سورة العنكبوت 029 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة العنكبوت 029 - الدرس (1): تفسير الأيات (01 – 03)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


        إعلان وتنويه هام الأخوة مستمعي ومحبي إذاعة القرآن الكريم-نابلس، نود أن ننوه الى أن هناك محطة راديو مجهولة الهوية والمكان، تبث تلاوة قرآن كريم على مدار الساعة، دون الإعلان عن اسم المحطة أو رقم تلفون أو أية فواصل إعلانية ، و قد اثر ذلك على إرسال إذاعتنا في الكثير مناطق مدينة القدس ، و مدينة بيت لحم ، ومناطق واسعة من مدينة رام الله، وبعض مرتفعات جنين، ومنطقة الرام وكل مدينة أريحا، ومنطقة نابلس الجديدة في مدينة نابلس، وحوّارة وحاجز زعترة بالقرب منها، وخط التسعين بين مدينة أريحا وطبريا،، ولا زلنا مستمرين بالحث والتحري لمعرفة المناطق المتضررة من هذا التشويش، ولأن هذه المحطة تستخدم نفس ترددنا الذي نستخدمه 96.9FM، وتبث تلاوة قرآن، فهذا ما زاد الأمر تعقيدا في البحث ووقتا أطول حتى استطعنا التأكد من أن هناك جهاز إرسال بقدرة عالية يبث على هذا التردد. ونشكر كل من اتصل بنا ليخبرنا بهذا التشويش، علما أننا قمنا بالبلاغات لدى الجهات الرسمية في وزارة الأتصالات وتكنلوجيا المعلومات، وجاري العمل على تحديد مصدر هذا التشويش، ثم العمل على حل الموضوع بحول الله ومشيئته. لا تنسونا من دعائكم.           مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج بذور - برنامج زراعي:  برنامج بذور -الحلقة - 81           برنامج أنت تسأل والمفتي يجيب 2: أنت تسأل - 171- الشيخ محمد الحاج محمد - 22 - 8-2019           برنامج أغرب من الخيال:  أغرب من الخيال - 28-وسطية العبادة           برنامج تربية الأولاد:  وسائل تربية الأولاد - 72- التربية بالقدوة 2           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 163- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- حكم قطف االثمر في الطرقات           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0395 - سورة يونس 071 - 071         

الشيخ/

New Page 1

     سورة العنكبوت

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة العنكبوت - (الآيات: 01 - 03)

31/01/2012 18:02:00

سورة العنكبوت (029)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 ـ 3)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
  

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى وآله وصحبه أجمعين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
 سبب تسمية سورة العنكبوت :
 
       أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة العنكبوت ، وقد سميَّت بهذا الاسم لورود آيةٍ في هذه السورة تتحدَّث عن العنكبوت .
بسم الله الرحمن الرحيم
      
﴿الم ¯أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ¯أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
 
أيها الإخوة الأكارم .
 
      
﴿ الم ﴾
 
 القول في الحروف المقطعة :
      
إذا قُلت كما قال بعض المفسِّرين : الله أعلم بمراده ، فهذا حق ، وإذا قلت : هي أوائل أسماء الله الحُسنى فقد قُلت حقاً ، وإذا قلت : هي أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام فقد قلت حقاً ، فإذا قلت : إن القرآن الكريم المعجز من هذه الحروف كان إعجازه ، وهذه الحروف متداولةٌ بين أيديكم ..
 
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) ﴾ .
( سورة البقرة )
فهو حق .
وقد مرَّ بنا سابقاً في مرَّاتٍ عديدة تفسير هذه الحروف التي افتُتِحَتْ بها بعض السور ، أمَّا قول الله عزَّ وجل :
      
﴿أَحَسِبَ﴾
 
 أصل الاستفهام واستعمالاته اللغوية :
 
       هذه الهمزة همزة استفهام ، تقول : أفلانٌ حضر ؟ أأنت قلت لفلان كذا ؟ الاستفهام كما تعلمون طلب العلم مجهولة ، ما اسْمُكَ ؟ ، كم الساعة ؟ ما المبلغ الذي تملك مثلاً ؟ هذا هو الاستفهام ، ولكن الاستفهام يخرج عن غرضه الأساسي إلى أغراض كثيرة ، من هذه الأغراض التقرير ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
معنى : أَحَسِبَ النَّاسُ
 
بمعنى حسِبَ الناسُ ، هذا استفهام تقريري ، وهناك استفهامٌ إنكاري ، وهناك استفهامٌ توبيخي ، وهناك استفهامٌ تَعَجُّبي ، وأنواع الاستفهامات كثيرةٌ جداً ، كلُّها خرجت عن مقصد الاستفهام الأول .
على كلٍ هذا الاستفهام في مطلع هذه الآية استفهامٌ تقريري ، هذه :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
       تعني لقد حَسِبَ الناس ، هذا هو المعنى ، أما معنى حَسِبَ بمعنى ظنَّ ، وليس غريباً عنكم أن تعرفوا أن الوهم ، والشك ، والظن ، وغلبة الظن ، واليقين ، والقطع ، هذه مستويات قبول الحقيقة ، قد تتوهَّم ، وقد تشك ، وقد تظن ، وقد يغلب على ظنِّك ، وقد تتيقَّن ، وقد تَقْطَع ، أعلى درجات اليقين هو القَطع ، لذلك القرآن قطعيُّ الثبوت ، قطعي الدلالة وظنيُّ الدلالة ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
        هذه بمعنى أظنَّ الناس ، حَسِبَ بمعنى ظنَّ ، عندنا فعل حَسِبَ ، وعندنا فعل حَسُبَ ، أي افتخر بحسبه ، وعندنا كذلك فعل حَسَبَ ، أي عَدَّ ، وعندنا أيضاً اسم فعل ( حَسْبُكَ ) ، وهذه الكلمة اسم فعل أمر ، بمعنى يكفي ، اللغة العربيَّة دقَّتها تأتي من أن السين إذا حركتها فلكل حركة معنى ، حَسَبَ ، وحَسُبَ ، وحَسِبَ ، وحَسْبُ ، حَسُبَ أي افتخر بحسبه ونسبه ، وحَسِبَ بمعنى ظنَّ ، وحَسَبَ بمعنى عدَّ ، وحَسْبُكَ هذا ، أي يكفيك هذا ..
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
أي أيظنُّ الناس ؟
      
﴿ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
        قل ما شئت ، قْل : أنا مؤمن ، فهل تُتْرَك بلا امتحان ؟ قل : أنا أحمل شهادة دكتوراه ، هكذا ؟ أفتدع الدولة إنساناً يضع على غرفة بيته لقب دكتور من دون أن تُحاسبه ، من دون أن تطالبه بالشهادة ، وبالترخيص ، هكذا ؟ إنسانٌ مثلك فرضاً لا يقبل منك أن تدَّعي شيئاً لست في مستواه ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
 
 لا بد للمؤمن من امتحان وفتنة :
 
     أن تقول أنا مؤمن ، ثم تأتي ظروف ضاغطة ، وظروف مُغرية ، فماذا تفعل ؟ لو أن الأمر بسيط يكفي أن تقول : أنا مؤمن والحمد لله ، وأن تصلي هذه الصلوات الخَمْس ، وأن تصوم رمضان ، وأن تحجَّ البيت ، وأن تؤدي زكاة مالك ، وانتهى الأمر ، لكانت القضية سهلة جداً ، ولكن إذا قلت : أنا مؤمن ، فهناك امتحاناتٌ لا نهاية لها ، لابدَّ من أن تكشف من أنت  .
 
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .
 (سورة آل عمران : من آية " 179 " )
 
 ليس الإيماء بالإدعاء :
 
تقول : أنا أحبُّ الخير ، لكنَّك قاعدٌ في البيت ، يأتي من يطرق بابك ، ويقول لك : هل لك في خيرٍ ساقه الله إليك ؟ تعتذر ، إذاً هذه دعوى ، هذا الكلام كذب ، تقول : أنا أحبُّ الخير ، أنا أحب التضحية ، أنا أحب الفداء ، أنا أحب الصدقات ، أنا أحب مجالس العلم ، فيأتيك زائرٌ قليل الشأن من غير موعدٍ تُضَحِّي بمجلس العلم من أجله ، أين حبُّك لمجالس العلم ؟ قل له : اذهب معي يا رجل ، جئتني على غير موعد ، وأنا عندي موعد ، أيُّ شيءٍ تدَّعيه ، أي شيءٍ تقوله لابدَّ من أن تُكْشَفَ حقيقتك فيه ، أنا أُحبُّكِ يا أمي حباً جماً ، والله إن تزوَّجت لأفعلنّ كذا وكذا ، ولأفعلنَّ كذا وكذا ، هذا كلام ، فإذا تزوَّج قلب لأمِّه ظهر المِجَن ، وكره بقاءها ، واستثقَّل حياتها ، وتمنَّى أن تموت ، إذاً هذه دعوى وكلامٌ باطل ، أنا أحب الله ، ولن أعصيه أبداً ، يأتيك إغراءٌ شديد تنهار قِواك ، تنهار مقاوماتك فتعصي الله عزَّ وجل .
       إذاً : لو أن القضيَّة بالادعاء لكانت القضيَّة سهلة جداً ، لو أن الإنسان إذا قال : أنا مؤمن أفيعدّ مؤمناً ؟ وإذا قال : أنا محسن ، أفيعدّ محسناً ؟ وإذا قال ": أنا تقي ، أفيعدّ تقياً ؟ وإذا قال : أنا طائع أفيعدّ طائعاً ، القضيَّة إذاً سهلة جداً ، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾
 
      أن تقول : أنا مؤمن ، وتُتْرَكْ بلا امتحان ، بلا ابتلاء ، بلا ظروف كاشفة ، بلا ظروف تُلقي ضوءاً على حقيقتك ، على نياتك إذاً لابدَّ من امتحان ليرى صدقك ، يقول الإنسان لزوجته : والله لن أتخلَّى عنكِ ما حييت ، فإذا أصابها مرضٌ عُضال استثقل حياتها ، وتمنَّى لو يطلقها ، ويرتاح منها ، إذاً هو كاذب بهذا الكلام ، فلك أن تقول ما تشاء ، قل ما شئت ، وعلى الله أن يكشفك على حقيقتك ، ادَّعِ الورع ، فهناك ظروفٌ تكشف ما إذا كنت ورعاً أو غير ورع ، ادَّعِ الطاعة ، فهناك ظروفٌ تكشف حقيقتك ، ادَّعِ برَّك لوالديك ، فهناك ظروفٌ تكشف حقيقتك .
        ذات مرَّة سُئل الإمام الشافعي : يا إمام ، " أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فتبسَّم ، وقال :  لن تُمَكَّنَ قبل أن تُبْتَلَى " .
يقول ربنا سبحانه وتعالى :
 
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30) ﴾ .
( سورة المؤمنون )
 
     من أنواع الفتن والبلاء :
 
1 – الزوجة :
الزواج ابتلاء ، الله عزَّ وجل يريد أن يرى طاعتك بعد الزواج هل تستمر ؟ التزامك في المسجد هل يَضْعُف ؟ اندفاعك للعمل الصالح هل يخبو بعد الزواج ؟ إذاً الزوجة كانت لك فتنة ، امتُحِنْتَ بها فرسبت ، أم أن الزواج لم يُغَيِّر في التزامك نحو المسجد ، ولا في أعمالك الصالحة ، ولا في اندفاعك للخير ، ولا في طاعتك لله عزَّ وجل ، ولا شيء غير طاعة الله تحرص عليها الحرص كلّه ، والزوجة إن رضيتْ ، أو لم ترض سيَّان ، مادام الله راضياً ، الزواج فتنة .
2 – المال :
       أما بالنسبة للمال فقد يقول أحد الناس : والله لو آتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا وكذا ، ولأنفقنَّ منه على كل محتاجٍ ومسكين ، ولأبنينَّ المساجد والمستوصفات ، ولأنفّقنه على الأقارب والأيتام ، آه ، لو أن معي مالاً كثيراً لفعلت وفعلت ، فربنا عزَّ وجل يؤتيه مالاً ، فإذا هو يبخل ، ويضنُّ به ، إذاً رسب في الامتحان.
       كلكم يعلم أمر ثعلبة ، قال : " يا رسول الله أدعو الله أن يغنيني " ، قال : يا ثعلبة ، قليلٌ تشكره خيرٌ من كثيرٌ تكفره " .
النبي عليه الصلاة والسلام كأنه رأى أن هذا الإنسان إذا وُضِعَ على مِحَكِّ الامتحان فلن ينجح ، أصرَّ ثعلبة إصراراً شديداً فدعا النبي له بالغنى ، فتوالدت أغنامه حتَّى ملأت شِعابَ مكَّة ، واغتنى غنىً واسعاً ، ولقد كان ثعلبة حمامة المسجد قبل غناه ، هكذا سمَّاه الصحابة ، لأنه ما فاتته تكبيرةُ الإحرام خلف سيِّد الأنام في كل صلاة .
       فلمَّا اغتنى ، وملأتْ غنمه شِعاب مكَّة غاب عن مسجد رسول الله تغيَّر ، ثم أبتْ نفسه أن يقعد على أرض المسجد ، بعد عامٍ بعث إليه النبي عليه الصلاة والسلام من يأخذ زكاة ماله ، فقال ثعلبة لرسول رسول الله : " قل لصاحبك لا زكاة في الإسلام " ، فقال هذا الرسول : " أو ما تراه صاحباً لك ؟! .. صاحبي لي .. أجمعت مع منع الزكاة كفرك بمحمَّد ؟ " .
وربنا عزَّ وجل قال :
 
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ¯فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ¯
( سورة التوبة)
        فالمال امتحان ، والزواج امتحان ، تسمع درساً في المسجد عن الصبر ، فتقول : يا أخي ، الصبر صفة المؤمنين ؟ والله لئن ابتلاني الله بمرض لأصبِرَن ، ولأمرّغنَِّ وجهي في أعتاب اللهعزَّ وجل ، ولأسألنَّه أن أكون كذا وكذا ، فيأتيه المرض ، فيكفر ، ويتبرَّم ، ويقول : يا رب ، ماذا فعلت أنا حتى أبتلى ؟ فالمشكلة أنك تستطيع أن تقول ما تشاء ، أو قل ما تشاء ، ولكن الله عليه أن يكشفك على حقيقتك ، كيف أنت في الفقر ؟ وكيف أنت في الغنى ؟ هل أنت في الفقر صابر؟ وهل أنت في الغنى شاكر ؟
3 – المرض :
كيف أنت في الصحَّة ؟ هل هذه القوَّة توظِّفها في طاعة الله ، أم في نيل شهواتك ؟
وكيف أنت في المرض ؟ هل ترى أن هذا المرض علاجٌ إلهيٌ رحيم ، وأن الله بيده كل شيء ؟
4 – السفر :
يمتحنك في الإقامة وفي السفر ، إذا سافرت خارج بلدك ، هل تضعُف استقامتك وتقول : لا أحد يعرفني هنا ؟ فإذا كانت استقامتك في بلدك بسبب خوفك على مكانتك الاجتماعيَّة والدينيَّة ، يبتليك الله بالسفر ، بالسفر ماذا تعمل ؟ تنظر إلى النساء الكاسيات العاريات ، تقف مَلِيَّاً أمام الحانات ، تقرأ ما لا يُسمح لك أن تقرأه ، وأنت في السفر ، السفر ابتلاء،امتحنك الله عزَّ وجل ، إذاً استقامتك في بلدك ليست حباً بالله عزَّ وجل بل حفاظاً على مكانتك ، فالله عزّ وجل يتولَّى أن يكشف كل إنسانٍ على حقيقته بشكلٍ دقيق ، ربنا عزَّ وجل يقول ::
 
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ .
( سورة المؤمنون )
       لابدَّ من أن يُبْتَلى الإنسان ، قد يكون في وضع ليس مُضطراً أن يدخل عليه مالٌ حرام ، له دخلٌ مشروعٌ ويكفيه ، قد تضيق الأمور ويقلُّ دخله ، أو تقلُّ قوَّته الشرائيَّة ، عنده أولادٌ كُثُر ، عنده عيال ، الراتب لا يكفي ، السلع غالية ، قبل سنوات كان يقول : والله لو قَطَّعوا يدي إرْبَاً إرباً فلن آكل درهماً حراماً ، كلام طَيِّب ، ولكن حينما ضاقت به سُبُلَ المعيشة مدَّ يده إلى الحرام  ، إذاً هو ما كان صادقاً بهذا الكلام بل كان كاذباً .
       هل تدَع وزارة الصحَّة إنساناً يكتب على بيته : الدكتور فلان ، يحمل شهادة بورد الأمريكيَّة ، ويكون كاذباً بهذا الكلام ؟ أين الشهادة ؟ أين التصديق ؟ أين الترخيص ؟ في أي جامعة درست ؟ ما الثبوتيَّات ؟ ما الدلائل ؟ وزارة الصِحَّة لا تسمح لإنسان أن يتلاعب ، قد يدَّعي إنسان ما  الإيمان ، وهو ينطوي على ضعفٍ في الإيمان ، فيُوْضَع من قبل الله عزَّ وجل في ظروفٍ صعبة ، هذه الظروف الصعبة لابدَّ من أن يوضع فيها كي يُكْشَفَ على حقيقته .
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
        قد يقول : أنا تقي ، أنا لا أتأثَّر بالنساء الأجنبيَّات إطلاقاً ، هذا مجرد كلام ، يضعه الله في ظرفٍ عصيب فإذا قَدَمَهُ تزل ، لماذا ؟ لأنه كان كاذباً في دعواه ، فالإنسان كلَّما كَبُرَ عقله كلَّه ضبط لسانَهُ ، لم يتكلَّم كلماتٍ ليس في مستواها ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
 ما هي الفتنة ؟
 
       ما هي الفتنة ؟ بعض العوام يفهمون الفتنة بمعنىً محدود ، الفتنة لا تعني الشر ، الفتنة تعني أن تُكْشَفَ حقيقتك ، فلان مثلاً معه مبلغٌ يسير ، وجاءه صديقٌ حميم ، وطلب منه هذا المبلغ ، فقدمه له ، نقول : هذا الإنسان فُتِنَ فنجح في هذا الافتتان ، أي أنه دُعِيَ إلى عملٍ صالح ، إذا كان معه مبلغٌ يسير فاستجاب سريعاً لرد لهفة صديقه ، ودفع هذا المبلغ ، الله عزَّ وجل فتنه ، أي أظهر كماله ، أظهر حبَّه للخير ، أظهر حُبَّه للإحسان ، أظهر مؤاثرته لأخيه ، أظهر اندفاعه للعمل الصالح ، ليس معنى الفتنة أن تَسْقُط ، الفتنة تعني أن تنجح ، أو أن تسقط  .
 
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ .
 ( سورة طه : من آية " 40 " )
       أيْ أظهرْنا ما في نفسك ، لذلك الإنسان له مظهر وله مَخْبَر ، له كلمات يَدَّعيها ، وله حقيقة ينطوي عليها ، له علاقات خارجيَّة منضبطة وله علاقات خاصَّة غير منضبطة ، والله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يكشف هذا الإنسان .
       حدَّثني أخ تاجر عنده موظَّف ، قال لي : أغدقت عليه مبلغاً ، أي راتباً جيِّداً يكفيه وأسرته ، وكان صاحب المتجر يشعر أن هناك نقصاً في المواد التي في الدكان ، أو نقصاً في المبالغ ، قال لي : ذات يومٍ أرسلت له شخصاً من قِِبَلي بعد الساعة الثامنة ليشتري حاجات ، وأنا جئت إلى مكتبي في الساعة الحادية عشرَة ، وسألته : هل جاء أحد ؟ قال له: لا ، هل اشترى أحد ؟ قال له : لا ، وأمرت هذا الإنسان أن يأتيني بعد الظهر ليرُدَّ البضاعة أمامي ، جاء بعد الظهر فلمَّا دخل إلى المحل ، ومعه البضاعة ليردها : اصطبغ وجه الموظف باللون الغامق ، وشعر بخيانته ، فهذا إنسانٌ امتحن إنساناً ، ورسب ، أعطاه معاشاً معقولاً يكفيه ؛ لكنَّ هذا الموظَّف في هذا المحل التجاري حدَّثته نفسه أن يأخذ ما ليس له ، أن يأخذ من غَلَّة الصندوق ، وأن يأخذ من بعض البضاعة ، فلمَّا شكَّ صاحب هذا المحل لجأ إلى هذا الموقف الذكي ، وأرسل من يشتري بضاعةً قبل أن يأتي هو ، وسأله وأكَّد عليه : هل جاء أحد ؟ هل اشترى أحد ؟ قال له : لا ، أمر الشاري ثانيةً أن يعود بعد الظُهر ليردَّ البضاعة ، فكُشِفَ هذا الموظَّف ، إذا : الإنسان قادر على أن يكشف حقيقة إنسان مثله ، فكيف خالق الأكوان ؟
       قل ما شئت ، أسبغ على نفسك ما شئت من الصفات ، والله عزَّ وجل متكفِّلٌ أن يكشف كل إنسانٍ على حقيقته ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
لا تدّعي ما ليس فيك فيكشفك الله :
 
      يقول لك أحدهم : أنا لا أتأثَّر بالنظر إلى النساء ، هذا كلام كاذب ، التقوى أقوى ، الشرع أقوى وأحوط ، هذه الدعوى تعقبها زَلَّةُ قدمٍ كبيرة ، إذاً كان كاذباً في هذا الإدعاء ، فلك أن تدَّعي مع الله الصلة ، و لك أن تدّعي مع الناس الإحسان ، و لك أن تدعي معنفسك الورع ، و لك أن تدعي ما شئت ، والله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يكشف حقيقة الإنسان في هذه الدنيا قبل أن يموت ، هذه آيةٌ خطيرةٌ جداً .
       فالعباد مكشوفون أمام الله عزَّ وجل ، نفسك صفحةٌ بيضاء ، الدخائل ، الصراعات ، المشاعر، الخواطر ، الطموحات ، النيات العميقة ، النيات البعيدة ، قد تعقد شراكةً ، وتقسم لشريكك أن هذه الشراكة أبديَّة ، وأن الموت وحده يفرِّق بيننا ، وأنت في أعماق نفسك تخطِّط لهذه الشركة أن تستولي عليها بعد أمدٍ طويل ، بعد أن تكتشف سرَّ هذه المصلحة من شريكك ، الله عزَّ وجل ..
 
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ .
( سورة غافر )
       فلذلك ليحرص الإنسان حِرصاً بليغاً على ألا يتكلَّم بما ليس فيه ، والمؤمن لا يكذب ، وهو صادق ، ويتكلَّم الحقيقة ، فإذا أَنِسَ الله منك صدقاً ، واستقامةً كان الامتحان يسيراً ، الامتحان عملية كشف هذا المعدن الطيِّب ، لذلك المؤمن لا تزيده الأيَّام إلا رفعةً ، لأن حقيقته عالية جداً ، فما على الامتحان إلا أن يكشف جوهره الثمين ، أما غير المؤمن فحقيقته متدنيَّة ، مظهره مقبول ، له مظهر طيِّب ، له مظهر صالح ، أما حقيقته غير طيِّبة ، لذلك الأيَّام تفضحُهُ وتكشفه على حقيقته .
       نسأل الله عزَّ وجل أن يثبِّت أقدامنا ، وأن يسترنا بستره الجميل..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
      أي أيها العباد ، لا تحسبوا أنني غافلٌ عنكم ، أيها العباد ، لا تحسبوا أنكم بدعواكم تكذبون على الناس ، وتفعلون ما تريدون ، إنني كفيلٌ أن أكشفكم على حقيقتكم ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
 
       تقول : أنا كذا ، ومتروك بلا امتحان ؟ فلو أن طالباً قال : أنا أقوى الطُلاب في الرياضيات ، فالأب قد يصدِّق ؟ يقول له من خلال سؤال بسيط : أين مذاكراتك ؟ أين علامات الامتحان ، ائتني بها ؟ أين جلاؤك ؟ طالب هل بإمكانه من أن يدَّعي أنه أقوى الطلاب في الرياضيات بلا دليل ، بلا امتحان ، بلا أوراق مذاكرات ، بلا أوراق امتحان ؟ وقد يقول آخر : أنا أقوى الطلاب في اللغة العربيَّة ، أنا الأولي في المدرسة ، كلامٌ لابدَّ من أن يُكْشَف مضمونه .
       قد يذهب طلابٌ إلى بلاد الغرب ليتلقَّوا العلوم ، يكذبون على أوليائهم : لقد نجحنا إلى الصف الثاني ، ولقد ... وبعد أربع سنوات تأتي وثيقتهم بالطرد من الجامعة ، إذاً مع إنسان مثلك لا تستطيع أن تكذب ، مع إنسان عادي لابدَّ من أن يكشف الكذب آجلاً أو عاجلاً ، فهل مع خالق الأكوان تنطلي عليه هذه الدعوى ؟‍
 
 إنه حديث يصم ظهر المدعين :
 
ورد في الحديث :
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ )) .
لم يقل : إنه من أهل الجنَّة ، بل يعمل بعمل أهل الجنَّة ، أي أنه يتمسَّح بالمؤمنين ، يقلِّدهم لينتزع إعجاب الناس ، كي تروج تجارته ، كي تزداد مبيعاته ، كي يثق الناس به ، كي يعطونه الأموال الضخمة ، إذاً :
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ـ وهو كشف حقيقته ـ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ )) .
 ( صحيح البخاري : عن " عبدالله " )    
        هذا معنى الحديث ، إنه منافقٌ كبير ، إنه يعمل صالحاً فيما يبد للناس لينتزع إعجابهم ، ليحقِّق مصالحه ، ليروِّج بضاعته ، ليرفع مستوى مبيعاته ، هكذا .
        ربنا سبحانه وتعالى يقول :
      
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
 
 اقرؤوا التاريخ : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
 
اقرأ التاريخ ، اقرأ تاريخ الأنبياء والمرسلين ، اقرأ تاريخ الذين عاصروا الأنبياء ، اقرأ تاريخ الأمم والشعوب ، ماذا ترى ؟ ترى أن الله سبحانه وتعالى كشف كل إنسان ، الخائن كشف خيانته ، والصادق كشف صدقه ، والمستقيم كشف استقامته ، والدَجَّال كشف دَجَلَهُ ، وأحياناً يقع حدث في العالَم فيكشف أوراق الجميع ، حدث واحد ، هذا الإنسان كان يدَّعي كذا فانكشف على حقيقته ، وهذا الإنسان ، وهذا الإنسان ، وهذه الجهة ، وهذه الجهة ، أحياناً تقع الأحداث لتكشف الأوراق ، وهذا من فتنة الله عزَّ وجل للناس ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
 
فهذا الذي ينفق أموالاً طائلةً على ملذَّاته ، والأمور مغطَّاة ، ولا أحد يعرف عنه شيئاً ، وفجأةً ينكشف أمره ، وتفضح دخائله ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
أحياناً بعض الناس يتخذ من المظاهر الدينيَّة ستراً له ، فجأةً يُكْشَفُ أمره ، يُضْبَط بعمل شائن ، بعمل قذر ، بعمل منحرف .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
فكلَّما ازدادت معرفتك بالله عزَّ وجل ازداد خوفك منه ، وازداد قلقك ، لأن الله عزَّ وجل لابدَّ من أن يكشف الإنسان ..
 
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ .
 ( سورة آل عمران : من آية " 179 " )
لابدَّ من كشف الأوراق ، لابدَّ من كشف الدخائل ، والله يسترك مرَّةً ومرَّةً و مرَّةً ، ثمَّ يفضحك لتبدو على حقيقتك ، لئلا يُغَشَّ الناس ويخدعون ، لئلا تُغَشَّ أنت بنفسك ، هذه من سنة الله في خلقه ، فالإنسان أحياناً تكون له علاقات شائنة ، وتكون له أعمال خَفِيَّة ..
﴿ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ(63) ﴾ .
(سورة المؤمنون )
     وأحياناً يكون للإنسان مخالفات في بيته بعد أن يُغَلِّق الأبواب ، لكنَّه يبدو أمام الناس بمظهرٍ تقيٍّ ورعٍ ، ثم تشاء الأقدار وبطرائق عجيبة أن يُكشف في عُقْر بيته ، يكشفه أهله في عقر بيته ، أصدقاؤه ، فلذلك هذه الآية خطيرة ، وهذه الآية عامَّة ، لم يقل الله : أحسب المؤمنون ، ماذا قال ؟ لقد قال :
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾
 
 وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم :
 
      وكلمة الناس شائعة ، عامَّة ، أيْ أنَّ أيَّ إنسانٍ لابدَّ من أن يُكشف على حقيقته ، قل ما شئت ، ادَّعِ ما شئت ، اظهر أمام الناس بأعلى الصفات ، بأكرم حال ، بأتقى مظهر ، إذا كان لك أعمال أنت من دون هذه الأعمال لها عامل فهذه تُكْشَف لا محالة ، ولكن الله ستِّير يسترك المرَّة تلو المرَّة ، فإذا علمَ أنك مقيمٌ على هذه المعصية فلابدَّ من أن يفضحك كي تتوب منها ، وكي تظهر حقيقتك ، ولئلا تَغُشَّ الناس ، حتى إن بعضهم يقولون : الأجانب لهم مثل ، قالوا : " تستطيع أن تخدع الناس جميعاً لبعض الوقت ، وتستطيع أن تخدع إنساناً لطول الوقت ، أما أن تخدع جميع الناس لطول الوقت فهذا مستحيل " ، لذلك أحياناً حدث واحد يكشف أوراق الجميع ، يفضح الجميع .
        ذات مرَّة تواجدت أسرة ، وأسرة ، وأسرة في حفل في فندق ، وتكلَّم إنسان من الأغنياء في ساعة غيبوبة ، وقال : فلانة وفلانة وفلانة عشيقات له ، ففضح كل زوجات هؤلاء على رؤوس الأشهاد ، وهذه العلاقات الراقية فيما يبدو كلُّها كُشِفَت خباياها وظهرت ، علاقات خيانة زوجية في ساعة غيبوبة عن الوعي ، وافتضح حال أولئك جميعاً على مرأى ومسمع مشهودين .
     
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
الادعاءات والخفايا تُفْضَح ، وتُكْشَف ، والله عزَّ وجل قال :
 
 
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ .
( سورة يوسف)
       أي خائن ، إذا خنت صاحب هذا المتجر ، إذا خنت زوجتك ، إذا خانتك زوجتك ، إذا خُنت شريكك ، إذا خانك شريكك ، إذا خنت جارك ، إذا خانك جارك ، أية خيانةٍ على الإطلاق فإنَّ الله لابدَّ من أن يكشفها ..
 
 
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ .
       والقصص التي تقرؤونها ، وتسمعون عنها لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى ، فهذه آية كما يقول بعض العلماء : تقصم الظهور ، أنت علاقتك مع الخالق ، فلا مزح مع الخالق ، ولا تغطية ، ولا تعمية ، ولا ذكاء ، لا مع الله خداع ، ولا مخادعة  .
 
﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
( سورة البقرة )
       مع الله ليس هناك ماكر ، ولا دَجَّال ، الله يكشف الناس جميعاً ، فلذلك إذا كانت علاقة الإنسان مع الله وحده فعليه أن يبني هذه العلاقة على الصِدق ، وعلى الوضوح ، وعلى الصفاء ، وعلى الطهر ، وعلى الاستقامة ، وعلى الخضوع لله عزَّ وجل ؛ وإلا فأية علاقةٍ أخرى تبنى على غير هذه العلاقة لابدَّ من أن تُفْضَح .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
        فهذه الآية كلها بدأت شرحها بمثل : إنسان اشترى عيادة ، ووضع لافتة بأحلى مظهر ، كتب عليها : الدكتور فلان الفلاني ، اختصاصي في أمراض القلب ، يحمل شهادة بورد من جامعة كذا ، هكذا الأمور بلا محاسبة ؟ بلا كشف أوراق ، بلا سؤال ، بلا ترخيص ، بلا إبراز شهادة ؟ مستحيل ، أنت مع إنسان يكشفك ، فكيف مع خالق الأكوان ؟
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
           لابدَّ من أن تُفْتَن ، أحد الحُجَّاج يطوف بالبيت ويقول : " يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟ " ، كان وراءه الإمام الشافعي ، فقال له : " يا هذا ، هل أنتراضٍ عن الله حتَّى يرضى عنك ؟ " فقال : " يرحمك الله من أنت ؟ ، قال : " أنا محمدٌ بن إدريس الشافعي " ، قال : " كيف أرضى عنه ، وأنا أتمنَّى رضاه ، ما هذا الكلام ؟ " ، قال : " يا هذا ، إذا كان سرورك بالنِقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
 
الإيمان الحقيقي يظهر في الشدائد :
 
تلاحظ أكثر الناس في الرخاء يقول لك : الحمد لله ، يا رب ، لك الحمد ، الله متفضِّل ، فهل هذا هو الإيمان ؟ لا والله ، الإيمان أن تأتي الشدائد وأن تقول معها : يا ربي لك الحمد ، هذا فعلك ، وهذه يدك الكريمة ، وهذا قدرك ، وهذا قضاؤك ، وهذه حكمتك ، وهذه رحمتك وأنا راضٍ بها ، البطولة في الضرَّاء لا في السرَّاء ، معظم الناس إذا جاءهم الإكرام الإلهي يحمدون الله عزَّ وجل  .
 
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11) ﴾ .
( سورة الحج )
       لذلك أنا دائماً أقول للإخوان الأكارم : البطولة أن يبدو حمدك وشكرك ، وأن تبدو معرفتك بالله عزَّ وجل في الشدائد ، فليس من المعقول لإنسان أن يمتحن سيارة بالطريق الهابطة ، مستحيل ، أية سيارة مهما كانت رديئة الصناعة ، مهما كانت قديمة ، مهما كانت ضعيفةً ، مهما كان فيها خلل إنها في الطريق الهابطة تهوي سريعاً ، لكن المركبة لا تُمْتَحَن إلا في الصعود ، وأنت أيها المؤمن لا تُمْتَحن إلا في الشدائد ، لذلك قال أحدهم للنبي عليه الصلاة والسلام :
(( إني أحبُّك يا رسول الله، قال :انظر ما تقول ، قال : والله إني أحبُّك ، قال : انظر ما تقول  ، قال : والله إني أحبُّك ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أسرع إليكَ من شراك نعليك )) .
[ ورد في الأثر ]
       ليس معنى هذا الفقر المادي ، لكنَّ هناك شدائد ، تدَّعي حبَّاً لله عزَّ وجل، تدعي طاعةً له ، تدعي شوقاً إليه ، تدَّعي فناءً في ذاته ، تدَّعي هياماً به ، فقد تفْتن هذا المدَّعي فتاةٌ ، قد تفتن هذا المدَّعي دُرَيْهماتٌ ، قد يفتن هذا المدعي الأصدقاء ، فالإنسان العاقل لا يدعي ، لأنه يعامل خالق الأكوان الذي يعلم ما تخفي الصدور .
       إذاً هذه الآية كما أقول لكم ، وأنا والله صادقٌ في هذا الكلام : تقصم الظهر .
 
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ ﴾
﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾ .
( سورة القيامة )
 
لا بد لكل جامعة من امتحان فتنبه لامتحان الله :
 
       بلا امتحان ، فمثلاً جامعة ؛ قاعات التدريس ، المدرَّجات ، الملاعب ، المكتبات ، المَطعم ، المقاصف ، الحدائق ، قد كلِّفت ألوف الملايين، والمخابر ؛ لكل طالب مجهر ، وكل طالب له مخبر كيميائي صغير ، ولكل أربعة طلاب أستاذ مشرف ، ولكل عشرين طالبا أستاذ مدرِّس ، وأستاذ مصحِّح ، وأستاذ باحث ، وقد كلّفت هذه الجامعة الدولة ألوف الملايين ، وقد قُبِلَ الطلاب فيها ، فتصوَّر فلا يجري امتحان ؟ هكذا تأتي وتحضر ، وتسمع المحاضرات ، وتفتخر أمام المجتمع أنك طالب جامعي ، وتحمل قميصاً أبيض ، وتمشي فيه بالطريق ، وبعد ذلك تُعْطَى شهادة بلا امتحان ؟ أفتفعل هذا جهةٌ أرضيَّةٌ ؟ هذه الجامعة الضخمة لها امتحانٌ قاسٍ ، لها امتحانٌ صعب ، أحسب الطلاب أن ينالوا الشهادات العُليا بلا امتحان وبلا سؤال ؟! فهناك امتحان شفهي ، وامتحان عملي ، وامتحان تحريري ، وامتحان لياقة ، وامتحان مقابلة ، والمواد كثيرة ، مواد للفصل الأول ، وأخرى للفصل الثاني ، ونجاح ورسوب وإكمال ، هكذا جامعة صغيرة لا ترضى أن تمنحك شهادة بلا امتحان ، وخالق الأكوان تريده أن تدخلك الجنَّة إلى الأبد ، هكذا بركعتين تصليها ، وليرتين تتصدق بهما ، وانتهى الأمر ، ركعتين قمت بهما ، وليرتين ألقيت بهما إلى فقير ، وانتهى الأمر ؟ تستنفذ العمر مع شهواتك على هواك ، واختلاط ، وذهاب وإياب ، هكذا ؟ هذه سذاجة ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ..
(( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ )) .
(سنن الترمذي عن أَبي هُرَيْرَةَ )
       تخطب ودَّ الله عزَّ وجل ، وتطلب جنَّةً عرضها السماوات والأرض ، وتريد أن تكون من النُخْبَة ، من صفوة الناس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بلا عمل ، بلا جهد ، بلا مؤاثرة ، بلا صبر ، بلا تحمّل للمشاق ؟!
 
 
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .
( سورة آل عمران )
       هكذا ببساطة وبسذاجة ؟ واللهِ إنَّ إنساناً ذا ذكاء متوسِّط لن تستطيع أن تحتال عليه ، يقول لك : أين التوقيع ؟ أين شهادة المنشأ ؟ أين تصديق السفارة على صحَّة هذا البيان ؟ تفضل قدِّم الثبوتيات ، مع إنسان لا تستطيع أن تتلاعب ؛ أتتلاعب مَعَ خالق الأكوان ؟ لقد خاب ظنُّك .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا ﴾
أخي أنا مؤمن ، وأحسن منك إيماناً ، خير إن شاء الله إنها دعوى لسان .
      
﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
 
 سنة الامتحان بين الرسوب والنجاح :
 
        هذه سنَّتنا في العباد ، هكذا نفعل مع كل إنسان ، ظروف يخلقها الله عزَّ وجل ، الشريف الذي يدَّعي الشرف ينجح أو يرسُب ، والعفيف ينجح أو يرسب ، والقوي ينجح أو يرسب ، والغني ينجح أو يرسب ، والمتزوج ينجح أو يرسب ، والأعزب ينجح أو يرسب ، والمريض ينجح أو يرسب ، المرض امتحان ، والصحَّة امتحان ، والغنى امتحان ، والفقر امتحان ، والقوة امتحان ، والضعف امتحان ، والذكاء امتحان ، والغباء امتحان ، والوسامة امتحان ، والدمامة امتحان ، والزوجة امتحان، والولد امتحان ، والبيت امتحان ، كله امتحان .
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾
 
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
 
الله يريد الصادق ، القضية إذاً بالصدق ، الصدق نوعان ، إما أن يأتي الخبر مطابقاً للحدث ،  وهذا صدق الأقوال ، هذا معروف عن فلان ،  فهو صادق غير كاذب ، أما الصدق الذي يقوله عن الله عزَّ وجل فنوعٌ آخر ، وهو مطابقة الحدث للقول ، تقول : أنا أحب الله ، هذا قول ، هل أفعالك مطابقةٌ لهذا الادّعاء ؟ تقول أنا أطيع الله عزَّ وجل ، هل أفعالك مطابقةٌ لهذا الادعاء ؟ تقول أنا أكره الدنيا وأحب الآخرة ، هل عملك يؤكِّد هذا الادعاء ؟
ولنضرب مثلاً : إذا مشى إنسان في الطريق بلا ثياب ، فهل هناك موقف أشد حرجاً على إنسان معروف له قيمته يمشي في الطريق بلا ثياب ؟ شيء لا يحتمل أساساً ، والله الذي لا إله إلا هو؛ هذا الذي يدَّعي ما ليس عنده ، ويتبجَّح ، ويفعل أفعالاً ذات وقعٍ مُزْعِجٍ كما لو سار عارياً ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
     أنت متى آمنت ؟ تقول : أنا آمنت ،  ولكن متى آمنت ؟ أنا لا أحمل أي شهادة عُليا ،  فهل أستطيع أن أقول : أنا معي دكتوراه ، هكذا ببساطة ، هذه الشهادة كلمة تقولها ؟ أم أنها سبع سنوات بعد الليسانس تدرسها ،  وتؤلِّف أطروحة ، وهناك من يقرأ هذه الأطروحة ويراجعها ، ويأمرك أن تعيد كتابة فصولها مرَّاتٍ عديدة ، ويحاسبك على كل كلمةٍ ،  وعلى كل مرجعٍ ، وتؤلَّف لجنة كبيرة من أستاذ مشرف ،  ومن ثلاثة دكاترة لمناقشة هذه الأُطروحة ، وقد تنجح أو لا تنجح ، أن تقول : أنا أحمل دكتوراه هل العمليَّة سهلة ؟ أهذه الدكتوراه كلمة أم جهود جبَّارة ؟ هذه الشهادة للدنيا ، فهل يكفي على صعيد الإيمان أن تقول : أنا مؤمن ؟ متى آمنت ؟ على يد من آمنت ؟ ما المجالس التي حضرتها ؟ ما الكتب التي قرأتها ؟ من عَلَّمك القرآن ؟ على يد من قرأته ؟ على يد من تعلَّمت تفسيره ؟ هكذا مؤمن بلا مقدِّمات ، بلا أسباب ، بلا دراسات ، بلا جهود ، بلا إنفاق ؟ مستحيل ..
       
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
     أيها الإخوة ... لو أننا أمضينا هذا الدرس كلَّه في آيةٍ أو آيتين فلا حرج ، إذ العبرة من كتاب الله أن نكون في مستواه ، أن نطبِّقه ، فالقضية قضيَّة مصيريَّة ، وقضيَّة خطيرة ، القضيَّة ليست أن تقرأ سوراً طويلة ،  وأن تقرأ آياتٍ كثيرة ، القضيَّة أن تكون في مستوى كل آية ، يجب أن توقن أنك إذا فعلت شيئاً لا يرضاه الله عزَّ وجل لابدَّ من أن يكشفك للناس ، لابدَّ من أن تُفضح ، فأية دعوى لابدَّ من أن تُكْشَف ، أي ادعاءٍ لابدَّ من أن يُكْشَف ، إذاً الآية الكريمة ينبغي أن نحياها كل هذا الأسبوع ، وأن نشعر أين نحن منها ، لأن الصحابة الكرام كانوا يقرؤون عشر آيات ولا يقرؤون غيرها حتَّى يتمُّوا تطبيقها ، هكذا كان الصحابة.
       فهذا كتاب العُمر ، وهذا كتابٌ مقرَّر،وهذا منهج كل مسلم ، إذاً الله عزَّ وجل يقول : أنا لن أتركك تدَّعي كما تشاء ، لابدَّ من أن أمتحنك ، فالامتحان لا أٌقول : صعب ،  ولكن لابدَّ منه ، إذاً يجب أن نُهَيِّئ أنفسنا ،  وأن نجعل باطننا موافقاً لظاهرنا ، وسرائرنا موافقةً لعلانيَّتنا ، وأن نجعل ما نقول كما نفعل ، وما نفعل كما نقول ، حتَّى ننجو من امتحان الله الصعب ، ومن الفتنة التي لابدَّ منها لكل إنسان .
       كلمة أحسب الناس ، لم يقل : أحسبَ المؤمنون ..
      
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
ويجب أن تعلم أيها الأخ أن هذه سُنَّة الله في خَلْقِهِ ، والدليل :
      
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
 
غزوة الخندق بين التمحيص وكشف الحقائق :
 
       مثلاً : أصحاب رسول الله ..  كمثل أخير يؤكِّد هذه الآية .. أصحاب رسول الله كلهم يعرفون أنه رسول ، وكلهم يُحِبُّه ، الكلام واحد ، الانتماء واحد ، الالتصاق واحد ، المعاونة واحدة ، كلُّهم مع النبي ، جاءت معركة الخندق ، جاء عشرة آلاف مقاتل ليستأصلوا المسلمين ، ليبيدوهم عن آخرهم ، واليهود نقضوا العهد ، كُشِفَ ظهر المسلمين ، وأصبح الإسلامُ فيما يبد للناس قضية ساعاتٍ معدودات ، فهؤلاء المؤمنون أهُمْ في درجة واحدة ؟ لا ، بعضهم قال ، وهم المنافقون : " لقد وعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمنُ أن يقضي حاجته " ، لم يقل لقد وعدنا رسول الله ، أما أصحاب النبي الصادقون فقال الله عنهم :
 
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23) ﴾ .
( سورة الأحزاب )
       الله ماذا قال؟ قال :
 
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا(11) ﴾ .
( سورة الأحزاب )
      هناك زلزال يكشف المؤمن ، والمنافق ، والكافر ، والفاسق ، والفاجر ، وكثير الإيمان وضعيف الإيمان ، والمحب والمبغض ، ﴿  هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، حدث واحد يقع في بلد يكشف حقيقة الناس كلِّهم ، هذا يخاف ، هذا لا يخاف ، هذا يترك الطاعة ، هذا لا يتركها ، هذا يتمسَّك بها أكثر ، هذا يتبرَّأُ منها ، حدث واحد يكشف الناس .
 
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى
 
لذلك ذات مرَّة في بعض الجامعات الإسلاميَّة دُعِيَ كبار المفكِّرين،والعلماء ، والكتَّاب إلى مناظرة في مساواة المرأة بالرجل ، وكل هذه المحاضرات مُفادها أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً ، ورأي الإسلام أن المرأة مساويةٌ للرجل من حيث التكليف والتشريف ، مكلَّفةٌ كالرجل بالإسلام والإيمان وطاعة الله عزَّ وجل ، ومشرَّفةٌ كالرجل بالضبط ، والدليل :
 
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
 
  ( سورة الأحزاب : من آية " 35 " )
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .
 
  ( سورة النحل : من آية " 97 " )                                                                                 
 
 
 
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ .
 
 
 ( سورة آل عمران : من آية " 195 " )
       آيات كثيرة جداً ، فالمرأة مساويةٌ للرجل من حيث التكليف ، ومساويةٌ له من حيث التشريف ، لكن المرأة ليست كالرجل ، لقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾ .
 ( سورة آل عمران : من آية " 36 " )
 
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى¯وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى¯وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴾ .
 
 
 
  ( سورة الليل )
       كيف أن الليل ليل والنهار نهار ، وأن بينهما بَوْنًا شاسعًا ، كذلك المرأة امرأةٌ ببنيتها ، وطبعها ، وأنوثتها ، ونفسيَّتها ، وعقليَّتها ، وعلاقاتها الاجتماعيَّة ، وكذلك الرجل ، له بنيَّةٌ مختلفة ، كل بنية تشابه وظيفتها التي خُلِقَت من أجلها ، ففي هذه الندوة التي أُقيمت في الجامعة ، وحضرها كبار المفكِّرين ، والباحثين ، والعلماء ، والأساتذة ، وتُلْقَى فيها المحاضرات عن أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً ، جاء إنسان ببضعة فئران ، وألقاها في القاعدة في أثناء هذه المحاضرة ، فإذا بالنساء يَصْرَخْنَ ، ويخرجن من القاعة مذعورات ، فالبنية مختلفة ، هذه الواقعة أبلغ من كل هذه المحاضرات ، أجلْ البنية مختلفة ، فالله عزَّ وجل :
      
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ¯وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
     على هامش هذه المحاضرة إليك قصَّة هذه المرأة التي شَكَت إلى النبي قالت : " يا رسول الله إن فلاناً ـ أي زوجها ـ تزوجني وأنا شابَّة ذات أهلٍ ومالٍ وجمال ؛ فلمَّا ذهب جمالي ، ونثرت بطني ، وكبرت سني ، وتفرَّق أهلي،قال : أنتِ عليّ كظهرِ أمي ، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا ـ فأنا المربية ـ وإن ضممتهم إليَّ جاعوا ـ فهو الذي يكسب الرزق ـ.
       المرأة امرأةٌ والرجل رجلٌ ، له وظيفةٌ خطيرةٌ ولها وظيفةٌ أخطر ، له كرامته ولها كرامتها ، له مهمَّته ولها مهمتها ، مكلَّفٌ ومكلَّفةٌ ، مشرَّفٌ ومشرَّفةٌ ، ولكن المرأة بطبيعتها وبنيتها وعقليَّتها ونفسيتها ، وما حباها الله من رقَّة عاطفةٍ ومن سرعة استجابةٍ ، ومن حدسٍ سريع تناسب وظيفتها الخطيرة في تربية الأولاد ، فإذا تداخلت الأوراق ضاع المجتمع .
        إذاً هذه الآية التي تلوناها على مسامعكم ، واستمعتم إلى تفسيرها ، أرجو الله عزَّ وجل أن ينفعنا بها .
والحمد لله رب العالمين
 
  

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب