سورة العنكبوت 029 - الدرس (13): تفسير الأيات (45 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة العنكبوت 029 - الدرس (13): تفسير الأيات (45 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج مع الغروب: مع الغروب - 03 - رمضان - 1442هـ           برنامج حق تلاوته: حق تلاوته - ح01 - الميم والنون المشددتان- 13 - 04 - 2021           برنامج دراما (فوق وروق): ح02 = روق و فوق = عادة ولا عبادة           برنامج تربية الأبناء: تربية الأبناء - 26 - الابناء في سن 19 20 21 - 3           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - مدرسة رمضان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0991 - سورة الشعراء 009 - 011         

الشيخ/

New Page 1

     سورة العنكبوت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة العنكبوت - (الآيات: 45 - 46)

21/02/2012 16:50:00

سورة العنكبوت (029)
 
الدرس (13)
 
تفسير الآيات: (45 ـ 46)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
    
        الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً  و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث عشر من سورة العنكبوت ، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى :
 
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
 
وَلَذِكْرُ اللهِ أكبَر
 
بقي من هذه الآية قوله تعالى :
 
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
 
 
معنى الذكر لغة واشتقاقه :
أيها الإخوة الأكارم ، الذكر ، والذكرى ، والتذكر ، من اشتقاق واحد ، تذكُّر الشيء أي أن تستعيده ، أن تستحضره ، والله سبحانه وتعالى يصف القرآن الكريم كله بأنه ذكرى ، قال تعالى :
 
﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾
[ سورة عبس ]
       معنى ذلك أن الإنسان فُطر على أن يعرف الله ، فطر على أن يستقيم على أمره ، فطر على أن يسعى للتقرب منه ، فطر على أنه لا يرتاح إلا بالإقبال عليه ، هذه فطرة الله عز وجل ، فالقرآن الكريم كله ، ودعوة الأنبياء كلها هي إنما قائمة على تذكير الإنسان بفطرته  ، وحينما يهتدي الإنسان إلى فطرته يسعد في الدنيا والآخرة ، لذلك يفيدنا في هذه الآية آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى :
 
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[ سورة الروم ]
 
الوجهة الخالصة والاستقامة التامة : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً :
 
أقم وجهك أي أن يقيم الإنسان وجهته الخالصة في استقامة تامة إلى الله ، وأن يقومها كلما انحرفت عن طريق معرفة الله أولاً ، وطاعته ثانياً ، والتقرب إليه ثالثاً ، إنه إن فعل هذا مائلاً إلى الله تاركاً كل ما سواه .
       إن أقمت وجهتك الخالصة إلى الله ، وقومتها كلما انحرفت في استقامة تامة إليه عن طريق  معرفته أولاً ، وطاعته ثانياً ، والتقرب إليه ثالثاً ، مائلاً إليه من كل قلبك ، تاركاً كل ما سواه ، إنك إن فعلت هذا لزمت فطرتك ، انسجمت مع فطرتك ، حققت فطرتك ، حققت وجودك ، وسلامة وجودك ، وكمال وجودك ، واستمرار وجودك ، هذا المخلوق لا يسعد إلا بالله ، آية دقيقة جداً :
 
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ﴾ .
      أحياناً يلقي الإنسان بصره إلى جهة ثابتة دليل الاهتمام البالغ ، إذا كنت تعبأ بشيء ، وتخاف أن ينفجر تبقى عينك على الساعة ،
 
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ .
أن تقيم وجهك لله في استقامة خالصة وتامة مائلاً إليه تاركاً كل ما سواه ، إن فعلت هذا فقد حققت فطرتك ، وحققت سر وجودك  وحققت سلامة وجودك ، وحققت كمال وجودك ، وحققت استمرار وجودك ، قال تعالى :
 
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ .
إن فعلت هذا فقد لزمت فطرة الله .
 
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .
       كلمات قليلة أنقلها لكم من كلمات بعض العارفين بالله : : في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله " .
مهما بالغت في طمأنينة قلبك عن طريق وفرة المال ، عن طريق مركزك القوي ، عن طريق تأمين كل حاجاتك ، ففي القلب شعث ، تفرق ، لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، لو جلست مع أصدقائك ، مع أقربائك ، مع محبيك ، لو جلست في مكان تحبه وفي زمان تحبه ، لكن في القلب وحشة لا يزيلها إلا الإنس بالله ، وفي القلب حزن لا يذهبه إلى السرور بمعرفة الله ، وفي القلب قلق لا يسكنه إلا الاجتماع على الله والفرار إليه ، وفي القلب نيران حسرة لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه والصبر على كل ذلك ، وفيه فاقة ـ يعني فقر ـ لا يسدها إلا محبته .
مهما حاولت ، كلمة أعرفها في الوقت المناسب ، إذا تقدم بك العمر ، والإنسان وصل إلى خريف العمر ، فإذا قال : والله لا شيء أجمل من معرفة الله ، ولا شيء أسعد من قربه ، ولا شيء أنفع من طاعته ، هذا الكلام إن عرفته في الوقت المناسب فأنت أسعد الناس ، أما إذا عرفته بعد فوات الأوان فهذه مشكلة ، البطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب .
إذاً حينما قال الله عز وجل :
 
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
إنك إن ذكرت الله حققت فطرتك ، إنك إن ذكرت الله اطمأننت إليه ، إنك إن ذكرت الله سعدت بقربه ، إنك إن ذكرت الله زال عنك الخوف ، والقلق  والحزن والضياع ، والتشتت ، والتبعثر ، والضيق ، والشعور بالوحشة ، والشعور بالفقر ، كل المشاعر المدمرة التي تحيل حياة الإنسان جحيماً إنها تذوب إذا عرفت الله عز وجل لذلك :
 
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
 
 تفصيلات : ذكر الله :
 
      الآن ندخل في تفصيلات معنى ذكر الله أكبر :
معنى الذكر :
أن حالة تصيب النفس هذه الحالة تحفظ النفس كلما يلقى إليها من معرفة ، فالإنسان إما أن يكون في حالة ذكر أو حالة نسيان .
الذكر يشبه الحفظ ، لكن الحفظ حيازة ، والذكر استحضار ، والذكر نوعان ، ذكر عن نسيان وذكر عن حضور ، فلان يذكر إما أنه ذكر بعد أن نسي وإما أنه دائم الحضور .
 
 أنواع الذكر : ذكر بالقلب وذكر باللسان :
       
يا أيها الإخوة الأكارم ، والذكر نوعان أيضاً ، ذكر لسان وذكر قلب ، وربما كان ذكر القلب هو المعني ، وهو المقصود ، قال الله سبحانه وتعالى :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ¯وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ¯  هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾
(سورة الأحزاب )
أيضاً هذه الآية تلقي ضوءاً كاشفاً على قوله تعالى :
 
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
، فإن أرقى أنواع التفسير أن تفسر القرآن بالقرآن .
 
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا¯وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴾ .
إن فعلتم ذلك .
 
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ .
أيها الإخوة الأكارم، اقتدوا بسيدنا سعد بن أبي وقاص الذي كان يقول : << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذَكَرٌ ، لا ، قال تعالى :
 
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾
 
[ سورة النور ]
تعني أبطالا ، كلمة رجل ، قال تعالى :
 
 
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[ سورة الأحزاب ]
     يقول سيدنا سعد : << ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفي ما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى >> .
هذا الكلام كلام النبي حق من الله تعالى ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام في شأن الذكر ؟
 
  أحاديث فس فضل الذكر :
 
الحديث الأول :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ، قَالُوا : وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : حِلَقُ الذِّكْرِ )) .
[ أحمد ]
      هذا المجلس إن شاء الله تعالى من حلق الذكر ، نذكر فيه الله تعالى ، حلق الذكر المكان الذي يذكر فيه الله خالصاً لوجهه ، هذا الحديث الشريف رواه البيهقي .
الحديث الثاني :
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ ، تَامَّةٍ )) .
[ الترمذي ]
إذاً : أن تذكر الله عز وجل ذكراً خفياً عقب صلاة الفجر ، وأن تصلي ركعتين الضحى ، كانت لك هذه الصلاة ، وهذا الذكر ، وتلك صلاة الضحى كأجر حجة وعمرة ، تامة ، تامة ، تامة ، هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي .
الحديث الثالث :
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى )) .
[ ابن ماجة ـ أحمد ـ مالك ]
أن تذكر الله عز وجل هذا الحديث أيضاً رواه الإمام أحمد في مسنده.
الحديث الرابع :
 
روى البخاري مسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ )) .
[مسلم]
قال تعالى :
 
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[ سورة النحل ]
 
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[ سورة فاطر ]
ليس مـن مات فـاســـتراح    بميت إنما الميت ميت الأحياء
***
     << يا كميل ، مات خُزان المال ، وهم أحياء ـ وهم في أوج حياتهم ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر >>
إذاً : الذي يذكر ربه ، والذي لا يذكر ربه كالحي والميت .
أصحاب النبي عليهم رضوان الله سألوا النبي عليه الصلاة السلام : أي جلساءنا خير ؟ نجلس مع من ، نلتقي مع من ، نخاطب من  نصاحب من ، نحب من ـ فقال عليه الصلاة والسلام :(( من ذكركم الله رؤيته ، يعني إذا رأيتموه تذكرتم ربكم )) .
هناك إنسان إذا رأيته تذكرت الدنيا ، إذا رأيته تذكرت الشهوات ، إذا رأيته تذكرت الموبقات ، وأما الذي يجب أن تجلسْ معه هو من ذكركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، يعطيك حجة قوية ، يحاصرك ، فإذا كنت مضطرًا أن تسير في طريق الإيمان ، وذكركم في الآخرة عمله ، هناك من يدعو إلى الزهد ، وليس زاهداً ، هناك من ترى عمله مخالفاً لقوله ، عمله في وادٍ ، وقوله في واد ، فهذا الذي ذكّركم الله رؤيته ، وزاد في عملكم منطقه ، وذكركم في الآخرة عمله هذا اجلسوا إليه وصاحبوه .
فالمؤمن عليه أن يختار مؤمناً يصحبه ، أن يختار أخاً في الله يتصل به يمحضه وده ، يمحضه محبته ، لا أن يوزع قلبه بين أناس غافلين ، قال تعالى :
 
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[ سورة الكهف ]
       الإمام مسلم في صحيحه يروي من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله في كل أحيانه في السراء وفي الضراء ، في إقبال الدنيا ، في إدبار الدنيا ، في الشدائد ، في الرخاء ، في الصحة ، في المرض ، في الليل ، في النهار في السفر ، في الحضر ، في الأزمات ، في حالات الراحة  النبي عليه الصلاة السلام كان يذكر الله في كل أحيانه ، وإن الله أمر المؤمنين ما أمر به المرسلين .
ويقول عليه الصلاة والسلام :
الحديث الخامس :
عَنْ سَعْدِ ابْن مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي )) .
[ أحمد ]
وهذا من تمام الأدب مع الله عز وجل ، ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن من الناس مفاتيح لذكر الله تعالى إذا رأوا ذُكر الله بهم )) .
 
الحديث السادس :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً )) .
[ الترمذي ـ أحمد ]
وفي رواية ثانية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ فَتَفَرَّقُوا ، وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا كَانَ مَجْلِسُهُمْ تِرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
[ الترمذي ـ أبو داود ]
وفي رواية ثالثة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
[ أحمد ]
أن تجلس مجلساً لا تذكر الله فيه .
الآن نعود إلى قوله تعالى :
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
أيها الإخوة الأكارم ، آية دقيقة جداً هذه تمهيدات لهذه الآية ، يقول الله عز وجل :
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
 
 معنى : ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَر
 
المعنى الأول :
يقول بعض العلماء : ذكر الله أكبر ما في الصلاة ، لقوله تعالى :
 
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[ سورة طه ]
هدف الصلاة أن تذكر الله ، فهل أن تذكره بلسانك أم بقلبك ؟ بلسانك وبقلبك ، إن ذكرته بلسانك ، ولم يكن الذكر في قلبك فهذا الذكر الظاهري لا يكفي ، المعول عليه هو القلب ، والقلب مفتاحه اللسان ، لذلك قال تعالى :
﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾ .
[ سورة طه ]
       المعنى الأول : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ، أي أكبر ما في الصلاة كلها .
المعنى الثاني :
الآن عندنا معنى آخر ، يا ترى ذكر الله للعبد أم ذكر العبد لربه ؟ القرآن حمال أوجه .
 
المعنى الأول : ذكر الله لعبده ، والدليل ، قال تعالى :
 
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[ سورة البقرة ]
 
يـنادى لـه فـي الكـون أنّا نحـبه    فيسمع من في الكون أمر محبنا
***
 
        المعنى الأول : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ لعباده إذا ذكروه أكبر ، من ذكرهم له تَذْكُره ويذكرك ، إن ذكرك الله عز وجل ذكره أكبر من ذكرك له ، إذا ذكرته فأنت مفتقر إليه ، لكن إذا ذكرك أغناك ، إذا ذكرك رحمك ، إذا ذكرك أسعدك ، إذا ذكرك حفظك ، إذا ذكرك وفقك ، إذا ذكرك يسر لك الأمر ، إذا ذكرك قربك ، فرق كبير جداً بين أن تذكره ، وبين أن يذكرك ، الله سبحانه وتعالى هكذا يقول :
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .
       ما ذكرني عبدي في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منه ، لذلك يقول العلماء : ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لربه ، هذا المعنى ، ذكر الله للعبد أكبر من صلاته كلها ، هو قطع عمله ، وتوجه إلى المسجد ، وتوضأ ، وصلى ، إذا ذكرك الله ذكراً فهو خير من كل صلاتك  ، مهما قلت : أنا بذلت ، وتوضأت ، وصليت ، وأغلقت محلي التجاري ، إياك أن تمن على الله ، لأن ذكر الله لك أكبر من كل صلاتك ، بل إن ذكر الله لك أكبر من كل عملك ، هكذا جاء في بعض التفاسير .
      المعنى الأول : ولذكر الله ما في الصلاة .
 
المعنى الثاني :
ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لربه ، ذكر الله للعبد أكبر من صلاته ، ذكر الله للعبد أكبر من كل عمله ، إذاً أنت لا بعملك ، ولكن بفضل الله عز وجل .
المعنى الثالث :
هناك معنى كان يجب أن أقوله في أول المعاني ، وهو أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول :
 
﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
        أكبر من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر فهذا شيء سلبي ، هذا المصلي لا يفعل المنكر ولا الفحشاء ، هل هذه هي كل الصلاة ؟ لا ، ذكر الله أكبر من أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر ، إنها في حدودها الدنيا ، إنها في بداياتها ، إنها في حدها الأدنى تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولكن في حدها الأعلى ولذكر الله أكبر ، كأنك إذا انتهيت عن الفحشاء والمنكر فهي حالة التخلية ، فإذا ذكرت الله عز وجل فهي حالة التحلية ، فلا ينبغي أن تكون الصلاة فقط تنهى عن الفحشاء والمنكر ، بل هي أعظم من ذلك ، النهي عن الفحشاء والمنكر شيء سلبي ، هذا المصلي لا يكذب ، لا يسرق ، لا يزني ، لا يقتل ، لا يفحش في الكلام ، ولكن هذه الصلاة يجب أن تسمو في الإنسان ، ترقى به إلى الله عز وجل .
المعنى الأولي المأخوذ من قوله تعالى :
 
] إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [.
أكبر من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر .
المعنى الرابع :
 
 
]       وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .
 
ذكر العبد لربه أكبر من كل ما في الصلاة ، أكبر من أركان الصلاة ، أكبر من كل طاعاته ، لأن الأعمال الصالحة كلها من أجل أن تصلي ، لأن العبادة كلها من أجل أن تصلي ، لأن الحج من أجل أن تصلي ، لأن الصوم من أجل أن تصلي ، لأن الزكاة من أجل أن تصلي ، ذكر العبد لربه أكبر من كل أركان الصلاة ، من وقوف ، وركوع ، وسجود ، وقراءةٍ ، إلى آخره ، ذكر العبد لربه أكبر من كل الصلاة ، أكبر من كل طاعته ، من كل أعماله لأنها الهدف ، الهدف أن تسعد بالله عز وجل .
المعنى الخامس :
بعضهم قال :
 
]وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .
الصلاةُ ذكر ، والحقيقة أن فيها أذكارا قولية ، الله أكبر ، سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك :
 
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ¯الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ¯الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ¯مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ¯إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ¯اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ¯صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الفاتحة ]
هذا ذكر لله عز وجل ، قال تعالى :
 
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[ سورة الزمر ]
       الله أكبر ، سبحان ربي العظيم ، ففي الصلاة فيها أذكار قولية ، ولكن هذه الأذكار القولية قصدُها وهدفها أن يصل هذا الذكر إلى القلب ، اللسان يفنى ، أما القلب فيبقى ، يقول تعالى :
 
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ¯إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[ سورة الشعراء ]
      فكلما انتقلت هذه الأذكار من اللسان إلى الجَنان فقد أفلحت ونجوت .
المعنى السادس :
شيء آخر ، الصلاة ذكر بمعنى ، أنك إذا صليت فأنت ذاكر لربك .
قد تجلس مع إنسان تراه نسي الصلاة ، هو يصلي ، لكن إذا وجد حديث مُمتع ، أو كان في قضية ، أو حل مشكلة ، أو اجتماع ينسى الصلاة ، لمجرد أن تنسى الصلاة فأنت ضعيف الاهتمام بربك ، لكن الإنسان إذا بادر إلى الصلاة في وقتها ، ولم تشغله أعماله عن صلاته ، فمجرد أن تأتي الصلاة فأنت ذاكر لله عز وجل ، ] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[ ز
إذا أردت أن تفعل شيئاً ، أن تنجز عملاً ، أن تكتب رسالة ، أن تعقد اجتماعاً ، أن تجري محاسبةً ، فلا تنسَ أن ذكر الله أكبر ، فإذا شغلت بهذا العمل ، وسهوت ، وتفاعلت مع هذا العمل ، ونسيت الصلاة ، لم يعد عندك ذكر الله أكبر ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول :
(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ )) .
[ البخاري ]
من شدة تعظيمه للصلاة .
 
] وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .
 
 علاقة الآية : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ بختامها : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
 
لكن لو تساءلتَ أيها الأخ الكريم : ما علاقة قول الله عز وجل :
 
] وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[ .
      ما من كلمة مناسبة لهذه الآية من قول الله عز وجل :
 
] وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  [
 يعني يا عبدي ، إنني أرى عملك ، فإن كان عملك صالحاً أعانك على أن تذكرني ، وإن ذكرتني ذكرتك ، وإن كان عملك سيئاً حجبك عن أن تذكرني ، وإن لم تذكرني لا أذكرك .
إذاً : أن يأتي الله عز وجل بقوله :
 
] يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ .
        شيء مهم جداً ، يعني أن عملك أيها العبد هو سبب صلاتك ، وعملك سبب حجابك ، إن كان عملك كريماً أْكَرمَك ، وإن كان لئيماً أَسْلمك ، فانظر إلى عملك .
كل إنسان بإمكانه أن يدخل إلى قاعة الامتحان ، ويجلس على كرسي ، وأن يمسك بقلم وأمامه ورقة ، أما إذا لم يكن قد درس ، فما قيمة هذا الجلوس ؟ وما قيمة هذه الأقلام ؟ وما قيمة هذه الأوراق والمسودات ؟ فالقضية قضية عمل ، فمن كان عمله طيباً رأى أن الطريق إلى الله سالك ، وأن إقباله على الله سهل ، وأن اتصاله بالله محقق ، وأنه يكتشف أن الصلاة أسعد ما في الحياة ، ومن كان عمله سيئاً ، من ظلم الناس ، واعتدى عليهم ، وأكل أموالهم ، وغشهم ، واحتال عليهم ، واستعلى عليهم ، وأهانهم ، إن هذا الإنسان لا يستطيع أن يذكر الله عز وجل ، فلذلك إذا أردت أن تقيم الصلاة فافحص عملك  .
 
  الإعداد لكل صلاة بالاستقامة الكاملة :
 
يجب أن تَعدّ للصلاة بعد أن تنتهي منها ، تعد للصلاة القادمة ، فمن صلاة الفجر وحتى صلاة الظهر يجب أن تعد لصلاة الظهر ، تعد بغض البصر ، تُعد بالصدق ، تعد باستقامة اللسان ، تعد بضبط الجوارح ، تعد بأن لا تقع في غيبة ، ولا نميمة ، ولا بهتان ، ولا فحش ، ولا كذب ، ولا تدليس ، ولا كبر ، ولا استعلاء ، ولا طغيان ، ولا عدوان ، ولا مجاوزة ، ولا احتقار  ولا سخرية ، هكذا ، مادام هناك ضبط للجوارح ، واللسان ، للقلب ، إذا أذن الظهر فقد أقمت الصلاة ، هذه الساعات الطويلة التي أمضيتها في طاعة الله وخدمة خلقه تعينك على أن تصلي.
أذن الظهر ، وصليت الظهر ، الآن تهيئ نفسك لصلاة العصر عن طريق الضبط والخدمة ، والعمل الصالح ، لذلك ما من كلمة أروع من أن تكون ذيلاً لهذه الآية من كلمة :
 
] وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ .
الله عز وجل يرى ، وإنك ـ أيها العبد ـ مكشوف أمامه ، قال تعالى :
 
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾
[ سورة القيامة ]
       إنك مكشوف أمام نفسك ، فكيف أمام الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما خفي عنك ، يعلم السر ، ويعلم ما يخفى عنك ؟
أيها الإخوة الأكارم ، الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، وكل ثمار الدين تجنونها في الصلاة .
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ : مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ : لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( يَا بِلَالُ ، أَقِمْ الصَّلَاةَ ، أَرِحْنَا بِهَا )) .
[ أبو داود ، أحمد ]
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ )) .
[ النسائي ]
 
 في الصلاة اشتقاقُ مسحةٍ من الجمال الإلهي :
 
إنّ التفاحة مخلوقة ، أعطاها الله شيئا من جماله ، طعمها خاص ، إذا تناولت ما لذ من الطعام والشراب فهذا اتصال ، حينما تبلع هذه اللقمة ما الذي يحصل ؟ يدفع اللسان هذه اللقمة إلى سقف الحلق ، هناك أعصاب الذوق والحس ، تشعر بالطعم حينما تحاول أن تبتلع هذه اللقمة ، هذا اتصال ، إذا ألقيت نظرةً على مكان جميل تشعر براحة ، إذا ألقيت نظرةً على جبل أخضر ، أو على بحر أزرق ، أو على طفل وديع ، أو على شيء نفيس ، هناك تناسق بالألوان ، تشعر بشيء من السرور والراحة ، فما قولك إذا وقفت بين يدي الله عز وجل ، إنك تتصل بمنبع الجمال ، بأصل الجمال ، كل ما في الكون من جمال هو مسحة من جمال الله عز وجل ، فلذلك الصلاة هي القصد ، قال تعالى :
 
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[ سورة الذاريات ]
حالة الاستغراق في الله ، الاستغراق في محبته ، في الإقبال عليه ، وفي القرب منه ، قال تعالى :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ¯فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
لذلك قال تعالى :
 
 
] وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ .
         أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر ، أن تنتهي بها عن الفحشاء والمنكر شيء سلبي ، آثار سلبية ، أما آثارها الإيجابية فإذا ذكرت الله ذكرك الله عز وجل ، وإذا ذكرك الله أنعم عليك ، وأمدك بمدد منه ، وحفظك ، ووفقك ، ورفع شأنك ، وأسعدك ، وقربك ، وأكرمك .
 
] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ .
[ سورة البقرة ]
وإذا ذَكَرك الله عز وجل فذِكْره لك خير من كل عملك ، من كل صلاتك ، من كل طاعتك ، أما أنت إذا ذكرته ، ذكرك له في الصلاة خير من كل أركان الصلاة ، ماذا يعني أن تقف ، وأن تركع ، وأن تسجد ، وأنت غافل وساهٍ ، فلذلك ذكر العبد لربه في الصلاة أهم ما في الصلاة ، أكبر ما في الصلاة ، أبرز ما في الصلاة ، خير ما في الصلاة .
 
 آية عظيمة في الذكر :
 
وآيات الذكر كثيرة جداً من أبرزها :
 
 
] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا¯وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا¯هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [ .
الحكمة من إفراد النور وجمع الظلمات :
       النور مفرد ، أما الظلمات فجمع ، لماذا ؟ الظلمات رمز الباطل والباطل متعدد والنور رمز الحق والحق واحد لا يتعدد ، لذلك الحق يجمع والباطل يفرق ، الحق واحد ، كل من سار في هذا الطريق التقى مع أخيه ، أما الباطل فمتعدد ، قال تعالى :
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[ سورة الحشر ]
فمن ثمار الصلاة أن الله سبحانه وتعالى قال :
 
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[ سورة الأحزاب ]
 
﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾
[ سورة إبراهيم ]
 
 من أساليب الدعوة إلى الله : وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
 
ثم يقول الله عز وجل :
 
] وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ .
[ سورة العنكبوت ]
        حينما قال الله عز وجل : يا محمد اتْلُ ما أوحي إليك من الكتاب ، هذا الكتاب اتله على الناس ، ولكن إياك أن تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، فالدعوة إلى الله ليس من أهدافها الخصومات والمشاحنات ، وكسر الرأس ، وإقامة الحجة ، والتحطيم لا ، كلما كنت أقرب إلى الله عز وجل سموت عن هذا المستوى ، مع أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام فقال له :
 
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ¯وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[ سورة العنكبوت ]
معنى : أَحْسَنُ :
أحسن اسم تفضيل ، فإذا كان هناك عشر عبارات حسنة فيجب أن تختار الأحسن ، إذا كان هناك أساليب كثيرة كلها حسنة يجب أن تختار الأحسن .
 
] وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ .
[ سورة العنكبوت ]
 
 هدف الدعوة هداية الناس لا الاستعلاء عليهم :
 
      ليس هدفك أن تقيم عليه الحجة ، أن تحقره ، أن تصغره  أن تسحقه ، أن تنتصر عليه ، أن تستعلي عليه ، لا ليس هذا من أهداف المؤمن ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أدبه الله عز وجل قال تعالى :
 
﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة سبأ ]
      من يصدق هذا الكلام ؟ كلام الله ، يا محمد ، قل لهم : ]وَلاَ تُسْأَلُونَ [ ، تطييباً لقلوبهم ، إن ظننتم أن عملي في الدعوة إلى الله جريمة إنكم لن تُسألوا عن ذلك ، وأنتم في معارضتكم ، وفي إطفائكم للحق ، الله عز وجل علم النبي أن يسميه عملاً ، قال تعالى :
 
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة سبأ ]
الحق إما معنا أو معكم ، ونحن إما على خطأ أو على صواب ، هذه تسوية كاملة ، وهذا من أدب المناقشة ، لذلك الله عز وجل يقول :
 
﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
[ سورة النحل ]
       إن دعوت إلى الله ، إن دعوت إخوانك ، أصدقاءك ، أصحابك ، تلامذتك ، هناك محبة ، وثقة ، ومودة ، ورحمة ، بالموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، أما إذا جادلت هذا الشخص الخصم ، هذا الشخص المعارِض ، فهذا الشخص عنده حساسية بالغة ، هذا الشخص ينبغي أن ترحمه ، أن تتلطف معه ، لا أن تستعلي عليه ، ]وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ .
كأن الله سبحانه وتعالى يعلمنا طريق عرض الحق ، لا تكن عنيفاً ، الله سبحانه وتعالى يقول للنبي عليه الصلاة والسلام :
 
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
 
[ سورة آل عمران ]
 
  هذا حقُّ النبي فكيف بمن هو دونه !!!
 
[        وأنت رسول ، وأنت نبي ، وأنت يوحى إليك ، وأنت المعصوم ، وأنت سيد ولد آدم ، لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فكيف إذا لم تكن نبياً ، ولا رسولاً ، ولا يوحى إليك ، ولا معصوماً ، بل كنت إنسانا عاديا ، إذا كان النبي على كماله ، وعلى رفعة شأنه ، وعلى عصمته ، وعلى انفراده بالمقام العالي ، وعلى أنه يوحى إليه مأمور أن يكون لطيفاً مع أصحابه ، ]وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فكيف إذا دعا إلى الله إنسان عادي فهذا يجب أن يضاعف من المودة والرحمة والتواضع كي يجذب قلوب الناس إليه .
 
﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
إذاً : كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف )) .
[ ورد في الأثر ]
قد قلت لكم في درس سابق : قال تعالى :
 
 
] رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ  [.
[ سورة النمل ]
يجب أن تعمل صالحاً لا وفق مزاجك ، ولا وفق اجتهادك ، ولكن وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى .
إن شاء الله تعالى في درس قادم نصل إلى الآيات التالية ، وهي قوله تعالى :
 
﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ¯وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمّياً ؟ وما الحكمة من ذلك ؟ وما كان يضره لو كان متعلماً يقرأ ويكتب ؟ وماذا كان ينتج عن ذلك ، هذا موضوع دقيق جداً ، أمّيّة النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا إن شاء الله تعالى ندرسه في درس قادم .
 
والحمد الله رب العالمين
 
 



جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب