سورة لقمان 031 - الدرس (2): تفسير الأيات (04 – 09)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة لقمان 031 - الدرس (2): تفسير الأيات (04 – 09)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسال - 465- الشيخ أحمد شوباش- 08 - 08 - 2022           برنامج منارات مقدسية: منارات مقدسية - 104 - سقاية العادل وصهريج الملك العادل           برنامج أجمل قصة حب: أجمل قصة حب - 24 - مراعاة المشاعر           برنامج الكلمة الطيبة 2022: الكلمة الطيبة - الشهداء أكرم منا جميعا           برنامج تفسير القرآن - مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 1469 - سورة النجم 029 - 031           برنامج عمـــار يا بلد: عمار يا بلد - 121 - نصرة المظلوم         

الشيخ/

New Page 1

     سورة لقمان

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة لقمان- (الآيات: 04 - 09)

29/03/2012 17:31:00

سورة لقمان (031)
 
الدرس (2)
 
تفسير الآيات: (4 ـ 9)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الثاني من سورة لقمان ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 
بسم الله الرحمن الرحيم
      
 
﴿ الم ¯تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ¯هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾
 
هؤلاء هم المحسنون ، والقرآن أحياناً يَسْلُكُ أسلوب الإيجاز ، فالمحسن هو مَن أحسن في عقيدته ، وأحسن في استقامته ، وأحسن في عمله ، هؤلاء هم المحسنون ..
 
 صفات المحسنين
       
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
   
الصفة الأولى : إقامة الصلاة :
 
1 – معنى إقامة الصلاة :
وكأن الله سبحانه وتعالى جمع الدين كلَّه في كلمتين : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، إقامة الصلاة أي : تحسين العلاقة مع الله ، فهذه الصلوات الخمس التي نصليها ما هي في الحقيقة إلا اتصال العبد بالله عزَّ وجل ، ولكن من السذاجة أن نظن أنه بمجرَّد أن يقف الإنسان متوضِّئاً ، ويتَّجه نحو الكعبة ، ويكبِّر تكبيرة الإحرام ، ويقرأ دعاء الثناء ، والفاتحة وسورة ، ويركع ، ويسجد ، من السذاجة أن يظن أن هذه صلاةٌ وكفى ، لن تستطيع أن تقيم الصلاة ، لأن الله عزَّ وجل يقول :
       
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾
 
كيف أنك تقيم البناء ، لابدَّ من جهودٍ كبيرة تسبق إنشاء البناء ، كذلك أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مصلياً من دون أن تكون مستقيماً على أمره ، إنَّ هذه الصلاة جوفاء ، أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مصلياً من دون أن يكون دخلُك حلالاً ، فهذه صلاةٌ جوفاء ، أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مُصلياً من دون أن تضبط جوارحك ، فهذه صلاةٌ جوفاء ، لذلك ربنا عزَّ وجل وصف الناس مع تقدُّم الزمان فقال :
 
]      فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [ .
( سورة مريم : من الآية 59 )
2 – معنى إضاعة الصلاة :
العلماء قالوا : إنَّ إضاعة الصلاة ليس تركها ، ولكن إضاعتها حينما لا نخشع فيها ، ومتى لا نخشع فيها ؟ إذا تخلَّلتها المعاصي ؛ دخله حرام ، كلماته ليست منضبطة ، جوارحه ليست منضبطة ، لا يسير على منهج الله ، فإذا قام ليصلي ماذا يفعل ؟ لذلك المنافقون وصفهم الله عزَّ وجل فقال :
 
] وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [ .
( سورة النساء : من الآية 142 )
لأن الصلاة عند المنافق لا معنى لها ، يقف ، ويركع ، ويسجد ، ولا يشعر بشيء ، فهي أقرب إلى الحركات الإيمائية ، وأقرب إلى الطقوس منها إلى الصلاة ، ولكن هذا الذي ضبط جوارحه ، هذا الذي أنفق ماله ، هذا الذي سار على منهج الله عزَّ وجل ، هذا الذي تَقَصَّىَ أوامر الله فطبَّقها ، هذا الذي تقصَّى نواهيه فاجتنبها ، هذا الذي أنفق ماله الحلال على حبِّه ، أطعم الناس بماله ، أنفق ماله في سبيل الله لا يبتغي رياءً ولا سمعةً ، هذا الذي إذا وقف ليصلي انهمرت دموعه ، وشعر أنه قريبٌ من الله عزَّ وجل .
 
حقيقة الصلاة من خلال الكتاب والسنة :
 
قال تعالى عن الصلاة :
 
]    وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[ .
( سورة العلق19)
من معانيها الاقتراب  ..
 
]    وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ .
( سورة طه14 )
 
] إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .
(سورة العنكبوت : من الآية 45)
(( الصلاة ميزان ، فمن أوفى استوفى )) .
[ الجامع الصغير عن ابن عباس ]
(( الصَّلاةُ نُورٌ )) .
[ من سنن الترمذي عن زيد بن سلام ]
(( الصلاة طهور )) .
كما قال عليه الصلاة والسلام ..
(( الصلاة معراج المؤمن)) .
كما قال عليه الصلاة والسلام ..
(( لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل )) .
[ الجامع الصغير ]
الصلاة مناجاة ، هذه تعريفات الصلاة في الكتاب والسنَّة ، ربَّما عرَّفها الفقهاء تعريفاً آخر ، قال الفقهاء : " هي أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحةٌ بالتكبير مختتمةٌ بالتسليم " ، هذا تعريف ظاهرالصلوات ، ولكن حقيقة الصلاة :
 
]    وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ .
( سورة العلق19)
حقيقة الصلاة :
 
 
]   لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [ .
( سورة النساء : من الآية 43 )
 حقيقة الصلاة أن تفهم ما تقرأ ، أن تعقل ما تقرأ ..
(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها )) .
[ ورد في الأثر ]
لذلك أول ما يُسْأل عنه العبد يوم القيامة صلاته ، الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين .
هؤلاء هم المحسنون ، هذا الكتاب الحكيم الذي هو هدىً ، أي دلالة ، البداية بالدلالة ، والنهاية بالرحمة للمحسنين ، لماذا أحسنوا ؟ لأنهم استناروا بنور الله ، ومتى استناروا ؟ عندما صلوا ..
      
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾
 
له اتصالٌ بالله عزَّ وجل ، له اتصالٌ في أثناء الصلاة ، وله اتصالٌ خارج الصلاة ، وأما الاتصال خارج الصلاة فقد أشارت الآية الكريمة :
 
]    الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [ .
( سورة المعارج 23 )
 
 من معاني الصلاة :
 
أي أنك إذا خرجت من بيتك وقلت : " يا رب ، إني أعوذ بك من أن أضِلَ أو أُضَل ، أو أزلَّ أو أُزَل ، أو أجهل أو يُجْهَل علي " ، فأنت في صلاة ، إذا دخلت بيتك ، ودعوت الدعاء المأثور فأنت في صلاة ، إذا أقدمت على عمل وقلت : " اللهمَّ إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي ، والتجأت إلى حولك وقوَّتك يا ذا القوَّة المتين " ، فأنت في صلاة ، إذا أردت أن تدخل السوق فدعوت الدعاء المأثور فأنت في صلاة ، فلماذا سَنَّ النبي هذه الأدعية في كل حركات الإنسان ؟ في عمله ، في بيته ، إذا أقدم على عملٍ معيَّن ، لأن الدعاء مُخُّ العبادة ، والدعاء نوعٌ من أنواع الصلاة ، فأنت تصلي في أثناء الصلاة ، وتصلي خارج الصلاة من خلال الدعاء ، من خلال الذكر ، من خلال التسبيح ، من خلال التحميد ، من خلال التكبير ، من خلال التهليل ، من خلال قراءة القرآن .
إذاً :
        
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾
 
المعصية حجاب وانقطاع في أثناء العبادة :
 
      الآن سأقف وقفة قليلة جداً ، أوضِّح هذا بمثل : عندك أجهزة كهربائيَّة كثيرة ؛ عندك المكواة ، وعندك البرَّاد ، وعندك المروحة ، وعندك المسجِّلة ، وعندك المكيف مثلاً ، وعندك هذه الثريات ، وعندك أجهزة كثيرة جداً ، كل هذه الأجهزة عبءٌ عليك إن لم تسرِ فيها الكهرباء ، أما إذا سَرَت الكهرباء فيها قطفت ثمارها جميعاً ، المروحة أدَّت وظيفتها ، والبَرَّاد أدَّى وظيفته ، والمدفأة أدَّت وظيفتها ، والمكواة أدَّت وظيفتها ، كل هذه الأجهزة الكهربائيَّة إن لم تسرِ فيها الكهرباء فهي عبءٌ على صاحبها ، أما إذا سرت فيها الكهرباء قطف ثمارها .
وهذا الشريط الكهربائي إذا كان متقطِّعاً ، فالكهرباء واقفة ، الكهرباء لا تسري إلا إذا كانت الدارة مغلقةً ، ما دام فيه قطع فالكهرباء واقفة ، معطَّلة ، وما دامت الكهرباء معطَّلة فكل هذه الأجهزة معطَّلة .
ولقد أردت منهذا المثل أن أوضِّح أنه : إذا أقام الإنسان على معصية ، وأصرَّ عليه صغيرةً أو كبيرة انقطع عن الله عزَّ وجل ، إذاً تصبح العبادات عبئاً عليه ، الصلاة ثقيلة ، والصيام ثقيل ، إن لم تستقم على أمر الله لا تذوق حلاوة الصلاة ، إن لم تبذل الغالي والرخيص لا تذوق حلاوةالصلاة ، إن لم تضبط جوارحك كلَّها على منهج الله لا تذوق حلاوة الصلاة ، فإذا أخذت من الدين بعضه ، واستمعت إلى بعض مجالس العلم ، ولم تكن منضبطاً كما أراد الله عزَّ وجال ، ربَّما وقفت في الصلاة لم تشعر بشيء ، ربَّما جاء رمضان وذهب رمضان ولم ، تشعر بشيء ، ربَّماذهبت إلى الحج وعدت من الحج ، ولم تشعر بشيء ، لا تشعر بالقرب إلا إذا دفعت ثمن القرب  ..
تعصي الإله و أنت تُظْهِرُ حبَّه    ذاك لعمري في المقالِ بديع
لو كان حبُّك صـادقاً لأطعته     إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ يطيعُ
***
والله أيها الإخوة الأكارم ، كلثمار الدين في طاعة الله ، كل ما في الدين من بهجة ، من نورانيَّة ، من شعور بالأمن ، من شعور بالقُرب ، من شعور بالتفوُّق ، من شعور بالفوز ، من شعور بالفلاح ، كل سكينة النفس في طاعة الله عزَّ وجل ، فهذا الذي يعصي الله لا يعرفه ، وحينما عصاه جعل بينه وبين ربِّه حجاباً ، والمعاصي بريد الكفر ، والذنوب تقطع الإنسان عن ربِّه .. اللهمَّ لا تقطعنا بقواطع الذنوب ..
      
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾
 
إن لم تصحَّ صلاة الإنسان يجب أن يقلق قلقاً كبيراً ، يجب أن يهتم ، لهذا كله كن مهتماً أيها الإنسان ، الآن ما الذي يهمَّ الإنسان  ؟ ما الذي يَقْلَقله ؟ ما الذي يجعله واجم الوجه ؟ ما الذي يجعله مُنقبض الصدر ؟ إن لم يُيَسَّر إلى عملٍ جيِّد ، إن لم يُوفَّق إلى زواج ، إن لم يشتر بيتاً ، ولكن المؤمن الصادق ينقبض ، ويقلق ، ويتألَّم ، ويحزن إن كانت صلاته جوفاء لا معنى لها ، لذلك :
 
 
] وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي[ .
( سورة طه 14)
الصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القُرُبات ، وغرَّة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ، والذي يذوق طعم القُرْبِ في الصلاة يعرف معاني هذه الكلمات ، كان عليه الصلاة والسلام كما تقول السيدة عائشةكان يحدِّثنا ونحدِّثه ، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا نعرفه ولا يعرفنا " ، أيْ أنه دخل في الصلاة .
عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ، قَالَتْ :
(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ )) .
[ البخاري ]
 
 تهيئة الظروف المناسبة للصلاة :
 
إذا أتقن الإنسان الصلوات الخمس فقط ؛ أي أتقن قيامها وركوعها وسجودها ، إذا صلاَّها وكان فارغ القلب ، لو كان منشغلاً ، وصلَّى تصبح الصلاة جوفاء ، كل وصل ، نم وصل ، انهَ عن هذا العمل وصل ، فمن أجل أن تكون الصلاة كما أراد الله عزَّ وجل يجب أن تهيِّئَ لها الظروف المناسبة .
فمن الظروف المناسبة أن تصلي ، وأنت خالي الذهن ، لو جاءتك رسالة فتحدِّثك نفسك : ماذا قال فيها ؟ هل فيها حوالة أم لا ؟ اقرأها ، ثم صل يا أخي ، لئلا تنشغل بها في الصلاة ، فدائماً فرِّغ قلبك للصلاة ، صلِّ في غرفةٍ هادئة ، هذا الذي يصلي وقلبه مشغولٌ بزيدٍ أو عُبيد ما ذاق طعم الصلاة ..
      
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾
 
الصفة الثانية : إيتاء الزكاة :
 
الزكاة إحسان إلى الخلق :
هذه الآية نزلت في مكَّة المكرَّمة قبل تشريع الزكاة ، إذاً الزكاة هنا بمعنى الإحسان ، أي أن الدين اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق ، هناك حركة نحو السماء وهي الصلاة ، وحركة نحو الأرض ، وهي الإحسان ، فإن لم يكن لك بالله صلة ، وإن لم يكن لك مع الناس إحسان ما عرفت معنى الدين ، الدين في جوهره اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق ، وفي بعض الآيات الكريمة أشار الله عزَّ وجل إلى هذا المعنى المُكَثَّف فقال :
 
] وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [ .
(سورة مريم31 )
 
       
﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾
 
الصفة الثالث : الإيمان باليوم الآخر :
 
1 – الموت دافع إلى الإحسان والعمل الصالح :
لكن ما الذي دفعهم إلى ذلك ؟ أن الحياة تنتهي بالموت ، وأن بعد الموت حياةً لا تنقضي  الحقيقة لا يمكن أن تستقيم على أمر الله ، ولا يمكن أن تندفع إلى باب الله إن لم تؤمن بالآخرة ، الدنيا زائلة ..
(( أتاني جبريل فقال : يا محمد ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس )) .
[ الجامع الصغير ]
2 – الحياة تنتهي بالموت :
الحياة تنتهي بالموت ، بعد الموت حياةٌ أبديَّة ، لذلك يقول الله عزَّ وجل في سورة الفجر متحدِّثاً عن هذا الإنسان الضائع :
 
]  يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [ .
(  سورة الفجر24 )
       أية حياةٍ هذه ؟ الحياة الأبديَّة ، لأن هذه الحياة التي نعيشها سمَّاها الله الحياة الدنيا ، دنياوليست عليا ، حياة إعدادٌ للحياة الأبديَّة ، تهيئةٌ للحياة الأبديَّة ، قال :
      
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
 
 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
 
1 – المهتدي فوق الهدى :
      وبيَّنت في دروسٍ سابقة كيف أن المهتدي فوق الهدى ، وأن الهدى في خدمة المُهتدي ، وأن الهدى جاء ليرفع المهتدي ، وأن الهدى  جاء ليكرِّم المهتدي ، وأن الهدى  جاء ليحفظ المهتدي ، فأنت كلَّما اتبعت الهدى كان هذا لصالحك ، كان هذا من أجلك ، كان هذا من أجل أن تكون في أعلى مكان ..
      
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى ﴾
 
2 – الضالّ منغمس في الضلال :
 
أما الكافر ..
 
 
 
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
( سورة الروم : من الآية 44 )
       وأما الضلال فاستخدم الله معه كلمةفي ..
 
]وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ .
( سورة سبأ )
المهتدي على الرغم من أنه يبدو أنه مقيّد بالشرع ، لكن هذا القيد هو الذي رفعه إلى أعلى عليين ، بينما الضال على الرغم من أنه يبدو للناس حراً في تصرُّفاته ، إنَّ هذه الحريَّة المزيَّفة تقوده إلى الحبس ، وإلى القيد ، وإلى الدخول في القهر ، والذل ، والهَوانِ ..
      
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
 
 الناس كلهم يسعون إلى الفلاح ، ويختلفون في حقيقته :
 
من منا لا يحبُّ أن يكون فالحاً ؟ شهد الله أنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى أن يكون من الفالحين ، ومن الفائزين ، ومن المتفوِّقين ، ومن الناجحين ، النجاح هدف كل إنسان ؛ ولكن المشكلة أن الإنسان إذا عميت بصيرته لا يعرف من أين النجاح ، يظنُّه من هذه الجهة ، وهو في هذه الجهة المعاكسة .
       
﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
 
الآن يقول الله عزَّ وجل :
 
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
 
﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾
 
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
 
1 – فائدة قرآنية : لا للتعميم :
هذه من للتبعيض ، أي بعض الناس ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي ﴾
 
2 – معنى الشراء :
         ما هو الشراء قبل كل شيء ؟ أنت حينما تشتري حاجةً وتعطي الثمن ، يجب أن تعلم علم اليقين أنه لو لم تكن هذه الحاجة أغلى عندك من هذا الثمن لما اشتريتها ، ففي نَفْس المشتري لا يمكن أن تشتري شيئاً إلا إذا رأيته أغلى من ثمنه عندك ، وأما البائع فلا يبيع شيئاً إلا إذا رأى ثمنه أغلى منه ، إن رأيت أن ثمنه كبير لا تشتريه ، لا تشتري إلا إذا رأيت أن هذا الشيء أغلى من هذه الأوراق التي تدفعها للبائع ، والبائع لا يبيع هذه السلعة إلا إذا رأى هذه الأوراق أغلى من هذه السلعة ، فعمليَّة الشراء في أساسها عملية مُبادلة ، تأخذ السلعة ، وتدفع النقد أو الثمن .
3 – المغبون مَن اشترى شيئا بثمن باهظ :
مثلاً : إذا دفع الإنسان ثمناً باهظاً ، وأخذ سلعةً سيئةً يشعر بالخسارة والندم ، يشعر بأنه مغبون ، يشعر بالضيق ، يتألَّم جداً ، إذا شعر أن هذه السلعة ليست كما يحب ، ليست كما يريد ، ليست من بلد المنشأ ، إنها مزوَّرة ، إنها صُنِعَت في بلدٍ آخر ، إنها غير جَيِّدَة ، إذاً : هو يرى أن الثمن الذي قدَّمه كبير جداً ، وأنها لا تستحقُّ هذا الثمن ، إذاً البيع والشراء عمليَّة مبادلة ، تأخذ شيئاً ، وتعطي شيئاً ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾
 
 
4 – الوقتُ أعظمُ رأس مال الإنسان :
       هو قدَّم وقته ، وأثمن ما تملكه أنت الوقت ، لأنك وقت ، إذا قدَّمت وقتك قدَّمت نفسك ، من أنت ؟ أنت بضعة أيام ، أبداً ، فكل إنسان حينما يموت هذا مات عن عمر سبعين عاماً ، وهذا مات عن ستين عاماً ، هذا مات عن خمسين عاماً ، هذا مات عن أربعين عاماً ، إذاً : الإنسان في حقيقته وقت ، مجموعة سنوات ، ومجموعة أشهر ، ومجموعة أسابيع ، ومجموعة أيام ، ومجموعة ساعات ، ومجموعة دقائق ، ومجموعة ثوانٍ ، حتى العظماء أحياناً يقولون لك : مات في الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين ، والثانية السابعة والخمسين ، وحينما ولد عُرِفَ متى ولد ، إذاً : عاش في هذه الدنيا كذا عام ، لذلك أثمن شيءٍ تملكه هو الوقت ، لأنك وقت ، ولأنك في حياة يُبْنى عليها ، إما في جنَّةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها .
        فمثلاً للتوضيح : أنت على طاولة الامتحان مدة ثلاث ساعات أو ساعتين كما في الجامعة الآن ، هذه الساعات ربَّما بني عليها مستقبلك ، فإذا كنت متمكِّنا من هذه المادَّة ، وكتبت كتابة جيدة ، الأوراق صُحِحَت ، نلت علامةً جيدة ، أصبحت طبيباً ، فتحت عيادةً ، جاءك الناس ، جاءك الدخل الوفير ، فتزوجت ، واشتريت بيتاً ، وعشت حياةً كريمةً ، مثلاً ، إذاً هذه الساعات الثلاث ، أو هاتان الساعتان اللتان كتبت فيهما ، بني عليهما أنك أصبحت طبيباً .
5 – الدنيا امتحان لحياةٍ أبديَّة :
لكن الدنيا كلُّها امتحان ، امتحان لحياةٍ أبديَّة ، وأخطر ما فيها الامتحان .. لو فرضنا أن طالباً أمضى هذه الساعات في التفكير فيما سيأكل غداً مثلاً ، هذا غير معقول ، فهذا وقت ثمين جداً ، لو أن قلمه تعطَّل تجد معه قلماً آخر ، أراد أن يُصْلِح هذا القلم ، فكَّه كله ، وطلب كأسا من الماء لكي يغسله ، هل معقول أن يصلِّح قلمه في أثناء الامتحان ؟ يستهلك نصف ساعة ، هذا غير معقول ، هل معقول أن يجري حساباته في أثناء الامتحان ؟ غير معقول ، هل معقول أن يفكر متأملاً حوالي نصف ساعة بلا سبب ؟ هذا الوقت محسوب عليه ، يجب أن تعلم علم اليقين أنك في امتحان ، وأن أخطر ما في الامتحان الوقت .
 
ما هو لهو الحديث ؟
 
النشاط الكلامي بأقسامه الثلاثة : المحرم والمباح والواجب :
فهذا الذي يشتري لهو الحديث ، اللهو هو أي شيءٍ شغلك عن العظيم فهو اللهو .
إذاً : عندنا معنى يشتري ، ومعنى الحديث هو الكلام ، الإنسان له نشاط كلامي ، أي أنه يتكلَّم ؛ حق ، باطل ، مِزاح ، كلام جاد ، كلام مفيد ، كلام مُمتع ، كلام غير ممتع ، كلام ضار ، يعصي الله بالكلام ، أحد أكبر نشاطات الإنسان هو الكلام ، قال أحد الصحابة الكرام :
((   يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) .
[ سنن الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]
يجب أن تعلم أن هذا اللسان حينما يتحرَّك ، ومارس نشاط الكلام ، هذا الكلام إما أن ترقى به إلى أعلى عليين ؛ وإما أن تهبط به إلى أسفل سافلين ، معاصي الكلام ؛ الغيبة ،  النميمة ، الإفك ، الافتراء ، الإيقاع بين الناس ، الإفساد ، إفساد العلاقات ، السخرية ، الاستهزاء ، الفُحش ، البذاءة ، الاحتقار كأن يحتقر إنساناً بكلمةٍ ، أو بنظرةٍ ، أو بعبارة ، أن يقلِّد إنساناً في حركاته ، وسكناته ، وأقواله ، وأفعاله .
وهناك كلام مباح ؛ ماذا أكلت اليوم ؟ وكيف كان الطعام ؟ ومن أين اشتريت هذه الخضار ؟ وكم دفعت ثمنها ؟ هؤلاء الأناس العاديون أحياناً يستهلكون أوقاتهم في كلامٍ لا معنى له ، والنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون ، دخل إلى المسجد فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله ، فهو سأل سؤال العارف فقال :
((من هذا ؟ " قالوا : " هذا نسَّابة " ، قال عليه الصلاة والسلام : " وما نسَّابة ؟ " فقالوا : " يعرف أنساب العرب " ، قال : " ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه ولا يضر من جهل به )) .
] ورد في الأثر ]
نحن إذا قسَّمنا النشاط الكلامي إلى أقسام ثلاثة ، نشاط محرَّم مثل : غيبة ، نميمة ، فساد، تفريق ، سخرية ، محاكاة ، استهزاء ، احتقار ، فُحش ، بذاءة ، ونشاط يرفعك إلى أعلى عليين مثل : ذكر الله ، تعريف الناس بالله ، الإرشاد ، الدلالة على الله ، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر ، وكلام ليس محرَّماً ، وليس مندوباً ، وليس عملاً صالحاً إنما هو مباح ؛ كالحديث عن الطعام والشراب ، وأشياء لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، فالإنسان إذا تكلَّم في الصِنْفِ الأول وقع في المعاصي ، وقع في الحُجًب ، وقع في الضلال ، وقع في البعد عن الله عزَّ وجل ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رُضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) .
[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]
أحياناً بكلمة يدفع الزوج إلى تطليق زوجته ، كلمة يجعل هذا الطفل مشرَّداً ، أحياناً زوجة الأب توغر صدر الأب على ابنه الذي ليس منها ، يطرده في ساعة غضب ، هذا الطفل يهيم على وجهه ، وقد ينحرف ، قد يرتكب السرقة ، قد يرتكب الفعل المنافي للحِشْمَة ، وقد يغيب عن البيت أياماً عديدة ، بسبب كلمة قالتها هذه المرأة لتشفي غليلها من ابن زوجها ، فوقف الأب موقفاً أحمق ، طرده من البيت ، فانحرف ، كلمةً .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) .
[ الترمذي]
ربَّما تكلَّم الإنسان بكلمة دفع صاحبها إلى جريمة قتل ، فلذلك هناك كلام يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين ، وهناك كلام يرفعك إلى أعلى عليين ، وهناك كلام مُباح ، ولكن علَّته أنه يستهلك الوقت ، كهذا الذي أراد أن يُصَلِّح قلمه أثناء الامتحان ، معه قلم ثانٍ ، أو أراد أن يعد دراهمه أو يجري حساباته أثناء الامتحان ، فيجب أن تترك الكلام المباح الذي لا طائل منه صوناً للوقت ..
((إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا : قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ )) .
[ من سنن الترمذي عن المغيرة بن شعبة]
((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس)) .
[الجامع الصغير عن أنس ]
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ )) .
[ من سنن الترمذي عن أبي هريرة ]
((إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها )) .
[ الجامع الصغير  عن الحسن بن علي ]
       فمن علامات الإيمان أن تنشغل بهمومٍ عُليا ، بهمومٍ مقدَّسة ، قال :
 
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾
 
 الشعر والفن غير الهادف من لهو الحديث :
 
الشعر غير الهادف من لهو الحديث :
جئت لا أعلم من أين ولـــكني أتيتُ
ولقد أبصرت قدَّامي طريقاً فمشيــت
أين كنت ؟ أين أصبحت ؟ لست أدري
و لماذا لست أدري ؟  لســت أدري
***
فما هذا الكلام ؟ ، هناك شعر في الهجاء ، وشعر في الرثاء ..
ولو أن النساء كمن فقدن       لفضِّلت النساء على الرجالِ
***
من هذه المرأة التي ما ذكرها التاريخ ؟ كلامٌ فيه مبالغة كبيرة جد ، فالشعر إن لم يكن ملتزماً بالدعوة إلى الله عزَّ وجل فهو من لهو الحديث .
 قصَّة ثمانمائة صفحة تمضي بها أسبوعاً أو أسبوعين ، مغزاها كلمتان ، هذا من لهو الحديث ، الأعمال القصصية ، الأعمال المسرحيَّة أحياناً ، إذا ما كان فيها مغزى كبير جداً فهي لهو ، طبعاً إذا قرأت قصَّة أو قصيدةً ، وشعرت أنها حرَّكت مشاعرك العُليا وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فنٍ رفيع  ، فإن لم تحرِّك إلا التافِهَ من مشاعرك والمبتذل من أحاسيسك فأنت أمام فنٍ رخيص .
 
 من أنواع لهو الحديث :
 
الفن الرخيص أن تقرأ شيئاً يحرِّك المشاعر البهيميَّة في الإنسان ، هذا من لهو الحديث ، شعر ، قصَّة ، سهرة ليس فيها شيء إلا حديث وغيبة ، ونميمة ، ومزاح رخيص ، وتعليقات لاذعة ، وتقليد ، ومحاكاة ، أنت أرقى من ذلك ، هذا لهو الحديث ، سواء كان كلامًا ، أو لقاء ، أو نزهة ، أو كان قراءة كتاب أو مجلَّة أو قصَّة ، كقراءة مجَلاَّت متعلِّقة بفلانة وفلان ، المجتمع المخملي مثلاً ، وماذا فعل فلان ؟ ومتى تزوَّجت فلانة ؟ ولماذا طُلِّقَت فلانة ؟ أين أنت ، أعندك وقتٌ لهذا ؟ هذا من لهو الحديث ، قال :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
 
 تفسير القرطبي للآية : لهو الحديث هو الغناء :
 
      الحقيقة الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ، أسهب في تفسير هذه الآية ، وأردت أن أنقل لكم شيئاً عن تفسير هذه الآية لهذا الإمام الجليل ، يقول :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾
 
" لهو الحديث : الغناء ، في قول ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهما " ، فلهو الحديث عند القُرطبي هو الغناء في قول ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهما ، قال : " وهو ممنوعٌ بالكتاب والسُنَّة " ، لأن الغناء يثيرُ الغرائز ، ويحرِّك الشهوات ، ويغري بالمعصية ، ويدفع إلى ما حرَّم الله عزَّ وجل ، ويعيش الإنسان في أجواء معيَّنة ، فالغناء ممنوعٌ بالكتاب والسنَّة .
 
 الآيات الدالة على تحريم الغناء :
 
وهذه الآية هي إحدى الآيات الثلاث التي استدلَّ بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه ..
الآية الأولى :
 
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾
 
الآية الثانية :
 
 
]وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [ .
( سورة النجم 61)
اسمدي لنا أي غني لنا .
أحياناً إذا الإنسان استغرق في الغناء أصبحت حياته كلها غناء ، وهو يعمل يسمع الأغنيات ، فتصدح في المحل التجاري ، وهو في المعمل تصدح الأغنيات ، وهو في مركبته يستحضر هذه الأشرطة ليسمع الغناء ، وهو في بيته،في كل حركاته وسكناته غارقٌ في الغناء .
الغناء والقرآن لا يلتقيان ، فإذا كانت حياتك غناءً فأنت بعيدٌ عن كتاب الله بُعْدَاً شديداً ، فلذلك الآية الثانية :
 
]   وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ[ .
( سورة النجم61 )
الآية الثالثة :
        والآية الثالثة التي استدلَّ بها العلماء على تحريم الغناء ..
 
]وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ[ .
( سورة الإسراء : من الآية 64 )
أحياناً يموت المُغني فيموت معه أناسٌ كثيرون ، هناك من ينتحر لموت بعض المُغَنِّين ، هناك من يزور قبره ، ومعه المسجِّلة ليسمع إلى أغنياته التي كان يَطْرَبُ لها،وقد يأتي علماء كبار ليعزّوا بوفاة بعض المغنيين أيضاً ، وهذه مشكلة كبيرة جداً ، على كُلٍ هذه الآيات الثلاث استدلَّ بها العلماء على تحريم الغناء
..
]وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ[ .
       قال مُجاهد : الغناء والمزامير ، حلف ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاثَ مرَّات على أن لهو الحديث هو الغناء ، هذا عندما سئل عن قوله تعالى :
       
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾
 
 أقوال الصحابة والسلف في هذه الآية :
 
1 – قول ابن مسعود :
 فقال : << الغناء والذي لا إله هو هو ، ردَّدها ثلاث مرات >> .
2 – قول ابن عمر :
عن ابن عمر قال : << إنه الغناء >> .
وبهذا قال عكرمةوميمون بن مهران ومكحول .
وعن ابن مسعودٍ أيضاً قال : الغناء ينبت النفاق في القلب .
أنا أنقل لكم ما في التفاسير ، هذا تفسير القرطبي ، وعنوان هذا التفسير " الجامع لأحكام القرآن " .
3 – قول مجاهد :
وقال مجاهد وزاد : " إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء ، وإلى مثله من الباطل " ، أي أنك جلست إلى كاهن .
طبعاً :
(( مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)) .
[ من سنن ابن ماجة عن أبي هريرة ]
        هذا إن صدقه ، أما إذا لم يصدقه ..
((من أتى ساحراً فلم يصَدِّقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ، ولا دُعاء أربعين ليلة )) .
[ورد في الأثر]
       لأن الاعتقاد بأن إنساناً يعلم الغيب هذا كفر ، لأنه رد لقوله تعالى :
 
]قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [ .
(سورة النمل : من الآية 65)
 
]عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا¯إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ[ .
(سورة الجن 27)
       حتى لو سألت : أخي انظر لي في الفنجان ، فيقول لك : والله سيأتيك مبلغ من المال ، أمامك مشكلة .
سيتزوجأحدهم من أقربائك ، خير إن شاء الله ، هذا لهو الحديث ، هذا كلام لا معنى له ، دائماً كن جادَّاً ، لك أن تلهو لهواً بريئاً ، إذا جلس الإنسان مع أهله ، وكان إذا دخل بيته كما كان النبي عليه الصلاة ، كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً ، لك أن تسأل ، أن تجيب ، أن تمزحمزاحاً بريئاً ، لك أن تستمتع بما أباح الله لك ، من دون أن تقع في معصية اللهو ، واللهو أن تنشغل بشيءٍ تافه عن شيءٍ ثمين ، أن تنشغل بالخسيس عن النفيس .
لو أن أحداً غاص في البحر ليأخذ اللؤلؤ ، فجاء بالأصداف ، وانشغل بها عن اللؤلؤ فهذا لهو ، فأي شيءٍ تفعله يتناقض مع هدفك الكبير هو لهو .
قال مجاهد : " إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل " .
أي قصَّة باطلة ، قصيدة باطلة ، عمل فني باطل لا يقدِّم شيئاً ، يستهلك الوقت من دون أن تستفيد منه ، أنت وقت ، أتُسْتَهْلَكَ هكذا بلا ثمن ؟
4 – قول مالك بن أنس :
وقال ابن القاسم : سألت الإمام مالك عن قوله تعالى :
 
]فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ[ .
(سورة يونس : من الآية 32)
        قال : لهو الحديث ..
 
]فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ[ .
الحق واحد ، الحق طريق مستقيم ، الحق خط مستقيم  بين نقطتين ، فأي انحرافٍ عن هذا الخط فهو باطل .
5 – قول البخاري :
الإمام البخاري في صحيحه عقد باباً سمَّاه : باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ، ومن قال لصاحبه : تعالَ أقامرك ، وقوله تعالى :
       
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ﴾
 
       قال : " إذا شغل عن طاعة الله " ، فهو مأخوذٌ ليضلَّ عن سبيل الله .
 
 سبب نزول الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
 
بعض علماء القرآن الكريم ، ولا سيما من تتبَّعوا أسباب النزول ، أَوْرَدَ في سبب نزول هذه الآية القصَّة التالية :
اشترى النضر بن الحارث كتب الأعاجم ، فكان يجلس بمكَّة ، فإذا قالت قريش : إن محمداً قال كذا ، ضحك منه ، وحدَّثهم بأحاديث ملوك الفرس ، ويقول : حديثي هذا أحسن من حديث محمَّد ، وقيل : كان يشتري المُغَنِّيَات ، فلا يظفر بأحدٍ يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينةٍ فيقول لها : أطعميه ، واسقيه ، وغني له ، ويقول : هذا خيرٌ مما يدعو إليه محمد من صلاةٍ وصيامٍ ، وأن تقاتل بين يديه .
هذه القصَّة أوردها بعض المفسِّرين في تفسير قوله تعالى :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
 
يدفع له مغنيةً ، يقول لها : أطعميه واسقيه ، وغني له .
إنّ الإنسان إما أنه مع عقله أو مع شهوته ، إما يسعى أنه لآخرته أو لدنياه ، فالسعيد من سعى لآخرته ، ومن كان مع ربِّه .
 
 أحاديث نبوية محذّرة من الغناء :
 
الحديث الأول :
يقول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أمامة :
((ما من رجلٍ يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما عن هذا المنكب ، والآخر على المنكب الآخر ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتَّى يكون هو الذي يسكت )) .
[ ورد في الأثر ]
لأن الغناء يتناقض مع الهدف الكبير من وجودك في هذه الدنيا .
الحديث الثاني :
ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :
(( أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ : فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ : فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ : فَبَكَى : فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَتَبْكِي ؟ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنْ الْبُكَاءِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ ، صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ، خَمْشِ وُجُوهٍ ، وَشَقِّ جُيُوبٍ ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ )) .
[ الترمذي ]
أي الغناء والمزامير في الأفراح وفي الأتراح ، هذان الصوتان ينهى عنهما النبي عليه الصلاة والسلام .
 
الحديث الثالث :
وفي حديثٍ آخر رواه الإمام جعفر بن محمد ، عن أبيه عن جدِّه ، عن عليٍّ رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلَّم :
((  بعثت بكسر المزامير)) .
[ كنز العمال ]
 
الصوت الحسن والتغني بالقرآن :
 
لكن سأقف وقفة قليلة ، ما من حاجة عند الإنسان إلى أن يستمع إلى شيء يطربه ، أنا أقسم لكم ، واسألوا أياَّ من تحبون ممن تثقون بحديثهم ، إن المؤمن ليطرب طرباً بالقرآن لا يصل إليه ذوَّاقو الغناء في العالَم ، حينما نهاك عن الغناء سمح لك أن تتغنَّى بالقرآن ، المؤمن إذا استمع إلى القرآن من صوتٍ شجي ، يفعل هذا الصوت مع هذا الكلام المقدَّس ، مع كلام خالق الكون في نفسه فعلاً لا يرقى إليه أي ذواقٍ للغناء ، فأحياناً مديح النبي ، أحياناً صوت المؤذِّن الشَجّي ، أحياناً ابتهالاتٌ يسمعها من أناسٍ وهبهم الله صوتاً رخيماً وشجياً ، مدائح نبويَّة ، فكل كلامٍ يرقى بك إلى الله إذا كان بصوتٍ حسنٍ وعذبٍ هذا شيءٌ مسموحٌ به ، فأنت حينما تترك الغناء خوفاً من الله عزَّ وجل ، هناك شيءٌ آخر يحلُّ محلَّه ، تطرب بالقرآن ، تطرب بمديح النبي العدنان ، تطرب بالابتهال إلى الله عزَّ وجل ، فما من شيءٍ أودعه الله في الإنسان إلا وجعل له قناةً نظيفةً يسري عبرها .
الحديث الرابع :
وفي حديُثٍ آخر :
((بُعِثْتُ بهدم المزامير والطبل )) .
الحديث الخامس :
        وروى الترمذي من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :
((إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ )) .
[من سنن الترمذي عن أنس بن أبي طالب]
 
الإنسان بين سكرة الأغاني وسعادة القرآن :
 
فبعضهم يقول : إنَّ كبار المغنين الذين أسكروا الناس بأغنياتهم هم سبب تخلُّفنا وسبب تقهقرنا ، هكذا قال بعضهم في أعقاب النكسات التي ألمَّت بأمَّتنا ، شعبٌ غارقٌ في الغناء ، غارقٌ فيما لا يرضي الله عزَّ وجل ، هذا كيف يتحرَّك إلى طاعة الله ؟ كيف يصدر منه الخير ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :
(( إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ .. فذكر منها.. وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ .. )) .
صار الغناء جزءً أساسياً من حياة الإنسان .
لآن إذا دخلت إلى المحلات التجاريَّة ، إلى المعامل ، أينما تحرَّكت تجد الأغاني تصدح بأعلى أصواتها ، حتَّى إذا سافرت لا تنجو من الغناء ، بمركبة عامَّة لا تنجو منها ، لكن لو أن الإنسان تعرَّف إلى الله عزَّ وجل يقشعرُّ جلده إذا تليت عليه آية ..
 
]وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً[ .
(سورة الأنفال : من الآية 2)
هكذا وعد الله ، الإنسان المؤمن يطرب أشدَّ الطرب ، يمر بسعادة نفسية لا يرقى إليها كل ذواقي الغناء في العالَم .
الحديث السادس :
وفي حديثٍ آخر رواه ابن المبارك عن أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام :
(( من جلس إلى قينةٍ يسمع منها صبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة قيل : وما الآنك ؟ قال : الرصاص المذاب )) .
[ ورد في الأثر ]
الحديث السابع :
        وفي حديثٍ قدسي أن الله تعالى يقول يوم القيامة :
(( أين عبادي الذين كانوا ينزِّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ؟ أحِلُّوهم رياض المِسك ، وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني )) .
[ ورد في الأثر ]
الحديث الثامن :
وفي روايةٍ أخرى يقول الله عزَّ وجل للملائكة :
(( اسمعوهم حمدي وشكري وثنائي ، وأخبروهم أن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)) .
 
بشرى للمغني التائب : مَن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرا منه :
 
        طبعاً الحياة ابتلاء ، ربَّما كان الغناء محبَّباً للنفس ، لكن المؤمن حينما يرجو ما عند الله ، ويترك ما يحبّ في سبيل الله ، فإن الله عزَّ وجل يعوِّضه خيرٌ منه ، لذلك :
(( ما كان الله ليعذِّب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله )) .
مهما كنت متعلِّقاً ، لذلك بعض كبار المغنِّين في العالَم ، حينما عرفوا الله عزَّ وجل ، أنفقوا كل ثرواتهم على شراء اسطواناتهم وإتلافها خوفاً من الله عزَّ وجل ، هناك مغنون كبار في إيطاليا لهم قصص شهيرة حينما دخل الإيمان في قلوبهم ندموا على فعلتهم ، هناك أناسٌ يعملون في حقول الفن ، حينما عرفوا الله عزَّ وجل ذاقوا من السعادة ما لا يعرفونها من قبل .
قرأت بعض المقالات عن أناس تابوا إلى الله ، وكانوا غارقين في المعاصي ، يصفون أحوالهم مع ربِّهم كما يصف العارفون بالله ، لذلك إذا دخل الإنسان في حضرة الله عزَّ وجل يذوب شوقاً وحبَّاً ، ويستنقع في الرحمة استنقاعاً ، فكبار المغنين أصبحوا من كبار المؤمنين  ، والشيء الذي يؤسَفُ له أن تجد بعض المنشدين ، أو بعض قرَّاء القرآن أصبحوا مغنين ، هذه الشيء نكسة خطيرة جداً ، أما العكس فشيءٌ طيِّب .
الحديث التاسع :
        وفي حديث أبي موسى الأشعري أنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :
(( من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة ، قيل : ومن الروحانيون يا رسول اللّه ؟ قال : قراء أهل الجنة )) .
[أجرخه الحكيم عن أبي موسى الأشعري ، وقال السيوطي : ضعيف]
        أخرج الترمذي ، وهذا الحديث في نوادر الأصول ، وفي كتاب التذكِرة :
(( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ )) .
[من سنن ابن ماجة عن ابن عبد الله بن الحسين ]
       وخمر الآخرة شيءٌ آخر ..
(( مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ )) .
[من صحيح البخاري عن ابن الزبير]
(( ومن مات وعنده جارية فلا تصلوا عليه )) .
[ورد في الأثر]
يقصد بالجارية هنا المغنية .
يقول لك : ترك أربعمئة وخمسين شريط غناء ، ماذا نفعل فيهم ؟ أتلفها كلها .. "" (( ومن مات وعنده جارية فلا تصلوا عليه )) .
        وقال الإمام القرطبي : " الاشتغال بالغناء على الدوام سفهٌ تُردُّ به الشهادة " ، لا تقبل شهادته ، إذاً :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا ﴾
 
هذه الهاء تعود على آيات الله ..
  
﴿ هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
 
  وعيد من يتخذ آيات الله هزوا :
 
هناك عذاب أليم ، وعذاب عظيم ، وعذاب مهين ، فالذي يتخذ لهو الحديث ليضلَّ الناس عن سبيل الله ، معنى هذا الإنسان مخلوق ليسير في سبيل الله ، فأي شيءٍ يعيقه عن سبيل الله ، أي شيءٍ يصرفه عن سبيل الله هو لهو .
ما هو اللهو ؟ أن تشتغل بالخسيس عن النفيس هذا هو اللهو ، فالإنسان له هدفٌ كبير نفيس ، فإذا اشتغل بالخسيس ، أمضى وقته في الخسيس ، استهلك وقته في الخسيس ، ضيَّع رأس ماله الكبير ، وهو حياته في الخسيس ، ونسي النفيس فقد انطبقت عليه هذه الآية :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ ﴾
 
إذاً يجب أن تكون في سبيل الله ، معنى السبيل الطريق ، أي أنت في الطريق الموصل إلى الله ، العقبات التي توضع في الطريق من قِبَلِ الناس يجب أن تتجاوزها ، يجب أن تقفز عليها ، لا ينبغي أن تكون هذه العقبة أمامك مانعاً ..
        
﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
 
الضلال مقرون بالجهل :
 
لأن الضلال معه جهل دائماً ، ليست هذه كما قال : قيد احترازي بل هذا قيد وصفي ، أي أن من خصائص الإضلال عن سبيل الله أن الجهل يرافقه دائماً ..
       
﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
 
       حينما كنَّا في الجامعة قرأنا عن شاعر أمضى حياته في الغَزَل ، ما مات إلا متسوِّلاً على أبواب المساجد ..
       
﴿  أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
 
حينما جعل من الشعر ، هذه الأداة البيانيَّة الرائعة ، جعل منها طريقاً للفسق والفجور ، ولدعوة الناس إلى الانحراف والمعصية فله عذابٌ مهين ، فإذا آتى الإنسان الله طلاقة لسان ، وقدرةً في الشعر ، يمكن أن تُستخْدَم في الحق ، وهؤلاء المغنين الكبار الذين ماتوا ، قرأت عن حياتهم كانوا في أول حياتهم قُرَّاء قرآن ، وكانوا مؤذنين ، فهذه الطاقة الفنيَّة التي يملكونها لو كانوا وظَّفوها في القرآن ، وفي دعوة الله عزَّ وجل لجمعوا بين الدنيا والآخرة ، ولكنَّهم آثروا الشهرة الزائفة على طاعة الله عزَّ وجل ..
       
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ﴾
 
   فائدة مهمة : لا يجتمع في قلب المؤمن غناء وقرآن :
  
هذا كلام واضح كالشمس ، لا يجتمع في جوف المؤمن غناءٌ وقرآن ، كلٌ أحدهما يطرد الآخر ، فالقرآن يطرد الغناء ، أو الغناء يطرد القرآن ، فإذا امتلأ جوف الإنسان غناءً لم يبقَ فيه مكان للقرآن ، تجده إذا أراد أن يستمع في الإذاعة إلى القرآن يقول لك : اقلب المحطَّة ، لا يتحمَّل ، يشعر بانقباض إذا سمع القرآن ، لأن جوفه ممتلئ غناءً ..
      
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ¯إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ¯خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
فمن أراد أن يتوسَّع في موضوع الغناء فليعد لتفسير القرطبي في تفسير هذه الآية :
 
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
 
 
والحمد لله رب العالمين
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب