويخفي ولاءه للكفار إذا كان مع المؤمنين ، أما إذا كان مع الكفار ..
 
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)
( سورة البقرة )
هؤلاء المنافقون المتلوّنون ..
 
﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
        هذه الآية تهديد لهؤلاء المتلوِّنين ، الذين يظهرون ولاءً للمؤمنين في حضرتهم ، وولاءً للكفار في حضرتهم ، هؤلاء عند الله منافقين ، والعبرة لذلك اليوم الذي لا تخفى على الله خافية ..
 
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ
بينها وبين عمل السوء ..
﴿ أَمَدًا بَعِيدًا
وأعاد الله التحذير مرةً ثانية ..
 
﴿ وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
 
2 ـ تحذير ممزوج برحمة :
 
هذا التحذير رأفةً بكم ، محبةً لكم لأن المصير مخزٍ ، حينما يكون ولاؤك لغير المؤمنين فالمصير مخزٍ تماماً ، والله لا يرضى لك أن تكون مخزياً يوم القيامة ..
 
 
﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
ما جاء التحذير مرةًَ ثانية إلا بسبب رأفة الله بالعباد ..
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 
  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 
دعوى المحبة لابد لها من دليل الاتباع :
 
إنّ الله جلَّ جلاله ما قبل دعوى محبَّته إلا بالدليل ، والدليل القاطع على محبَّة الله اتباع رسول الله ، وإلا فهي دعوى فارغة لا قيمة لها ، كلٌ يدَّعي أنه يحب الله ، الفيصل في هذه الدعوى أن تكون متبعاً لرسول الله .
 
  أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ
 
ماذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ ، قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ ، وَقَالَ :
(( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : لِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا )) .
[ الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ]
من أقام معهم إقامةً دائمة ، هناك غير حياة ، وإذا جاء إلى بلده زائراً يتصيَّد العيوب ، أحياناً تضجر منه ، الطرقات سيئة ، والنظام سيئ ، فماذا تريد غير ذلك ؟ ارجع مكان ما كنت ، يشمئز ويُشمأَز منه ، لذلك قال تعالى :
﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(30)قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
آخر آية ..
 
 
﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
 
  قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
 
أنت لك منهج ، في حالات نادرة جداً يمكن أن تبدي المودة للكفار ، حينما تشعر يقيناً أنك مهددٌ في حياتك ، يمكن أن تتقي منه تقاة ، أن تتقي من هذا الكافر الشرير ما تقيم به أمر الله عزَّ وجل ، أن تبقى في بيتك مع أولادك ، حالات نادرة جداً حينما تهدد في حياتك ، أو في كل مصالحك دفعةً واحدة ، أما إذا أخذ فكرة ، فليأخذ خمسين فكرة ، هذه قضية سهلة ، ليس فيها شيء ، أنت معك استثناء لكن ـ كما قيل ـ الضرورة تقدر بقدرها ، كيف ؟
     كاد شخص يموت جوعاً ، فله أن يأكل لحم الخنزير ، حالات نادرة ، لكنه يأكل لقمتين فقط ، لئلا يموت ، فالضرورة تقدر بقدرها ، هذه قاعدة ، هذا الاستثناء نحن لا نوسعه لكل شيء ، كأن نقول : من لا تقيَّة له لا دين له ، وسع في درجة أنك لا تستطيع أن تحاورهم إطلاقاً ، كل شيء يقال خلاف ما يعتقدون ، انتهى الأمر ، وهذه حالات نادرة جداً ..
 
﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
        أنت مؤمن معك منهج ، ينبغي أن تطيع الله ورسوله فقط ، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، والأمور بخواتيمها ، والعبرة للآخرة ، والغنى والفقر بعد العرض على الله ، إذا والى المسلم الكفار ، وأقام معهم ، تفلت أولاده ، ولن يكونوا مسلمين إطلاقاً ، بل كانوا في أشد أنواع الانحراف ، فهذا حينما يرجع إلى الله يوم القيامة ماذا يجيب الله عزَّ وجل ؟ الرفاه الذي كان يعيشه انتهى ، وبقيت المسؤولية ، والذي والى المؤمنين ، وبقي في بلادهم ، المتاعب انتهت ، وبقي الثواب ، هذه قاعدة عامة ، المتاعب تنتهي ، ويبقى الثواب ، والميِّزات تنتهي ، ويبقى العقاب ، العقاب أبدي ، والثواب أبدي ، أما المتاعب والميزات فهي مؤقتة ، المتاعب من موالاة المؤمنين مؤقتة ، والميزات من موالاة الكفار كذلك مؤقتة ، ماذا يبقى بعد ذلك ؟ إما في جنةٍ يدوم نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفد عذابها .
 
والحمد لله رب العالمين
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب