سورة العنكبوت 029 - الدرس (11): تفسير الأيات (41 – 44)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة العنكبوت 029 - الدرس (11): تفسير الأيات (41 – 44)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج على رواء: على رواء ح94 - 15 - 04 - 2019 - نظرة الغرب للمسلمين           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 247- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - ليلة النصف من شعبان           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0266 - سورة الاعراف 082 - 085           برنامج كوني مريمية:  كوني مريمية - 11 - سر الصيام           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 246- اسم الله القاهر 1         

New Page 1

     سورة العنكبوت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة العنكبوت - (الآيات: 41 - 44)

18/02/2012 17:06:00

سورة العنكبوت (029)
 
الدرس (11)
 
تفسير الآيات: (41 ـ 44)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
    
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً  وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
      أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي عشر من سورة العنكبوت ، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى :
 
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
 
 خلق الإنسان ضعيفاً لمصلحته
 
   بينت لكم في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل وتوفيقه أن الإنسان خلق ضعيفاً ، هكذا أراد الله عز وجل أن يكون الإنسان وضعفه لمصلحته ، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه إلى الله ، فيسعد بافتقاره ، ولو أنه خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، خلقه ضعيفاً ، ومن شأن الضعيف أنه يحتاج إلى ركن ركين ، يحتاج إلى قوة يلتجئ إليها ، إلى قوة يحتمي بها ، إلى قوة يستعيذ بها ، إلى قوة تكون سنده وعونه في متاعب الحياة ، ما الذي يحصل ؟ بدل أن يلتجئ الإنسان إلى خالق الكون ، إلى المربي ، إلى المسير ، إلى الذي معك أينما كنت ، إلى الذي يعلم سرك ونجواك ، إلى الذي بيده كل شيء ، قال تعالى :
 
﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
 
[ سورة هود ، من آية " 56 " ]
 
مِن جهلِ الإنسان لجوءه إلى إنسان ضعيف مثله :
 
   الإنسان في جهله وضلاله بدل أن يلتجئ إلى خالق الكون إلى مربيه ، إلى مسيره ، إلى صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى  إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض ، إلى من بيده كل شيء إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ، إلى من يسمع سره ونجواه ، إلى الحكيم العليم ، إلى الغني القدير ، إلى صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى ، اتجه الإنسان إلى غير الله عز وجل ، بحسب رؤيته غير الصحيحة رأى أن المال قوة فانكب على المال يسعى في جمعه وادخاره ، وشعر أن المال قوة ، وأنه يعصمه من كل البلايا والمحن ، فالذي يركن إلى المال ، ويعتمد عليه ، ويلوذ به ، ويراه حصناً له من كل مكروه إنسان جاهل ، والعوام يقولون : الدراهم مراهم ، وهذا النظر ، وهذا الفكر فيه إشراك بالله عز وجل ، قد يكتشف الإنسان إن عاجلاً أو أجلاً أن المال ليس كل شيء ، بل هو شيء ، بل إن من مصائب الدنيا ما لا يستطيع المال أن يفعل بها شيئاً ، لو أن هناك مرضاً عضالاً أصاب الإنسان ماذا يفعل المال ؟
 
المعنى الواسع لقوله : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء
 
إذاً المعنى الواسع لقوله تعالى :
 
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
 
 
المال لا يحلُّ جميع المشكلات :
      بالمعنى الواسع : إذا ركنت إلى المال ، واتخذته ولياً ، وظننت أن المال يحل كل مشكلة ، وأنه عز في الدنيا ، وأنه يفعل المستحيل ، وأنه يذلل العقبات فقد وقعت في فخ الشرك ، وعلاج هذا الإنسان أن يأتيه شيء لا يستطيع المال أن يفعل شيئاً .
      كنت عند طبيب ، جاءته مكالمة هاتفية لذوي مريض ، سمعت بأذني لشدة ارتفاع الصوت : أن يا طبيب ، المبلغ الذي يحتاجه ندفعه في أي مكان في العالم ، قال : لا والله ، هذا الشيء ليس له حل ، المرض مستفحل ، وفي الدرجة الخامسة ، ولو ذهبتم به إلى أي بلد في العالم فالنتيجة معروفة كما هي هنا .
      أدركت أن المال في بعض الحالات لا يفعل شيئاً ، فمن اعتمد على المال كمن اتخذ بيت العنكبوت بيتاً له ، مع أن بيت العنكبوت كما قلنا في الدرس الماضي لا يقي حراً ، ولا يقي قراً ، ولا يدفع عدواً ، هناك مجموعة خيوط ليس غير ، إذاً لنعد المال القوة التي يراها معظم الناس قوةً قوية ، فإذا رضي الله عنك ، وحفظك من كل مكروه تسعد في الدنيا ، ولا تسعد بكثرة مالك ، لا يمنعك من الله إلا أن تكون في رضاه ، فإن لم تكن في رضاه ومعك مالٌ كثير هناك مجموعة كبيرة جداً من المشكلات والأمراض لا يحلها المال ، يحلها حفظ الله وتوفيقه ، لذلك الذي يعتمد على ماله فقط ، ويستغني عن الله كمن يتخذ بيت العنكبوت مأوىً له .
 
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
       ربنا عز وجل تشاء حكمته أن يعالج هذا الذي اعتمد على المال بطريقة دقيقة ، يرسل له مشكلة المال فلا يفعل فيها شيئا، هناك من يعتمد على قوة السلطان ، يرى أن القوة التي بيدها مقاليد الأمور ، هي كل شيء ، فكل من يخاف سخطها يرضيها ، يتقرب إليها إلى درجة أنه على حساب دينه ، ثم يكتشف فجأةً أن الأمر كله بيد الله ، وأنه لا يقع شيء في الكون إلا بإذنه ، وأن أي جهة من الجهات مهما علا شأنها ، ومهما قويت لا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا أن يشاء الله ، فنسي الأصل واتجه إلى الأداة ، وهؤلاء الأقوياء أدوات بيد الله عز وجل ، فإذا احتميت بهم ما منعوك من الله ، لكنك إذا احتميت بالله عز وجل منعك من كل مخلوق .
      إذاً من يعتمد على صديق أو قريب له مركز ، له قوة ، له ترتيب معين ، يعتمد عليه ، ويطمئن إلى دعمه له ، ويجامله ، ويعصي الله من أجله ، ويتملق له ، ويتقرب إليه اعتماداً على قوته وعلى كلمته النافذة فقد اتخذ بيت العنكبوت مأوىً له :
 
 وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ
 
      إنسان يعتمد على صحته فيرى نفسه شديداً قوياً ، متين البنية ، دقيق الأجهزة ، صحيح الجسم ، يجري تحليلات كثيرة ، فإذا المعايير كلها طبيعية ، يعتمد على قوته ، ويظن أن هذه القوة تبقى معه إلى أبد الآبدين ، مع أن الله سبحانه وتعالى يجعل من بعد ضعف قوةً ، ومن بعد قوة ضعفاً ، فمن عرف الله في شبابه كان خريف عمره خريفاً مسعداً ، ومن نسي الله في شبابه جاءه خريف العمر مشقياً ، إذاً الذي يعتمد على شبابه كأنه اعتمد على بيت العنكبوت ، الذي يعتمد على ماله كأنه اعتمد على بيت العنكبوت ، الذي يعتمد على أقربائه من أولي الأمر والنهي كأنه اعتمد على بيت العنكبوت ، والذي يعتقد أن العلم هو كل شيء يحصل أعلى الدرجات ، كل قضية تحل بالعلم هذا أيضاً شرك ، العلم شيء مهم جداً ، ولكن أن تنسى الله من أجله ، وأن تستغني عن الله به قد يكون العلم نفسه وبالاً على صاحبه .
 
مغزى الآية : الإبعاد عن كل انواع الشِّرك :
 
الأخذ بالأسباب والاعتماد عليها من دون الله شركٌ  :
   إذاً : أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الآية الكريمة أن يبعدنا عن كل أنواع الشرك ، وأن يبين لنا أن الذي يعتمد على غير الله عز وجل كمن التجأ إلى بيت العنكبوت ، والقضية قضية نفسية ، هناك من يأخذ بالأسباب ، وهو مشرك ، وهناك من يأخذ بالأسباب ، وهو مؤمن ، المؤمن مطالب بأن يأخذ بالأسباب ، والمشرك يأخذ بالأسباب ، الفرق دقيق جداً ، المؤمن يأخذ بالأسباب ، ويعتمد على الله ، المشرك يأخذ بالأسباب ، ويعتمد عليها ، لأنه اعتمد على الأسباب استحق من الله أن يتخلى عنه ، وأن يريه ما الأسباب ، وما تفعل الأسباب وحدها ، لذلك الحديث الشريف :  عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ )) .
[ من مسند الإمام أحمد ]
       مهما تكن ذكياً ، مهما تكن دقيقاً ، مهما تأخذ لكل شيء حساباً ، مهما تعدلكل ثغرةٍ غطاءً ، مهما فعلت من الأسباب المادية مما تقي نفسك القدر ، ونسيت الله عز وجل ، فإن الخطر يأتي من حيث لا تحتسب ، وهذا سر من أسرار الله عز وجل ، يؤتى الحذِر من مأمَنه .
   إن طبيب القلب المتفوق البارع الذي يقيس ضغطه ، ونبضات قلبه كل يوم ، أو كل أسبوع ، والذي يفعل كل ما من شأنه أن يبقى قلبه قوياً ، ويعتمد على علمه فقط ، وعلى تدريباته ، قد يصاب بأزمة قلبية ، ما تفسير هذا ؟
       طبيب القلب يعمل ليلاً نهاراً في صيانة القلب وعلاجه ، لأنه أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها فأوكله الله إليها .
   وطبيب الجهاز الهضمي قد يصاب بقرحة في المعدة ، حينما تعتمد على الأسباب ، حينما تركن إليها ، وتنسى الله عز وجل تؤتى منها ، تؤتى من موقعك الحصين ، تؤتى من هذا الموقع الذي تحصنت به ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء ، ولا يخفى عليه شيء ، وإرادته طليقة ، وعلى الرغم من أن لهذا الكون قوانين ، وسنناً ، وقواعد ، على الرغم من كل ذلك الله سبحانه وتعالى من قدرته أن يفاجئك بمشكلة أخذت أنت كل الاحتياطات لتلافيها ، ومن قدرته أن يحميك من مشكلة ، فنسيت أن تأخذ الاحتياطات لها ، فالله خالق كل شيء ، لا شيء قبله ، ولا شيء بعده .
   إذاً : نهاية العلم التوحيد ، والتوحيد ليس كلمة تقولها ، لو أنها كلمةً تقولها القضية سهلة جداً ، أحياناً إنسان يسأل طبيباً قال له : يا طبيب ، علمني كيف أكتب الوصفة ، ضحك الطبيب ملء فمه ، قال : هذه الوصفة محصلة علم الطب كله ، كل شيء درسته في كلية الطب ، كل التدريبات ، كل الملاحظات ، كل التجارب ، محصلتها كتابة هذه الوصفة .
       لذلك علمك كله ، وحضور مجالس العلم كله ، وصلواتك كلها ، وإقبالك كله ، وأعمالك الصالحة ، واستقامتك ، محصلة هذا كله أن توحد الله عز وجل ، أن لا ترى مع الله أحداً هذا المؤمن ، أن لا ترى غير الله ، هناك في الحياة قوى كثيرة جداً ، قوى كثيرة ومخيفة ، ومادمت ترى هذه القوى على أنها مستقلة عن إرادة الله عز وجل فهذا شرك خطير ، وإذا رأيت إنساناً أو جهةً تملك قوةً ، وبإمكانها أن تفعل كل شيء ، وهي مستقلة فيما يبدو عن الله عز وجل في أفعالها فهذا هو الشرك ، أما إذا رأيت هذه القوة بيد الله وحده ، وأن هذه القوة لا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا إذا أراد الله عز وجل ، لا يمكن أن تنفعك بشيء ، ولا أن توقع فيك شيئاً إلا إذا أراد الله عز وجل فهذا هو التوحيد .
 
﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
[ سورة الأنعام ، آية " 80 " ]
إلا إذا سمح الله لهذه القوة أن تطولك ، لذلك قال تعالى :
 
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾
 
[ سورة هود ]
      إذاً : عدّد ما شئت : قوى المال ، قوى السلطان ، قوى العلم ، الصحة ، الذكاء ، المركز المرموق ، هذه القوى التي تراها قوى حقيقية ، وبيدها مقادير بعض الأمور ، ولها إرادة مستقلة عن الله عز وجل ، إذا كنت كذلك فإن صلاتك ، وصيامك ، وحجك ، وزكاتك ، وعقيدتك لم تستفد منها إطلاقاً ، إنها مفرغة من مضمونها ، هذا الدين الذي تعتنقه ، وترى معه أن زيداً أو عبيداً ، أو فلان أو علان بيده الأمر ، وبيده أن ينفعك ، أو يضرك ، إذاً أنت اعتنقت ديناً مفرغاً من مضمونه ، اعتقادك شكلي ، لا يقدم ولا يؤخر ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
   العجيب أن آيات القرآن الكريم كلها تدور حول هذه النقطة ، كأن التوحيد محور كتاب الله ، وحينما قال الله عز وجل :
 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف ، آية " 110 " ]
      لخص الله عز وجل بهذه الآية القرآن كله ، هذا هو التوحيد ، لذلك من الشرك تتأتى كل المشكلات ، بل إن عذابات لا تعد ولا تحصى تتأتى من الشرك ، والدليل قوله تعالى :
 
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[ سورة الشعراء ]
      
 الشرك عذاب نفسي :
 
   تعذب نفسك ، تشعر أن فلان بيده أمرك ولا يحبك ، ويتمنى أن يحطمك ، ولا حول لك ولا قوة ، هنا المشكلة ، أما إذا رأيت أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله يحب عباده جميعاً ، بل :
 
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .
                                                                                                          (سورة الحجرات 13)
   وأن المؤمن له حياة طيبة ،وأن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بأمر الله عز وجل ، هذه العقيدة وحدها شفاء للنفوس ، لذلك الأمراض النفسية قلما تقع عند المؤمن لأنه موحد ، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها ، اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها ،المؤمن قضيته سهلة ، المؤمن مجموع الشمل .
   عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ )) .
[ الترمذي ]
       حينما تطيع الله عز وجل ، حينما تصطلح مع الله عز وجل حينما تستسلم لأمر الله عز وجل ، حينما تنقاد لهذا المنهج الرفيع الرباني هل تعرف ما تفعل ؟ إنك تسعد نفسك إلى أبد الآبدين ، لأن انتماء الإنسان إلى ربه ، والتزامه بأمره شيء مسعد ، مسعد لنفسه ، وهناك آثار أخرى فهو موفق في عمله ، سعيد في بيته ، ناجح في عمله ، واللهُ سبحانه وتعالى وعد المؤمنين والمؤمنات بحياة طيبة ، قال تعالى :
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[ سورة النحل ]
     الحياة الطيبة أكبر دليل على صدق هذا الكتاب ، وعلى صدق هذا الدين ، وعلى أن هذا الدين منهج الله عز وجل ، قال تعالى :
 
 
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
 
الإعجاز العلمي في هذه الآية : بيت العنكبوت :
 
ذكرت لكم في الدرس الماضي أن في الآية إعجازاً علمياً ، والدليل أن معطيات العلم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ما كانت لتسمح أن يعرف العلماء ، أو الملاحظون ، أو من يعملون مع الحيوانات أن هذه الحشرة ، أو أن هذا المخلوق أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت ، والدليل : ﴿ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ .
هذا كلام خالق الكون ، وخالق العنكبوت ، والأنثى هي التي تنسج هذا البيت .
وفي الآية أيضاً ملاحظة أخرى ، وهي أن خيوط العنكبوت على ضعفها لو أمكننا أن نسحب معدن الفولاذ خيوطاً بقطر خيط العنكبوت لكان خيط العنكبوت أمتن من خيط الفولاذ .
       أخ كريم أطلعني على ملاحظة قرأها في كتاب أردت أن أنقلها إليكم ، وهي أن من خصائص بيت العنكبوت أن الأنثى تأكل الذكر ، وتقضي عليه ، وأن أولاد العنكبوت يأكل بعضهم بعضا .
فمن أسباب ضعف هذا البيت هذا العدوان الداخلي على الأفراد بعضهم بعضا ، إذاً هذا البيت ضعيف في بنيته ، خيوط لا تقي حراً ، ولا قراً ، ولا عدواً ، ضعيف في بنيته الاجتماعية .
      وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه : << في القرآن آيات لما تفسر بعد >> .
كلما تقدم العلم كشف شيئاً من إعجاز القرآن ، لأنه كلام الواحد الديان ، ولو تأملنا في الآيات أكثر لوجدنا فيها أشياء كثيرة ، قال تعالى :
 
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾
[ سورة الكهف ]
     ويجب أن تعلم أنه مهما أوتيت من علم أنك مشمول بقوله تعالى :
 
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء )
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سورة العنكبوت ]
 
 وجهُ التمثيل ببيت العنكبوت :
 
الله سبحانه وتعالى حينما مثل لك الأولياء الذين تدعوهم من دونه ببيت العنكبوت ، هذا مثل من قِبَل الخالق العظيم ، فإذا اعتمدت على غير الله فكأنما تعتمد على بيت عنكبوت ، ضعيف في بنيته ، ضعيف في علاقاته الاجتماعية ، والله سبحانه وتعالى يعلم ما إذا كنت موحداً أو مشركاً ، يعلم ما إذا كنت معتمداً عليه أو على أحد خلقه ، يعلم ما إذا كنت معتمداً على حفظه أم على مالك ، يعلم ما إذا كنت معتمداً على جاهك أو على توفيقه ، هذا كله مطلع عليه ، بل إن محصلة إيمانك كلهِ أن توحده ، وأن تعتمد عليه .
آخر نقطة أقولها قبل أن أنتقل إلى آية ثانية : ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك إلى أن الأمر كله بيده ، لو أن أمراً بيده ، وأمراً بيد غيره أنت معذور أن تعبد غيره ، ما أمرك أن تعبده وحده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده ، قال تعالى :
 
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[ سورة هود ، آية " 123 "  ]
      كله ، كله إعرابها توكيد ، يعني إليه يرجع الأمر أي الأمر كله ، أما حينما قال الله عز وجل : ﴿ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ معنى ذلك أنه ما من صغيرة ولا كبيرة ، ولا قريبة ولا بعيدة في حياتك إلا بيد الله عز وجل ، فمن الغباء والحمق أن تتجه إلى غيره ، من ضعف الإيمان أن ترضي الناس بسخط الله ، من ضعف الإيمان أن تحمدهم على ما أعطاك الله ، من ضعف الإيمان أن تغضب منهم لشيء منعه عنك ، لذلك يجب أن تعلم أن إنساناً إذا وصل إليك بالأذى فكأنه عصا بيد الله عز وجل ، علاقتك مع الله ، ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفو عنه الله أكثر .
     حينما تصل إلى مرتبة أن تحاسب نفسك ، وأن تتأمل لماذا فعل الله بك هذا ، إذا فهمت على الله أن هذه من أجل كذا ، هذا الموقف الحرج الذي أصابك بسبب أنك أحرجت زيداً أو عبيداً ، وهذا المال الذي تلف بين يديك بسبب أن في كسبهشبهة ، وأن هذا الإنسان الذي تطاول عليك بسبب أنك تطاولت على زيد أو عبيد ، إذا شعرت أن هناك حساباً دقيقاً ، وإلهاً عادلاً تعلم عندئذٍ حلاوة الإيمان .
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
(سورة العنكبوت )
     هو عزيز منيع الجانب ، حكيم ، يضع كل شيء في مكانه الصحيح ، معنى الحكيم أي كل شيء وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، لذلك حينما يأتي الإنسانَ ملَكُ الموت يستعرض حياته كلها ، فيرى كل ما ساقه الله إليه من صعوبات ، من مشقات ، من مضايقات ، خلقه بهذا الشكل، بهذا الجسم ، من هذه الأم ، من هذا الأب ، بهذا الحي   بهذه المرتبة ، من هذه الطبقة ، يسر له سبيل العلم أو العمل أو التجارة أو الوظيفة ، كان كذا وكذا ، سافر ، يكشف هذا الإنسان ساعة الموت ، كما قال الله عز وجل :
 
﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[ سورة ق ]
     يكشف أن كل شيء ساقه الله إليه محض فضل وإحسان ، لذلك يلخص الإنسان حياته كلها بكلمة واحدة ، قال تعالى :
 
 
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[ سورة يونس ]
     هذا معنى قول الإمام علي كرم الله وجهه : << لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع >>  .
 
 الغنى الحقيقي :
 
هناك نقطة مهمة جداً ، أن الحياة فيها غني ، والغنى معروف ، يأكل ما يشاء ، ويرتدي أجمل الثياب ، ويتنقل بين أجمل الأماكن ، والناس يحبونه ، ويبجلونه ، ويعظمونه ، وبإمكانه أن يذهب إلى حيث يريد ، وأن يفعل ما يشاء بحسب الظاهر ، وهناك إنسان فقير لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، لو لم يكن هناك آخرة لم تستقم الحياة هكذا .
إنسان أعطي كل شيء في الحياة ، وإنسان حرم من كل شيء ، هذا قوي ، وهذا ضعيف ، هذا صحيح ، وهذا مريض ، هذا غني ، وهذا فقير ، لو لم يكن هناك دار آخرة تسوّى فيها الحسابات الحياة ، وتعدل فيها الإمكانات ، إذا أعطانا الله في الدنيا الحظوظ بتفاوت حينما وزعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء الحياة ، فسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء ، فلذلك البطولة أن تكون في طاعة الله ، أعطاك الله هذا أو لم يعطك البطولة في الآخرة لهذا يقول الإمام علي كرم الله وجهه : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> .
الغنى الحقيقي ، قال تعالى :
 
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران ]
 
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
 
إن الله يضرب من الأمثال ما يشاء :
 
قال كفار قريش : إن رب محمدٍ يتحدث عن العنكبوت والذبابة ، إنهم ما عقلوا عظمة المثل الذي ضربه الله عز وجل ، لا يعقل هذه الأمثلة إلا العالمون ، قال تعالى :
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا﴾
[ سورة البقرة ، آية "26 " ]
      بعوضة ، لهوان شأنها على الناس ، إذا وقعت على يدك بعوضة تقتلها ، ولا تشعر بشيء إطلاقاً ، لو قتلت بعض الحيوانات لشعرت بحرج ، لشعرت بضيق ، لعلني أخطأت ، تقول : لعل الله يحاسبني ، أما إذا قتلت فهي هينة ..
      لها ثلاثة قلوب ، وجناحا البعوضة يرفان في الثانية الواحدة أربعة آلاف رفة إلى مستوى الطنين ، وفيها جهاز رادار تتجه في الظلام الدامس إلى جبين النائم لا إلى الوسادة ، ولا إلى قطعة الأثاث ، إلى جبين النائم فيها جهاز رادار ، فيها جهاز تحليل دم ، دم يعجبها ، ودم لا يعجبها ، لذلك أخوان ناما على فراش واحد ، الأول يصاب بلدغ البعوض ، والثاني لا يصاب ، جهاز رادار ، وجهاز تحليل ، وجهاز تخدير فإذا لدغت الإنسانَ لا يشعر إلا بعد أن تغادره ، وجهاز تمييع للدم ، رادار ، تحليل ، تخدير ، تمييع ، ثلاث قلوب ، أربعة آلاف رفة في الثانية ، لها أرجل فيها محاجم كي تقف على سطح أملس على ضغط الهواء ، وبأرجلها مخالب تمكنها من أن تقف على سطح خشن .
 
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
[ سورة البقرة : آية " 26 " ]
 
﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ .
[43  سورة العنكبوت ]
حينما قال الله عز وجل :
 
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
[ سورة الملك ]
 
 بين البعوضة والحوت !!!
 
      عظمة خلق البعوضة لا تقلّ عن عظمة خلق المجرة ، ولا عن عظمة خلق الفيل ، ولا عن عظمة خلق الحوت ، الحوت يصل وزنه في بعض الحالات إلى مئة وستين طنا ، أنثى الحوت إذا أرضعت ابنتها في كل رضعة ثلاثمئة كيلو ، ثلاث رضعات في اليوم طن من الحليب ، إذا أراد الحوت أن يأكل وجبة سريعة كي يسد رمقه قليلاً كانت وجبته أربعة أطنان ، يفتح فمه ويسير ، فإذا تجمع في فمه أربعة أطنان من السمك يكتفي بها كوجبة سريعة تسد رمقه بعض الشيء .
      والبعوضة على صغرها وجبته والحوت على كبره ، دماغ الحوت له وزن ، فيه خمسون طن من الشحم ـ دهن الحوت ـ الحوت المتوسط ينتج تسعين برميل زيت حوت ، الحوت عظيم ، والبعوضة عظيمة ، ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) .
      الحوت عندما يأكل سمك ، السمك فيه حسك تفرز معدته مادةً تتواجد على رؤوس الحسك المؤنفة كي لا تؤذي جهازه الهضمي ، هناك دقائق في الخلق لا يعلمها إلا الله ، لذلك الكون أوسع باب لمعرفة الله وأوسع باب إذا تأملت في خلق السماوات والأرض ، قال تعالى :
 
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
 
[ سورة البقرة : آية " 164 " ]
      أنت محاط بآلاف الآيات ، بملايين الآيات ، الذي أتمناه على كل مؤمن إذا شربت الماء تتفكر من جعله عذباً فراتاً ، وتتفكر لو كان ملحاً أجاجاً ؟ إذا تناولت رغيف الخبز هذا القمح من صممه موافقاً تماماً لحاجاتك ؟ تأمل في خلق الله إذا تناولت قطعة جبن ، تأمل في هذا الحليب من صممه ؟ إذا تناولت قطعة لحم فهذه الأنعام مَن خلقها خصيصى لنا ؟ قال تعالى :
 
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾
(سورة النحل )
 
 اعرف الله من خلال خَلقِه :
 
      إذا أعْمل الإنسان فكره في خلق السماوات والأرض عرف الله عز وجل ، وكلما ازداد علمك بالله عز وجل ازدادت خشيتك له ، والدليل قوله تعالى :
 
﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
[ سورة فاطر ]
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
       إنسان يعيش خمساً وخمسين سنة ، أربعاً وخمسين سنة ، الحياة الدنيا ظنية لا يقين فيها ، أما الآخرة فيقينية ، إنسان يعيش ثلاثاً وثلاثين سنة ، أو خمس عشرة ، هناك حالات وفاة في الخمس سنوات حالات وفاة في العشرين سنة ، في الثلاثين سنة ، فلا سن ما فيه حالات وفاة ، شاب ليلة عرسه يموت فجأة ، إنسان عاد من بلاد الغرب يحمل دكتوراه مات بحادث قبل أن يستمتع بهذه الشهادة ، فالحياة هذه ظنية ، أي أن تبقى بها إلى سن الستين هذه قضية ظنية غير يقينية ، أو إلى سن الخمسين ظنية ، إنسان يهيئ نفسه أربعين سنة ، ويأخذ أعلى الشهادات حتى يسكن في بيت متواضع ، ويتزوج ، بقي له عشر سنوات ، الإنسان يشعر أن القضية لها سؤال كبير ، أنه ألهذا خلقنا ؟ ألهذه الحياة القصيرة ؟ كل هذا الإعداد الطويل لحياة قصيرة مشحونة بالمتاعب والهموم والأحزان ،  العالم كله مآسٍ ساعة ، لا فيها أمطار ، وأحيانا لا مواد ، وهذا عنده أولاد ذكور وليس عنده إناث ، وهذا عنده إناث وليس عنده ذكور ، هذا يشكو من علل خَلقية ومشكلات ، إذا لم يكن هناك آخرة فالحياة تبدو غريبة ، يصعب فهم الحياة بلا آخرة ، ماذا يقول ربنا  ؟
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
 
 الحق والباطل :
 
المعنى الأول :
كلمة الحق نعرفها من آيتين أخريين ، حينما قال الله عز وجل :
 
﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
[ سورة ص ]
بل خلقهما بالحق ، الشيء الباطل هو الشيء الزائل ، أما بالحق فهو الشيء الثابت والدائم ، فيا أيها الإنسان خلقت لتبقى ، خلقت لتبقى إلى أبد الآبدين ، وما هذه الحياة الدنيا إلا إعداد لهذه الحياة الأخرى ، والآن توضح الأمر ، مادام إعداداً إذاً هي مدرسة ، إذاً هي دار ابتلاء ، وأروع كلمة قالها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع :
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا وجعل عطاء
 
 الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي )) .
[ ورد في الأثر ]
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ .
أي أن الخلق خلق السماوات والأرض شيء أبدي سرمدي ، الموت حالات تحوّلٍ من حالة إلى حالة ، ثوب تخلعه ، ثوب الجسم تخلعه ، ولك ثوب آخر في الآخرة  إذاً قال تعالى :
 
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[ سورة آل عمران ]
 
الموت أخطر حَدَثٍ في الحياة :
 
تذوق الموت ولا تموت ، تخلع عنها هذا الجسد الذي حملها في الدنيا ، إذاً أنت مخلوق لا لحياة قصيرة ، لحياة أبدية إما في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفذ عذابها ، فالقضية خطيرة ، لذلك لما قال تعالى :
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[ سورة الملك ]
هنا سؤال ، لماذا قدم الموت على الحياة ؟ قال : لأنه تقديم أهمية ، أنت حينما تولد أمامك خيارات كثيرة ، مؤمن أو غير مؤمن ، موحد غير موحد ، محسن مسيء ، أنت مخير ، أما إذا جاءك الموت ختم عملك ، وانقضى أجلك ، وانقلبت إلى ربك ، ما لك من خيار ، وأصبحت في ممر إجباري .
" فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار " .
      الموت أخطر ، الحياة فيها خيارات ، أمامك تغير ، تعود إلى الله تنيب إليه ، تؤمن بعد الكفر ، توحد بعد الشرك ، تحسن بعد الإساءة ، هناك خيارات ، أما إذا جاء الموت ، وختم العمل ، وانقضى الأجل أصبحت في ممر إجباري ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، لهذا ربنا عز وجل يقول :
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .
[ سورة الملك ]
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ .
 [ سورة العنكبوت ]
خلقت لتبقى .
المعنى الثاني :
المعنى الثاني قوله تعالى :
 
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
[ سورة الأنبياء ]
      إذاً الحق خلاف اللعب ، والحق خلاف الفناء ، باطلاً يعني زائلاً ، ما خلقناهما باطلاً ، بل خلقناهما للاستمرار ، وما خلقناهما لاعبين ، بل خلقناهما لهدف كبير ، لذلك كلمة الحق تعني السمو في الهدف ، والثبات في الوجود ، الشيء الثابت الهادف ، أنت مخلوق بالحق أي خلقت لتبقى ، وخلقت للهدف عظيم .
     خلقت السماوات والأرض فلا تتعب ، وخلقتك من أجلي فلا تتعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك .
 
من صفات الإنسان : الهلع والجزع :
  
إذاً حيثما وردت كلمة بالحق في القرآن الكريم ، القرآن فسرها أعلى أنواع التفسير ، قال تعالى :
 
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[ سورة المعارج ]
ما معنى هلوعا ؟ الله فسرها قال :
 
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ¯وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
[ سورة المعارج ]
 
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[ سورة الحجر ]
ما اليقين ؟ الله فسرها بآية ثانية :
 
﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[ سورة المدثر ]
     الموت ، إذاً أعلى أنواع التفسير ما فسره القرآن ، في مكان الكلمة جاءت موجزة ، وفي مكان آخر جاءت مفصلة ، وهذه الكلمة بالحق بآيات أخرى نفى الله عز وجل أن يكون خلق السماوات والأرض باطلاً ، والشيء الباطل هو الشيء الزائل ، إن الباطل كان زهوقا ، الزاهق الزائل .
     إذاً الحق عكس الباطل ، الباطل شيء زائل ، أحياناً ننشئ جناحاً في معرض ، هذا الجناح يبنى من قماش ليلغى بعد أسبوعين ، من مواد خفيفة جداً ، أما إذا وجد بناء ضخم فهذا البناء يبنى ليبقى من قماش فالشيء الباطل الشيء الزائل من قماش والحق باقٍ ، الله عز وجل هو الحق .
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ .
أي خلقها لتبقى ، وأنت أيها الإنسان مخلوق لتبقى ، والموت حالة خاصة ، حالة خلع ثياب ، وثياب أخرى ترتديها بعد الموت ، أما قال تعالى :
 
﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾
[ سورة الزخرف ]
     الإنسان خلق من نور الله عز وجل ، خلق ليبقى ، الكون كله باقٍ طبعاً يختلف من شكل إلى شكل ، من صورة إلى صورة ، قال تعالى :
 
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
[ سورة الأحزاب ]
المعنى الثاني :
 
 
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ﴾ .
[16   سورة الأنبياء ]
معنى لاعبين أي عابثين فالحق عكس العبث ، قال تعالى :
 
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[ سورة القيامة ]
 
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾
[ سورة القيامة ]
 
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
[ سورة المؤمنون ]
      الحق يعني الشيء الهادف ، الثابت الهادف ، كلمة الحق تعني أنك ثابت وهادف ، لك هدف كبير خلقت له ، فإذا غاب عنك هذا الهدف الكبير كان الضلال المبين .
الإنسان سافر إلى باريس مثلاً ، استيقظ ، أخطر سؤال يطرحه على نفسه : لماذا أنا هنا ؟ إذا كنت تاجراً أين المؤسسات والمصانع ؟ إذاكنت سائحاً أين المتنزهات والمقاصف ؟ إذا كنت طالباً أين الجامعات والمعاهد ؟ إذا كنت في مهمة أين اللقاءات والمباحثات ؟ الحركة تتحدد إذا عرفت الهدف ، إذا عرفت لماذا أنت في هذه المدينة تأتي حركتك صحيحةً موفقةً ، فإذا كنت طالباً وانشغلت بالسياحة ضيعت السفر سدى ، إذا كنت تاجراً ، وانشغلت بلقاءات جانبية لا جدوى منها ضيعت التجارة ، البطولة أن تعرف لماذا أنت في الدنيا من أجل أن يأتي عملك صحيحاً  .
 
﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
الدرس القادم إن شاء الله تعالى إن أحيانا لهذا الدرس ، قوله تعالى :
 
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[ سورة العنكبوت ]
       تأملوا في هذا الأسبوع في معنى قوله تعالى : ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
 
 فهمٌ مغلوطٌ :
  
     أكبر من الصلاة ، بعضهم فهم هذه الآية خطأً ، أنا مادمت أذكر الله لا أصلي ، لقوله تعالى : ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
    هناك معانٍ كثيرة جداً ، ولعل الله ينفعنا بها جميعاً من قوله تعالى :
 
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون ﴾ .
[ سورة العنكبوت ]
 كلكم يعلم حديث النبي عليه الصلاة والسلام ، عن عُرْوَةُ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
 
((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا ،وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ ،فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ )) .
[ البخاري ـ الترمذي ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]
      عالم جليل من علماء دمشق من الرعيل الأول ، عرف بسعة العلم والزهد والصلاح والدأب على الدعوة إلى الله عز وجل ، توفي منذ يومين ، الشيخ لطفي الفيومي ، والتعزية فيجامع العثمان ، من واجب المؤمن أن يساهم في التعزية ، طبعاً لا يعزى أهل العالم تعزى الأمة بالعالم ، الذين يقبلون العزاء كل المسلمين ، فإذا ذهبتم بعد الدرس إلى جامع العثمان لتعزوا بوفاة هذا العالم الجليل فهذا من السنة المطهرة .
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب