سورة العنكبوت 029 - الدرس (5): تفسير الأيات (10 – 18)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة العنكبوت 029 - الدرس (5): تفسير الأيات (10 – 18)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة العنكبوت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة العنكبوت - (الآيات: 10 - 18)

07/02/2012 17:02:00

سورة العنكبوت (029)
 
الدرس (5)
 
تفسير الآيات: (10 ـ 18)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
   
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
    
 مقدمة تذكيرية :
 
     أيها الإخوة الأكارم ، مع الدرس الخامس من سورة العنكبوت ، تَذْكرون أن الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة قال :
      
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
     أن تكون في مدرسةٍ عالية فيها كل ما يحتاجه الطالب ، وقد أُنْفِقَ على بنائها مئات الألوف ، بل عدَّة ملايين،وأن تُجَهَّزَ بالمختبرات ، وقاعات التدريس ، وقاعات المحاضرات ، والحدائق ، والمطاعم ، وأن تدخل هذه المدرسة ، وأن تكتفي منك إدارة هذه المدرسة أن تقول لها : إنني متفوِّقٌ في هذه المادَّة ، فيقبل هذا الكلام وتنجح ، هذا مستحيل ..
      
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
         إذاً هناك فِتَن ، والفتنة في أدق تعاريفها إظهار ما في النفس ، فقد يُفْتَن الإنسان فينجح ، وقد يُفْتن فيرسُب ، قد يفتن فيأتي الواقع مؤكِّداً لقوله، وقد يُفتن فيأتي الواقع مكذِّباً لقوله ، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يَقْبَلَ منك قولك : إنك مؤمن ، بل لابدَّ من أن يقنن الإنسان ، أي لابدَّ من أن يُمْتَحَن .
      
 بعض موطن الفتنة :
 
الفتنة الأولى : فتنة الوالدين ::
      ربنا عزَّ وجل في هذه السورة بيَّن لنا بعض المواطن التي يُفْتَنْ فيها الإنسان ، أول مَوْطِنٍ يُفْتَن من قِبَل أبويه ، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه العاطفة الأصيلة بين الآباء والأبناء من أجل أن ينمو الأبناء ، وأن ينشئوا في حجر آبائهم  ، هذه العلاقة الأبويَّة قد توظَّفُ في غير مصلحة الإيمان ..
                                                                                                              
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾
      هذه فتنة ، والله سبحانه وتعالى يُعْبَد ، والأبُ والأم يُحْسَنُ إليهما ، وفرقٌ كبير بين العبادة وبين الإحسان ، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق .
الفتنة الثانية : فتنة الوالدين : دعوى الإيمان بالله :
       الفتنة الثانية،يقول الله عزَّ وجل  :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾
      لو أن الله عزَّ وجل قال : " ومن الناس من يؤمن بالله " اختلف المعنى اختلافاً كلياً ، الله عزَّ وجل قال :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ﴾
 
     ومعنى يقول أيْ يَدَّعي ، يدَّعي أنه مؤمن ، وأنا متأكِّد أنه ما من إنسانٍ في العالم الإسلامي يصلي الصلوات الخمس إلا ويدَّعي أنه مؤمن ، والقضيَّة ليست بالدَعوى ، لو أن القضيَّة بالدعوى فالأمر سهلٌ جداً ، فالله قال :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾
 
     هذه ( مِن ) تفيد التبعيض ، أيْ أنَّ بعض الناس يقول : أنا مؤمن ، يقول : أنا مؤمن ، تَبَجُّحاً ، يقول : أنا مؤمن ، تأكيداً لإيمانه ، يقول : أنا مؤمن ، افتخاراً ، يقول : أنا مؤمن ، هكذا ليتعالى على أقرانه ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ ﴾
 
الله عزَّ وجل لا يمكن أن ينخدع ، ولا يمكن أن يَخْدَع .
 
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ .
( سورة النساء : من آية " 142 " )
       فهذا الذي ادَّعى أنه مؤمن ، وقال : إنه مؤمن ، وأكَّد أنه مؤمن ربنا عزَّ وجل يمتحنه ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ ﴾
 
 معركة الحق والباطل قديمة وأبدية :
 
       كلُّكم يعلم أن هناك كفرا وإيمانا على مَرِّ الزمان ، وهناك معركةٌ قديمةٌ وأبديَّةٌ بين الكفر والإيمان ، أهل الحق مع الحق ، وأهل الباطل مع الباطل ، أهل الحق يعبدون الله عزَّ وجل ، وأهل الباطل يعبدون شهواتهم ، ومنذ القديم  يسعى أهل الحق لهداية أهل الباطل ، ويسعى أهل الباطل لإغواء أهل الحق ، هذه معركةٌ قديمةٌ قِدَمَ الإنسان ، منذ أن كان الإنسان على وجه الأرض فهذه المعركة قائمة .
        فإذا آمنت ، أو ادَّعيت الإيمان ، أو ذهبت إلى المسجد ، أو صليت الصلوات الخمس ، أو غضضت بصرك عن محارم الله ، أو ترفَّعت عن أكل المال الحرام ، أو فعلت شيئاً يثبت أنك مؤمن ، أو أردت أن تنحاز إلى أهل الإيمان ، أو أردت أن تكون مع المؤمنين في مشاعرهم، في طموحاتهم ، في آلامهم ، في آمالهم ، إذا أنس الناس منك أنك مع المؤمنين ، وأنك في صفِّ أهل الإيمان ، وأنك مع الحق هناك محاولاتٌ دائمةٌ ، وقديمةٌ ، ومستمرَّةٌ ، ومستقبليَّةٌ ، هناك محاولاتٌ لزحزحتك عن إيمانك ، لذلك كما أن الطالب المُقَصِّر يتمنَّى أن يكون جميع الطلاب مقصِّرين ليستأنس بهم ، كما أن الطالب المُهمل لواجباته يتمنّى أن تتسع هذه الدائرة كي تصبح ظاهرة اجتماعيَّة ، كي تصبح قانوناً ، فلذلك بعض الناس يُرغِمون المؤمنين على أن يعودوا إلى الكفر .
        بالمناسبة ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )) .
 
[ متفق عليه ]
 
 صورة لثبات الإيمان : سحرة فرعون :
 
       لو أن الدنيا بأكملها ، لو أن السماء أطبقت على الأرض ، لو أن كل منعلى الأرض كفر ، ولو أن كل من على الأرض هدَّد المؤمن فإنه لا يتزحزح عن إيمانه ، هذا هو الإيمان ، والدليل :
       حينما سخَّر فرعون السَّحَرَة ليكونوا دعماً له في علاقته ، أو في خصومته مع سيدنا موسى، فقد جاءوا بحبال وفَرَّغوها ، ووضعوا فيها الزئبق كما تروي بعض الكُتَّاب ، وضعوها على مكان ساخن ، لعلَّ الزئبق إذا تمدَّد تحرَّك ، وحرَّك معه الحبال ، أما سيدنا موسى فحينما فقد ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين ، وهم سحرة عمالقة في السحر ، فكانوا أولَ منْ عرفَ أن هذا ليس بسحر ؛ بل هذه معجزة ، فقالوا :
 
﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾ .
( سورة طه )
       ماذا قال فرعون ؟ فرعون يمثِّل القوَّة ، وكما قال في موضعٍ آخر :
 
 
﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ﴾ .
( سورة النازعات )
 
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ .
( سورة القصص : من آية " 38 " )
 
﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾ . 
( سورة طه )
       ماذا قالوا ؟.
 
 
﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾ .
( سورة طه )
       أيْ كل ما تملك أن تزهق أرواحنا ، ونحن إذا أزهقت أرواحنا انقلبنا إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، هنا موطن قوَّة المؤمن ، والله عزَّ وجل وعده بحياةٍ طيِّبة ..
 
 
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ .
( سورة القصص )
 
 مِن سنن الله الجارية :
 
1 – محاولات أهل الباطل إضلال المؤمنين :
      شيءٌ طبيعي أنَّك إذا آمنت ، إذا صلَّيت ، إذا غضضت بصرك عن محارم الله ، إذا تحرَّيت الحلال في كسبك ، إذا تحرَّيت الحلال في إنفاقك ، إذا أردت أن تكون مع المؤمنين شيءٌ طبيعيٌ جداً أن يأتي أهل الباطل ليُعيدوك إلى جادتهم ، أن يأتي أهل الباطل ليقنعوك بباطلهم ، هذه هي المعركة ، بين أهل الشهوات وأهل القُرُبات ، بين أهل العقل وأهل المصلحة ، فإذا حاول أهل الباطل أن يقنعوا هذا الذي يقول : آمنت ، بلسانه ولم يؤمن فعلاً ، وضغطوا عليه بطريقةٍ أو بأخرى ، سريعاً ما تنهار نفسه ، وينضمُّ إلى الكفَّار.
       لدينا مثل يقرِّب هذه الحقيقة : الإسمنت مادَّة معروفة ، إلا أنها لا تُعطي إنذاراً قبل أن تنهار ، هذه مشكلتها ، الإسمنت يتحمَّل قِوى ضغط عالية جداً ، لكنه لا يتحمَّل قِوى شدَّ إطلاقاً ، لذلك يُسَلَّح ، فلو فرضنا أن مهندساً أنشأ شُرْفَةً ، وهذه الشرفة بدا عليها بعض الخلل ، ماذا نفعل ؟ قال المتخصصون : لابدَّ من أن نحمِّلها بعض الأوزان ، فإن سقطت كان هو المطلوب ، وإن صمدت أكَّدت أنها سليمة البناء .
2 – ابتلاء المؤمن بالظروف العصيبة :
إذا ادَّعى الإنسان أنه مؤمن فربنا عزَّ وجل يضعه في ظرفٍ عصيب ، فإذا سقط في الامتحان فهذا تعريفٌ له وتعريفٌ للناس،وحفزٌ له على أن يجدِّد إيمانه ، هذا امتحان مهم جداً، أنت لولا الامتحان تسترسل ، تنشئ لك قصوراً من الخيال ، لولا الامتحان لظننت أنك على شيء ، وأنت لست على شيء ، لولا هذا الامتحان لا تعرف حجم إيمانك ، الإنسان قد يبالغ بحجم إيمانه ، قد يظنُّ أنه مؤمنٌ كبير ، وهو في الحقيقة مؤمنٌ صغير ، فمن نعمة الله علينا ، من فضل الله علينا أنه يُحَجِّمنا دائماً ، كلَّما أشط بك الخيال ، وظننت أنك مؤمنٌ كبير يأتي الامتحان الصعب ، فإذا أنت مع شهوتك ، فإذا أنت مع مصلحتك ، فإذا أنت تخاف على مكتسباتك ، فإذا أنت تستجيب لهذا الضغط أو لهذا الإغراء ، فالمؤمن لا يستجيب لا لضغطٍ ضاغط ولا لإغراءٍ جاذب ، لا تؤثِّر فيه السياط اللاذعة ، ولا سبائك الذهب اللامعة ، لا هذه ولا تلك ، ولكنه مع الله عزَّ وجل ..
 
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72) ﴾ .
( سورة طه )
        هناك من يَدَّعي الإيمان ، وما أكثرهم ، يأتي الامتحان ليفرز هؤلاء ، لهذا قال الله عزَّ وجل :
 
 
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .
( سورة آل عمران : من آية " 179 " )
       مستحيل أن يدَّعي كل إنسان أنه مؤمن ، والأمر يبقى هكذا ، لذلك :
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾
 
 وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ
 
     أي فإذا أوذي من أجل إيمانه بالله ، له مركز ، هُدِّدَ في مركز الذي يشغله ، إن بقيت تصلي فلن تبقى في هذا المكان ، إذا فعلت كذا وكذا تُحْرَم من كذا وكذا ، إن قلت كذا تدفعْ كذا ، هناك من يقول له ذلك ، وهؤلاء الذين يقولون هذا الكلام مسخَّرون من قِبَل الله عزَّ وجل ليمتحن إيمانه ، فقد يأتون بقطعة إسمنت .. شاهدتها بعيني .. يأتون بها إلى المَخبر ، يمسكونها من أعلى ، ويضعون في أسفلها أوزاناً متدرِّجة في الصعود ، على أي وزن انقطعت هذه قوَّة تحمُّلها ، عند ذلك الوزن الذي انقطعت معه ، فيقولون : السنتيمتر المربَّع يتحمَّل مائتي كيلو من الضغط مثلاً ، أما على الشد فيتحمَّل أقلّ بكثير ، فأنت مؤمن ، ولك حجم ، تأتي الضغوط أو الإغراءات على أي وزن تفلت ؟ على أي وزن تعصي ؟ على أي مستوى تهديد تترك دينك ؟ على أي مستوى إغراء تقول : أخي أنا مضطر ، فماذا أفعل ؟ فلذلك هناك قِوى جذب ، وهناك قِوى ضغط .
الإنسان مُعَرَّض لضغوط ولإغراءات من قِبَلِ أهل الباطل ، إذا فعلت كذا وكذا نجعلك في هذا المكان ، نعطيك هذا المبلغ ، نرفعُ من قدرك ، وإن لم تفعل أمامك كذا وكذا ، هذه معركةٌ قديمة ومستمرَّة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، معركة أهل الإيمان مع أهل الكفر والبهتان ، فلذلك ربنا يحذِّرنا ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا ﴾
 
 دعوى الإيمان لا تنفع :
 
       هو قال بلسانه ، القضيَّة سهلة ، أخي أشهدُ أنه لا إله إلا الله ، لو أنها تنتهي عند هذه الكلمات فالقضيَّة سهلة جداً ، ولكن هناك ضغوط ، هناك مُغْرِيَات ، قد ترى فتاةً جميلة فإذا أنت تنساق إلى الزواج منها على عِلاَّتها ، على تهتُّكها ، على تبذُّلها ، أين إيمانك ؟ انتهى الإيمان ، لذلك أهل الدنيا ينهارون عند نقطتين ؛ عند المال والنساء ، نقطتا ضعفٍ عند الإنسان الكافر المال والنساء ، سريعاً ما ينهار الإنسان ؛ أما المؤمن عنده صمودٌ في هاتين النُقطتين ، لذلك التعامل مع المؤمن صعب جداً ، صعب لأنه إنسان ذو مبدأ لا يُغَيِّر ولا يُبَدِّل، والدليل النبي عليه الصلاة والسلام وهو نبيٌّ مُرْسَل يأتيه الوحي ، وجاء بالمعجزات ، ومع ذلك لما جاء الضغط شديداً على من كان معه .
 
 أمثلة عن الامتحان في عهد الصحابة :
 
1 – امتحان غزوة الأحزاب :
ماذا قال أحدهم ؟ قال : " أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَحَ علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته " ، جاء الضغط الخفيف فقال: صاحبكم ، ولم يقل رسول الله .
2 – امتحان ثعلبة :
       وثعلبة الذي آتاه الله الأموال الطائلة فأرسل النبي الكريم له إنساناً ليأخذ زكاة ماله قال : " قل لصاحبك ليس في الإسلام زكاة " ، الذي قال: أيعدنا صاحبكم ، هذا جاءه ضغطٌ فانكشف إيمانه ، والذي قال : " قل لصاحبك : ليس في الإسلام زكاة " ، جاءه إغراءٌ فانتقض إيمانه ، فالبطولة أن يموت الإنسان مؤمناً ، والآية الكريمة :
 
﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ .
( سورة الإسراء )
       الإنسان أحياناً في بدايات حياته يدخل مُدخل صدق ، ولكن وهو في درب الحياة يأتيه المال الوفير ، والمال يُطْغِي ، أو يأتيه الضغط الشديد وكاد الفقر أن يكون كفراً، فالضغط الشديد والإغراء الشديد هما امتحانٌ قاسٍ لأهل الإيمان ، لذلك ماذا قال سيدنا علي ؟قال :<< عَلِمَ ما كان ، وعلِمَ ما يكون ، وعَلِمَ ما سيكون ، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون>> .
 
 
 دعوى الإيمان تحتاج إلى بيّنة :
 
أنت مستقيمٌ مادمت على هذا الدخل ، لو جاءك دخل يبلغ عشرة أضعافه فالله أعلم ونحن لا نعرف ما الذي يحصل ، كل إنسان له نقطة ضعف ينفك فيها ، فالإنسان إذا اهتم بإيمان حقيقي ، بنى إيماناً صحيحاً ، نعم إيمان ، كلمة إيمان ، ولا أبالغ كأن تقول : دكتوراه ، هذه كلمة ؟ سنوات طويلة ، ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي ، وليسانس ، ودبلوم عام ، ودبلوم خاص ، وماجستير، ومواد ، وأُطروحة ، ومناقشة ، ثم مواد ومناقشة ، حتَّى ينال هذا الإنسان لقب دكتور ، فإذا قال إنسان : أنا دكتور بلا دراسة فهذا مجنون ، كلمة إيمان ، متى آمنت ؟ متى جلست على ركبتيك حتَّى آمنت ؟ متى فكَّرت في خلق السماوات والأرض ؟ على يد من آمنت؟ أيّ المجالسٍ حضرت ؟ أيّ كتابٍ قرأت ؟ كيف تعاملت مع الله ؟ هل طَبَّقت العبادات ؟ هل قُمت بالواجبات ؟ هل أطعت الله ورسوله ؟ هل ضبطت شهواتك ؟ كيف آمنت ؟ هكذا آمنت ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ ﴾
 
      أخي أنا مؤمن والحمد لله ، على ماذا ؟ أين عملك ؟ أين ورعك ؟ أين محبَّتك ؟ أين مؤاثرتك ؟ أين إخلاصك ؟ أين بذلك ؟ أين تضحيتك ؟ أين انضباطك ؟ مؤمن ..
      
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ﴾
 
 معنى الإيذاء :
 
أي جاءته مشكلةٌ بسبب إيمانه ، لأنه قال : أنا صائم فعل معه فلان كذا وكذا إيذاءً واستطالةً .
      
﴿ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾
 
       أول ضغط أو إكراه أو وعيد قال : لا ، هذا شيء صعب لا يحتمل ، أي أنه وازن وجعل هذا الضغط الإنساني العابر المؤقَّت جعله كعذاب النار ، وهذا مِن أخسر الخاسرين ، ضغطٌ من بني البشر وضغطٌ عابر ومؤقَّت وقد لا يتحقَّق ، الله يمتحنك به ، يجب أن يكون شعارك دائماً كما قال سحرة فرعون :
 
 
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ .
( سورة طه )
       طبعاً إنَّ الله عزَّ وجل لطيف يُحِبُّ أن تعرف نفسك ، من أنت ؟ ما مستوى إيمانك ؟ ..
      
﴿ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾
 
 جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ
 
     فهذا الضغط ، هذا الوعد ، هذا الوعيد ، هذا الإكراه جعله مساوياً لعذاب النار ، وعذاب النار أبديّ ، الله عزَّ وجل قال  :
﴿ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا(13) ﴾ .
( سورة الأعلى )
       هذا عذاب النار ، شيء لا يُحتمل ، فلو وازنت بين عذاب الدنيا وبين عذاب النار ،  القضيَّة بسيطة جداً فلا مجال للمقارنة بينهما ..
      
﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾
 
 دعوى الإيمان عند المكاسب والمصالح :
 
هذا الذي يدَّعي الإيمان ، هذا الذي ينتمي للإيمان انتماء شكلي ، انتماء مصلحياً ..
      
﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾
 
      إنه يحبُّ الإيمان بأن يكون فيه مكاسب ، مغانم ، توفيقات ، عطاءات ، دائماً يَتْبَعُ العطاء ، إذا كان هناك شيء مريح ، مثلاً كأن يكون احتفال ، أو توزيع مكاسب ، أو وليمة ، أخي نحن منكم وفيكم يا أخي لمَ لمْ تدعونا ؟ إذا كان تكليف تراه يلحقه فلن ، فقد اختفى ، الإيمان عند مكاسب ، فعند المكاسب هو مؤمن ؛ وعند المتاعب تجد كل واحد يأخذ موقفاً ، لذلك :
      
﴿ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾
 
فالله يكشف الإنسان كشفاً كاملاً ..
      
﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾
 
 هؤلاء من المنافقين فاحذروا أن طريقهم :
 
       ربنا عزَّ وجل وصف هؤلاء الذين يقولون : آمنا بالله فإذا أوذوا في الله جعلوا فتنة الناس كعذاب الله ، وإذا جاء النصر،قالوا : إنا كنا معكم، هذه صفات المنافقين ، أي إذا أراد الإنسان الإيمان كمكاسب ورفضه كمغارم ، أراده مغانم ورفضه مغارم ، أراده تشريفاً ورفضه تكليفاً ، أراده قبضاً ورفضه دفعاً ، أراده شُكراً ورفضه صبراً ، قال العلماء : هذا في تقويم الله له منافق ..
       
﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾
 
ظاهره يتجلى بإيمان ، وباطنه حجودٌ وكفران .
      
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾
 
 ادِّعاء الكفار تحمُّل مسؤولية المعصية وتبعاتها :
 
      بربِّكم هذه الكلمة ألا يقولها معظم الناس ؟ أخي ضعها في رقبتي ، مَن أنت ؟ من أنت حتَّى تقول : أنا أتحمَّل هذه المسؤوليَّة ؟ ..
      
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾
       يحملك على المَعصية ، يحملك على كسب الحرام ، يحملك على تنمية المال تنمية ربويَّة ، يحملك على إطلاق البصر ، يحملك على حضور حفلات ماجنة ، يحملك ويقول لك : ضعها في رقبتي ، لم يعد هناك مكان في رقبتك لكثرة ما حملتها من أوزار ..
       
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾
 
هم كاذبون ، كلامٌ لا يعني شيئاً ، كلام سمَّوْه خطابياً إنشائياً لا يعني شيئاً ..
      
﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾
 
  لا يحمل أحدٌ وزر أحدٍ : إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
 
      كلمة : ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، الشيء هو أقل ما يمكن أن يوصف ، كل شيء ممكن اسمه شيء ،  و( مِن ) لبعض الشيء ..
      
﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
 
        إنهم بهذا الكلام كاذبون ، هذا كلامٌ فيه كذبٌ كبير ، قد يقول لك أحدهم : أخي امشِ معي ، إلى أين أمشي معك ؟ إلى هنا ، إلى هذا المحل الفلاني ، تقول : لا يجوز ، فيقول : لا تدقِّق ضعها برقبتي ، هذا كلام أهل الدنيا ، كلام المنافقين ، كلام البعيدين عن الله عزَّ وجل ، كل إنسان محاسب بعمله وبقوله.
 
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
( سورة الأنعام : من آية " 94 " )
       فالإنسان غير المؤمن من غبائه ، ومن سوء طالعه ، ومن ضيق أفقه أن يصدِّق من يقول له : افعل هذا ، وضعه في رقبتي ، قال تعالى :
      
﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
 
والأغرب من هذا :
      
﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾
 
 مَنْ دلَّ على معصية تحمّل وزرها :
 
      تأكَّد أنك إذا دللت إنساناً على معصية وفعلها فالوزر نفسه تتحمَّله أنت من غير أن ينقص من أوزارهم شيء .
 
﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾.
( سورة النساء : من آية " 85 " )
       الكفيل حطَّاط ويُعزَّم ، إذا دللت إنساناً على معصية ، على كسب حرام ، على إرواء شهوة بغير ما يرضي الله عزَّ وجل ، على إنفاق مال في طريق غير مشروع ، على تنمية مال بطريق غير مشروع ، إذا دللت إنساناً على معصية فأنت تتحمَّل كامل الوزر من دون أن ينقُص من وزره شيء ، هذه الحقيقة خطيرة ، إذاً ما الذي سيحصل ؟ إنَّ هذا الذي دلَّه على معصية سيتحمَّل إثم معصيته هو وإثم كل مَن دلَّهم عليها..
      
﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
 
       أحياناً يفعل الإنسان شيئاً ثم يموت ، وهذا الشيء قد يستمر ، ولو أن الله عزَّ وجل كشف له يوم القيامة أن مئة ألف فتاةٍ غَوَت بسبب هذا العمل الذي فعلته ، ومن بعده تركت الدنيا ، وكل هذه المعاصي في صحيفتك ، واللهِ الذي لا إله إلا هو عندها يَعُدالإنسان إلى مائة مليون قبل أن يقول كلمةً فيها إشارةً إلى معصية أو دلالة على معصية ..
      
﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
 
 المفتري مسؤولٌ عن افترائه :
 
       أخي هكذا الدين ، الدين يسر ، هذا افتراء على الدين ، إذا قال واحد لك : الحديد غالٍ لا تضع الحديد في البناء ، أو ضع حديد بالمائة واحد، وأنت صدَّقت ، وحفرت الأساسات ، دفعت ثمن الإسمنت ، ثمن العمَّال ، وفي الطابق الثاني انهار البناء ، لماذا صدَّقته ؟ لِمَ لَمْ تسأل الخبراء ؟ فتسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .
 
﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ .
( سورة فاطر )
لماذا صدَّقته ؟ فهذا افتراء ، الإنسان عليه أن يتبع سبيل الله ، أن يتبع سبيل من أناب إلى الله ، أمَّا أهل الدنيا إذا اتبعنا سبيلهم أوردونا موارد التهلُكة .
أنا ألاحظ أناساً كثيرين يستشيرون في زواج بناتهم أصدقائهم وهم ليسوا على علم ، يأتيهم خاطب لا دين له ، فيقول صديق السوء : ثم بعد ذلك يعطيه دعماً ، يعطيه تشجيعاً ، ثمَّ تقع الطامَّة الكبرى ، يفعل في هذه الفتاة ما لا يفعله إنسان غريب عن الدين ، لماذا استرشدت بهذا الإنسان ؟ الله عزَّ وجل يقول في حديث قدسي :
(( يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ )) .
(من صحيح مسلم عن أبي ذر )
       استهدِ اللهَ عزَّ وجل ، اسأل إنساناً تثق في دينه ، بعلمه ، بفهمه لكلام الله ، استنصحه  ..
      
 قصة نوح مع قومه :
 
1 – إقامة نوح مع قومه ألف سنة إلا خمسين عاما في الدعوة :
 
 
سيدنا نوح بقي في قومه تسعمئة وخمسين عاماً ..
       
﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
2 – إهلاك الله الظالمين من قوم نوح بالطوفان :
هم ظالمون ؛ هذه حال ، أيْ حال كونهم ظالمين أخذهم الطوفان ..
      
﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ¯فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
3 – إنجاء الله نوحا ومن آمن به :
      وهذا شيء مفرح ، أن ينجي الله عزَّ وجل المؤمن ، ويهلك الكافر بالفيضانات ، بالزلازل، بالبراكين ، بالمشكلات العامة ، بالأوبئة ، بالاجتياحات ، أما المؤمن الذي حَصَّل ماله حلالاً فله عند الله معاملة خاصَّة ..
 
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
(سورة الأنبياء )
       والآية واضحة :
    
﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ¯فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
 
 قصة وعبرة :
 
      إليكم  قصَّةً كنت أرويها قديماً ، وهي رمزيَّة ، ولكن لها معنىً عميق ، خلاصتها : أن امرأةً جاءت سيدنا نوح وقالت له : يا نوح ، إذا جاء الطوفان فأخبرني ، قال لها : نعم ، يبدو أنه جاء الطوفان ، وركب نوحٌ عليه السلام في السفينة مع أصحابه ، وفي زحمة الطوفان والأمواج كالجبال تَذَكَّرَ هذه المرأة ، وقد نسيها لأنه بشر ، والنبي الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :
(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ...)) .
[ مسلم عن ابن مسعود]
فلمَّا انتهى الطوفان ، والطوفان كان عامّاً ، جاءته هذه المرأة وقالت : يا نوح ، متى الطوفان ؟ لأن الله عزَّ وجل وعد المؤمن أن يُنجيه فالله عزَّ وجل ، نجَّاها بقدرته من دون أنْ تركب السفينة بسبب إيمانها ، إذاً :
      
﴿  فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ¯وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
 
 يا أيها الناس اتقوا غضب الله وسخطه :
 
     اتَّقِ غضب الله ، اتقِ بلاءه ، اتقِ فتنته ، اتقِ أن تُعَذَّبَ لانجذابك  من قِبَلِ إنسان ، اتقِ أن تدفع ثمن المعاصي باهظةً،واتقوه..
      
﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
 
         أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ، وفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعصيه ، إذا رأيت أن طاعة الله ، وتقواه ، وعبادته خير فأنت عالِم ، وإن رأيت في الطاعة إحراجاً ، وفي العبادة مَغْرَمَاً ، وفي اتقاء الله خسارةً فأنت لا تعلم ولو نلت أعلى الشهادات ، مقياس العلم أن ترى في طاعة الله وعبادته وتقواه كل الخير ، وأن ترى في معصيته والانحراف عن منهجه كُلَّ الشر ، هذه القضيَّة بل هذه المعادلة مقياس ثابت جداً ..
      
﴿ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
 
 الخير في تقوى الله :
 
 
       فإنْ كنت تعلم فإنَّك ترى أن طاعة الله هي الخير ، وربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها فأحياناً يبدو لكالخير في معصيته ، يبدو لك أن شراء هذا البيت لا يكون إلا باقتراض مالٍ بفائدة ، وأن البيت مناسب جداً ، والبيت سعره مناسب جداً ، والمبلغ ميسور من طريق مصرف مثلاً ، والفائدة يسيرة ، قد ترى كل الخير في هذا الطريق المشبوه ، فإذا قلت : إني أخاف الله رب العالمين ، عندئذٍ يُيَسَّر الله لك هذا البيت نفسه من طريقٍ آخر ، عملية امتحان  أحياناً تُقْدِمُ على معصية ، ويتراءى لك أن الخير بهذه المعصية ، فإذا غلَّبت إيمانك وقلت : إني أخاف الله رب العالمين ، قد يأتي الخير من طريقٍ آخر ، لذلك :
 
 
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا¯وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ .
( سورة الطلاق )
      
﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
 
  كل معبودٍ من دون الله كذب وإفك مفترى :
  
إنما أداة قصر ، أي أن كل ما تعبده من دون الله هو وَثَن ، والوثن لا ينفع ولا يضر ..
      
﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾
 
 
     أما التعليلات ، والتفسيرات ، والتمهيدات ، والتحليلات هذه كذبٌ كلها ، إفكٌ في إفك ، الإفك هو الافتراء ، وهو الكذب ، إذاً هذا الذي تعبده صنماً لا ينفع ولا يضر ، وهذا الكلام الذي تُرَمْزُ به له كلامٌ كاذب، والدليل أن هذه الأصنام ..
 
      
﴿ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾
 
 لا رازق إلا الله : فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ
 
     وهذه القاعدة مهمَّة جداً ، أحياناً تتوهَّم أو يتراءى لك أن رزقك بيد فلان ، إذا صدَّقت فهذه الآية تنطبق عليك ، تتوهَّم أنه إذا رضي عنك فلان كنت في الأوج ، فإذا غضب عليك كنت في الحضيض ، إذا رضي عليك زيد أعطاك مالاً وفيراً ، فإذا غضب عليك حرمك من كل شيء ، مع أن من أبسط قواعد الإيمان :
(( وَاعْلَمْ أنَّ الأمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )) .
(من سنن الترمذي عن قيس بن الحجَّاج )
 
 
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ﴾ .
( سورة فاطر : من آية " 2 " )
       هذا الإيمان ، أمّا كآيات أن تقرأها وتفهمها القضيَّة سهلة ، أما أن تكون في مستواها ، وأن تعيشها ، وأن تبني مواقفك في ضوء هذه الآيات فهذا المطلوب ، المطلوب أن تكون صامداً ، أن تؤمن أن الله عزَّ وجل لا ينساك من رزقه ، وأن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تُقَرِّبَ أجلاً ، وأن كلمة الباطل لا تزيد في الرزق ..
 
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ .
 ( سورة الأنفال : من آية " 36 " )
" من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى " .
        إذا توهَّمتَ أن المعصية تزيد في رزقك ، وأن الطاعة تنقص في رزقك فهذا هو الجهل الكبير ، لذلك :
      
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً َ﴾
 
هذا كلام الرَزَّاق العظيم ، كلام الله رب العالمين ، كلام الخالق الذي بيده كل شيء ..
      
 
﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾
 
" من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى " .
      
﴿ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
 
 الله هو المستحق للعبادة وحده :
 
       أطيعوه ، واشكروا له أنْ خلقكم ، أنعم عليكم بنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الإرشاد ، أعطاكم الأموال ، والبنين ، والزوجات ، والأهل ، والبيت ، أعطاك هذه الصحَّة ، أعطاك هذه الحواس ..
      
﴿ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
 
فإذا عبدت غيره ، وابتغيت الرزق عند سواه سوف تُحاسب على هذا ..
       
﴿ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
فإن فعلت خيراً فلنفسك ، وإن أسأت فعليها ، أيْ أنَّ عملك لك .
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب