سورة العنكبوت 029 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة العنكبوت 029 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 39 - الحب علاقة جميلة خالدة           برنامج درب الصـــاحات:  درب الصالحات - 12 - انقلاب المشاعر           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 384- اسم الله الرقيب 1           برنامج الكلمة الطيبة: حملة مكارم - الكلمة الطيبة - 32- الجوال اداب وتنبيهات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0203 - سورة الانعام 061 - 068           برنامج فرامــــل الأخلاق:  فرامل الاخلاق - 38 - ما الحب الا للحبيب الاول         

New Page 1

     سورة العنكبوت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة العنكبوت - (الآيات: 01 - 03)

31/01/2012 18:02:00

سورة العنكبوت (029)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 ـ 3)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
  

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى وآله وصحبه أجمعين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
 سبب تسمية سورة العنكبوت :
 
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة العنكبوت ، وقد سميَّت بهذا الاسم لورود آيةٍ في هذه السورة تتحدَّث عن العنكبوت .
بسم الله الرحمن الرحيم
      
﴿الم ¯أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ¯أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
 
أيها الإخوة الأكارم .
 
      
﴿ الم ﴾
 
 القول في الحروف المقطعة :
      
إذا قُلت كما قال بعض المفسِّرين : الله أعلم بمراده ، فهذا حق ، وإذا قلت : هي أوائل أسماء الله الحُسنى فقد قُلت حقاً ، وإذا قلت : هي أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام فقد قلت حقاً ، فإذا قلت : إن القرآن الكريم المعجز من هذه الحروف كان إعجازه ، وهذه الحروف متداولةٌ بين أيديكم ..
 
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) ﴾ .
( سورة البقرة )
فهو حق .
وقد مرَّ بنا سابقاً في مرَّاتٍ عديدة تفسير هذه الحروف التي افتُتِحَتْ بها بعض السور ، أمَّا قول الله عزَّ وجل :
      
﴿أَحَسِبَ﴾
 
 أصل الاستفهام واستعمالاته اللغوية :
 
       هذه الهمزة همزة استفهام ، تقول : أفلانٌ حضر ؟ أأنت قلت لفلان كذا ؟ الاستفهام كما تعلمون طلب العلم مجهولة ، ما اسْمُكَ ؟ ، كم الساعة ؟ ما المبلغ الذي تملك مثلاً ؟ هذا هو الاستفهام ، ولكن الاستفهام يخرج عن غرضه الأساسي إلى أغراض كثيرة ، من هذه الأغراض التقرير ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
معنى : أَحَسِبَ النَّاسُ
 
بمعنى حسِبَ الناسُ ، هذا استفهام تقريري ، وهناك استفهامٌ إنكاري ، وهناك استفهامٌ توبيخي ، وهناك استفهامٌ تَعَجُّبي ، وأنواع الاستفهامات كثيرةٌ جداً ، كلُّها خرجت عن مقصد الاستفهام الأول .
على كلٍ هذا الاستفهام في مطلع هذه الآية استفهامٌ تقريري ، هذه :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
       تعني لقد حَسِبَ الناس ، هذا هو المعنى ، أما معنى حَسِبَ بمعنى ظنَّ ، وليس غريباً عنكم أن تعرفوا أن الوهم ، والشك ، والظن ، وغلبة الظن ، واليقين ، والقطع ، هذه مستويات قبول الحقيقة ، قد تتوهَّم ، وقد تشك ، وقد تظن ، وقد يغلب على ظنِّك ، وقد تتيقَّن ، وقد تَقْطَع ، أعلى درجات اليقين هو القَطع ، لذلك القرآن قطعيُّ الثبوت ، قطعي الدلالة وظنيُّ الدلالة ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
        هذه بمعنى أظنَّ الناس ، حَسِبَ بمعنى ظنَّ ، عندنا فعل حَسِبَ ، وعندنا فعل حَسُبَ ، أي افتخر بحسبه ، وعندنا كذلك فعل حَسَبَ ، أي عَدَّ ، وعندنا أيضاً اسم فعل ( حَسْبُكَ ) ، وهذه الكلمة اسم فعل أمر ، بمعنى يكفي ، اللغة العربيَّة دقَّتها تأتي من أن السين إذا حركتها فلكل حركة معنى ، حَسَبَ ، وحَسُبَ ، وحَسِبَ ، وحَسْبُ ، حَسُبَ أي افتخر بحسبه ونسبه ، وحَسِبَ بمعنى ظنَّ ، وحَسَبَ بمعنى عدَّ ، وحَسْبُكَ هذا ، أي يكفيك هذا ..
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
أي أيظنُّ الناس ؟
      
﴿ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
        قل ما شئت ، قْل : أنا مؤمن ، فهل تُتْرَك بلا امتحان ؟ قل : أنا أحمل شهادة دكتوراه ، هكذا ؟ أفتدع الدولة إنساناً يضع على غرفة بيته لقب دكتور من دون أن تُحاسبه ، من دون أن تطالبه بالشهادة ، وبالترخيص ، هكذا ؟ إنسانٌ مثلك فرضاً لا يقبل منك أن تدَّعي شيئاً لست في مستواه ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
 
 لا بد للمؤمن من امتحان وفتنة :
 
     أن تقول أنا مؤمن ، ثم تأتي ظروف ضاغطة ، وظروف مُغرية ، فماذا تفعل ؟ لو أن الأمر بسيط يكفي أن تقول : أنا مؤمن والحمد لله ، وأن تصلي هذه الصلوات الخَمْس ، وأن تصوم رمضان ، وأن تحجَّ البيت ، وأن تؤدي زكاة مالك ، وانتهى الأمر ، لكانت القضية سهلة جداً ، ولكن إذا قلت : أنا مؤمن ، فهناك امتحاناتٌ لا نهاية لها ، لابدَّ من أن تكشف من أنت  .
 
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .
 (سورة آل عمران : من آية " 179 " )
 
 ليس الإيماء بالإدعاء :
 
تقول : أنا أحبُّ الخير ، لكنَّك قاعدٌ في البيت ، يأتي من يطرق بابك ، ويقول لك : هل لك في خيرٍ ساقه الله إليك ؟ تعتذر ، إذاً هذه دعوى ، هذا الكلام كذب ، تقول : أنا أحبُّ الخير ، أنا أحب التضحية ، أنا أحب الفداء ، أنا أحب الصدقات ، أنا أحب مجالس العلم ، فيأتيك زائرٌ قليل الشأن من غير موعدٍ تُضَحِّي بمجلس العلم من أجله ، أين حبُّك لمجالس العلم ؟ قل له : اذهب معي يا رجل ، جئتني على غير موعد ، وأنا عندي موعد ، أيُّ شيءٍ تدَّعيه ، أي شيءٍ تقوله لابدَّ من أن تُكْشَفَ حقيقتك فيه ، أنا أُحبُّكِ يا أمي حباً جماً ، والله إن تزوَّجت لأفعلنّ كذا وكذا ، ولأفعلنَّ كذا وكذا ، هذا كلام ، فإذا تزوَّج قلب لأمِّه ظهر المِجَن ، وكره بقاءها ، واستثقَّل حياتها ، وتمنَّى أن تموت ، إذاً هذه دعوى وكلامٌ باطل ، أنا أحب الله ، ولن أعصيه أبداً ، يأتيك إغراءٌ شديد تنهار قِواك ، تنهار مقاوماتك فتعصي الله عزَّ وجل .
       إذاً : لو أن القضيَّة بالادعاء لكانت القضيَّة سهلة جداً ، لو أن الإنسان إذا قال : أنا مؤمن أفيعدّ مؤمناً ؟ وإذا قال : أنا محسن ، أفيعدّ محسناً ؟ وإذا قال ": أنا تقي ، أفيعدّ تقياً ؟ وإذا قال : أنا طائع أفيعدّ طائعاً ، القضيَّة إذاً سهلة جداً ، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾
 
      أن تقول : أنا مؤمن ، وتُتْرَكْ بلا امتحان ، بلا ابتلاء ، بلا ظروف كاشفة ، بلا ظروف تُلقي ضوءاً على حقيقتك ، على نياتك إذاً لابدَّ من امتحان ليرى صدقك ، يقول الإنسان لزوجته : والله لن أتخلَّى عنكِ ما حييت ، فإذا أصابها مرضٌ عُضال استثقل حياتها ، وتمنَّى لو يطلقها ، ويرتاح منها ، إذاً هو كاذب بهذا الكلام ، فلك أن تقول ما تشاء ، قل ما شئت ، وعلى الله أن يكشفك على حقيقتك ، ادَّعِ الورع ، فهناك ظروفٌ تكشف ما إذا كنت ورعاً أو غير ورع ، ادَّعِ الطاعة ، فهناك ظروفٌ تكشف حقيقتك ، ادَّعِ برَّك لوالديك ، فهناك ظروفٌ تكشف حقيقتك .
        ذات مرَّة سُئل الإمام الشافعي : يا إمام ، " أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فتبسَّم ، وقال :  لن تُمَكَّنَ قبل أن تُبْتَلَى " .
يقول ربنا سبحانه وتعالى :
 
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30) ﴾ .
( سورة المؤمنون )
 
     من أنواع الفتن والبلاء :
 
1 – الزوجة :
الزواج ابتلاء ، الله عزَّ وجل يريد أن يرى طاعتك بعد الزواج هل تستمر ؟ التزامك في المسجد هل يَضْعُف ؟ اندفاعك للعمل الصالح هل يخبو بعد الزواج ؟ إذاً الزوجة كانت لك فتنة ، امتُحِنْتَ بها فرسبت ، أم أن الزواج لم يُغَيِّر في التزامك نحو المسجد ، ولا في أعمالك الصالحة ، ولا في اندفاعك للخير ، ولا في طاعتك لله عزَّ وجل ، ولا شيء غير طاعة الله تحرص عليها الحرص كلّه ، والزوجة إن رضيتْ ، أو لم ترض سيَّان ، مادام الله راضياً ، الزواج فتنة .
2 – المال :
       أما بالنسبة للمال فقد يقول أحد الناس : والله لو آتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا وكذا ، ولأنفقنَّ منه على كل محتاجٍ ومسكين ، ولأبنينَّ المساجد والمستوصفات ، ولأنفّقنه على الأقارب والأيتام ، آه ، لو أن معي مالاً كثيراً لفعلت وفعلت ، فربنا عزَّ وجل يؤتيه مالاً ، فإذا هو يبخل ، ويضنُّ به ، إذاً رسب في الامتحان.
       كلكم يعلم أمر ثعلبة ، قال : " يا رسول الله أدعو الله أن يغنيني " ، قال : يا ثعلبة ، قليلٌ تشكره خيرٌ من كثيرٌ تكفره " .
النبي عليه الصلاة والسلام كأنه رأى أن هذا الإنسان إذا وُضِعَ على مِحَكِّ الامتحان فلن ينجح ، أصرَّ ثعلبة إصراراً شديداً فدعا النبي له بالغنى ، فتوالدت أغنامه حتَّى ملأت شِعابَ مكَّة ، واغتنى غنىً واسعاً ، ولقد كان ثعلبة حمامة المسجد قبل غناه ، هكذا سمَّاه الصحابة ، لأنه ما فاتته تكبيرةُ الإحرام خلف سيِّد الأنام في كل صلاة .
       فلمَّا اغتنى ، وملأتْ غنمه شِعاب مكَّة غاب عن مسجد رسول الله تغيَّر ، ثم أبتْ نفسه أن يقعد على أرض المسجد ، بعد عامٍ بعث إليه النبي عليه الصلاة والسلام من يأخذ زكاة ماله ، فقال ثعلبة لرسول رسول الله : " قل لصاحبك لا زكاة في الإسلام " ، فقال هذا الرسول : " أو ما تراه صاحباً لك ؟! .. صاحبي لي .. أجمعت مع منع الزكاة كفرك بمحمَّد ؟ " .
وربنا عزَّ وجل قال :
 
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ¯فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ¯
( سورة التوبة)
        فالمال امتحان ، والزواج امتحان ، تسمع درساً في المسجد عن الصبر ، فتقول : يا أخي ، الصبر صفة المؤمنين ؟ والله لئن ابتلاني الله بمرض لأصبِرَن ، ولأمرّغنَِّ وجهي في أعتاب اللهعزَّ وجل ، ولأسألنَّه أن أكون كذا وكذا ، فيأتيه المرض ، فيكفر ، ويتبرَّم ، ويقول : يا رب ، ماذا فعلت أنا حتى أبتلى ؟ فالمشكلة أنك تستطيع أن تقول ما تشاء ، أو قل ما تشاء ، ولكن الله عليه أن يكشفك على حقيقتك ، كيف أنت في الفقر ؟ وكيف أنت في الغنى ؟ هل أنت في الفقر صابر؟ وهل أنت في الغنى شاكر ؟
3 – المرض :
كيف أنت في الصحَّة ؟ هل هذه القوَّة توظِّفها في طاعة الله ، أم في نيل شهواتك ؟
وكيف أنت في المرض ؟ هل ترى أن هذا المرض علاجٌ إلهيٌ رحيم ، وأن الله بيده كل شيء ؟
4 – السفر :
يمتحنك في الإقامة وفي السفر ، إذا سافرت خارج بلدك ، هل تضعُف استقامتك وتقول : لا أحد يعرفني هنا ؟ فإذا كانت استقامتك في بلدك بسبب خوفك على مكانتك الاجتماعيَّة والدينيَّة ، يبتليك الله بالسفر ، بالسفر ماذا تعمل ؟ تنظر إلى النساء الكاسيات العاريات ، تقف مَلِيَّاً أمام الحانات ، تقرأ ما لا يُسمح لك أن تقرأه ، وأنت في السفر ، السفر ابتلاء،امتحنك الله عزَّ وجل ، إذاً استقامتك في بلدك ليست حباً بالله عزَّ وجل بل حفاظاً على مكانتك ، فالله عزّ وجل يتولَّى أن يكشف كل إنسانٍ على حقيقته بشكلٍ دقيق ، ربنا عزَّ وجل يقول ::
 
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ .
( سورة المؤمنون )
       لابدَّ من أن يُبْتَلى الإنسان ، قد يكون في وضع ليس مُضطراً أن يدخل عليه مالٌ حرام ، له دخلٌ مشروعٌ ويكفيه ، قد تضيق الأمور ويقلُّ دخله ، أو تقلُّ قوَّته الشرائيَّة ، عنده أولادٌ كُثُر ، عنده عيال ، الراتب لا يكفي ، السلع غالية ، قبل سنوات كان يقول : والله لو قَطَّعوا يدي إرْبَاً إرباً فلن آكل درهماً حراماً ، كلام طَيِّب ، ولكن حينما ضاقت به سُبُلَ المعيشة مدَّ يده إلى الحرام  ، إذاً هو ما كان صادقاً بهذا الكلام بل كان كاذباً .
       هل تدَع وزارة الصحَّة إنساناً يكتب على بيته : الدكتور فلان ، يحمل شهادة بورد الأمريكيَّة ، ويكون كاذباً بهذا الكلام ؟ أين الشهادة ؟ أين التصديق ؟ أين الترخيص ؟ في أي جامعة درست ؟ ما الثبوتيَّات ؟ ما الدلائل ؟ وزارة الصِحَّة لا تسمح لإنسان أن يتلاعب ، قد يدَّعي إنسان ما  الإيمان ، وهو ينطوي على ضعفٍ في الإيمان ، فيُوْضَع من قبل الله عزَّ وجل في ظروفٍ صعبة ، هذه الظروف الصعبة لابدَّ من أن يوضع فيها كي يُكْشَفَ على حقيقته .
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
        قد يقول : أنا تقي ، أنا لا أتأثَّر بالنساء الأجنبيَّات إطلاقاً ، هذا مجرد كلام ، يضعه الله في ظرفٍ عصيب فإذا قَدَمَهُ تزل ، لماذا ؟ لأنه كان كاذباً في دعواه ، فالإنسان كلَّما كَبُرَ عقله كلَّه ضبط لسانَهُ ، لم يتكلَّم كلماتٍ ليس في مستواها ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
 ما هي الفتنة ؟
 
       ما هي الفتنة ؟ بعض العوام يفهمون الفتنة بمعنىً محدود ، الفتنة لا تعني الشر ، الفتنة تعني أن تُكْشَفَ حقيقتك ، فلان مثلاً معه مبلغٌ يسير ، وجاءه صديقٌ حميم ، وطلب منه هذا المبلغ ، فقدمه له ، نقول : هذا الإنسان فُتِنَ فنجح في هذا الافتتان ، أي أنه دُعِيَ إلى عملٍ صالح ، إذا كان معه مبلغٌ يسير فاستجاب سريعاً لرد لهفة صديقه ، ودفع هذا المبلغ ، الله عزَّ وجل فتنه ، أي أظهر كماله ، أظهر حبَّه للخير ، أظهر حُبَّه للإحسان ، أظهر مؤاثرته لأخيه ، أظهر اندفاعه للعمل الصالح ، ليس معنى الفتنة أن تَسْقُط ، الفتنة تعني أن تنجح ، أو أن تسقط  .
 
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ .
 ( سورة طه : من آية " 40 " )
       أيْ أظهرْنا ما في نفسك ، لذلك الإنسان له مظهر وله مَخْبَر ، له كلمات يَدَّعيها ، وله حقيقة ينطوي عليها ، له علاقات خارجيَّة منضبطة وله علاقات خاصَّة غير منضبطة ، والله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يكشف هذا الإنسان .
       حدَّثني أخ تاجر عنده موظَّف ، قال لي : أغدقت عليه مبلغاً ، أي راتباً جيِّداً يكفيه وأسرته ، وكان صاحب المتجر يشعر أن هناك نقصاً في المواد التي في الدكان ، أو نقصاً في المبالغ ، قال لي : ذات يومٍ أرسلت له شخصاً من قِِبَلي بعد الساعة الثامنة ليشتري حاجات ، وأنا جئت إلى مكتبي في الساعة الحادية عشرَة ، وسألته : هل جاء أحد ؟ قال له: لا ، هل اشترى أحد ؟ قال له : لا ، وأمرت هذا الإنسان أن يأتيني بعد الظهر ليرُدَّ البضاعة أمامي ، جاء بعد الظهر فلمَّا دخل إلى المحل ، ومعه البضاعة ليردها : اصطبغ وجه الموظف باللون الغامق ، وشعر بخيانته ، فهذا إنسانٌ امتحن إنساناً ، ورسب ، أعطاه معاشاً معقولاً يكفيه ؛ لكنَّ هذا الموظَّف في هذا المحل التجاري حدَّثته نفسه أن يأخذ ما ليس له ، أن يأخذ من غَلَّة الصندوق ، وأن يأخذ من بعض البضاعة ، فلمَّا شكَّ صاحب هذا المحل لجأ إلى هذا الموقف الذكي ، وأرسل من يشتري بضاعةً قبل أن يأتي هو ، وسأله وأكَّد عليه : هل جاء أحد ؟ هل اشترى أحد ؟ قال له : لا ، أمر الشاري ثانيةً أن يعود بعد الظُهر ليردَّ البضاعة ، فكُشِفَ هذا الموظَّف ، إذا : الإنسان قادر على أن يكشف حقيقة إنسان مثله ، فكيف خالق الأكوان ؟
       قل ما شئت ، أسبغ على نفسك ما شئت من الصفات ، والله عزَّ وجل متكفِّلٌ أن يكشف كل إنسانٍ على حقيقته ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
لا تدّعي ما ليس فيك فيكشفك الله :
 
      يقول لك أحدهم : أنا لا أتأثَّر بالنظر إلى النساء ، هذا كلام كاذب ، التقوى أقوى ، الشرع أقوى وأحوط ، هذه الدعوى تعقبها زَلَّةُ قدمٍ كبيرة ، إذاً كان كاذباً في هذا الإدعاء ، فلك أن تدَّعي مع الله الصلة ، و لك أن تدّعي مع الناس الإحسان ، و لك أن تدعي معنفسك الورع ، و لك أن تدعي ما شئت ، والله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يكشف حقيقة الإنسان في هذه الدنيا قبل أن يموت ، هذه آيةٌ خطيرةٌ جداً .
       فالعباد مكشوفون أمام الله عزَّ وجل ، نفسك صفحةٌ بيضاء ، الدخائل ، الصراعات ، المشاعر، الخواطر ، الطموحات ، النيات العميقة ، النيات البعيدة ، قد تعقد شراكةً ، وتقسم لشريكك أن هذه الشراكة أبديَّة ، وأن الموت وحده يفرِّق بيننا ، وأنت في أعماق نفسك تخطِّط لهذه الشركة أن تستولي عليها بعد أمدٍ طويل ، بعد أن تكتشف سرَّ هذه المصلحة من شريكك ، الله عزَّ وجل ..
 
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ .
( سورة غافر )
       فلذلك ليحرص الإنسان حِرصاً بليغاً على ألا يتكلَّم بما ليس فيه ، والمؤمن لا يكذب ، وهو صادق ، ويتكلَّم الحقيقة ، فإذا أَنِسَ الله منك صدقاً ، واستقامةً كان الامتحان يسيراً ، الامتحان عملية كشف هذا المعدن الطيِّب ، لذلك المؤمن لا تزيده الأيَّام إلا رفعةً ، لأن حقيقته عالية جداً ، فما على الامتحان إلا أن يكشف جوهره الثمين ، أما غير المؤمن فحقيقته متدنيَّة ، مظهره مقبول ، له مظهر طيِّب ، له مظهر صالح ، أما حقيقته غير طيِّبة ، لذلك الأيَّام تفضحُهُ وتكشفه على حقيقته .
       نسأل الله عزَّ وجل أن يثبِّت أقدامنا ، وأن يسترنا بستره الجميل..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
      أي أيها العباد ، لا تحسبوا أنني غافلٌ عنكم ، أيها العباد ، لا تحسبوا أنكم بدعواكم تكذبون على الناس ، وتفعلون ما تريدون ، إنني كفيلٌ أن أكشفكم على حقيقتكم ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
 
       تقول : أنا كذا ، ومتروك بلا امتحان ؟ فلو أن طالباً قال : أنا أقوى الطُلاب في الرياضيات ، فالأب قد يصدِّق ؟ يقول له من خلال سؤال بسيط : أين مذاكراتك ؟ أين علامات الامتحان ، ائتني بها ؟ أين جلاؤك ؟ طالب هل بإمكانه من أن يدَّعي أنه أقوى الطلاب في الرياضيات بلا دليل ، بلا امتحان ، بلا أوراق مذاكرات ، بلا أوراق امتحان ؟ وقد يقول آخر : أنا أقوى الطلاب في اللغة العربيَّة ، أنا الأولي في المدرسة ، كلامٌ لابدَّ من أن يُكْشَف مضمونه .
       قد يذهب طلابٌ إلى بلاد الغرب ليتلقَّوا العلوم ، يكذبون على أوليائهم : لقد نجحنا إلى الصف الثاني ، ولقد ... وبعد أربع سنوات تأتي وثيقتهم بالطرد من الجامعة ، إذاً مع إنسان مثلك لا تستطيع أن تكذب ، مع إنسان عادي لابدَّ من أن يكشف الكذب آجلاً أو عاجلاً ، فهل مع خالق الأكوان تنطلي عليه هذه الدعوى ؟‍
 
 إنه حديث يصم ظهر المدعين :
 
ورد في الحديث :
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ )) .
لم يقل : إنه من أهل الجنَّة ، بل يعمل بعمل أهل الجنَّة ، أي أنه يتمسَّح بالمؤمنين ، يقلِّدهم لينتزع إعجاب الناس ، كي تروج تجارته ، كي تزداد مبيعاته ، كي يثق الناس به ، كي يعطونه الأموال الضخمة ، إذاً :
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ـ وهو كشف حقيقته ـ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ )) .
 ( صحيح البخاري : عن " عبدالله " )    
        هذا معنى الحديث ، إنه منافقٌ كبير ، إنه يعمل صالحاً فيما يبد للناس لينتزع إعجابهم ، ليحقِّق مصالحه ، ليروِّج بضاعته ، ليرفع مستوى مبيعاته ، هكذا .
        ربنا سبحانه وتعالى يقول :
      
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
 
 اقرؤوا التاريخ : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
 
اقرأ التاريخ ، اقرأ تاريخ الأنبياء والمرسلين ، اقرأ تاريخ الذين عاصروا الأنبياء ، اقرأ تاريخ الأمم والشعوب ، ماذا ترى ؟ ترى أن الله سبحانه وتعالى كشف كل إنسان ، الخائن كشف خيانته ، والصادق كشف صدقه ، والمستقيم كشف استقامته ، والدَجَّال كشف دَجَلَهُ ، وأحياناً يقع حدث في العالَم فيكشف أوراق الجميع ، حدث واحد ، هذا الإنسان كان يدَّعي كذا فانكشف على حقيقته ، وهذا الإنسان ، وهذا الإنسان ، وهذه الجهة ، وهذه الجهة ، أحياناً تقع الأحداث لتكشف الأوراق ، وهذا من فتنة الله عزَّ وجل للناس ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
فهذا الذي ينفق أموالاً طائلةً على ملذَّاته ، والأمور مغطَّاة ، ولا أحد يعرف عنه شيئاً ، وفجأةً ينكشف أمره ، وتفضح دخائله ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
أحياناً بعض الناس يتخذ من المظاهر الدينيَّة ستراً له ، فجأةً يُكْشَفُ أمره ، يُضْبَط بعمل شائن ، بعمل قذر ، بعمل منحرف .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
فكلَّما ازدادت معرفتك بالله عزَّ وجل ازداد خوفك منه ، وازداد قلقك ، لأن الله عزَّ وجل لابدَّ من أن يكشف الإنسان ..
 
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .
 ( سورة آل عمران : من آية " 179 " )
لابدَّ من كشف الأوراق ، لابدَّ من كشف الدخائل ، والله يسترك مرَّةً ومرَّةً و مرَّةً ، ثمَّ يفضحك لتبدو على حقيقتك ، لئلا يُغَشَّ الناس ويخدعون ، لئلا تُغَشَّ أنت بنفسك ، هذه من سنة الله في خلقه ، فالإنسان أحياناً تكون له علاقات شائنة ، وتكون له أعمال خَفِيَّة ..
﴿ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ(63) ﴾ .
(سورة المؤمنون )
     وأحياناً يكون للإنسان مخالفات في بيته بعد أن يُغَلِّق الأبواب ، لكنَّه يبدو أمام الناس بمظهرٍ تقيٍّ ورعٍ ، ثم تشاء الأقدار وبطرائق عجيبة أن يُكشف في عُقْر بيته ، يكشفه أهله في عقر بيته ، أصدقاؤه ، فلذلك هذه الآية خطيرة ، وهذه الآية عامَّة ، لم يقل الله : أحسب المؤمنون ، ماذا قال ؟ لقد قال :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
 وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم :
 
      وكلمة الناس شائعة ، عامَّة ، أيْ أنَّ أيَّ إنسانٍ لابدَّ من أن يُكشف على حقيقته ، قل ما شئت ، ادَّعِ ما شئت ، اظهر أمام الناس بأعلى الصفات ، بأكرم حال ، بأتقى مظهر ، إذا كان لك أعمال أنت من دون هذه الأعمال لها عامل فهذه تُكْشَف لا محالة ، ولكن الله ستِّير يسترك المرَّة تلو المرَّة ، فإذا علمَ أنك مقيمٌ على هذه المعصية فلابدَّ من أن يفضحك كي تتوب منها ، وكي تظهر حقيقتك ، ولئلا تَغُشَّ الناس ، حتى إن بعضهم يقولون : الأجانب لهم مثل ، قالوا : " تستطيع أن تخدع الناس جميعاً لبعض الوقت ، وتستطيع أن تخدع إنساناً لطول الوقت ، أما أن تخدع جميع الناس لطول الوقت فهذا مستحيل " ، لذلك أحياناً حدث واحد يكشف أوراق الجميع ، يفضح الجميع .
        ذات مرَّة تواجدت أسرة ، وأسرة ، وأسرة في حفل في فندق ، وتكلَّم إنسان من الأغنياء في ساعة غيبوبة ، وقال : فلانة وفلانة وفلانة عشيقات له ، ففضح كل زوجات هؤلاء على رؤوس الأشهاد ، وهذه العلاقات الراقية فيما يبدو كلُّها كُشِفَت خباياها وظهرت ، علاقات خيانة زوجية في ساعة غيبوبة عن الوعي ، وافتضح حال أولئك جميعاً على مرأى ومسمع مشهودين .
     
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
الادعاءات والخفايا تُفْضَح ، وتُكْشَف ، والله عزَّ وجل قال :
 
 
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ .
( سورة يوسف)
       أي خائن ، إذا خنت صاحب هذا المتجر ، إذا خنت زوجتك ، إذا خانتك زوجتك ، إذا خُنت شريكك ، إذا خانك شريكك ، إذا خنت جارك ، إذا خانك جارك ، أية خيانةٍ على الإطلاق فإنَّ الله لابدَّ من أن يكشفها ..
 
 
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ .
       والقصص التي تقرؤونها ، وتسمعون عنها لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ، فهذه آية كما يقول بعض العلماء : تقصم الظهور ، أنت علاقتك مع الخالق ، فلا مزح مع الخالق ، ولا تغطية ، ولا تعمية ، ولا ذكاء ، لا مع الله خداع ، ولا مخادعة  .
 
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
( سورة البقرة )
       مع الله ليس هناك ماكر ، ولا دَجَّال ، الله يكشف الناس جميعاً ، فلذلك إذا كانت علاقة الإنسان مع الله وحده فعليه أن يبني هذه العلاقة على الصِدق ، وعلى الوضوح ، وعلى الصفاء ، وعلى الطهر ، وعلى الاستقامة ، وعلى الخضوع لله عزَّ وجل ؛ وإلا فأية علاقةٍ أخرى تبنى على غير هذه العلاقة لابدَّ من أن تُفْضَح .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
        فهذه الآية كلها بدأت شرحها بمثل : إنسان اشترى عيادة ، ووضع لافتة بأحلى مظهر ، كتب عليها : الدكتور فلان الفلاني ، اختصاصي في أمراض القلب ، يحمل شهادة بورد من جامعة كذا ، هكذا الأمور بلا محاسبة ؟ بلا كشف أوراق ، بلا سؤال ، بلا ترخيص ، بلا إبراز شهادة ؟ مستحيل ، أنت مع إنسان يكشفك ، فكيف مع خالق الأكوان ؟
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
           لابدَّ من أن تُفْتَن ، أحد الحُجَّاج يطوف بالبيت ويقول : " يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟ " ، كان وراءه الإمام الشافعي ، فقال له : " يا هذا ، هل أنتراضٍ عن الله حتَّى يرضى عنك ؟ " فقال : " يرحمك الله من أنت ؟ ، قال : " أنا محمدٌ بن إدريس الشافعي " ، قال : " كيف أرضى عنه ، وأنا أتمنَّى رضاه ، ما هذا الكلام ؟ " ، قال : " يا هذا ، إذا كان سرورك بالنِقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
 
الإيمان الحقيقي يظهر في الشدائد :
 
تلاحظ أكثر الناس في الرخاء يقول لك : الحمد لله ، يا رب ، لك الحمد ، الله متفضِّل ، فهل هذا هو الإيمان ؟ لا والله ، الإيمان أن تأتي الشدائد وأن تقول معها : يا ربي لك الحمد ، هذا فعلك ، وهذه يدك الكريمة ، وهذا قدرك ، وهذا قضاؤك ، وهذه حكمتك ، وهذه رحمتك وأنا راضٍ بها ، البطولة في الضرَّاء لا في السرَّاء ، معظم الناس إذا جاءهم الإكرام الإلهي يحمدون الله عزَّ وجل  .
 
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11) ﴾ .
( سورة الحج )
       لذلك أنا دائماً أقول للإخوان الأكارم : البطولة أن يبدو حمدك وشكرك ، وأن تبدو معرفتك بالله عزَّ وجل في الشدائد ، فليس من المعقول لإنسان أن يمتحن سيارة بالطريق الهابطة ، مستحيل ، أية سيارة مهما كانت رديئة الصناعة ، مهما كانت قديمة ، مهما كانت ضعيفةً ، مهما كان فيها خلل إنها في الطريق الهابطة تهوي سريعاً ، لكن المركبة لا تُمْتَحَن إلا في الصعود ، وأنت أيها المؤمن لا تُمْتَحن إلا في الشدائد ، لذلك قال أحدهم للنبي عليه الصلاة والسلام :
(( إني أحبُّك يا رسول الله، قال :انظر ما تقول ، قال : والله إني أحبُّك ، قال : انظر ما تقول  ، قال : والله إني أحبُّك ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أسرع إليكَ من شراك نعليك )) .
[ ورد في الأثر ]
       ليس معنى هذا الفقر المادي ، لكنَّ هناك شدائد ، تدَّعي حبَّاً لله عزَّ وجل، تدعي طاعةً له ، تدعي شوقاً إليه ، تدَّعي فناءً في ذاته ، تدَّعي هياماً به ، فقد تفْتن هذا المدَّعي فتاةٌ ، قد تفتن هذا المدَّعي دُرَيْهماتٌ ، قد يفتن هذا المدعي الأصدقاء ، فالإنسان العاقل لا يدعي ، لأنه يعامل خالق الأكوان الذي يعلم ما تخفي الصدور .
       إذاً هذه الآية كما أقول لكم ، وأنا والله صادقٌ في هذا الكلام : تقصم الظهر .
 
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ ﴾
﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾ .
( سورة القيامة )
 
لا بد لكل جامعة من امتحان فتنبه لامتحان الله :
 
       بلا امتحان ، فمثلاً جامعة ؛ قاعات التدريس ، المدرَّجات ، الملاعب ، المكتبات ، المَطعم ، المقاصف ، الحدائق ، قد كلِّفت ألوف الملايين، والمخابر ؛ لكل طالب مجهر ، وكل طالب له مخبر كيميائي صغير ، ولكل أربعة طلاب أستاذ مشرف ، ولكل عشرين طالبا أستاذ مدرِّس ، وأستاذ مصحِّح ، وأستاذ باحث ، وقد كلّفت هذه الجامعة الدولة ألوف الملايين ، وقد قُبِلَ الطلاب فيها ، فتصوَّر فلا يجري امتحان ؟ هكذا تأتي وتحضر ، وتسمع المحاضرات ، وتفتخر أمام المجتمع أنك طالب جامعي ، وتحمل قميصاً أبيض ، وتمشي فيه بالطريق ، وبعد ذلك تُعْطَى شهادة بلا امتحان ؟ أفتفعل هذا جهةٌ أرضيَّةٌ ؟ هذه الجامعة الضخمة لها امتحانٌ قاسٍ ، لها امتحانٌ صعب ، أحسب الطلاب أن ينالوا الشهادات العُليا بلا امتحان وبلا سؤال ؟! فهناك امتحان شفهي ، وامتحان عملي ، وامتحان تحريري ، وامتحان لياقة ، وامتحان مقابلة ، والمواد كثيرة ، مواد للفصل الأول ، وأخرى للفصل الثاني ، ونجاح ورسوب وإكمال ، هكذا جامعة صغيرة لا ترضى أن تمنحك شهادة بلا امتحان ، وخالق الأكوان تريده أن تدخلك الجنَّة إلى الأبد ، هكذا بركعتين تصليها ، وليرتين تتصدق بهما ، وانتهى الأمر ، ركعتين قمت بهما ، وليرتين ألقيت بهما إلى فقير ، وانتهى الأمر ؟ تستنفذ العمر مع شهواتك على هواك ، واختلاط ، وذهاب وإياب ، هكذا ؟ هذه سذاجة ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ..
(( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ )) .
(سنن الترمذي عن أَبي هُرَيْرَةَ )
       تخطب ودَّ الله عزَّ وجل ، وتطلب جنَّةً عرضها السماوات والأرض ، وتريد أن تكون من النُخْبَة ، من صفوة الناس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بلا عمل ، بلا جهد ، بلا مؤاثرة ، بلا صبر ، بلا تحمّل للمشاق ؟!
 
 
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .
( سورة آل عمران )
       هكذا ببساطة وبسذاجة ؟ واللهِ إنَّ إنساناً ذا ذكاء متوسِّط لن تستطيع أن تحتال عليه ، يقول لك : أين التوقيع ؟ أين شهادة المنشأ ؟ أين تصديق السفارة على صحَّة هذا البيان ؟ تفضل قدِّم الثبوتيات ، مع إنسان لا تستطيع أن تتلاعب ؛ أتتلاعب مَعَ خالق الأكوان ؟ لقد خاب ظنُّك .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
أخي أنا مؤمن ، وأحسن منك إيماناً ، خير إن شاء الله إنها دعوى لسان .
      
﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
 
 سنة الامتحان بين الرسوب والنجاح :
 
        هذه سنَّتنا في العباد ، هكذا نفعل مع كل إنسان ، ظروف يخلقها الله عزَّ وجل ، الشريف الذي يدَّعي الشرف ينجح أو يرسُب ، والعفيف ينجح أو يرسب ، والقوي ينجح أو يرسب ، والغني ينجح أو يرسب ، والمتزوج ينجح أو يرسب ، والأعزب ينجح أو يرسب ، والمريض ينجح أو يرسب ، المرض امتحان ، والصحَّة امتحان ، والغنى امتحان ، والفقر امتحان ، والقوة امتحان ، والضعف امتحان ، والذكاء امتحان ، والغباء امتحان ، والوسامة امتحان ، والدمامة امتحان ، والزوجة امتحان، والولد امتحان ، والبيت امتحان ، كله امتحان .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾
 
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
 
الله يريد الصادق ، القضية إذاً بالصدق ، الصدق نوعان ، إما أن يأتي الخبر مطابقاً للحدث ،  وهذا صدق الأقوال ، هذا معروف عن فلان ،  فهو صادق غير كاذب ، أما الصدق الذي يقوله عن الله عزَّ وجل فنوعٌ آخر ، وهو مطابقة الحدث للقول ، تقول : أنا أحب الله ، هذا قول ، هل أفعالك مطابقةٌ لهذا الادّعاء ؟ تقول أنا أطيع الله عزَّ وجل ، هل أفعالك مطابقةٌ لهذا الادعاء ؟ تقول أنا أكره الدنيا وأحب الآخرة ، هل عملك يؤكِّد هذا الادعاء ؟
ولنضرب مثلاً : إذا مشى إنسان في الطريق بلا ثياب ، فهل هناك موقف أشد حرجاً على إنسان معروف له قيمته يمشي في الطريق بلا ثياب ؟ شيء لا يحتمل أساساً ، والله الذي لا إله إلا هو؛ هذا الذي يدَّعي ما ليس عنده ، ويتبجَّح ، ويفعل أفعالاً ذات وقعٍ مُزْعِجٍ كما لو سار عارياً ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
     أنت متى آمنت ؟ تقول : أنا آمنت ،  ولكن متى آمنت ؟ أنا لا أحمل أي شهادة عُليا ،  فهل أستطيع أن أقول : أنا معي دكتوراه ، هكذا ببساطة ، هذه الشهادة كلمة تقولها ؟ أم أنها سبع سنوات بعد الليسانس تدرسها ،  وتؤلِّف أطروحة ، وهناك من يقرأ هذه الأطروحة ويراجعها ، ويأمرك أن تعيد كتابة فصولها مرَّاتٍ عديدة ، ويحاسبك على كل كلمةٍ ،  وعلى كل مرجعٍ ، وتؤلَّف لجنة كبيرة من أستاذ مشرف ،  ومن ثلاثة دكاترة لمناقشة هذه الأُطروحة ، وقد تنجح أو لا تنجح ، أن تقول : أنا أحمل دكتوراه هل العمليَّة سهلة ؟ أهذه الدكتوراه كلمة أم جهود جبَّارة ؟ هذه الشهادة للدنيا ، فهل يكفي على صعيد الإيمان أن تقول : أنا مؤمن ؟ متى آمنت ؟ على يد من آمنت ؟ ما المجالس التي حضرتها ؟ ما الكتب التي قرأتها ؟ من عَلَّمك القرآن ؟ على يد من قرأته ؟ على يد من تعلَّمت تفسيره ؟ هكذا مؤمن بلا مقدِّمات ، بلا أسباب ، بلا دراسات ، بلا جهود ، بلا إنفاق ؟ مستحيل ..
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
     أيها الإخوة ... لو أننا أمضينا هذا الدرس كلَّه في آيةٍ أو آيتين فلا حرج ، إذ العبرة من كتاب الله أن نكون في مستواه ، أن نطبِّقه ، فالقضية قضيَّة مصيريَّة ، وقضيَّة خطيرة ، القضيَّة ليست أن تقرأ سوراً طويلة ،  وأن تقرأ آياتٍ كثيرة ، القضيَّة أن تكون في مستوى كل آية ، يجب أن توقن أنك إذا فعلت شيئاً لا يرضاه الله عزَّ وجل لابدَّ من أن يكشفك للناس ، لابدَّ من أن تُفضح ، فأية دعوى لابدَّ من أن تُكْشَف ، أي ادعاءٍ لابدَّ من أن يُكْشَف ، إذاً الآية الكريمة ينبغي أن نحياها كل هذا الأسبوع ، وأن نشعر أين نحن منها ، لأن الصحابة الكرام كانوا يقرؤون عشر آيات ولا يقرؤون غيرها حتَّى يتمُّوا تطبيقها ، هكذا كان الصحابة.
       فهذا كتاب العُمر ، وهذا كتابٌ مقرَّر،وهذا منهج كل مسلم ، إذاً الله عزَّ وجل يقول : أنا لن أتركك تدَّعي كما تشاء ، لابدَّ من أن أمتحنك ، فالامتحان لا أٌقول : صعب ،  ولكن لابدَّ منه ، إذاً يجب أن نُهَيِّئ أنفسنا ،  وأن نجعل باطننا موافقاً لظاهرنا ، وسرائرنا موافقةً لعلانيَّتنا ، وأن نجعل ما نقول كما نفعل ، وما نفعل كما نقول ، حتَّى ننجو من امتحان الله الصعب ، ومن الفتنة التي لابدَّ منها لكل إنسان .
       كلمة أحسب الناس ، لم يقل : أحسبَ المؤمنون ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
ويجب أن تعلم أيها الأخ أن هذه سُنَّة الله في خَلْقِهِ ، والدليل :
      
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
 
غزوة الخندق بين التمحيص وكشف الحقائق :
 
       مثلاً : أصحاب رسول الله ..  كمثل أخير يؤكِّد هذه الآية .. أصحاب رسول الله كلهم يعرفون أنه رسول ، وكلهم يُحِبُّه ، الكلام واحد ، الانتماء واحد ، الالتصاق واحد ، المعاونة واحدة ، كلُّهم مع النبي ، جاءت معركة الخندق ، جاء عشرة آلاف مقاتل ليستأصلوا المسلمين ، ليبيدوهم عن آخرهم ، واليهود نقضوا العهد ، كُشِفَ ظهر المسلمين ، وأصبح الإسلامُ فيما يبد للناس قضية ساعاتٍ معدودات ، فهؤلاء المؤمنون أهُمْ في درجة واحدة ؟ لا ، بعضهم قال ، وهم المنافقون : " لقد وعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمنُ أن يقضي حاجته " ، لم يقل لقد وعدنا رسول الله ، أما أصحاب النبي الصادقون فقال الله عنهم :
 
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23) ﴾ .
( سورة الأحزاب )
       الله ماذا قال؟ قال :
 
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا(11) ﴾ .
( سورة الأحزاب )
      هناك زلزال يكشف المؤمن ، والمنافق ، والكافر ، والفاسق ، والفاجر ، وكثير الإيمان وضعيف الإيمان ، والمحب والمبغض ، ﴿  هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، حدث واحد يقع في بلد يكشف حقيقة الناس كلِّهم ، هذا يخاف ، هذا لا يخاف ، هذا يترك الطاعة ، هذا لا يتركها ، هذا يتمسَّك بها أكثر ، هذا يتبرَّأُ منها ، حدث واحد يكشف الناس .
 
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى
 
لذلك ذات مرَّة في بعض الجامعات الإسلاميَّة دُعِيَ كبار المفكِّرين،والعلماء ، والكتَّاب إلى مناظرة في مساواة المرأة بالرجل ، وكل هذه المحاضرات مُفادها أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً ، ورأي الإسلام أن المرأة مساويةٌ للرجل من حيث التكليف والتشريف ، مكلَّفةٌ كالرجل بالإسلام والإيمان وطاعة الله عزَّ وجل ، ومشرَّفةٌ كالرجل بالضبط ، والدليل :
 
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
 
  ( سورة الأحزاب : من آية " 35 " )
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .
 
  ( سورة النحل : من آية " 97 " )                                                                                 
 
 
 
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ .
 
 
 ( سورة آل عمران : من آية " 195 " )
       آيات كثيرة جداً ، فالمرأة مساويةٌ للرجل من حيث التكليف ، ومساويةٌ له من حيث التشريف ، لكن المرأة ليست كالرجل ، لقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾ .
 ( سورة آل عمران : من آية " 36 " )
 
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى¯وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى¯وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴾ .
 
 
 
  ( سورة الليل )
       كيف أن الليل ليل والنهار نهار ، وأن بينهما بَوْنًا شاسعًا ، كذلك المرأة امرأةٌ ببنيتها ، وطبعها ، وأنوثتها ، ونفسيَّتها ، وعقليَّتها ، وعلاقاتها الاجتماعيَّة ، وكذلك الرجل ، له بنيَّةٌ مختلفة ، كل بنية تشابه وظيفتها التي خُلِقَت من أجلها ، ففي هذه الندوة التي أُقيمت في الجامعة ، وحضرها كبار المفكِّرين ، والباحثين ، والعلماء ، والأساتذة ، وتُلْقَى فيها المحاضرات عن أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً ، جاء إنسان ببضعة فئران ، وألقاها في القاعدة في أثناء هذه المحاضرة ، فإذا بالنساء يَصْرَخْنَ ، ويخرجن من القاعة مذعورات ، فالبنية مختلفة ، هذه الواقعة أبلغ من كل هذه المحاضرات ، أجلْ البنية مختلفة ، فالله عزَّ وجل :
      
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
     على هامش هذه المحاضرة إليك قصَّة هذه المرأة التي شَكَت إلى النبي قالت : " يا رسول الله إن فلاناً ـ أي زوجها ـ تزوجني وأنا شابَّة ذات أهلٍ ومالٍ وجمال ؛ فلمَّا ذهب جمالي ، ونثرت بطني ، وكبرت سني ، وتفرَّق أهلي،قال : أنتِ عليّ كظهرِ أمي ، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا ـ فأنا المربية ـ وإن ضممتهم إليَّ جاعوا ـ فهو الذي يكسب الرزق ـ.
       المرأة امرأةٌ والرجل رجلٌ ، له وظيفةٌ خطيرةٌ ولها وظيفةٌ أخطر ، له كرامته ولها كرامتها ، له مهمَّته ولها مهمتها ، مكلَّفٌ ومكلَّفةٌ ، مشرَّفٌ ومشرَّفةٌ ، ولكن المرأة بطبيعتها وبنيتها وعقليَّتها ونفسيتها ، وما حباها الله من رقَّة عاطفةٍ ومن سرعة استجابةٍ ، ومن حدسٍ سريع تناسب وظيفتها الخطيرة في تربية الأولاد ، فإذا تداخلت الأوراق ضاع المجتمع .
        إذاً هذه الآية التي تلوناها على مسامعكم ، واستمعتم إلى تفسيرها ، أرجو الله عزَّ وجل أن ينفعنا بها .
والحمد لله رب العالمين
 
  

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب